بين يدي هذه المذكرات - الجزء 2: إبعاد المشير عامر عن دمشق وموقف حلب واللاذقية الموالي للوحدة
١ - حل الأحزاب السياسية.
2 - وعدم تدخّل الجيش في السياسية.
وقبلوا بالشرطين «نيابة عن البلاد» ودون موافقة الحكومة الدستورية، التي كانت تمثل البلاد وترسم سياستها.. وكان مجلس النوّاب، اتخذ قراراً إجماعياً بإقامة اتحاد فدرالي بين مصر وسورية، غير أن الضباط هم الذين سعوا إلى الوحدة الاندماجية وفرضوها على رئيس الجمهورية والحكومة.
ولم تجد الحكومة - حكومة الأستاذ صبري العسلي والتجمع القومي - بداً من الهرولة في مقدمة الركب، على كره منها، حتى لا يفوتها القطار، كما ظهر من تصريحات أعضائها فيما بعد..
ووافق مجلس النواب على هذه الوحدة الاندماجية.
وكان من الطبيعي جداً أن يعمد الرئيس عبد الناصر إلى اجتثاث جذور الحزبية من الجيش، كما عمل على إلغاء الأحزاب السياسية، سواء بسواء، فأخذ بعض الضباط وزراء، وأرسل بعضهم سفراء، ونقل بعضهم إلى قطعات الإقليم الجنوبي، وأحضر عدداً من الضباط المصريين إلى سورية.. وكانت الدولة تدفع للمنقولين من الإقليمين مرتّبات إضافية مجزية.. لذلك كانوا يسعون إلى الحصول على هذه الميزات..
ولم يرتح بعض الضباط المسيسين المنقولين إلى مصر، إلى أعمالهم هناك لأنهم كانوا معتادين على نوع من الجندية غير التي وجدوها هناك. فقد كانوا في سورية، قبل الوحدة، يفرضون الحكومات ويقيلونها، بواسطة التكتلات السياسية التي كانوا يقيمون منها واجهة لهم، أو بصورة مباشرة، وذلك بالتلويح بشبح انقلاب، أجادوا التلويح به.
ولم تكن حكومة تتشكل، إلا وكانت تتساءل عن مدى تقبل هؤلاء الضباط السياسيين لوجودها. وحين شكل معروف الدواليبي وزارته على غير ما يرضي العقيد أديب الشيشكلي عام 1951، انقض هذا الضابط على الحكم المدني، قبل أن تمضي مدة أربع وعشرين ساعة على تشكيل وزارة الدواليبي واستولى على الحكم واعتقل عدداً كبيراً من السياسيين، وكنت واحداً في القافلة. وكان صديقي المرحوم الفريق عفيف البزري. يلحّ عليّ من أجل «تنقية حزب الشعب من عناصره الرجعية» ليقوم بين ما يتبقى من هذا الحزب وبين «الائتلاف العسكري الحاكم» تعاون وثيق.. وكان الذي يريده في أعماق نفسه، هو تهديم حزب الشعب، الذي كان يعتبره «حزباً رجعياً» ولم يكن هذا الوضع القلق ناشئاً عن خطأ الضباط المسيسين وحدهم، وإنما كان أيضاً خطأ تشكيلات سياسية، جعلت من نفسها مطايا وأبواقاً لرغبات الضباط..
ولا ينكر أحد أن اتجاه هؤلاء الضباط كان يسارياً واضحاً.. ومع ذلك فقد سار في ركابهم بعض الساسة، الذين كانوا يخبون في موكبهم وينفذون ما يوحون لهم به!..
وحسبي أن أذكر أسماء صبري العسلي وخالد العظم ومأمون الكزبري وعبد الباقي نظام الدين وفاخر الكيالي وأسعد هارون، وكلهم من اليمينيين الذين لا يعقل أن تصح لهم اشتراكية إلا إذا كانت مزعومة مكذوبة.. وكانوا يتعاونون في نطاق التجمع القومي، مع أكرم الحوراني وصلاح البيطار وخالد بكداش وعفيف البزرة وأمين النفوري!
وبعد قيام الوحدة، فقد المسيسون من الضباط هذه الميزات «السياسية».. وألزمهم عبد الناصر بالمذهب العسكري الصارم، وهو النظام والانضباط والبعد عن السياسة، وإعداد الجيش لما أنشئ من أجله.
وقد وجد الذين نقلوا إلى مصر، جيشاً مصرياً (هو الجيش الثاني) أبعد ما يكون عن السياسية، وأشد ما يكون تمسّكاً بالطاعة الصارمة والتدريب القاسي. فصعب عليهم التأقلم فيه، وراحوا يتأففون ويحرضون على الوحدة من أساسها..
وكان عليهم أن يعرفوا أنّهم، حين تزعموا - مشكورين - موكب الوحدة الاندماجية، بدلاً من الاتحاد الذي أقرّه مجلس النوّاب، قبلوا أن تكون دمشق، كالقاهرة، وحلب كالإسكندرية، وحمص مثل طنطا وحماه مثل أسوان.. والمنيا مثل اللاذقية.. أي أن الضابط الذي ينقل إلى فرقة تعسكر في الإقليم الآخر، كالذي تقتضي المصلحة نقله من حمص إلى حماة، سواء بسواء.
وإذن فكل الذين نقموا عليه من إبعاد الجيش عن السياسة، بإبعاد عناصره المسيسة عن القوات المسلحة، هم الذين قبلوا به سلفاً.. فلما وصلت «الموس الحادة إلى ذقونهم» ووجدوا أنفسهم، مجرد ضباط، كما يقول الدستور، أخذتهم العزة بالإثم، وراحوا يشنعون على الوحدة، حتى انقضوا عليها في ظلمة ليل بهيم!.
وكان هذا التردي في الجيش يقلق كبار قادته، وقد عبَّر عن هذا الواقع الأليم الفريق زهر الدين قائد الجيش في فترة الانفصال، وكان يرى أن كثيرين من ضباط الجيش كانوا يدركون أخطار زج جيش البلاد في السياسة، فقد كتب يقول: «أقول بصراحة أن الذي دمر الجيش السوري ودمر استقرار وازدهار البلد هو تدخل الجيش في أمور الحكومة، ثم تدخل صغار الضباط في أمور القيادة..»[1].
ومما قاله عن بشاعة الوضع في الجيش، أن ضابطين من قادة بعض القطعات سماهما قالا له: «يا سيدي نخون عرضنا إذا أقدمنا على خيانتك» (ص357)، ثم إن هذين الضابطين كانا في مقدّمة عصيان 13/1/1963 الذي تحرّك ضده!.. (ص360).
ولم يتورع هذا القائد عن الكتابة بأنّه «كانت هناك في داخل الجيش وخارجه عصابات مسلحة» (ص365)..
وهذا القول يؤيّد مخاوف المخلصين من تسلل سموم السياسة إلى أوساط القوات المسلحة.. وهو قول أكبر ضابط في تلك المرحلة.. وصدق الله العظيم القائل: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها}..
وهو يكفيني للرد على ما يقوله الانفصاليون، من أن عهد الوحدة عمل على «تصفية الجيش».. لأنه لم يصفِّ أحداً، ولكنّه عمل على جعله جيشاً يعرف واجباته ويتقيد بقواعد الانضباط العسكري ولا يتجاوز الحدود التي رسمها له الدستور، ويتضمّن قانون العقوبات العسكرية نصّاً يحرّم السياسة على العسكريين، وهو نص، لسخرية الأقدار، لا يزال مكتوباً في صلب هذا القانون إلى يومنا هذا!..
وجاء في البلاغ رقم 3 الذي أُذِيع في اليوم الأول للانفصال بان «القيادة العربية الثورية واثقة كل الثقّة من أن الشعب الراعي سيحافظ محافظة تامة على إخوانه المصريين، وأنه يعاملهم بأحسن ما يعامل به الأخ أخاه..».
وليس في هذا القول، ما هو مستغرب.. فليس من عادة السوريين أن يؤذوا ضيفهم وأخاهم، لذلك سمعنا عن قصص مشرفة عن استضافة المصريين والعناية بهم، في بيوت أصدقائهم السوريين..
غير أن الفريق كمال حسن علي، الذي كان مقدماً في الجيش ومنتدباً إلى العمل في سورية، كتب في مذكراته بعد أن تخلى عن منصب رئيس وزراء مصر ما يلي:
«حمدت الله على وصولي إلى مصر بعد 48 ساعة من الانفصال، ونجاتي ونجاة أولادي من محنة الحجز والاعتقال. ولو أنّي كنت أشعر بالأسى لعدد كبير من الضباط الزملاء الذين استبقوهم في سورية كرهائن وظلوا بها لمدة تصل إلى حوالي الشهر، لم يعاملوا فيها معاملة كريمة من عناصر الانفصاليين»[2].
وقرر البلاغ الرابع إغلاق المطارات والمواني.
ومنع البلاغ السابع «المظاهرات والتجمعات».
وهدد البلاغ الثامن «المنبوذين والمرتزقة» منعاً لاستغلال الحركة الثورية». ثم أذيع البلاغ التاسع الشهير فماذا فيه؟.
جاء فيه ما يلي:
«إن القيادة العربية الثورية للقوات المسلحة.. عرضت قضايا الجيش وأهدافه على سيادة المشير، نائب الرئيس والقائد العام للقوات المسلحة الذي تفهّم أمور الجيش على حقيقتها واتّخذ الإجراءات المناسبة لحلّها لصالح وحدة وقوة القوات المسلحة والجمهورية العربية المتحدة. وقد عادت الأمور العسكرية إلى مجراها الطبيعي، اعتماداً على ثقتها بحكمة القائد العام للجيش والقوات المسلحة (عبد الحكيم عامر) وقائد الجيش الأول (جمال الفيصل)، السوري الجنسية، اللذين يحققان أهداف القوات المسلحة والجمهورية العربية المتحدة».
ومن النظر في هذا البلاغ، يتّضح أن المتمردين ليس لهم إلا مطالب عسكرية كانوا يشاركون فيها، فلّما عرضوها على المشير ووعد بدراستها أو تبنّيها، أثبتوا أنهم غير صادقين في ادعاءاتهم الأخرى..
وقد عرض علينا الرئيس عبد الناصر مضمون المفاوضات التي أجراها المتمردون مع المشير، في مقر قيادته بدمشق، كما أخبره بها المشير وطلب منه اعتمادها، أو النظر فيها، وهي سحب الضباط المصريين من سورية، وإصدار تصريح بعدم تسريح القائمين بالحركة والالتزام بعدم محاكمتهم كعصاة، غير أن الرئيس رفض رفضاً قاطعاً، هذه المطالب، وقال إنه يرفض مبدأ المفاوضة مع متمردين من حيث المبدأ، كما أنه يرفض أنصاف الحلول أصلاً. وتابع حديثه معنا قائلاً: «إنه لا يمكن قبول التزحزح قيد أنملة عن قواعد الانضباط العسكري، وإلا فإنه سيضطر أن يفاوض كل يوم متمرداً جديداً..
وهذا وضع يخرج الجيش عن قاعدة الطاعة العسكرية، ويزج به في متاهات السياسة الخطيرة والمظلمة..
وقد وُجِد بين الوزراء السوريين من أشار بقبول هذا الاتفاق على استحياء.. ولكن الرئيس كان قاطعاً برفضه.. وحين قلنا له: وماذا سيكون مصير المشير، إذا قررت الرفض يا سيادة الرئيس فأجاب جازماً: «عليه أن يواجه مصيره..».
وأحسسنا وكأنّه يحمّل المشير مسؤولية الحالة المتردية. وحين أبلغ المشير الضباط المتمردين برفض مطالبهم، احتلوا القيادة وأسروه هو والوزراء السوريين الذين كانوا معه، وأذاعوا بيانهم رقم 10 بعد الظهر الذي أنهى كل اتصال مع القاهرة. وقال عبد الناصر: «لقد دخل الجدعان مقر القيادة».. قالها وهو في حالة من الألم لا توصف.. وقد جاء في هذا البلاغ: «لقد نكث المشير بوعده.. لذلك فإننا نعلن اعتبار بلاغنا رقم 9 لاغياً».
وقرر المتمردون منع التجوّل ليلاً تحسباً من توسع المظاهرات ضدهم، ببلاغهم رقم 11.
ولكن القلق ظلّ يساورنا، ونحن مع الرئيس، على مصير المشير وزملائنا الوزراء العسكريين.. حتى علمنا أنهم وصلوا إلى القاهرة في طائرة عسكرية.. وأذاع المتمردون بيانهم رقم 12، الذي قالوا فيه:
«غادر البلاد في الساعة الخامسة والثلث المشير عبد الحكيم عامر عائداً إلى القاهرة».
وحقيقة الأمر، أن المشير والوزراء والفريق جمال فيصل اقتيدوا بالقوة إلى المطار، وأرغموا على ركوب الطائرة والخروج من سورية.
وظلت قوات حلب، بقيادة حكمت الداية، وقوات اللاذقية بقيادة كاظم زيتونة، موالية للجمهورية العربية المتحدة.. أما حمص فكان موقفها غامضاً.. وكنا نستمع إلى الأناشيد العسكرية وبرقيات التأبيد، من إذاعة حلب.. وشعرنا بكثير من الاعتزاز من موقف المدينتين النبيل من الوحدة.. وأحلى ما سمعنا، هدير المظاهرات في المدينتين الباسلتين، يرتفع على أمواج الأثير، ليقول لمن يريد أن يسمع، أن سورية وحدوية، برغم أنف الانفصاليين.. وقد ارتاح الرئيس حينما تلقى برقية تأييد العقيد كاظم زيتونة والتي قال فيها: إنه يضع نفسه وقوّاته في إمرة الرئيس.. وقد وجد الرئيس خيطاً من نور في ظلمة حالكة في موقف حلب واللاذقية، وحسب أن وجوداً حكومياً فيهما، لمقاومة المتمردين، يمكن أن يقضي على التمرد..
واتّخذ قراره، وشكّل وفداً للسفر فوراً بالطائرة إلى سورية، وكان على رأسه، نائب الرئيس كمال الدين حسين ويتألف مني ومن فاخر الكيالي وثابت العريس، وكلنا من أبناء حلب، لقيادة المقاومة..
وكانت الساعة الثامنة مساء..
واستأذنا الرئيس للذهاب إلى بيوتنا وإحضار حقيبة ملابس، وعدنا بعد أقل من ساعة.. لنودع الرئيس، غير أن راديو إسرائيل أذاع في تلك اللحظة نبأ استيلاء الضابط جورج محصل على الإذاعة بحلب واعتقال قائد الموقع في المدينة حكمت الداية، وبعد دقائق أذاعت محطة حلب. تأييد النبأ.
لذلك اتّخذ الرئيس قراره، بعدم سفرنا، لأنه لم يعد ممكناً عملياً.. غير أن الرئيس أعلمنا أن قوة من المظليين أرسلت إلى اللاذقية بناء على طلب قائدها زيتونة، ولكنه عاد فأخبرنا بأن الاتصال باللاذقية انقطع، لذلك أمر قائدها جلال هريدي، أن يستسلم دون مقاومة، وعلل هذا الأمر«بأنه لا يريد أن يؤخذ نزول المظليين، وكأنه غزو مصري لسورية».
وأعترفُ أنني أيّدت قرار الرئيس هذا، لأنني شعرت أن القطيعة وقعت، وأن جميع قطعات الجيش.. على عادتها في كل انقلاب.. أخذت تتبارى بالتأييد.. وأن الإذاعة السورية ظلّت تبث باستمرار أصوات المتظاهرين المؤيدين للوضع الجديد.. فلماذا يقع قتال ميئوس منه بين المصريين والسوريين، في أرض سورية؟.. ومع ذلك فقد عارض بعض الوزراء هذا القرار. الذي اتُّخِذ على كل حال، ولم تبقَ أية جدوى من مناقشته..
وكان رأيهم أنّ سورية جزء من الجمهورية، وأن واجب الحكومة هو تأديب العصاة.. وكان من أشد الداعين إلى إرسال قوات عسكرية من مصر لتأديب العصاة، الأستاذ ثابت العريس والدكتور أمجد الطرابلسي. وقد قال الأول للرئيس ماذا تفعل سيادتك لو أن أسوان أعلنت عصيانها وطالبت بالانفصال عن الدولة؟ دمشق، مثل أسوان. وحلب، مثل المنيا..
وحين خرجنا من الجلسة ركب ثابت العريس في سيارتي، فأحببت أن أشرح له وجه معارضتي في مقابلة حماسته.. وأدرك أنه تسرّع في القول، فطلب مني ألا أكشف سر هذه المناقشة..
ولم أكشفها.. إلا لذاكرة التاريخ الآن..
لأنه لم يتأخّر، فور عودتنا، من قبول منصب سفير في «دولة» الانفصال.
وبعد عودتنا، أخبرني صديقي المرحوم رشاد برمدا، وكان مديراً لإدارة قضايا الحكومة، أنه وقف في إحدى ساحات دمشق يرقب المتظاهرين المؤيدين للانفصال، وآلمه كثيراً، منظر رجل يحمل صورة الرئيس عبد الناصر على عصا، وعليه فردة حذائه، فلما صدر البلاغ رقم 9، أنزل فردة الحذاء.. وراح يهتف للرئيس.. وحين تأكّد له وللمتظاهرين أن المفاوضات لم تنجح، وأُذيِع البلاغ رقم 10 من الإذاعة ومكبرات الصوت، عاد فربط فردة الحذاء بالصورة..
وهذا نموذج من النفاق الشعبي، كثيراً ما عايشته من قبل.. وحين ودعنا الرئيس، وكل واحد منّا قانع بأنّ الوضع انتهى، طلب إلينا أن نداوم على مكاتبنا كالعادة، وننظر في المعاملات الرسمية ونتخذ القرارات وكأن شيئاً لم يحدث..
---
الحواشي:
[1] في كتابه «مذكّراتي عن فترة الانفصال في سورية» ص357.
[2] الحلقة السابعة من مذكّراته، المنشورة في صحيفة الشرق الأوسط، عدد 10/4/1993.