بين يدي هذه المذكرات - الجزء 11: تأسيس الجبهة العربية المتحدة ومؤتمر الرطبة السري بين القدسي وقاسم
الخميس 22 شباط
اليوم عيد قيام الوحدة بين مصر وسورية، منذ أربع سنوات.. وقد ألقى الرئيس جمال عبد الناصر، في هذه المناسبة، خطاباً، أشاد فيه بوحدة العرب الأولى، وتناول بالهجوم اللاذع ضباط الحركة الانفصالية، كما تناول رئيس الوزارة، بالاسم، وعدداً من رجال الحكومة ورئيس المجلس مأمون الكزبري، واتهمهم بالرشوة وقبض الأموال من دول حلف بغداد.. (قبل الوحدة، وعند قيام الحركة الانفصالية)..
وعلى أثر هذا الخطاب، تحركت قيادة الجيش، ضد النظام بكامله، وأذاعت بياناً قالت فيه، «وقد انعدمت الثقة بيننا وبين الحكومة التي دخلنا معها في معركة بقاء أو زوال.. وبتنا نشك في كل تصرف من تصرفات الحكومة التي كانت تبادلنا الشك بشك مثله.. ولاحظنا بأن هناك إصراراً وتصميماً على مخالفة كافة القرارات التي كنا نتخذها في مجلس الأمن القومي، والتي بقيت حبراً على ورق[1].
وبدأت عملية شد وجذب بين العسكريين والمدنيين، فقررت قيادة الجيش أن تجتمع إلى رئيس الجمهورية، وتم الاجتماع بالفعل، وتقدّمت إليه بخمسة مطالب هي:
1 - إقالة حكومة الدكتور الدواليبي، والاستعاضة عنها بحكومة غير سياسية.
2 - رفع الحصانة عن النواب الذين اتهمتهم القاهرة بالفساد والرشوة، ولم يستطيعوا تبرير أنفسهم.
3 - تقصير مدة الجمعية التأسيسية إلى ستة أشهر بدلاً من ثمانية عشر شهراً.
4 - حل المجلس النيابي فور انتهاء الشهور الستة..
5 - إجراء انتخابات جديدة، وفق قانون انتخاب جديد، يتيح للشعب انتقاء العناصر المؤهلة للبرلمان.
ويبدو أن الرئيس القدسي كان يرفض أي طلب من هذه المطالب.. وكان يجتمع سرّاً إلى بعض الضباط اليمينيين، فيشجعونه على مقاومة تصرفات «القيادة» ورفض أي اتجاه اشتراكي.
ولم يكن الرئيس في حاجة إلى من يشجعه على هذا الاتجاه، وكان يحفظ قول عمر بن أبي ربيعة:
وقرَّبن أسباب الهوى المتيمِ
يقيس ذراعاً كلما قسن أصبعا
غير أنه أخطأ في تقدير قوة الضباط الذين كانوا ينصحونه بالوقوف في وجه طلبات القيادة..
وهو الحصيف الذي كان يرفض دوماً وأبداً، الاصطدام بالجيش «لأنه سياج الأمة».
ولو وافق، يوم كان رئيساً للوزراء عام 1951، على طلب قادة الجيش على أن يصدر مرسوما بإقالة الشيشكلي، لكان تاريخ هذا البلد اتخذ وجهة أخرى، غير التي زجت فيها الدولة ومؤسساتها. ومعها الشعب بأسره!..
ويذكر أولئك القادة، أن القدسي «ملّح» رفضه إقصاء الشيشكلي بالعبر والنصائح، التي تحث على «عدم المساس بوحدة الجيش».
ويومها استفحل أمر الشيشكلي، وزاد في طغيانه..
فانقض، على السلطة العسكرية أولاً، ثم ابتلع السلطة المدنية، وكان الدكتور القدسي من أوائل ضحاياه إذ زج به وبإخوانه في سجن المزة، شهوراً طوالاً، حتى استطاع زعيم الانقلاب أن يمضغ اللقمة الكبيرة..
وليس من شك في أن ناظم القدسي، كان في موقف دستوري صحيح.. وبرغم النصح الذي قدم له بأن من حقه أن يخالف الدستور إذا تعرض أمن الوطن إلى الخطر، فإنه ظل مصرّاً على موقفه.
وأخذت بوادر الأزمة بين المدنيين والعسكريين تستفحل.. وأخطأ الرئيس في ظنّه بأن من حقه أن يتمسك هو بالقواعد الدستورية لأنه جاء إلى الحكم بانقلاب عسكري، قادته قلة مغامرة، كانت تخاف جداً أن تضعف قبضتها على عنق الحكم، فيفلت من يدها الزمام، وتجري محاسبتها على ما اقترفت في حق الوطن.
وجاء مؤتمر الرطبة الذي عقد بين رئيس الجمهورية السورية وعبد الكريم قاسم ضغثاً على إبالة.. ومسماراً كبيراً في نعش العهد!.
ومن قديم اتهم قادة حزب الشعب بالميل إلى التحالف مع العراق، الذي كان عضواً في حلف عسكري دولي، يضم العراق وتركيا وإيران (الشاهنشاهية) وباكستان..
وقد اختير له اسم «حلف بغداد»، من أجل الضغط على سورية خاصة.. وعلى مصر عبد الناصر عامة..
ورفضت الدولتان الانضمام إليه، وحاربتاه قبل الوحدة وأثناءها.. وكنّا في حزب الشعب نحاربه أيضاً، باعتباره حلفاً استعمارياً غايته تطويق الاتحاد السوفييتي، ولقناعتنا بأن عدونا القاتل هو إسرائيل والصهيونية وليس الشيوعية السوفيتية.
وبعد أن أطيح بالنظام الملكي العراقي، ثم بعبد السلام عارف وحزب البعث، انفرد عبد الكريم قاسم بالسلطة.. يؤيده الشيوعيون العراقيون، الذين نكّلوا بالقوميين، تنكيلاً فظيعاً.. ورفع عبد الكريم قاسم شعار محاربة عبد الناصر..
وحين قرأنا نبأ عقد مؤتمر بين الرئيس القدسي وعبد الكريم قاسم في مدينة الرطبة العراقية، عقدت الدهشة ألسنتنا..
ذلك أننا كنا نسمع عن اتصالات سرية مع القاهرة لإعادة الوحدة في شكل جديد.
فلماذا مؤتمر الرطبة هذا؟
يقول الفريق زهر الدين (ص176)، إن القيادة العسكرية أبدت تحفظات على انعقاد هذا المؤتمر، غير أن الرئيس القدسي أصر على الذهاب إلى العراق، «تلبية لدعوة الرئيس عبد الكريم قاسم»..
وطلبت القيادة من الرئيس أن يذهب ويعود في نفس اليوم، وأرسلت معه ضابطين كبيرين من ضباط الانفصال، هما العميد صبري السيد والعميد مسلم الصباغ، وطلبت منه أن يحضر الضابطان المذكوران المحادثات التي ستجري مع عبد الكريم قاسم.
وأصر الدكتور معروف الدواليبي على مرافقة رئيس الجمهورية بوصفه وزيراً للخارجية. غير أن الرئيسين عقدا خلوة سرية طويلة مع عبد الكريم قاسم، دون أن يسمحا لأحد بحضورها..
ولذلك بقيت الأحاديث التي جرت في الخلوة، طي الكتمان ولم يعرف عنها شيء..
وأخبر الرئيس قائد الجيش، بأن الحديث جرى حول موضوع الكويت الذي كان عبد الكريم قاسم يهدده، ويقول إنه جزء لا يتجزأ من العراق..
ولكن المؤكد أن البحث جرى من أجل إقامة تعاون سري ضد عبد الناصر..فالرئيسان السوريان، أصبحا ينظران إلى مصر كدولة خطرة على كيانهما ووجودهما.
الأحد 25 شباط
أخذت التيارات الوحدوية تتبلور على الساحة السياسية.
فقد اتفقنا نحن، خمسة من السياسيين الوحدويين، على تشكيل جبهة سياسية، لمقاومة الانفصال، وكنا في الوقت نفسه نمثل أكثر المحافظات السورية:
نهاد القاسم، رئيس مكتب تفتيش الدولة السابق ووزير العدل في دولة الوحدة (دمشق).
راتب الحسامي، نائب رئيس مجلس الشعب في القاهرة (حمص).
علي بوظو، وزير الداخلية قبل الوحدة، وعضو مجلس الشعب (دمشق).
عبد الصمد الفتيح، وزير الزراعة قبل الوحدة، وعضو مجس الشعب (دير الزور).
عبد الوهاب حومد، الأستاذ الجامعي، ووزير الوحدة، طيلة مدتها.. (حلب).
واخترنا لهذه الجبهة اسم: الجبهة العربية المتحدة.. تيمناً باسم «الجمهورية العربية المتحدة».
وخشية أن يحدث ما يمنع القيادة العلنية من ممارسة نشاطها السياسي، فقد اتفقنا على تشكيل جبهة من خمسة أعضاء تظل سرية، إلى حين الحاجة إلى الكشف عنها، وتتألف القيادة السرية من:
الدكتور كمال حمزة الطبيب وعضو مجلس الشعب أثناء الوحدة.
واللواء محمد الجراح، قائد قوى الأمن الداخلي أثناء الوحدة.
والدكتور شكري فيصل، عضو مجلس الشعب والأستاذ الجامعي.
والمحامي عدنان المجركش.
والأستاذ حسن عبيد، وله اتجاهات إسلامية بارزة.
وكانت هذه القيادة السرية، تجتمع سراً مع:
الدكتور سامي الجندي، وهو بعثي سابق انشق عن حزب البعث، وشكّل حركة الوحدويين الاشتراكيين، غير أنه اصطدم مرة، مع عبد الصمد الفتيح، فانقطع عن الاجتماعات.
وهاني الهندي، ممثل القوميين العرب. وكان ينوب عنه الصحافي غسان البرازي[2]
وفضلنا أن نظل قيادة جماعية، برغم إصرار الأستاذ نهاد القاسم على أن ننتخب للجبهة رئيساً أو أميناً عامّاً ينطق باسمها..
وسبب رفضنا اقتراح الأستاذ القاسم هو شعورنا بأنه كان يطمح إلى أن يكون هو الأمين العام.. ولكننا نحن الأربعة الآخرين، لم نكن نرغب في منحه هذا «المنصب».. وخشينا إن أعطيناه إلى واحد منا، أن يستقيل من الجبهة.. ونحن لا زلنا في بدايات تشكيلها..
وفور الإعلان عن هذه الجبهة، جاءتنا الأصداء من كل حدب وصوب، بالتأييد.. أو الانضمام إلى مبادئها، التي أعلناها..
ولا أعدو الحقيقة، إن قلت إنها أصبحت قوة سياسية ضخمة على الساحة العامة.. وكان على يسار الجبهة، حزب البعث الذي يقوده صلاح البيطار.. وقد سألته مرة، إن كان مستعداً أن نشكل جبهة معارضة موحدة، فاعتذر، وقال «إنه يرمم حزباً لم يعد له وجود».
وكانت نقطة الضعف في الأستاذ صلاح، أنه ارتكب أكبر حماقة في تاريخه السياسي، حين وقع على صك الانفصال!. ويقال إنه ندم على ذلك ندماً شديداً.
وكنا نلاحظ أن أكرم الحوراني وإخوانه اشتراكيي حماة وحلب[3]، اندفعوا اندفاعاً أعمى في محاربة عبد الناصر، واتخذوه عدواً ونعتوه بالعميل، في حين أن جناح عفلق، كان يتحدث عن الوحدة، دون أن يحدد هويتها، ولكنه يريدها «وحدة مدروسة».. وهكذا يكون حزب البعث قد تشرذم حقاً.. وضعف جداً، جراء تسريح ضباطه من الجيش. وهو حزب يعتمد في وجوده على دعم العسكر.
كما كان في جبهة المعارضة، القوميون العرب، الذين كان يقودهم هاني الهندي وصديقه جهاد ضاحي، والوحدويون الاشتراكيون، وهم مجموعة خيرة، كانوا أعضاء في حزب البعث، فانفصلوا عنه، وأعلنوا ولاءهم للوحدة.. وكان أبرز قادة هذه الحركة، سامي صوفان وأديب النحوي..
واتفقنا نحن، قادة الجبهة العربية المتحدة، على العمل، في ظل القانون، على إعادة الوحدة مع مصر..
ونظراً لأننا عشنا الوحدة الاندماجية، ووجدناها أسبق من أوانها، ركزنا أبصارنا على الاتحاد.. الذي يبقي لكل إقليم مؤسساته، على أن يكون الجيش والجمارك والسياسة الخارجية ومجلس الشعب، موحدة، للإقليمين..
وقررنا أن نعمل في ظل القانون.. فلا نشترك في انقلابات أو أعمال سرية.. ولا نتصل بهيئات خارجية، ويشمل هذا البند صراحة، عدم تلقي أي توجيه أو مال، لا من عبد الناصر ولا من غيره.
ووضعنا مساهمة رمزية على كل عضو من أعضاء الجبهة.. في حدود 25 ليرة سورية شهرياً.. لتأمين نفقات المناشير والمطبوعات.. ولم يكن لنا مقر، فكنا نجتمع في بيت أحدنا..
وأكثر ما شددنا عليه هو الامتناع المطلق عن الاتصال بالضباط، أو قبولهم في الجبهة.. وعلمنا فيما بعد، أن نهاد القاسم كان يخرق هذه القاعدة، ويجتمع سراً إلى بعض الضباط.. وحين عاتبناه على هذا التصرف، أنكر بشدة أي اتصال له بأي ضابط.. وكان هذا القول ينقصه الدقة..
فقد حدثني ابن خالي العقيد الطيار عدنان نابلسي، الذي استشهد في معركة بطولية في أجواء إسرائيل «أنه كان يجتمع، سراً وتحت جنح الظلام، مع الأستاذ القاسم»، «وطمأنني بأن الأمور في طريقها إلى الترتيب». وقررنا أن نتخذ من هذا الموضوع موقفاً نهائياً.
كذلك ترامى إلى مسامعنا، عن طريق أهل الخير، أن زميلنا القاسم، يراسل الرئيس عبد الناصر، وهو تصرف لم نجده مناسباً أيضاً.. وأشاع خصومنا عنا بأننا كنا نتلقى مالاً من القاهرة.. وأؤكد وأجزم، بأن هذا لم يحصل أبداً..
في حين أن البعثيين قبضوا من عبد الناصر سبعين ألف جنيه، أذيع نبؤها أثناء مفاوضات الوحدة الثلاثية عام 1963.. وذكرها عبد الناصر لميشيل عفلق.. وأذيعت في كل الإذاعات العربية. وهي مسجلة في «محادثات الوحدة الثلاثية».
الجمعة 2 آذار
دعانا الأستاذ رشاد برمدا (وزير التربية في حكومة الدواليبي) إلى عشاء خارج المدينة، وكنا نحن: علي بوظو وراتب الحسامي وأنا..
والواقع أن صلتنا برشاد لم تنقطع تماماً.. فقد كنا نلتقي به في مقهى أو في بيت أحدنا.. وكانت الصحف تشير إلى ذلك.. وتندد به..
وقد أطلقت علينا اسم «الخماسي الناصري».. لأننا من أنصار الوحدة مع مصر برئاسة رئيسها عبد الناصر..
ولم يكن رشاد متحفظاً هذه الليلة، فتحدث عن متاعب داخل الجيش وقال بوضوح «إن الاتجاه الناصري فيه قوي جداً».
وأنه لا يستبعد وقوع «أحداث جسام» في أية لحظة.. طبعاً نحن كنا نسمع عن هذه الأحداث.. حتى في الشارع.. وقد حدثني الأستاذ أحمد قنبر يوم 8/10/1990، ونحن على غداء في بيتي، أنه كان وزير الداخلية في حكومة الدواليبي - هذه، وقد أخبره العقيد راشد القطيني، الذي كان مديراً للأمن الداخلي في وزارة الداخلية، أن اللواء زهر الدين دعا عدداً من الضباط، كان القطيني أحدهم، وألقى فيهم خطاباً ندد فيه بشدة برئيس الجمهورية الدكتور القدسي - دون أن يذكره مباشرة - وبرجال العهد، الذي نعته بأنه عهد تافه..
وقال الأستاذ قنبر: خرجت إلى رئيس الجمهورية وسألته إن كان جاءه نبأ هذا الخطاب، فقال نعم عرفت به. فسأله الأستاذ قنبر: وماذا حدثوك عنه؟ فاحتد الرئيس، وسأله: هل أنت جئت لاستجوابي؟ فقال له: كلا. ولكني مسؤول مثلك عن الأمن الداخلي.
فقال الرئيس: إنه أثنى على المسؤولين وامتدحهم، وأعطى بعض توجيهات لضباطه.. فقال قنبر: كلا، إنه شتمك وشتمنا وهاجم العهد.. لذلك أرى أن نتخذ ضده الإجراءات المناسبة.. ولكن القدسي، التفت عن محدثه بشيء من عدم الاكتراث واللامبالاة.. لذلك جمع الأستاذ أحمد أشياءه، وذهب إلى حلب، بموافقة من رشدي الكيخيا، واعتكف فيها، وأعاد السيارة الحكومية إلى الدائرة المختصة.. وبعد عشرة أيام وقع الانقلاب.
وأضاف الأستاذ قنبر أن رشدي الكيخيا لم يعد ينظر إلى ناظم القدسي نظرة احترام ويراه مجرد دمية يتلاعب بها الضباط.. وحين كانا يجتمعان كان الكيخيا يحتد على القدسي، كلما باحثه في أمر من أمور الدولة.. وكأني بالأستاذ قنبر، يريد أن يلقي باللائمة على الرئيس القدسي عن تضعضع الوضع العام وانهياره.. بسبب ضعفه وتخاذله.
لأحد 18
أرسل إلينا قائد الجيش، الفريق زهر الدين، يطلب أن نجتمع إليه ليلاً وسراً في بيته في القصاع.
وكان شعورنا أن قائد الجيش لا يملك أية سيطرة على الضباط.. فقد جاؤوا به، باعتباره ضابطاً قديماً، وليست له اتجاهات سياسية.. ثم إنه من الطائفة الدرزية، وليس للضباط الدروز طموحات سياسية معروفة.. وقررنا إيفاد راتب الحسامي إلى الاجتماع به..
وكان اجتمع إلى إخواننا من القوميين العرب، هاني الهندي وأصحابه.. وتحدث الفريق عن «الانفصاليين المتفسخين»، الذين أخرجوا من الجيش، وأنه تأكد له أن الجيش ناصري بنسبة كبيرة جداً.. وهذا ما تحدث به في مجلس القيادة، مدير المخابرات العقيد شرف زعبلاوي. ولذلك لا بد من مراعاة هذا الواقع.
وسأل عن مدى استعدادنا للمساهمة فيما إذا حدث حادث فجائي في البلد، فاستمهله راتب ليعود إلينا.
ووجدنا ألا نعاود الاتصال به، لأن من المبادئ التي ألزمنا أنفسنا بها، الابتعاد عن الانغماس في الانقلابات.
الثلاثاء 20
قرع جرس بيتنا ليلاً، في ساعة متأخرة، وحين فتحت الباب، وجدت رجلاً في ثياب مدنية لا أعرفه.. وسلّم بأدب، وقال إنه مندوب من القيادة ويريد أن يتحدث إليّ..
رحّبت به وأدخلته، والشك يخامرني في أقواله.. وقال: إن القيادة أوفدته إليّ، لأنها على وشك تغيير الوضع السياسي الفاشل..
وأن الضباط الذين قاموا بالانفصال، استُجِرُّوا إلى السير في طريقه المظلم، ولم يكونوا يريدون الوصول إلى هذه النتيجة.
وأنهم أخذوا يشعرون بالخزي والعار من فعلتهم الشنيعة.. ولذلك قرروا التكفير عن ذنبهم، بإعادة الوحدة إلى ما كانت عليه.. وسلمني قصيدة نظمها المقدم مهيب الهندي تتضمن سب الانفصال وما ألحقه بالقضية العربية من مآسٍ.
وقرأت القصيدة.. (مع الأسف أضعتها فيما بعد).. واستأنست بها.. لأن الهندي هذا شقيق صديقنا هاني، وكلاهما من أسرة كريمة معروفة بسلامة اتجاهاتها القومية..
وهو أحد «أبطال» الانقلاب الانفصالي.. وسألني عن استعدادي واستعداد إخواني للمشاركة في العهد الوحدوي الجديد..
وخفت أن يكون هذا الشخص مدسوساً عليّ.. فالتزمت الحذر، وقلت له: كمبدأ عام نحن لا نشترك في الانقلابات العسكرية، ولا نريد أن يكون لنا اتصال مع الضباط.
وإذا كانت القيادة تريد إعادة الوحدة، فإنها لا تعود معي أنا، ولكن مع مصر.. وأمامكم الرئيس عبد الناصر الذي ستقوم أية وحدة معه، وهو الذي يقبلها، أو يرفضها..
لذلك أرى أن تتصلوا به مباشرة.
واعترف الرجل بأنهم على اتصال سري به، ومن خلف ظهر الحكومة.. ولكنه متشدد في إجاباته، لذلك ارتأت القيادة أن تضع يدها في أيدينا لعله يطمئن إلى سلامة نواياها.. عن طريقنا.. هل بدأ العد التنازلي للعهد الانفصالي الآثم؟
---
الحواشي:
[1] زهر الدين، المذكرات، ص188.
[2] مقابلة مع الدكتور كمال حمزة في 11/11/1995.
[3] كان اشتراكيو الحوراني بحلب، قليلي العدد، وكان «يقودهم» المحامي عبد الفتاح الزلط. وقد انتهى تاجر أسلحة وسمساراً للموت.