بين يدي هذه المذكرات - الجزء 18: رد القاهرة الرسمي عبر الأهرام بقبول وحدة مدروسة مع سورية
الاثنين ١١
كان الاتفاق بيننا وبين الدكتور العظمة أن نجتمع إليه، بناء على إلحاحه، في بيت الأستاذ المحامي موفق المهايني في الميدان، لنأخذ حريتنا ووقتنا بدون إزعاج من الموظفين. لأن ذلك أفضل من اجتماع يعقد في مكتبه الرسمي!.
ولكن سيادته عاد فطلب أن يكون اجتماعنا في مكتبه في السراي، الساعة 9 صباحاً، لأن ظروفاً حكومية ملحة تتطلب وجوده فيه.
وذهبنا إليه، علي بوظو وراتب الحسامي وأنا. وطال الحديث وتشعب، وهذه خلاصته:
١ - سألناه إن كانت الحكومة التي يرأسها جادة حقاً في السعي إلى الوحدة مع مصر، أم أنهم يحاولون كسب الوقت، لتثبيت أوضاعهم الانفصالية، فقال: بل إنهم في غاية الجد، وأن موضوع الوحدة مسألة عقيدة ثابتة، وأنهم وحدويون، عظماً وروحاً، وإن الروح التي أملت البيان الأخير الوحدوي، هو الذي يمثل قناعة وسياسة الحكومة.
2 - قلنا له: إنكم تنادون بالوحدة، والظاهر أنكم تريدونها بدون وحدويين، فوزارتكم، في أغلبية أعضائها انفصالية، فكيف ترون التوفيق بين وحدة وانفصاليين يرفعون شعارها؟ فقال: إنني شخصياً غير انفصالي، والعبرة لما تقرره الحكومة برئاسة رئيسها، وليس لعواطف بعض أفرادها.
3 - قال: المعلومات التي لديّ، تشير إلى أن الرجعية وعناصر الانفصال المعلن، يتكتلون، ويتحركون بضراوة، لذلك يجب عليكم أنتم الوحدويون أن تضعوا أيديكم في يد الأستاذ صلاح البيطار، وتقفوا مع وزارتي وقفة قوية، تشعرها بأن لها سنداً داعماً في المصطرع بين النور والظلمة، والوحدة والانفصال، ومن مستلزمات المعركة أن تناصرونا جهرة وعلناً، حتى يطمئن الرأي العام إلى أن الحكومة ليست معزولة وأنها موّيدة من العناصر الوحدوية التي تمثلونها تمثيلاً معروفاً وكريماً.
4 - وأعرب الدكتور العظمة عن أسفه، لأن مصر لم تعلن عن موقفها في شأن بياننا الذي دعونا فيه إلى الوحدة معها، وتجاهلتنا، مع أننا أرسلنا إليها رسولاً مفوّضاً، يعرض عليها معاودة الاتصال بنا، بدءاً بالاتصال البرقي.. ولكنها لم تقابلنا بابتسامة، ومع ذلك فنحن لم نيأس وسنظّل نتابع مساعينا.
ولم يخف اعتقاده بأن جرح عبد الناصر بليغ من طعنة الانفصاليين، ولكن «الانفصاليين لم يستشيرونا حين ارتكبوا جريمتهم».. على حد قوله. وفي هذا السياق، كان نائب رئيس الوزراء الأستاذ رشاد برمدا، أخبرنا منذ يومين بأنه يتحرق على صدور كلمة من مصر، تشجع سفره إليها، لمقابلة الرئيس وحل موضوع الوحدة من جذورها في يومين اثنين فقط. وما أكثر تفاؤله؟ بل ما أكثر تبدل آرائه؟.
5 - أكّد الدكتور العظمة وجود حشد عسكري بريطاني في الأردن، وحشد عسكري تركي على حدود سورية.. والذي يخشاه هو حدوث اضطرابات في الداخل السوري، تهتبله تلك القوات الجاثمة على رقابنا فرصة، للانقضاض على سورية، ووضعها تحت الوصاية الأجنبية، باعتبارها بؤرة من بؤر التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.
ولم نقتنع بقوله عن هذه التكتلات، لأن الشمال والجنوب راضيان عن الوضع الانفصالي السوري، الذي مزق شمل الأمة العربية، وأعطى لإسرائيل إمكانية الصول والجول في حلبة غاب عنها فارسها.
6 - وأعرب عن خشيته من أن يكون الرئيس جمال واقعاً تحت تأثير السراج، الذي يصور له أن سورية منهكة وقد فقدت قدرتها على العيش، وسوف تعود إليه راكعةً على ركبتيها، تطلب منه أن يبادر إلى إنقاذها.
ولاحظنا له، إن الذي نعرفه عن عبد الناصر أنه سياسي واقعي، لا يترك لعواطفه وانفعالاته أن تعبث بإرادته، حين اتخاذه القرارات الكبرى. هكذا عرفناه يوم أمم قناة السويس، وهكذا عرفناه يوم فاجأ العالم بشراء السلاح الشيوعي، ثم يوم قرر إقامة وحدة مع سورية، التي كان يعارضها أكثر أعضاء مجلس قيادة الثورة المصرية.
7 - وأصر كثيراً على أن نطلب رخصة جريدة، نصدرها في دمشق لتكون منبراً للتيار الوحدوي القوي.. ولا يصح في رأيه أن نترك ميدان الإعلام للانفصاليين وحدهم، ينشرون آراءهم في المجتمع كما يحلو لهم أن يعربوا عنها، وينفثون سمومهم القاتلة في الأكثرية الصامتة..
ولم نقتنع بهذا العرض، لأن إصدار جريدة يتطلب نفقات، لم نكن قادرين على تحملها.. وكنا اتخذنا قراراً أقسمنا عليه، بأن ما قد نحتاج إليه من نفقات بسيطة، كإصدار بيان أو منشور، يجب أن نتقاسمه فيما بيننا ومن جيوبنا.
لذلك بقي عرض رئيس الوزراء مجرد كلام.. انتهى مفعوله بخروجنا من مكتبه.
8 - وسألناه عن موقف رئيس الجمهورية من هذه الوحدة، فقال: إنه معنا.. ودخل رئيس مكتبه عليه، ليخبره بوصول وفد عراقي، كان على موعد معه، وقمنا لتوديعه، فأعاد رجاءه الملح بأن لا نترك الحكومة وحدها، في ساعات الحقيقة والكرامة الوحدوية.. وناولني ورقة صغيرة عليها رقم هاتفه الخاص، وهو 25009، لأتصل به حين أشاء.
وللأمانة فقد كنا مبتهجين جداً لأقوال رئيس الوزراء، وشعرنا بأن التيار الوحدوي أخذ يجرف العناصر الانفصالية، ولكننا لم نكن متيقنين تماماً من سلامة النوايا الخفية، التي كانت تفضحها بعض أقوال المسؤولين أو تصريحاتهم.
وفيما كان يودعنا، شد على يدي بقوة وقال لي بصوت خفيض أرجوكم أن تدعمونا ببرقية قوية، نستعين بها ضد زملائنا الانفصاليين ونظر إلي نظرة من يتساءل عما إذا كنا سنستجيب لرجائه، ووعدته أن نعمل ما نستطيع عمله لدعم حكومته.. وقررنا أن نعقد اجتماعاً فيما بيننا، لنعيد دراسة، ما قاله الدكتور العظمة، والتأكد من سلامة العرض والنية، فإذا أيقنّا بأن القصد سليم، بحثنا عن طريقة نتصل بها بعبد الناصر، لإقناعه بالعدول عن موقفه الرافض.. وكنا نتشكك فعلاً في أن يبادر الرئيس إلى القبول بالعرض السوري، لأسباب ليست هينة ولا قليلة.. غير أنا ملزمون أخلاقياً بالبحث عن حل للخروج من حالة انعدام الوزن التي تعيش فيها سورية.
الثلاثاء 12 حزيران
اليوم خرجت القاهرة عن صمتها، وأعلنت على لسان رئيس تحرير الأهرام الأستاذ محمد حسنين هيكل قبول العرض السوري، لأنه لا يحق لأحد أن يفرط بتجربة وحدوية، تلوح على الأفق.. وقد وصلت جريدة الأهرام بناءً على قرار وزير الإعلام السوري، وعلى صفحتها الأولى، نص مقال «المحرر السياسي» عن موقف الجمهورية العربية المتحدة (وهذا هو الاسم الرسمي الذي حافظت عليه مصر).. ولأن هذا المقال يوضح الرد الرسمي لمصر على العرض السوري.. بإقامة وحدة «مدروسة» فإني أجد من اللازم اللازب أن أستعرض فقراته فيما يلي:
1 - «إن الوحدة بين شعوب الأمة العربيّة حتميّة، لأنها في حكم الطبيعة والتاريخ والواقع.. بصرف النظر عما يبدو بين حكام بعض الشعوب العربية من أسباب الخلاف نتيجة لتفاوت مراحل الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بين بعض هذه الشعوب».
2 - «إن الجمهورية العربية المتحدة، كقاعدة ثابتة لتقدم الأمة العربية كلها، تعتقد أنه لا يمكن مهما كانت المبررات - التضحية بهدف السعي إلى الوحدة من أجل توفير التقدم الذاتي.. وهي ترى أن وحدة الشعوب العربية لا تتصادم مع التقدم الذاتي لكل منها، بل إن احتمالات الوحدة تعزز من احتمالات التقدم، وتدفع خطاه خصوصاً إذا كانت الوحدة على قواعد مدروسة، واضحة الاتجاهات والأهداف».
وألاحظ على هذه الفقرة، بأنها تعني أن القاهرة تراجعت عن مبدأ الوحدة الاندماجية السابقة وأخذت بمبدأً الاتحاد الذي يقوم على أسس علمية مدروسة.. إذ أن الوحدة الكاملة لا تحتاج أصلاً إلى أي دراسة..
وهذا ما أخذ ينادي به الجناح الوحدوي من حزب البعث، الذي يتزعمه الأستاذان ميشيل عفلق وصلاح البيطار.. وما أخذت به أيضاً حكومة الدكتور بشير العظمة، بموافقة من الرئيس ناظم القدسي نفسه.
3 - «إن شعب الجمهورية المتحدة - أي مصر - مع تأثره الشديد ضد الانقلاب الرجعي الانفصالي الذي وقع في 28 سبتمبر/أيلول 1961، وما أعقب هذا الانفصال من سيطرة كاملة لعناصر الإقطاع والاستغلال، المتعاونة مع الرجعية العربية، الموالية للاستعمار أو المعادية للتقدم، لا يترك شيئاً من ذلك أو من آثاره يمس إعجابه بالشعب السوري وصلابته ودوره الطليعي في الدعوة والعمل من أجل الوحدة العربية».
«.. وأن هذا الشعب لا يضيف حملة الأكاذيب المضللة والمأجورة التي قامت بها الرجعية في سورية وفي الأردن والسعودية، على حساب الشعب السوري». وهو لا يضيف الطريقة التي عومِلَ بها المصريون الذين كانوا يخدمون في سورية، وأُخرِجوا منها بطريقة جعلتهم أقرب ما يكونون إلى اللاجئين، على حساب الشعب السوري.
ويعرف شعب الجمهورية العربية المتحدة، أن عناصر كثيرة في سورية زُيِّفَت عليها الحقائق وخدعت بالباطل الذي حاول أن يرتدي ملابس الحق، مع وجود جماعات حزبية انتهازية أعمتها أحقادها الشخصية، فانقادت - وحاولت أن تقود سورية كلها وراءها - إلى الكراهية المجنونة التي لا تتورع عن الكذب والخيانة وبيع الضمير».
4 - «مما تقدم كله، فإن شعب الجمهورية.. على استعداد في كل وقت، وفي مواجهة أي ضغط، أن يمد يده بالوحدة للشعب السوري، باعتباره الشعب الذي يقدر الآن على تحمل مسؤولية تجربة الوحدة، على قاعدة وحدة الهدف، التي جعلها الشعب في الجمهورية العربية شعاراً لنضاله الوحدوي.
إن الشعب السوري بإصراره على استعادة مكاسبه الاشتراكية التي تحققت له في عهد الوحدة، أكد بما لا يدع مجالاً للشك، تقديره لأهمية وحدة الهدف، طريقاً إلى وحدة عربية صحيحة وشاملة».
5 - يضاف إلى هذه الأسباب:
أ - أنه كانت هناك بالفعل وحدة قائمة بين شعب مصر (وهذه التسمية لم ترد في بيان الرد، لأنه حافظ على اسم الجمهورية العربية المتحدة) وشعب سورية، وإن هذه الوحدة طعنتها حركة انقلابية عسكرية، تسللت إلى صفوفها عناصر مرتشية..
ب - وأن تلك الوحدة حققت أهدافاً عظيمة بينها أنها ضربت الاستعمار في الصميم وأسقطت حلف بغداد، كما أرغمت الرجعية العربية المتعاونة مع الاستعمار، على اتخاذ موقف دفاعي لا تزيد أسلحته عن الرشوة والتآمر والعمل الطائش في الظلام.
ج - ثم إن تلك الوحدة.. خلقت وضعاً إستراتيجياً وتكتيكياً ممتازاً لمواجهة قاعدة العدوان الاستعماري في المنطقة، وهي إسرائيل.
6 - «ويرى شعب (مصر) بعد الدراسة العميقة لتجربة الوحدة (السابقة) أن الدروس المستفادة منها تتلخص في أن الاندماج الكامل كان استباقاً لمراحل التطور.. وليس جديداً أن التيار الذي كان سائداً في القاهرة ذلك الوقت لم يكن يرى الاندماج الفوري الكامل، وإن كان هذا التيار قد اضطر إلى تغيير مواقفه إزاء عديد من الاعتبارات الملحة التي كانت قائمة في دمشق وقتها..».
ويعلل البيان أسباب استبعاد تجربة الدمج الكامل بما يلي:
أ - عدم وجود حدود مشتركة بين الإقليمين.
ب - إن الثورة كانت تستلزم إبعاد عناصر الإقطاع ورأس المال المستغل عن توجيهه أقدار الوطن.
ج - إن الوحدة لم تستطع في بدايتها أن تعطي نفسها بداية ثورية تضع حدّاً فاصلاً بين التيارات التي كانت تحكم سورية قبلها (قبل الوحدة)، والتي كانت مسؤولة قبل غيرها عن الأخطار التي هددت الكيان السوري.
د - وكل هذه الظروف جعلت إمكانية قيام تنظيم شعبي ديمقراطي عملية بالغة الصعوبة.. ومع ذلك فقد أمكن إصدار قوانين تموز الاشتراكية (عام1961) التي وجهت ضربة قوية للإقطاع ورأس المال المستغل..
7 - من الدروس والعبر التي تكشفت عنها تجربة الوحدة، يتضح أنه لابد أن تختلف تجربة الوحدة (الجديدة) عن صورتها السابقة:
أ - فلا بد أن تبقى الكيانات الوطنية محددة وواضحة داخل إطار الوحدة.
ب - ويجب أن يكون لكل كيان وطني حكومته المحلية، المسؤولة أمام السلطة الشعبية المنتخبة.
ج - ولكن يجب توحيد الدفاع الوطني (القوات المسلحة) والسياسة الخارجية وفي منهاج العمل الاجتماعي القائم على الاشتراكية والديمقراطية وبرامج التعليم والثقافة.
د - ويجب أن يكون للدولة برلمان مركزي واحد، تمثل فيه الكيانات الوطنية تمثيلاً عادلاً، وتكون الحكومة المركزية مسؤولة أمامه.
8 - وإن الجمهورية العربية مستعدة في أي وقت لفتح الباب للمناقشة في التفاصيل مع أي حكومة سورية، على شرط:
أ - أن يثبت تعبير هذه الحكومة عن إرادة شعبية سورية حرة، بعيدة عن أي مساومات حزبية، تلعب بهدف الوحدة العظيم في سبيل مصلحة شخصية قصيرة النظر ومحددة الفكر..
ب - أن تقوم هذه الحكومة بإجراء تحقيق في كل الاتهامات الظالمة التي وجهت إلى القاهرة في أعقاب الانقلاب الانفصالي الرجعي..
وكان الرئيس عبد الناصر قد طلب إجراء هذا التحقيق في بيانه الذي ألقاه بتاريخ ه تشرين الأول/أكتوبر عام 1961.
وقد أثلج رد القاهرة قلوبنا، لأنه وضع النقاط على الحروف، وفتح الأبواب أمام «وحدة مدروسة» تحافظ على الكيانات الوطنية.. وهو ما يطالب به الحكم السوري.
وإذن، فالعودة إلى اتحاد الشعبين العربيين التقدميين، أصبح في متناول الأيدي.. وكنا متخوفين، حقاً وصدقاً، من صدور رد سلبي، لعلمنا بما تركه الانفصال من آثار عميقة مؤذية في نفوس المصريين، وفي كرامة الرئيس عبد الناصر وإخوانه بالذات.
ولكن الذي حدث، لم يكن متوقعاً.
فقد صدرت صحف دمشق، وهي تحمل حملة مسعورة، جنونية، على رد القاهرة، ومبدأ التقارب معها، بله الاتحاد.. وكان أسوأ الذين كتبوا فيها، ونفثوا أحقادهم وكراهيتهم، الفريق عفيف البزري، وأكرم الحوراني، والتيار الانفصالي الخبيث وبعض الشيوعيين، الذين واتتهم الفرصة للعودة إلى الساحة العامة.
وإذن، فلماذا قبلت الحكومة بهذه «الردة».
وأقرأ في أوراقي ما يلي:
«الظاهر أن الذين تظاهروا بالاتجاه الوحدوي، حسبوا أن الرئيس عبد الناصر سيرفض عرضهم، وعندها سيعتبرونه هو الانفصالي، ويحملونه مسؤولية إبقاء الأمة العربية ممزقة الأشلاء.. ولكنه فاجأهم بقبول عروضهم، فتحركوا لدفن المبادرة قبل أن تخرج إلى عالم الحياة.
ولكن إذا رسخ هذا الاتجاه الظالم، فالأغلب أن ضباط القيادة، هم الذين يقفون وراءه.. ولا يحتاج أكثر الصحفيين، الذين عادوا إلى الكتابة والابتزاز، إلى من يدفعهم، لأن إغلاق الصحف في أيام الوحدة، قطع عليهم طرق الابتزاز غير المشروعة».