بين يدي هذه المذكرات - الجزء 19: مذكرة الاعتقال السرية بحق الخماسي الناصري وليلة الاختباء

اقرأ بالإنكليزية

الخميس 14

بعد دراسة طلب الدكتور العظمة بأن نرسل إلى رئيس الجمهورية وإلى رئيس الوزراء برقية تأييد، واندلاع ألسنة اللهب في صحفنا، قررنا أن نساند الاتجاه الوحدوي، وأبرقنا إلى الدكتور ناظم القدسي وإلى رئيس مجلس الوزراء بالبرقية التالية:

السيد رئيس الجمهورية

السيد رئيس مجلس الوزراء

جواب القاهرة على نداء دمشق فتح الباب أمام الأمة العربية لاسترداد كرامتها ومحو عار الانفصال. إننا نطالب باتخاذ الخطوات الإيجابية لاتحاد مصر وسورية والانطلاق من هذه الوحدة النواة إلى وحدة عربية أشمل، و ذلك استجابة لإرادة الشعب العربي وشجب الانفصال الذي لا يخدم إلا الاستعمار والصهيونية» ووقعنا عليها نحن قادة الجبهة العربية المتحدة، راتب الحسامي وعبد الصمد الفتيح وعلي بوظو ونهاد

القاسم وآنا.

وتناقلت الإذاعات نص هده البرقية، وإذاعتها إذاعتا القاهرة وصوت العرب المصرية، عدة مرات.

وقد أيد تحركنا هذا، من الجانب الوحدوي صلاح البيطار الذي عرض أن يتعاون معنا، والقوميون العرب، وأنصارنا من أعضاء جبهتنا في المحافظات.

وقد عقدنا مع ممثلي جبهتنا في المحافظات ومع القوميين العرب، اجتماعاً، قررنا فيه ما يلي:

1 - عدم الاتصال بالقوات العسكرية، وعدم عقد لقاءات مع أي ضابط ومباحثته في القضايا السياسية، لأننا لا يجوز لنا أن نقع في الأخطاء التي نؤاخذ عليها بعض الأحزاب التي تمتطي تيار العسكريين.

2 - عدم تحريض الطلاب على الإضراب أو التظاهر، حرصاً على دراستهم ومستقيل البلاد.

3 - عدم تمويل حركتنا من أي مصدر كان، إلا من جيوبنا نحن لأننا لن نحتاج إلا إلى كتابة وطباعة بعض المذكرات أو إرسال بعض البرقيات، وهي كلها لا تحتاج إلا إلى مبلغ متواضع من المال.

ودفع كل منا مئة ليرة، سلمت إلى أحدنا، لينفق منها على مطبوعاتنا حين نقرر نشر منشور أو بيان.

وقد فتحت جريدة الأيام «الرصينة» صدر صفحاتها لكتّاب مرتجلين.. مغمورين، وكلهم ينادي بالوحدة والقومية والاشتراكية، ولكنهم يرفضون وحدة دكتاتورية. ولن أذكر أسماء بعضهم هنا، لأنهم حقاً من سقط المتاع..

غير أني أود أن أشير إلى واحد من الاشتراكيين الذين تقطعت حناجرهم في الدعوة إلى الوحدة والحرية والاشتراكية، وهي شعارات حزبه، ثم انتهى تاجر أسلحة وعاش في باريس، يتنقل من فندق فاخر إلى فندق أفخر.. حتى وافاه أجله المحتوم وهو غريب مطرود من وطنه.

السبت 16

أخبرنا الأستاذ برمدا، ونحن على غداء في قرية منين، بأن «الجيش خائف على نفسه من الحساب» ولا بد من وسيلة لتطمينه.

وقال: إن عبد الحميد غالب (سفير مصر في لبنان) وعبد الحميد السراج، يحيكان المؤامرات وينظمان الطبقة العاملة للقيام بأعمال عنف في سورية.. من خارجها!.

ولكننا أكدنا له، إن جبهتنا لن تشارك في أي عمل عنيف، فذلك مبدأ ألزمنا أنفسنا به.. ونستطيع أن نطمئنهم بأننا سنبذل ما نستطيع لعدم زج البلاد في الفوضى. وسألناه إن كانت الحكومة تريد أن يسافر أحد منا إلى القاهرة - شريطة أن يكون الطلب إلينا منها - لاستطلاع رأيها في الأوضاع بصورة عامّة، ويعود بالجواب الحاسم الجلي، فاستمهلنا لرؤية «الجماعة» واستمزاجهم.. وإعطائنا الرد.

الأحد 17

قابلنا، نحن الخمسة، الدكتور ناظم القدسي، في مكتبه، ودامت المقابلة ساعة ونصف الساعة.

وأجلسنا، حلقة من حوله، نهاد القاسم على يمينه، وأنا على يساره، والثلاثة الآخرون أمامه. كان متعباً، شاحب الوجه، مغموماً.

والتفت إلي وكأنه يعاتبني وقال: «بعد زمان» ذلك لأننا لم نلتقِ من مدة طويلة.. وقلت له معتذراً إنني لا أحب أن أضيع وقتك.

وأول ما أخذه على البرقية، ما جاء فيها عن «غسل عار الانفصال».. وشعر الرجل وكأنه هو المقصود بهذه الجملة. وهو في ذلك غير مخطئ. لأنه جعل من نفسه عباءة يرتديها الانفصاليون، الذين أصبح رئيساً لهم، ووجهاً لنظامهم.

وشعرنا، ونحن نستمع إلى حديثه، وكأنه لا يملك أي سلطة فعلية في السيطرة على الأحداث، لذلك فإنه يخشى أن يقول شيئاً يلزمه بواجب، خشية ألا يكون قادراً على تنفيذه.. وإنه لكذلك فعلاً..

لذلك سألنا: هل ترون أن أستقيل؟ وأضاف، وماذا تنفع الاستقالة في فوضى تتفاقم وتتسع، دون أن يتمكن أحد من السيطرة على الوضع!..

ولاحظنا بأنه قانع بأن الوضع العام خطير. وأنه لا أحد يأخذ مقامه ببعض الجديّة.

ولاحظنا له ما آل إليه وضع الصحافة، التي أخذت تهاجمنا وتهاجم فكرة الوحدة، بهستيرية غير مألوفة، في التعامل الإخباري، وأدب الجماعة.. فقال: ماذا أفعل، أنا ضد هذه الحرية الرعناء للصحافة.. ولكن رئيس الوزراء مستمسك بها جداً.. وأضاف، أنا قانع مثلكم بأن الأموال الأجنبية تتدفق على البلد مثل الأنهار، دون رقيب ولا حسيب.. بادرناه بالقول ضاحكين: نرجو أن تكون قانعاً بأننا لسنا من جوقة القابضين، ولن ندخل فيها إن شاء اللّه..

وعدنا فعرضنا عليه وساطتنا مع القاهرة، إن كان يكلفنا بها.. فقال إنه «سيشاورهم» ويخبرنا.

وقد أدهشنا حقاً قوله، إن النار أطلقت على أكرم الحوراني.. ولكنه لم يشأ أن يعطينا إيضاحات أكثر..

وختم حديثه معنا، بأننا الحسامي وأنا - أضعنا فرصة العمل في إطار لجنة الشؤون العربية، خاصة، وأن أكثريتها - كما يقول - من الوحدويين.. وهو زعم ليس له ظل من الحقيقة، بل إن أكثريتها انفصالية، لا تحب أن تسمع بشيء أسمه وحدة.

الاثنين 18

سنحت لي مناسبة حلوة اليوم، حين قابلت الأستاذ رئيف الملقي نائب حماة - وزميلنا في مجلس النواب. وقد أطلعني على منشور وقعته «الجبهة العربية المتحدة - فرع حماه» فيه هجوم مقذع على أكرم الحوراني وخليل الكلاس وعبد الفتاح الزلط (ممثل حركة أكرم الحوراني في حلب).. وأراني قصيدة تنال الحوراني بالسب المقذع، والكلام البذيء.

واستنكرت المنشور، الذي لا علم لنا به، وقلت له: سوف نبحث أمره، كما استنكرت ألفاظ القصيدة التي لم يوقعها ناظمها باسمه.. لذلك بقيت غفلاً.. لا يعرف صاحبها.. وقد أعطاني نسخة منها.. وهي الآن وبعد ثلث قرن بين أوراقي..

وأنا منتقٍ منها بعض أبيات «نظيفة» لمعرفة الجو الذي كان يسود الساحة السياسية في تلك الأيام:

.. الانفصاليون أنت إمامهم

وزعيمهم يا أكرم الحوراني

لا أنتمو منا، ولسنا منكمو

فاذهب فأنت صنيعة الشيطان

ولسوف نرجع كيدكم في نحركم

ونعيد وحدة أمة «العربان»

لا بد يوماً أن يعود جمالنا

وتبوء يا مغضوب بالخذلان!

وواضح أنها للانتقام والشتم، وليست لإرضاء عاطفة إبداعية راقية.

واليوم أيضاً زارني في بيتي الدكتور معروف الدواليبي.. على غير ترقب! وقد أعاد على مسامعي «تصريحه» الذي أصدره عام ،1950، الذي هاجم به الصهيونية، واعتبرها أخطر من الشيوعية.. ويومها، فعلاً، كان للتصريح دوي كبير، لأنه يصدر من شيخ معمم.

غير أنه أضاف إليه معلومات لم أكن أعرفها، وهي أن عبد الناصر استغلّ هذا التصريح وقام بثورته على النظام الملكي عام 1952، ثم كسر احتكار السلاح عام 1955.

غير أنه يأخذ على عبد الناصر أنه اتفق مع إسرائيل والاستعمار، لتدبير انقلاب 28 آذار 1962 عليه وعلى رئيسه ناظم القدسي.. ودليله على ذلك، أن مجلس الأمن ماطل في النظر في الشكوى السورية، ولم يقرر نظرها إلا اليوم، أي بعد عدة أشهر! واستغربت أن يقول هذا القول أستاذ جامعي متزن وسياسي عريق.. فحاولت أن أبين له خطأ نظرته، ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داود؟

وعلمت بعد ذلك أنه نزل إلى حلب وحاول أنصاره أن يرتبوا له استقبالاً يظهر للعالم ما يتمتع به من شهرة ونفوذ.. فأركبوه في سيارة كاديلاك مكشوفة وراح يتجول بها، ومن ورائه رتل من السيارات القليلة.

وسمعت عن استقباله في حي الكلاسة، ما لا كنت أحبه له.

وأعترف بأني أكن له وداً، لا يسمح لي بأن أتناسى صحبة خمسة وخمسين عاماً، منها سبعة في السوربون، وسنوات طويلة في الجامعة، أساتذة في كلية الحقوق، والعمل السياسي والمعتقلات، غير أني أعتب على بعض تصرفاته، التي تمليها عليه أوهام غير حقيقية!.

الثلاثاء 19

يظهر أن الإزعاجات قد بدأت تلاحقنا.

ففي الساعة الواحدة صباحاً قرع جرس البيت قرعاً متواصلاً فأفقنا مضطربين، لأننا اعتدنا على أن تكون هذه الساعة هي الساعة المفضلة التي تنطلق فيها دبابات الانقلابات.. لتنقض على المراكز الحيوية وتحتلها.. وفي الوقت نفسه تبدأ اعتقالات «الأعداء» السياسيين.

وحين فتحت الباب، وجدت شخصاً ملتفاً بغرّة تخفي أكثر وجهه، وسألته عما يريد، فقال: أليس هنا بيت فلان.. وسمّى شخصاً لا أعرفه.. ثم قال: إنه غلطان بالعنوان، وانصرف، دون أن يكلف نفسه عناء الاعتذار.

وقد أعلمني أحد ضباط المخابرات من جيراننا، أن بعض المتحمسين لبقاء الوضع، يرتبون أعمالاً ضد «الوحدويين» قد تكون عنيفة.. وقد تصل إلى استعمال المتفجرات.. ونصحني بالحيطة والحذر!.

ومن مظاهر «السياسة الجديدة» استقالة عبد الله عبد الدايم، وزير الإعلام ومغادرته دمشق إلى بيروت. وقد وصف رئيس الوزراء هذه الاستقالة بأنها شخصية. أما عبد الدايم فقد أعلن أنه قبل الاشتراك في الوزارة على أساس وحدوي، ومن أجل إعادة الوحدة مع مصر، غير أن الحكومة انحرفت عن الخط السوي المتفق عليه، لذلك لم يعد لبقائه في الحكومة سبب معقول.

وانقضت عليه «دكاكين الأوراق الصفراء» تنهش كرامته، وتنعته بالجشع الذي فضل دولارات بيروت (إذ أنه يعمل خبيراً في الأمم المتحدة) على قيامه بواجبه القومي في وطنه!

واستقال معه وزير الداخلية، زميله في الحزب، الأستاذ عبد الحليم قدور.. واستقال في الوقت نفسه، الأستاذ عدنان الأزهري، وزير الخارجية، وكان وزيراً في وزارة الاتحاد الثلاثي، المصري - السوري - اليمني.. وهو وحدوي متشدد، «هرب بجلده من المستنقع» كما قال لأحد أصحابه..

وكان مكوثهم في الوزارة خمسة أشهر فقط.

وعدّل بَشير العظمة الوزارة، التي استطابها، فدخل فيها عدد من الوزراء الذين لم يسبق لهم أن مارسوا عملاً سياسياً.

الأربعاء 20

جاءتني السيدة أم فايز، حرم الأستاذ راتب الحسامي مساءً وكان عندي على العشاء بعض أصدقائي من نواب الوحدة، وانتخبوا نواباً عن مناطقهم في مجلس نوّاب الانفصال، وهم السادة شكري الرحمو الشهابي وجميل خللو نائبا الباب والشيخ حسن عبد الكريم نائب جبل سمعان، وهمست في أذن أم غسان (زوجتي) بوجوب التواري عن الأنظار لأن مذكرة أعدتها المخابرات تتضمن إلقاء القبض علينا نحن الخمسة.. ومعنا الدكتور أسامة النقيب (الفلسطيني المولد) الذي لا أعرفه شخصياً.

وحين اتصلت بالأخ نهاد القاسم، فهمت منه أنه على علم بالمذكرة، وأنه متجه إلى منطقة القدم، لينام عند أحد أقاربه.

واتفقنا مع أم فايز أن ننام في بيت قريب لهم، يعيش أعزب مع أخت له.. واستقبلنا استقبالاً كريماً.

ثم علمنا في اليوم التالي، أن قائد الجيش لم يوقع على مذكرة الاعتقال.. لأن الكلمة كلمته، باعتباره الحاكم العرفي. وكان الكزبري منحه هذه السلطة. وبقيت له من يومها.

وصدرت جريدة الأخبار الدمشقية، وصاحبها أمي لا يقرأ ولا يكتب، وإنما يستكتب، وفي صفحتها الأولى مقالة تنقط لؤماً ووقاحة، ضدنا.. ومما قاله: «يتلقى الناصريون الخمسة تهديدات متواصلة.. وأنهم سوف يلاقون مصيرهم المحتوم، عاجلاً أم آجلاً».

ومن القاهرة صدر تصريح لعبد الحميد السراج، يقول فيه إنه مستعد أن يعود إلى سورية، ليمثل أمام محكمة عسكرية، وعندها سوف يذيع ما لديه من وثائق تدين بعض الكبراء.. وسمى شكري القوتلي بشخصه!.