بين يدي هذه المذكرات - الجزء 20: مذكرة الخماسي الناصري إلى القدسي والحملة الصحفية التي أشعلتها

اقرأ بالإنكليزية

السبت 23

قدمنا إلى الدكتور ناظم القدسي، المذكرة التالية، أنقلها بنصها، لأنها تتضمن مجمل اتجاهنا السياسي، وهي كما يلي:

السيد رئيس الجمهورية..

كان غرض الاجتماع الذي تفضلتم فأتحتموه لنا في ضحى يوم السبت السادس عشر من حزيران، عرض الوضع العام في سورية، وبيان الرأي الذي نرى في معالجته.

وقد اتفقنا قبل أن نفترق على أن نشفع هذا اللقاء بمذكرة مكتوبة تتضمن أبرز الموضوعات التي تحدثنا عنها والاقتراحات التي قدمناها.

وبناء على هذا الاجتماع وهذا الاتفاق، فإننا نقدم لسيادتكم المذكرة التالية:

«منذ أن أفاق الشعب العربي السوري ومعه الأمة العربية قاطبة، صبيحة الحدث الذي أنهى الوحدة بين مصر وسورية، والأسى لا يزال يعتصر كل نفس مخلصة لعروبتها، مؤمنة بوحدة التراب والمشاريع والمستقبل، إذ لم يكن هيناً على هذه الأمة التي لطالما كافحت وضحّت في سبيل حريتها ووحدتها القومية أن ترى بعينها انهيار أول تجربة صحيحة لهذه الوحدة. وما زالت الجماهير المؤمنة في جميع بقاع الوطن العربي الكبير تتطلع بلهفة إلى من يرد إليها ثقتها بنفسها وبقدرتها على الانطلاق من جديد في طريق أمانيها الوطنية.

وقد أتت على الشعب العربي في سورية، منذ ذلك اليوم، أحداث كثيرة أثبتت كلها حرص هذا الشعب على وصل ما انقطع من روابطه القومية مع مصر الشقيقة. كما أن بيانات المسؤولين في دمشق وتصريحاتهم في الفترة الأخيرة كانت كلها تعكس هذه الإرادة الشعبية الخيرة بوضوح وقوة.

فقد أكدت قيادة الجيش في بيانها الصادر في 13 نيسان 1962 «أن الجيش ملزم بحماية الأهداف القومية العليا التي تتمثل في السير لإقامة وحدة عربية سليمة مع الدول العربية المتحررة وفي طليعتها مصر..».

كما أذاع السيد رئيس الجمهورية في 14 نيسان 1962 بياناً إلى الشعب، أكد فيه عزمه وعزم الحكومة التي تتألف للفترة الانتقالية على «مباشرة العمل من أجل الوحدة مع البلاد العربية مبتدئين بمصر العزيزة».

وفي 21 نيسان 1962 أذاعت حكومة الدكتور العظمة الانتقالية بيانها الوزاري فأشارت فيه بصراحة إلى «محاولات الرجعية ومؤامرات الاستعمار من أجل تكريس الانفصال وتخليده وإبعاد سورية عن رسالتها العربية الاشتراكية»، وذكرت أنها «جاءت إلى الحكم لتستجيب للإرادة الشعبية الحرة الأصيلة التي تهدف إلى إقامة وحدة عربية وفق أسس مدروسة تضمن لهذه الوحدة البقاء والنمو». وأكدت «أنها ستمضي في اتخاذ خطوة جادة من أجل العمل لتحقيق الوحدة العربية.. وأنها ستبادر إلى الاتصال مع الحكومات العربية المتحررة، مبتدئة بمصر الشقيقة، لتطرح بعد ذلك على الاستفتاء الشعبي مشروعاً مدروساً ومتفقاً عليه، ليقول الشعب كلمته فيه».

وحينما تأكدت الحكومة الانتقالية من عدم نجاح الخطوة التي اتخذتها، ونعني بها تأليف لجنة الشؤون العربية، تلك اللجنة التي واجهتها الصعوبات منذ البداية والتي كان محتماً بطبيعة تكوينها ومهمتها ألا تؤدي إلى نتيجة إيجابية، عادت في بيانها الثاني الصادر في 7/6/1962 فأكدت عزمها على الانطلاق مجدداً من النقطة التي كان يجدر بها أن تنطلق منها منذ البداية، معلنة أنها ستباشر الاتصال مع مصر من أجل التعرف على وجهة نظرها في قيام وحدة اتحادية تتلاءم مع الظروف الحاضرة، ومن أجل الاتفاق بالتالي على صيغة نهائية لمشروع الوحدة، يطرح بعد ذلك على الاستفتاء الشعبي، ليقول الشعب كلمته فيه..

وفي ١١ حزيران 1962 أذيع جواب القاهرة على نداء دمشق، فكان جواباً واقعياً أملته الظروف الدقيقة من حياة الأمة العربية. فهو يلتقي مع وجهة نظر دمشق في الاستعداد لبحث مشروع جديد لوحدة البلدين يقوم على أساس اتحادي، يتلاءم مع المرحلة الحاضرة من تطورهما ويفتح الباب على مصراعيه لانضمام الأقطار العربية الشقيقة المتحررة إليه، على أن تبقى الكيانات الوطنية محددة واضحة في الدول المتحدة، وأن يشرف على كل منها حكومة مسؤولة أمام برلمان منتخب، أما الشؤون الموحدة فتديرها حكومة مركزية مسؤولة أمام برلمان مركزي ينتخب وفق أسس عادلة.

ولقد كان مأمولاً بعد أن التقت وجهات النظر إلى هذا الحد، أن تبذل الجهود الصادقة من قبل الجميع لدعم هذا الاتجاه الذي أخذت تسلكه القضية القومية، والذي لا يسع كل مواطن عربي مخلص إلا أن يباركه ويبذل كل ما في وسعه لإنجاحه.

لهذا كله رأينا من واجبنا، في هذه الفترة الدقيقة من حياة بلادنا أن نتقدم إلى سيادتكم في هذه المذكرة، لنؤكد إيماننا بما يلي:

1 - إن تمسك الشعب العربي في سورية بالوحدة العربية وتصميمه في هذه المرحلة من تاريخه على إعادة الروابط القومية التي كانت إلى أشهر قليلة خلت تربطه بمصر، أمر لا يشك فيه أي مواطن مخلص. وليس في وسع أية محاولة أن تصرف الشعب عن مشكلته الكبرى حتى يتيسر لها الحل الصحيح الذي يتفق مع رغبة أكثرية الشعب.

2 - إن الوحدة الكاملة الشاملة كانت وما تزال حلم الأجيال العربية وهدفها الأسمى، ولكن الوحدة الجزئية بين قطرين متحررين أو أكثر، من شأنها أن تقرب الأمة من هدفها الأسمى، ولا سيما إذا قامت على أسس صحيحة قوية تجتمع من حولها القلوب وتأتلف الأهداف الاقتصادية والاجتماعية. ووحدة سورية ومصر كانت وما زالت حجر الزاوية في قوة العرب وتحررهم، ولو لم يفرضها اليوم غير قيام إسرائيل بين هذين البلدين في قلب الوطن العربي، لكفى.

3 - إن الأخطار الخارجية المحدقة بالبلاد، لا يدفعها حقاً إلا الإسراع بتوحيد سورية بمصر مجدداً في دولة قوية وعلى أسس صحيحة مدروسة، تنسجم مع الأماني القومية للبلاد وتتلاءم مع ظروفها الاقتصادية والاجتماعية.

سيادة الرئيس:

في ضوء هذه الاعتبارات المتقدمة، نتقدم من سيادتكم بالمطالب التالية:

1 - متابعة الخطوات التي قطع المسؤولون - وأنتم منهم في الطليعة - العهد على أنفسهم باتخاذها والمبادرة إلى تيسير الاتصال بين دمشق والقاهرة على الخط الذي يمكن السير فيه.

2 - بعد أن يتم الاتفاق بين القاهرة ودمشق على أسس المشروع الجديد للوحدة بين البلدين الشقيقين، لا بد من إتاحة الفرصة للشعب كي يعبر عن رأيه بصراحة وحرية تامتين في هذا المشروع في استفتاء عام، مع ضرورة توفير كل الضمانات لحرية هذا الاستفتاء العام ونزاهته.

3 - توفير حرية التعبير لجميع المواطنين على حدّ سواء، وعدم تمكين فئة ما أو اتجاه معين من السيطرة على وسائل النشر.

4 - إطلاق سراح المعتقلين الذين لم تثبت بحقهم أية تهمة وتوفير العدل والطمأنينة والحرية لجميع المواطنين.

سيادة الرئيس:

إننا إذ نتقدم إلى سيادتكم بهذه المذكرة التي نعبر بها عن رأينا، إنما نقصد إلى دعم كل الجهود المخلصة التي تبذل في هذه ه الآونة لإيجاد الحل الصحيح للأزمة القومية التي يحياها شعبنا الذي لا يقبل في وحدته القومية مساومة أو مهادنة.

وإننا لنرجو من صميم قلوبنا أن يوفق الله المسؤولين في دمشق والقاهرة إلى إيجاد هذا الحل الصحيح المنشود في أقرب وقت، وأن تكون بالتالي نتيجة الاستفتاء مصالحة وطنية رائعة، وفاتحة لعهد جديد من الأخوة والتضامن والتسامح، يتسابق فيه المواطنون المخلصون من أجل رص الصفوف، وتوطيد دعائم الاستقرار والازدهار في البلاد وتوفير الطمأنينة والرخاء لجميع أبنائها.

واللّه من وراء القصد.

السبت في 21/1/1382 هـ - و23/6/1962.

عبد الصمد الفتيح، راتب الحسامي، علي بوظو، عبد الوهاب حومد، نهاد القاسم.

وقد نشرت الصحف المحلية هذه المذكرة، منها من نشرها بنصها الكامل ومنها من أخذ مقتطفات، واختارت أكثرها أن تقدم البيان إلى قرائها بالمانشيتات الكبيرة، كما يلي:

«بيان الناصريين الخمسة».

ومن الصحف من نشر البيان، دون تعليق، ومنها ما علقت عليه.

وقد نشرته جريدة النصر، وعلقت عليه، ومما قالته:

«.. إن البيان يجزم بأن تلك الوحدة كانت تجربة صحيحة، وهذا عدم اعتراف ضمني بالأخطاء.. وأثبت موقّعوه أن خطهم الأساسي هو خط التجاهل الأعمى لواقع انحراف وتسلط الحكم خلال تجربة الوحدة.. وإذا كان حكم الأقبية والسياط هو الحكم اللائق بشعبنا في نظر أصحاب البيان الخماسي.. فهذا يعني أنهم يحتكرون وحدهم منتهى الحكمة والذكاء، والإخلاص القومي..

إنهم يعالجون قضية الوحدة بمنطق المستفيدين الذين فجعوا بمراكزهم وسلطاتهم الشخصية.. وبهذا المنطق يدعون كل مواطن إلى التضحية بكل حقوقه كإنسان، للعودة ثانية إلى نظام تأليه الفرد واستباحة المرافق والسلطات، وليس وراء هذه الدعوة إلا أحلام استعادة تلك المنافع مضاعفة على حساب كل مبدأ.

..إن رد القاهرة هبط بقضية الوحدة العربية إلى مستوى المنة بقبول الرد على عرض وحدوي أصيل، وجاء خالياً من أي معنى أصيل..

وإن شخصيات موقعي البيان، تعزز ما يوحي بيانهم من ارتباطات وحنين إلى الماضي، وبينهم وزراء أغدق عليهم ذلك العهد الكثير لقاء أن يكونوا أدوات طيعة لسياسة التمصير وسياسة تحويل البلاد إلى مزرعة لحكم الفرد»[1].

ومن إلقاء نظرة متفحّصة على تعليقات الصحف على بياننا، وجدنا أنها لم تناقش هذا البيان مناقشة قومية هادئة متفحصة، وإنما لجأت إلى التجريح والافتراء وليس هذا ما يؤذينا، فنحن نعرف صحافتنا بأنها تتلون، حسب الاتجاهات لتظل تغترف من معين الابتزاز الذي لا تريده أن ينقطع.

وكانت تلك مأساة الصحافة.. إلا قلة من أصحابها، كانوا يكتفون بالمبيعات والإعلانات، والتعبير عن القناعات القومية في نفوس أصحابها.

غير أن الذي استنتجناه من اندلاع الحملة، هو «انقلاب» الحكومة على نفسها، وتغيير اتجاهها إلى الوراء الانفصالي.. تحت تأثير القوى الخفية، التي كانت تخطط لمقاومة الوحدة، بعد أن تمرغت في جرائم الانفصال.

وكان قائد قوى الأمن الداخلي، العميد مطيع السمان، واحداً من أشد المرتكزات الانفصالية، حتى أن رئيس الوزراء العظمة سماه في مذكراته «بالعميد المعتمد مفوضاً سامياً مشرفاً وموجهاً للوزارة[2]

ويظهر أنه حاول إبعاده عن هذا المنصب، ولكنه لم يفلح.. «لأن أكثرية المقترعين من مجلس القيادة العسكرية، (وقفوا إلى جانبه..).. وعدت إلى العمل (الوزاري) بعد أن أدركت بأن الوضع في الجيش ليس بأفضل من واقع الساحة السياسية»[3].

وبارك الله في عزيمة رئيس كهذا.. يعود إلى عمله كرئيس للوزارة بعد أن أدرك - حياه الله بأن «الوضع في الجيش ليس بأفضل من واقع الساحة السياسية».. وإذن فلماذا يتظاهر بالاتجاه الوحدوي ويعلنه، ثم يستخذي؟

لقد أدهشنا هذا اليوم، سيادته.. ببيان ألقاه في مؤتمر صحفي، أعلن فيه، بجرأة تراجعه عن كل اتجاه وحدوي وديمقراطي، كان أذاعه في الناس، وطلب منا مساندته فيه.. وأذهلنا إعلانه في المؤتمر الصحفي اليوم، «أنه وحكومته لا يمثلان شيئاً في البلاد، ولذلك لا يحق له ولها أن يربطوا البلاد بوحدة أو اتحاد.. لأنه لا بد من سلطة تمثيلية (تنبثق طبعاً عن انتخابات حرة) للشعب، تكون قادرة على التعبير عن حقيقة إرادة الشعب..».

وقد أذاع التلفزيون ومحطة الإذاعة هذه التصريحات المخجلة.

ومما جاء في هذا المؤتمر «التاريخي» أن صاحبه انتقد صحافتنا المحلية على حملتها المسعورة على السماح للجرائد المصرية بالدخول إلى سورية وتساءل «هل هي صحف إسرائيلية»؟.. ومع ذلك، فقد «لحس» أمر حكومته بهذا السماح ووافق على الأمر الصادر بمنعها.

وبذلك أعطى صفة مشروعة لتصرف قائد قوى الأمن الداخلي الذي كان يصادر هذه الصحف المصرية، في فترة السماح لها بالدخول. ويسميه «العميد والمعتمد» و«المفوض السامي»..

وقد نشرت صحيفة الأهرام في القاهرة بياناً للسيد عبد الحميد السراج، الذي تمكن من الهرب من سجن المزة، (عدد 22 حزيران 1962) أعلن فيه أنه قرأ نبأ المطالبة بمحاكمته، في دمشق، وأنه مستعد للمثول أمام أية محكمة عادلة تشكل لمحاكمته.. غير أنه اشترط «إجراء المحاكمة بصورة علنية تحت رقابة الشعب السوري وأمام وعيه العميق»..

وقال إنه ينتظر جواب حكام دمشق، عن طريق سفارة الجزائر في القاهرة، فإذا جاءته الموافقة، فإنه سيركب أول طائرة إلى دمشق، ليمثل أمام محاكمها.. ولم تصله الموافقة أبداً، خشية أن يقول كل الذي يعرفه.. وهو بالتأكيد يعرف الكثير عن كل واحد من المسؤولين..

لذلك «لا عين ترى ولا قلب يحزن».

واللّه أمر المؤمنين بقوله: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة 195].

بعد أن استخذى الدكتور العظمة، ودمغ نفسه بالتملص من مبدأ أعلنه، وهو العمل على إعادة الاتصال بمصر، وتنصله من بياناته وبيان حكومته، ركّزت الصحف المحلية هجماتها علينا بقسوة غير مألوفة.. وبالحق والباطل.. والباطل أكثر.

ودخل في ركب الشتامين الدكتور حافظ الجمالي.. وهو بعثي قديم، وأستاذ في كلية الآداب، لمادة التربية.. والأستاذ رفيق المقدسي، الذي أقرأ له، ولكني لا أعرفه..

ولنقرأ نموذجين من أدب هذين الكاتبين..

في جريدة النصر (عدد 29 أيار) سمانا الأستاذ المقدسي «وكلاء فرعون الخمسة»، وكتب يقول:

«.. وهل يرى هؤلاء الخمسة أن التجربة الصحيحة للوحدة هي في تعذيب الأبرياء وتسلط زبانية المباحث على رقاب العباد، أم يرونها في القتل والشنق والتعذيب، أم يرونها في الحكم البوليسي الرهيب، أم يرونها في أصوات الثكالى اللواتي فجعن بأزواجهن وأبنائهن في غياهب أقبية الإجرام، أم يراها هؤلاء الخمسة في الزنزانات التي كانت تعج بآلاف المواطنين والسياط تلفح جلودهم والكهرباء ترقص أجسامهم؟..

والذي يقرأ هذا المقطع، يحسب أن سورية في عهد الوحدة، أصبحت مثل إيطاليا في عهد ثورة العبيد الذين قادهم سبارتاكوس والذين علق المنتصر الروماني أجسادهم على أغصان الأشجار ما بين نابولي وروما!. القتل والشنق والتعذيب! ما أسوأ ضميرك أيها المفتري؟

لقد كتبت في كتاب آخر عن «الوحدة» أن ثلاثة فقط ماتوا لدى المباحث بيير شدرافيان في حلب، وفرج الله الحلو (اللبناني المتسلل إلى سورية) ومعلم مدرسة من آل الدروبي، وكلهم شيوعيون، ولا يخطر ببال أحد أن يشفع لعمل المباحث، فموتهم كان جريمة لا تغتفر.. ولذلك عوضت الدولة على أهلهم، وأحالت إلى القضاء الفاعلين.

ويجب عليّ أن أذكر، في هذه المناسبة الأليمة، أن المرحوم الدروبي وجد معلقاً من رقبته في زنزانته، وأعلن الطبيب الشرعي أن موته كان انتحاراً، قام به هو نفسه.

ولست أدافع عن عمل إجرامي.. ولكن التهويل والمبالغة في الحديث عن جرائم فردية، يمكن أن تقع في أي بلد.. وخاصة في بلاد العالم الثالث، يؤذي الحقيقة ويثبت أن ذمة الكاتب غير بريئة من سوء القصد.

أما الأستاذ حافظ، فقد نزل بنفسه، في فترة الانفصال الذي سانده بأنيابه وأظافره إلى أن يكون ظاهرة عجيبة.. وأذكر أنني تحدثت في شأنه مع «أستاذه» الأستاذ صلاح البيطار، فاستهجن مسلكه الشاذ، وانحرافه القومي، وقال عنه: «إنه أصيب بإسهال الكتابة الصحفية».. وهو في هذه الإيماءة، يشير إلى أن السيد الجمالي كان يكتب أحياناً ثلاث مقالات، في ثلاث جرائد يومياً، في شتم الوحدة، التي كان «حزبه» يذيع على الناس، في تلك الفترة نفسها، دعوته الملحة إلى إعادتها.. وكان البيطار على اتصال بنا، من أجل «توحيد الصف»!.

وكان الأستاذ الجمالي، طلب أن يزورني في بيتي، بعد أن استقال البعثيون، أيام الوحدة، واستقبلته، كعضو في حزب مناضل ذي مبادئ، بكل ترحاب.. وكان معنا الأستاذ عبد العزيز عثمان، المدير العام لمؤسسة التأمينات والمعاشات.. وكان الحديث عادياً جداً، إلى درجة أنني استغربت أمر هذه الزيارة.. بل إنه لم يفاتحني، حتى بطلب استقالتي تضامناً مع إخوانه.. وكأنه شعر بأنني لن ألبي أية دعوة تخريبية، وودعته، كما استقبلته.

وبعد أن وقع الانفصال، كتب الجمالي في جريدة الأيام عدد 27 حزيران 1962 مقالاً بعنوان «مع المثاليين الخمسة الجدد».. وذيل عنوان المقال، صاحب الجريدة، فوضع إلى جانبه نقاطاً، خلفها نقطة تعجب، كهذه..!

ومما قاله في هذه التحفة الفنية الرائعة المهذبة و«الصادقة».

«.. وما بال هؤلاء الوزراء الذين يقومون بأعباء الحكم في سورية، لا يصارحون صاحب السلطان بالوضع الذي تردت إليه الوحدة، وبالإرهاب الذي يعيش في جوّه المواطنون، وبالبؤس النفسي والأخلاقي الذي يفرضه المباحثيون؟

..وإني لأذكر الآن، أن السيد عبد الوهاب حومد وزير المالية، زعم وأنا أكلمه في هذا الأمر، أنه علم - فيما علم - أن رجال المباحث في حلب، كانوا يطفئون لفائفهم في عيني رجل كان بين أيديهم..

.. أو يذكر الأستاذ حومد، وهو القومي المخلص، أنه قال لي يومئذ أنه حدث الرئيس بأن موازنة ضباط الجيش قد زادت خمسة ملايين في عام واحد، وأنه طلب الرفق بالموازنة، قبل أن يطلب الرفق بالضباط؟».

وبعد ذلك يتناول الأستاذ نهاد القاسم وزير العدل ويأخذ عليه «أنه يعرف أن السجون، كانت ممتلئة بمن سجنوا بدون محاكمة؟».

وأشهد بين يدي الله.. أنني عرضت مقال الجمالي على الأستاذ عبد العزيز عثمان، الذي كان واسطة العقد وثالثنا في هذه الجلسة المقيتة في بيتي، فقرأه، وعلّق عليه، بأن شيئاً من هذا الذي كتبه الكاتب «الفاضل» لم يُقل.

ولم يكن الجمالي هو المفتري الوحيد، بل كان واحداً صغيراً في جوقة النفاق واللؤم.. من الذين يتظاهرون بحب الوحدة، ويضربون في أسسها بمعاول أعدائها.

وإذا كان هذا الذي يقوله في الوحدة صحيحاً، فلماذا حاول معلمه الأستاذ البيطار أن ينتحر، وقطع شريان يده، أسى وحزناً وتكفيراً عن توقيعه على صك الانفصال؟ وأنا لا أقول أبداً إن الوحدة لم تكن مسرحاً لأخطاء ارتكبها جماعة من المخابرات. وأننا بلغنا عنها الرأس الذي يشرف على هذه المؤسسة، وأنه استنكرها، وعمل على منعها..

غير أن وقوع أخطاء، ولو كثرت، لا تبرر جريمة الانفصال، التي زعزعت قناعات المواطنين بهويتهم ومستقبلهم وعرّضت الأمة - ولا تزال تعرّضها، إلى أفدح الأخطار!، وأي مريض يصاب في عينه بالرمد، فإنه يحاول مداواتها. ولا يعمل على قلعها، أو القضاء على الجسم كله.

وأحب، لمجرد التذكير، أن أقول، إن عهد الوحدة كان سمناً وعسلاً، حين كان البعثيون في كراسي الحكم، فلما قلّم الرئيس أظافرهم ورفض أن يسلمهم مقدرات سورية، كما طلبوا، انقلبوا على العهد، وراحوا يشنعون عليه وانضم إليهم الناقمون، الرجعيون، الذين تضررت مصالحهم.

وبعد أن أسقط حيدر الكزبري وعبد الكريم النحلاوي وصحبهما من الضباط الدماشقة، سارع الحاقدون إلى احتضانهم، والدفاع عن نظامهم، وراحوا يفلسفون الانفصال، وكأنه أمنية تحققت للأمة أغلى وأثمن من القضاء على إسرائيل.

وقد أثبتت الأيام أن انفصال الجمالي وزملائه لم يقو على ضربة من كعب حذاء..

ولولا استماتة الأستاذ البيطار في الدفاع عنه، لكان أحد الذين طالتهم مكنسة العزل المدني.. جزاء له على ما قدم من سوء.

---

الحواشي:

[1] جريدة النصر لصاحبها وديع صيداوي، في 26 حزيران 1962.

[2] ص235.

[3] ص235.