بين يدي هذه المذكرات - الجزء 32: رواية الدكتور سامي الجندي عن احتجازه ستة وثلاثين يوماً في المرحاض
الجمعة 5
منذ مدة وأنا أفكر بزيارة الأستاذ نبيه العظمة في بيته.
أولاً، لأنني أسكن في نفس الشارع الذي يسكن فيه.
وثانياً، لشكره على تأييده القوي، للمذكرة التي قدمناها لرئيس الجمهورية، واستقبلني الرجل بلطفه المعهود وحيويته الدافقة، على رغم أنف الخامسة والسبعين من عمره.
نبيه العظمة سياسي عُرِف بوطنيته المتقدة، ومشاركته الفعلية في حرب ليبيا، لتحريرها من ربقة الاستعمار الإيطالي.. وأشرف على إنشاء الحزب الوطني في أوائل الخمسينات وترأسه مدّة قصيرة، ثم اختلف مع أعضائه الكبار، من أصحاب السابقة في النضال الوطني، فاستقال، واعتكف في بيته.
كان من أشد المتحمسين لوحدة العرب، وما كان يهادن في موضوع الوحدة ولا يساوم، وحين أذعنا رسالتنا إلى الدكتور القدسي، بادر إلى تأييدنا فوراً.
ومن أجل هذا التأييد الذي وقعه معه الأمير بهجت الشهابي والأديب المفكر عزة دروزة، قررت أن أنغص عليه خلوته.
وبمجرد أن طلبت منه موعداً، عن طريق ولده، صديقنا هشام، حدد لي موعداً.. كان في بيجامته والروب دي شامبر. إذ لم يكن من اليسير عليه أن يرتدي بذلته اليومية.
ودون مقدمات ولا توطئات، اندفع في الكلام.. تحدث عن وزارته أيام الدولة الملكية السورية، تحت تاج الملك فيصل الأول.. وكيف غدرت فرانسا بسورية، فاحتل الجنرال غورو بلادنا، برغم أنف العهود والمواثيق الدولية.
وحمل حملة شعواء على الرئيس شكري القوتلي، واعتبره مسؤولاً عن كوارث الوطن، لأنه لم يحسن التصرف في رئاسته.
وقد لامه لوماً شديداً جداً على تأييده الانفصال، واستغرب، وهو يتكلم، كيف يؤيد انفصال إقليمين رجل لقبوه «بالمواطن العربي الأول؟». وقال عن سورية، إنها بلد يعمل منذ خمسين سنة للوحدة. وقد تحققت فعلاً، فكيف استطاعت وطنية «الانفصاليين» أن تتحمل أمام الله والتاريخ مسؤولية هذه المذبحة القذرة؟
وانتقد ناظم القدسي انتقاداً مراً. وقال: إنه اتصل به بالهاتف، يوم نُسفت سيارتي من قِبَل رجال دولته، واستهجن جوابه له «بأنه لم يسمع شيئاً عن هذه القصة». وكان صوته يرتفع حين ينفعل، ثمّ يعود إلى الهدوء، قبل أن يعاود الانفعال مرة أخرى.
وتحدث عما يفكر في عمله، فقال: أنا عربي ومسلم، وأنا أشعر بمسئوليتي أمام الله ووطني، لذلك قررت أن أذيع بياناً في جريدة البعث (التي كانت تصدر تلك الأيام)، أفضح فيه الجرائم والخيانات التي ارتُكِبت.. ولا يمكن أن يرتاح ضميري إلا يوم أطالع هذا البيان في الصحافة.
وحين لاحظ له ابنه، بأنه لا فائدة ترجى من هذا البيان، ثار في وجهه، وقال: أنا سأذيع البيان، ثم ليشنقوني إذا شاؤوا أو يسجنوني.. واختصرت الجلسة، حتى لا أزيد في إرهاق قلبه الكبير، من توالي انفعالاته.. وساءلت نفسي: أي إيمان بالوحدة هذا الإيمان الجبار الهدار؟
وما أبعده عن إيمان المخادعين الذين يخنقون وحدة قامت، بخيرها وشرها وعجرها وبجرها، ولا يخجلون من رفع الشعار الكاذب: «الوحدة الشاملة». ومع ذلك فقد وجّه لوماً رفيقاً إلى عبد الناصر، لأنه «هَرَّب عبد الحميد السراج» من سجن الانفصاليين، وأبرزه كزعيم وطني كبير.
والظاهر أنه لا يحب السراج، ويلقي عليه جانباً من مسؤولية الانفصال..
السبت 6
أخبرنا صديقنا راتب الحسامي، أن السعوديين عرضوا عليه بواسطة عميل لهم، مئة وخمسين ألف ليرة سورية، مقابل تجميد نشاطه ضد الانفصال، وليس عليه أن يهاجم مصر، أو ينتقد عهد الوحدة.
وراتب فوق كل شبهة في أقواله.
وصرف العميل بعد أن أعطاه «درساً» في الأخلاق.
وقد تناقلت الأخبار، نبأ لجوء طيارتين سوريتين إلى القاهرة، كانتا في طريقهما إلى الحدود اليمنية، وهما تحملان سلاحاً سورياً إلى الإمام محمد البدر، نكاية بدعم عبد الناصر لحركة السلال.
وقد اعترفت بالسلال عدة دول، منها الاتحاد السوفيتي والمجر ويوغوسلافيا ولبنان وتونس والسودان.
وفي المساء زرنا الدكتور سامي الجندي، الذي أفرج عنه بعد سجن دام أربعة أشهر، بتهمة تهريبه العقيد جاسم علوان.
وقد وجدنا طبيب الأسنان المعروف (سامي الجندي) لا يكاد يستطيع الوقوف على قدميه.. من «حسن المعاملة». وأخبرنا أنهم لم يعطوه حبة أسبرين إلا بعد عشرة أيام..وأنهم احتجزوه ستة وثلاثين يوماً في المرحاض.. على حد قوله.
ومن أسف أن المباحثيين لا يغيرون أساليبهم.
وكل عهد يأتي، يبقي عليهم وينتفع بخبراتهم وتجاربهم «المثمرة». والعجيب أن دعايات الانفصاليين، تتركز على «عهد الأقبية والمخابرات» أيام الوحدة.
ولكن لماذا، تأمرون الناس بالمعروف وتنسون أنفسكم؟
والظاهر أنه، طالما كانت «المباحث» موجودة، فإن المظالم ستظل فظيعة.