بين يدي هذه المذكرات - الجزء 6: تهنئة شكري القوتلي للانفصاليين هاتفياً من مستشفاه في زيورخ
الأحد 8
نشرت اليوم جريدة «الجمهورية» مقالاً للأستاذ الدكتور طه حسين (عميد الأدب العربي)، عتب فيه على السوريين عتباً غير رفيق، وانتقد انقلابهم على الجمهورية.. كذلك، اشتدت لهجة الصحافة المصرية، ضد الانقلابيين.. والسوريين بعامة.. وفي بعض ما كتب، تجنٍّ على الحقائق، ولا يخلو من إيذاء..
وأظنّ أن أكثر ما كتب، ليس في صالح المستقبل العربي.. وقد عقد الوزراء السوريون اجتماعاً اقترحوا فيه توسيط الأمين العام للجامعة العربية الأستاذ «عبد الخالق حسونة» لدى الانقلابيين السوريين من أجل سفرنا إلى سورية..
وقد شعرت أن بعضهم يستعجل العودة، حتى يثبت أوضاعه قبل أن يفوته القطار..
وعارضتُ هذا الاقتراح، وقلتُ إننا بعد أن استقلنا من الحكومة، أصبحنا مجرد مواطنين سوريين، في زيارة إلى مصر..
وحدثت بيني وبين أمجد الطرابلسي مناقشة حادة.. ومن قِدم، لا يستعذبني هذا الزميل، ولا أستعذبه.. وللذكرى أقول: إنه كان من «أركان» حزب أكرم الحوراني، وكان معه الدكتور حكمت هاشم، الذي ظفر بكرسي رئاسة جامعة دمشق، أيام الوحدة..
وقد يرجع «عدم الاستلطاف» بيني وبين الطرابلسي، إلى عام 1938 حين تقدمنا إلى مسابقة بعثة الأدب العربي إلى السوربون، ونجحت الأول، وأخذ هو من باب الترضية له باعتباره «أديب دمشق».
ولم يؤخذ في أي مادة أخرى اثنان.. على ما أذكر..
وحين استقال أصحابه البعثيون من وزارة الوحدة، رفض التضامن معهم.. ولم يقدّم استقالته. وحين زاره خليل كلاس ليحثه على الاستقالة، رده رداً غير حميد. كذلك حين أصبح وزيراً للتعليم العالي، «بادر» أعضاء المجمع العلمي إلى انتخابه عضواً فيه..
وأشهد أنه أهل لهذه العضوية.. غير أن أوانها يوحي بشيء من الوصولية وانتهاز الفرص.. وهو أمر كنت رفضته عام 1951، حين أصبحت وزيراً للمعارف.. وكان المجمع مرتبطاً بهذه الوزارة.
وجاءني رئيسه الأمير مصطفى الشهابي، ونائب الرئيس الأستاذ الشاعر خليل مردم، وأمينه الصديق الأمير جعفر الجزائري يعرضون عليّ العضوية.
وخشيت أن يفسر انتخابي استغلالاً للمنصب، فرفضت العرض.. وانتهت وزارتنا باستيلاء الشيشكلي على السلطة واعتقالنا في سجن المزة.. وطوي موضوع المجمع نهائياً في ذهني.. حتى جاءني أعضاؤه الأخيار، وأنا متقاعد في بيتي، عام 1991 يعرضون عليّ العضوية..
ووافقت، وانتخبوني مشكورين، وأنا في موقع اجتماعي، لا تنظر إليه السلطة بعين الرضا..
وطالما أصبح مقامنا في مصر محدود المدة، فقد رأيت أن أتفرج على معالمها، وأفرج عن النفس بعض كروبها.. فاصطحبت العائلة، إلى رحلة على النيل طويلة.. وكان معنا القاضي الكبير عبد القادر الأسود.. الذي عيّنه عبد الناصر رئيساً أول لمحكمة النقض الموحدة في الإقليمين.. والذي لا يزال يداوم على مكتبه، في انتظار أن يقدّم استقالته..
الاثنين 9
قضينا يومنا في الإسكندرية.. لكي يراها الأولاد..
كان الطقس كئيباً والبحر يتلاطم كأنّما أصابته أزمة جنون.. وتناولنا غداءنا في مطعم شعبي، نصحنا به السائق، وكان غداءً شهيّاً فعلاً..
وقد أخذ الموظفون السوريون يعودون إلى دمشق، عن طريق بيروت.. وقال بعضهم إن أجور سفرهم لم تدفع لهم..
ووجه العجلة، أنهم يريدون أن يظفروا بوظيفة مناسبة قبل أن يتقاسم الوظائف المناسبة، البواشق ذات المخالب القوية..
وقد أثار اهتمامي أن ولديّ أخذا يتململان من البقاء في مصر.. ولا أعرف، إن كان زملاؤهما في المدرسة أخذوا بمضايقتهما.. أم أنهما أحسا بجو الكآبة الذي نعيش فيه.
وفكرت أن تسافر «أمل» زوجتي وميساء وغسان مع نساء الوزراء العائدات، في انتظار انكشاف الأمور المظلمة..
الثلاثاء 10
سافر القاضي عبد القادر الأسود إلى دمشق.. وودعته في مكتبه، وكان عنده عدد كبير من مستشاري النقض المصريين، يواسونه ويودعونه بكل أسف وحسرة.. وسافر الأستاذ علي بوظو، عضو مجلس الأمة.. وكان عضواً في المجلس النيابي عن دمشق، ووزيراً سابقاً وزميلاً قديماً لي في حزب الشعب، الذي كان أحد مؤسسيه.. وقد حدّثني أنه حضر اجتماعاً مع عدد من نوّاب الإقليم الشمالي، ليتدارسوا قضية تقديم الاستقالات، وتقرير العودة.. وكان هذا رأيه..
غير أن بعض «النواب» ردّوا عليه بعنف، وقالوا له، إذا كنت تريد أن تعود إلى دمشق، فلن يمنعك أحد.. أمّا أن تحملنا على اتخاذ قرار ملزم، فهذا ليس شأنك..
وقال له أحدهم: يا أبا عروة - وهذا لقبه - إن عندي أحد عشر ولداً وبنتاً أعيلهم، فمن أين سآتي لهم بغذائهم ولباسهم في دمشق، إني قررت أن أصبح «لاجئاً سياسياً» هنا، على أمل الحصول على الجنسية المصرية.. وقبض المعونة المقررة للاجئين السياسيين!.
وودعنا السيد ثابت العريس، الذي كان أسبق الوزراء إلى العودة.. وثابت كان «متحمساً» لإرسال القوات المسلحة، لإعادة سورية إلى حظيرة الوحدة، كما لو كان العصيان واقعاً في أسوان أو المنيا.. ولم يخب رجاؤه.. فقد عين سفيراً للانقلابيين السوريين.. وتابعت زيارتي لمعالم القاهرة..
زرنا ضريح مصطفى كامل، ومسجد محمد علي وقصر النيل ومتحف الآثار المصري.. وكان مدير المتحف كريماً معي.. وهو زميل لنا في جامعة باريس، ففتح لنا القاعات المغلقة.. وأمعنا النظر، وأعملنا الفكر، ونحن ننظر إلى مومياء توت عنخ آمون..
هذا الفرعون العظيم، الذي حكم مصر من آلاف السنين.. وهو الآن يرقد في تابوته، وذهبه، كأنه مات في الأمس.. ولم يكن المنظر فرجة، ولكنه كان عبرة وعظة لمن يريد أن يعتبر ويتعظ. وسبحان الذي لا يموت..
الأربعاء ١١ - تأييد الرئيس شكري القوتلي
أذاع مصطفى البارودي وزير الدولة للدعاية والأنباء من الإذاعة والتلفزيون بدمشق بياناً عن تأييد الرئيس شكري القوتلي، جاء فيه: «.. تلقى الدكتور مأمون الكزبري هاتفاً من الرئيس شكري القوتلي، الموجود حالياً في المستشفى في زوريخ، أعلن فيه عن اغتباطه لوقفة الجيش المظفرة، والتفاف الشعب حول الجيش والحكومة، وهو يقدم التهنئة الخالصة إلى الشعب والجيش والحكومة على هذا العمل المجيد والنجاح المظفر..
وأنّه حمّل تحياته وأمنياته إلى رجال الجيش الأشاوس وإلى السادة الوزراء..».
وقد أذيع هذا البيان البارحة. وسمعته اليوم! وقد شعرت بالحسرة وأنا أسمع هذا البيان..
فشكري القوتلي، أحد أعمدة الاستقلال، ومن القوميين العربي المعروفين وكان عل رأس الوفد الذي أعلن الوحدة يوم 5 شباط 1958.. وبعدها أصبح «المواطن العربي الأول».
وأصبح بيته معلماً تاريخياً، تدخل زيارته في البروتوكول الرسمي للدولة.. فماذا الذي حمله على أن يزج بنفسه، ومن المستشفى، في هذا الجو المنتن؟ إني كتبت في غير هذا الكتاب، حديث الأمير مساعد السعودي إلى صديق دمشقي، هو عديل له، بأن الرئيس القوتلي لم يكن راضياً أصلاً عن الوحدة، وأنه كتب إلى الملك سعود رسالة يعتذر له فيها بأن الزمام أفلت من يده.. فاضطر إلى السير في المسيرة، خشية أن يفقد موقعه..
وسار في المسيرة.. يرفع علم الوحدة ولا يترك مناسبة دون أن يتحدث عن أمجاده الوحدوية!. واليوم ينقلب عليها، دون أي سبب معقول، لا قومياً ولا شخصياً.. حتى الرجال الكبار يقعون على الأرض في ساعة ضعف.
واليوم ودعت الأستاذين الدكتور معروف الدواليبي والأستاذ مصطفى الزرقا، اللذين عادا إلى دمشق.. وقد كنت أقمت لهما وللأستاذ عبد القادر الأسود وثمانية أصدقاء آخرين، حفل غداء في نادي الصيد بالزمالك.. وكان الطعام سخياً ومن أطايب ما يقدم.. حتى «الجمبري». القريدس. المشوي كان على المائدة..
وكانت فاتورة الحساب عن اثني عشر مدعوّاً، اثني عشر جنيهاً مصرياً، لا غير، ويومها كنا نتقاضى راتباً قدره /300/ جنيه، وتدفع الدولة أجرة المسكن ونفقات السيارة.
ويوجد في مصر تقليد جميل، وهو تقديم بطاقة عضوية لكل نوادي القاهرة، إلى الوزراء، دون أية رسوم.. وكان هذا الغداء في هذا النادي الفخم، إحدى هذه العضوية.
الخميس 12
زرنا آثار سقّارة الرائعة..
وأصدر الرئيس قرارات بتكليف الوزراء المصريين بالقيام بأعباء الوزارات التي شغرت باستقالة الوزراء السوريين. وقد أراحنا من وضع قلقٍ وارتاح إلى أوضاعه الداخلية.
الجمعة 13
تقدّم مندوب سورية إلى الأمم المتحدة بطلب، يرجو فيه قبول «الجمهورية العربية السورية» في عضويتها..
وكان الرئيس عبد الناصر أعلن أنه أوعز إلى مندوب الجمهورية العربية المتحدة ألا يقف في طريق هذا القبول..
وهذا الذي تم.. فأصبحت سورية دولة لها مقعدها في المنظمة الدولية.. وفرح بذلك من فرح، وضحك من ضحك، ونسوا قول الله تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً}.
أما أنا فقد شعرت بحزن وأسف لا مزيد عليهما.
السبت 14
زارني اليوم في بيتي، كبار موظفي وزارة التخطيط، مودعين.. وأشهد أنني بذلت جهداً كبيراً للسيطرة على نفسي، حتى لا تفضح انفعالاتي مشاعري الحزينة.. وأشهد أنهم أظهروا من العواطف القومية، ما لم أكن أحسبه في المصريين من قبل.. فقد تجادلت ذات يوم مع الأستاذ محمد حسنين هيكل، في حلب، حول القومية العربية والنسب الفرعوني، وأكاد أجزم أنه أشد تمسكاً بالفرعونية منه بالعروبة.. وسمع زملائي في الباخرة التي أقلّتنا عام 1938 إلى فرانسا، من طه حسين الذي كان على متنها كلاماً أدهشهم وعقد ألسنتهم.. وقد كان لعبد الناصر - وحده - أعظم الفضل في عودة مصر إلى عروبتها.. «فأمّا الزبد فيذهب جفاء.. وأما ما ينفع الناس فيبقى في الأرض..