بين يدي هذه المذكرات - الجزء 7: لقاء ضباط النحلاوي وتهمة إدمان المشير عامر على الأفيون

اقرأ بالإنكليزية

الخميس 19

زارنا، نور الدين كحالة والدكتور شوكت القنواتي (وزير الصحة) ونهاد القاسم وأنا، القصر الجمهوري، وسجلنا أسماءنا في سجل التشريفات، استئذاناً بالسفر..

وظني لو أننا طلبنا مقابلة الرئيس، لكان استقبلنا..

غير أننا اتفقنا فيما بيننا على أن نجنبه ونجنب أنفسنا جلسة حزن وأسى.. وعدنا لنصطحب أسرنا إلى المطار في طريق العودة إلى دمشق، عن طريق بيروت، لأن الطيران بين سورية ومصر كان محظوراً..

وتحرّكت بنا الطائرة في الساعة الثانية بعد الظهر.. وحين خرجنا من الجو الإقليمي المصري، وألقينا نظرة الوداع على نيلها وشريطه الأخضر، تذكرنا البهجة التي عصفت بنفوسنا يوم جئناها وزراء لنمارس فيها واجباً قومياً، وأما اليوم، فإننا نعود منكسي الرؤوس، نلعق جراح آمالنا في عزة الأمة وكرامتها.. ونتساءل: أمن عودة حميدة في يوم قريب؟! نحن أو أولادنا أو أحفادنا؟..

وهبطنا في مطار بيروت.. واستأجرنا سيارتي تاكسي، لنا ولأسرنا، وتوجهنا إلى دمشق عن طريق البر..

وعلى الحدود السورية، جاءنا ضابط من ضباط المخابرات يطلب إلينا أن نقابل العقيد عبد الكريم النحلاوي في مكتبه في الأركان العامة.. ورجوناه أن يتصل به ويسأله: هل نذهب إليه مباشرة، أم نستطيع إيصال أسرنا إلى بيوتنا ونعود بعدها.. وجاء الجواب، بأننا أحرار في عمل الذي نراه، ولكنه يرجو ألا نتأخر عنه.

وحين دخلنا مكتب النحلاوي، التف حولنا عدد من الضباط، لم أكن أعرف واحداً منهم.. وجلسنا نتحدث إليهم ويتحدثون إلينا ثلاث ساعات متواصلة.. كانت الحملة مركزة على المشير، الذي اتهموه بتعاطي المخدرات. ونهض واحد منهم وفتح درجاً من دروج إحدى الطاولات، وأحضر لنا علبة من صفيح قذرة في حجم راحة الكف، وفتحها أمامنا، وزعم أن المادة السوداء الموجودة في داخلها من مادة الأفيون المخدرة، وقد وجدوها في مكانها من مكتب المشير.. «المعروف عنه أنه حشاش عريق» كما قالوا..

ولم تكن هذه التهمة غريبة على مسامعنا، فقد كنا نسمع من قبل بأن المشير «حشاش»، ولكن لم يستطع أحد أن يقول إنه رآه يتعاطى هذا السم الزعاف.. وحين كنا نجلس إليه، كان دوماً رائق المزاج، دائم الابتسامة، يحبّ النكتة ويطرب لها، وكنت أجده لطيفاً في معاملته، قريباً من القلب.. أقرب إلى البساطة في جلساته، لأنه صعيدي محافظة المنيا..

وأذكر أنني عرضت عليه ذات يوم، قوائم تتضمن مواداً وسلعاً أساسية لإعفائها من الرسوم الجمركية العالية وارتفاع أسعارها ارتفاعاً شديداً، بسبب موجة الجفاف التي ضربت الإقليم (وكان يتمتع بصلاحيات رئيس الجمهورية) فسألني: أخي عبد الوهاب، هل أنت قانع بضرورة هذا التدبير؟فأكدت له أنّه تدبير في صالح الناس والأمن فمدّ يده وأخذ ورقات الفولسكاب، ونظر فيها نظرة عابرة، وأخرج قلمه ووقّع عليها، والابتسامة على فمه..

بعد ذلك راحوا يشتكون من تسلط المصريين على الحكم، وإذلالهم السوريين الذين يعملون معهم، وخاصة في الجيش، وأعربوا عن أسفهم بأن المشير رفض اقتراحاتهم التي قدّموها إليه ليعتمدها، فاضطروا إلى إصدار البلاغ رقم 10 الذي أعلن «أن المشير عامر نكث بوعده لذلك قررت القيادة الثورية العليا للقوات المسلحة اعتبار بلاغها رقم 9 لاغياً..» وبذلك كرسوا الانفصال.

وأخذت الكلام، وقلت للضباط، إنني أودّ أن أتكلم باسمي، لأن زملائي وزراء فنّيون، ولم يعملوا في السياسة، وأنا لا أحب أن أحرجهم فيما أقول.. أما أنا فسياسي، وأحبّ أن أتكلّم بهذه الصفة.. ومما قلته لهم، إذا كنتم قانعين بأن الأوضاع مستتبة، فإنّي أودّ أن أذكركم بسلسلة الانقلابات التي عايشناها.. ولعلّ أسوأ سنة مرت بالبلاد، هي عام 1949، التي شهدت ثلاثة انقلابات.. أما الانقلابات التي لم تظهر على السطح، فلا نعرفها، ولكنا كنا نسمع أنها كانت تحدث في أشكال من العصيان، تنتهي بالمفاوضات أو

بالقمع.. وقد أطيح بالشيشكلي بانقلاب، قاده مصطفى حمدون من حلب، وحالت الوحدة بقيامها، دون مجازر، لا يعرف إلا الله مداها.. وها أنتم تتولون الحكم بانقلاب عسكري جديد.. ومن يدري ماذا يخبئه الغد؟

وراحوا «يطمئنوني» بأنهم يقبضون بيد من حديد على الحكم وأنه لا خشية أبداً من تحرّكات عسكرية جديدة.

ولكن الأيام المقبلة جاءتهم بالأدلة التي تدحض ما كانوا مطمئنين إليه بأحجية تحتاج إلى حاسوب لحلها، لأن الوضع واضح كالشمس في رائعة النهار.. فالانفصاليون الجدد «شوام» وعددهم قليل في الجيش، حيث يقدرهم الفريق عبد الكريم زهر الدين بـ١% فقط من مجموع عدد ضباط الجيش.. وأما غالبية الضباط الساحقة، فمن أبناء المحافظات النائية وأبناء الريف، الذين عجزوا - في الغالب - عن دفع «البدل النقدي» بسبب فقرهم، فاتجهوا إلى الكلية العسكرية، وهم ناقمون على عدم تمكنهم من الانتساب إلى الجامعات.. وأسرّوها في أنفسهم!.

وأكاد أجزم أنهم كانوا في أكثريتهم، إذا لم أقل في مجموعهم، ناصريين، فهم مرتاحون للقوانين الاشتراكية وقانون الإصلاح الزراعي.. ثم المنافع التي كانوا يتمتعون بها.

وفضلاً عن ذلك، وأقولها بوضوح، بأن الانقلابات والاشتراك فيها أصبحت تستهويهم وتسليهم، بسبب أو لغير سبب؟ بل وتغريهم أيضاً!..

وأعترف بأنني أصبت بالذهول، وأنا أقرأ في مذكرات الفريق زهر الدين[1] ما يلي:

«.. حتى أن الرائد فايز الرفاعي - الذي ذهب بعد 28 أيلول مع وفد عسكري لمفاوضة الرئيس عبد الناصر على إقامة وحدة على أسس جديدة - قال للرئيس عبد الناصر بأننا لو لم نقم بانقلاب 28 أيلول، لقام به بعض وزرائك! وأقدر أن أقول لك يا سيدي الرئيس بأن بعضهم فاوضنا من أجل القيام بانقلاب يطيح بعهد الوحدة وذلك قبل تاريخ 28 أيلول.. وعندما أصرّ الرئيس على معرفة اسم الشخص الذي فاوض الرائد الرفاعي، أجابه قائلاً: الوزير طعمة العودة الله.. ويقول الرفاعي بأن الرئيس عبد الناصر اتكأ على إحدى يديه واستغرق في تفكير عميق دام بضع دقائق».

و«الوزير طعمة» - كما كان يُسمّي نفسه حين يطلب أحداً بالهاتف ويريد أن يُعرِّف عن نفسه، - كان من أكثر الوزراء قرباً من الرئيس عبد الناصر والمشير عامر، ومن أشدهم «إخلاصاً» للوحدة.. وكان دائماً يحمل مسدساً حتى في حفلات السفارات، التي كنا نحضرها باسم الحكومة..

وحدث مرة أن سقط مسدسه على الأريكة.. وعاتبته على هذه «الظاهرة المسلحة» في بيت يتمتع بالحصانات الدولية، هو بيت السفارة الهندية..

وانتهت مقابلتنا مع قيادة الانقلاب بعد أكثر من ثلاث ساعات، وودعونا إلى باب مقر الأركان، وكانوا في غاية الأدب والمجاملة.. وأوصلتنا سيارة وضعوها تحت تصرّفنا في ذلك الليل البهيم إلى بيوتنا!..

وبدأنا صفحة جديدة في حياتنا، كمواطنين عاديين. ولكني اتّخذت عهداً قطعته على نفسي، بأن أبقى مستمسكاً بالمبادئ التالية:

1 - البقاء مخلصاً لجمهورية العرب الأولى في تاريخها الحديث. وأحمد الله أنّني لم أحد قيد أنملة عن هذا المبدأ طيلة حياتي.

2 - عدم التعاون مع الانفصاليين.

وهذا يعني:

أ - عدم العودة إلى الجامعة، لاحتلال مقعدي في كلية الحقوق، أستاذاً للمواد الجزائية وأصول المحاكمات الجنائية، لأن العودة ستكون بمرسوم يوقّعه الانفصاليون.

ب - عدم الاشتراك في أية انتخابات سياسية أو بلدية.. لأن ذلك يعني الاعتراف بشرعية العهد.

جـ - عدم قبول أي منصب سياسي أو إداري أو علمي.

وهي التزامات أخلاقية، حافظت عليها ما بقيت حياً.. وضرب بها عرض الحائط، حتى لا أقول وطئوها بالأقدام، الآخرون المرموقون..

---

الحواشي:

[1] ص166.