بين يدي هذه المذكرات - الجزء 8: الرد على أخطاء الوحدة المزعومة الثلاثة وتناقضات مذكرات خالد العظم

اقرأ بالإنكليزية

الجمعة 20 تشرين الأول

جلست إلى مكتبي في بيتي، أسترجع ذكرياتي عن عهد الوحدة، كمواطن ساهم فيه وقنع به.. وساءلت نفسي: هل وقع حقّاً في عهد الوحدة أخطاء تستحق أن تصحح بالانفصال؟

وبعد تفكير طويل انتهيت إلى أن كل حكم لا بدّ أن تقع فيه أخطاء، وطالما أن الناس - ومنهم الحكام - يعملون، فإن الخطأ متوقع الحدوث، والمثل يقول: الحجر الذي لا يتحرك هو الذي لا يخطئ..

ولكن ما هي هذه الأخطاء؟

وأستطيع أن أجزم، أن الذين رفعوا شعار «الأخطاء» قالوا:

1 - أن نظام الوحدة كان ديكتاتورياً.. وهذا واقع لا يماري فيه أحد! ولكن ألا تعرف السماء والأرض والبشر، أن نظام عبد الناصر كان نظاماً دكتاتورياً قام في مصر منذ عام 1952.. ثم إن عبد الناصر اشترط في مفاوضات الوحدة، شرطين الأول: عدم اشتغال الجيش في السياسة، وهذا مبدأ لا يخالفه فيه أحد، من غير الضباط المسيسين، والثاني: حل الأحزاب السياسية ودمجها كلها في بوتقة الاتحاد القومي.. أي الحكم بحزب (إذا جاز التعبير) واحد أوحد؟

ووافق الذين فاوضوه: الضباط والساسة الذين كانوا على رأس الحكومة، وعلى رأسهم الرئيس شكري القوتلي، ورئيس الوزراء صبري العسلي والوزراء مأمون الكزبري، وخالد العظم ورئيس مجلس النواب أكرم الحوراني، وصلاح البيطار، حتى أكتفي بأسماء البارزين من الذين ما لبثوا أن انقلبوا على الوحدة، وراحوا يخترعون الأقاصيص والترهات، لتشويه سمعتها، بزعم أنها دكتاتورية..

2 - وحين أقيمت الوحدة، كان بعض هؤلاء الساسة من قادتها وأركانها ومارسوا الحكم باسمها، كالأساتذة أكرم الحوراني وصبري العسلي، نائبي رئيس الجمهورية، والوزراء صلاح البيطار، ومصطفى حمدون وعبد الغني قنوت، وأمين النفوري وأحمد عبد الكريم وعفيف البزري (قائد الجيش الأول) وغيرهم..

وكانوا مع الوحدة كالسمن والعسل، طالما هم في الحكم.. فلما شعروا بأن الرئيس وجد من مصلحة الدولة أن يكل إليهم أعمالاً أخرى في عاصمة الدولة، تراءى لهم أنهم جُرِّدوا من صلاحياتهم وأنهم أصبحوا بدون عمل يمارسونه، وأن بعضهم كان يحل الكلمات المتقاطعة.. والحقيقة، أن الرأي العام، كان يريد تغيير الوجوه والأوضاع.. لذلك قرر الرئيس إيفاد المشير إلى سورية بصلاحيات رئيس الجمهورية، وقرر المشير إغلاق مكاتب المخابرات فيها، ومنع توقيف أحد إلا بقرار قضائي ووجوب تنفيذ الأحكام القضائية المبرمة، ثم تقرر بأمر من الرئيس نقل ضباط مخابرات السراج إلى القاهرة.

ووقع الصدام مع المشير، لأن من اعتاد على شيء مات عليه.. وراحوا يستقيلون جماعات ووحداناً.. وأصبحوا معارضين للوحدة «الدكتاتورية».

3 - أما عن «هيمنة» المصريين، فإنها تهمة بولغ فيها كثيراً.. فمثلاً، لم يأتِ موظف مصري للعمل في وزارة المالية، والإدارات الملحقة بها، لأنني لم أطلب انتداب أحد.. والموظفون المصريون الذين انتدبوا للعمل في سورية، جاؤوا بناء على طلب الوزراء السوريين، الذين كانوا يطالبون بهم بإلحاح وإصرار، حتى أن وزير الصحة شوكت القنواتي، قال للمشير مرة إنه سوف يسلمه مفتاح الوزارة، ما لم يوافقه على إحضار عدد من الأطباء المصريين، ولو بأمر عسكري، لأن الأطباء السوريين يرفضون العمل في المناطق النائية..

4 - «والقضية الكبرى» اندلعت نيرانها، حين قرر الرئيس نقل عدد من السوريين إلى القاهرة، ربما لإشعار من يريد أن يعرف، بأن الإقليمين بلد واحد، وربما لأنه خشي أن تتحرك عقارب الفتنة في بعض النفوس الضعيفة..

وفي القاهرة كانوا مرتاحين مادياً، لأنهم كانوا يقبضون راتبين أحدهما من سورية، والآخر من مصر..

وإذن فممَّ يشكون؟

كتب نائب رئيس الجمهورية المصري السيد عبد اللطيف البغدادي عن خلاف السراج والمشير[1] الذي أشرت إليه، «أن السراج رفض تنفيذ أوامر المشير، كما رفض نقل رجاله إلى القاهرة، واعتصموا بوزارة الداخلية، وقال السراج أمام أحمد حنيدي وطعمة العودة اللّه بأنه يستطيع قرع المشير بالبندورة»، ومعنى هذا أنهم يريدون أن يظلوا دولاً داخل الدولة.

5 - ومن الجائز جداً أن يكون بعض الموظفين المصريين تظاهروا بأنهم يتمتعمون بنفوذ لدى أوساط الرئيس أو المشير، فحققوا لأنفسهم بعض مكاسب تافهة، مادية أو معنوية، إلا أن هذه الحالات تظل قليلة، لقلة عددهم.

وقد سبق أن أشرت إلى نهب المال السوري من قبل مصر، وبينت بالأرقام التي لا تدحض، بأن الميزانية المصرية هي التي أنجدت الخزينة السورية وقدمت إليها الإعانات السخية في سنوات محنة الجفاف، ويقيناً فَإنّنا لو سلمنا جدلاً بهذه (الأخطاء) فإنها ليست إلا بثُوراً، كان من اليسير إصلاحها. ومهما قيل في أخطاء الوحدة، فإنها بالقطع:

1 - حررت الفلاح، وقررت تخليصه من ربقة الإقطاعي، فأصدرت قانون العلاقات الزراعية، الذي حمى حقوق الفلاح المادية ومنع إخراجه من الأرض التي يعمل فيها، وأصدرت بعده قانون الإصلاح الزراعي الذي نقل الفلاح من مصاف العبيد إلى رتبة البشر الأحرار..

ب - وجعلت للعامل حقاً في أجر عادل، ومشاركة منصفة في أرباح المعمل ومجلس إدارته.. بل وجعلته نائباً عن الشعب في نطاق الشركات المؤممة وشركات القطاع العام إجمالاً..

جـ - وأبعدت الجيش عن السياسة، وكرّسته للذود عن سلامة الوطن، وتدريب نفسه للوقوف في وجه الصهاينة.. وكان قبل الوحدة قبائل وعشائر متناحرة، يكمن بعضها لبعض..

د - وجعلت للعرب هيبة وسمعة دوليتين، فقد أصبحت إسرائيل بين فكّي كماشة، وقبعت في مواجهة دولة يزيد تعدادها أكثر من عشر مرات على عدد الإسرائيليين.

هـ - وعاونت العراق يوم ثورته ووقفت إلى جانبه، وعاونت أقطار المغرب العربي، وخاصة الجزائر.. لذلك قال غي موليه رئيس وزراء فرانسا، في ساعة غضب، أن النصر في الجزائر يمر عبر القاهرة.

و - وحركت في ضمير الشعب المصري، نخوته العربية، التي كان دعاة الفرعونية يعملون على تخديرها.. فاكتسبت القومية العربية زخماً قوياً بقوة مصر وعدد شعبها الكبير! ووفرة علمائها ومثقفيها.

أما عبد الناصر، فقد قاد الوحدة بثقة عظيمة في نفسه، وعلى رأسه أكاليل الغار التي وضعتها فوقه، حرب السّويس عام 1956 وإلغاء المعاهدة البريطانية، وإعادة القناة إلى أهلها الشرعيين، وقبل كل ذلك إسقاط النظام الملكي الفاسد.. وهي لا تزال تعيش على خيرات موارد القناة، التي حفرها المصريون بدمائهم.. وقد لا أبالغ، وتلك قناعتي على كل حال، إذا زعمت بأن الوحدة جاءت عبئا ثقيلاً على مصر ونظام عبد الناصر، حمله بكل شجاعة، وأعاد الهدوء إلى أعصاب جيشنا وأنقذ البلاد من تسلط المسيسين من ضباطه على الحكم المدني والذي أفسدوه بتدخلاتهم التي لم تعرف حدوداً ولا سدوداً.

ولو وضعنا في الميزان إيجابيات الوحدة وسلبياتها، لرجحت كفة الأولى رجحاناً كبيراً..

ثم هل أقول: إن الوحدة الاندماجية كانت تسرّعاً، إن لم أقل خطأً؟ ربما!.. ولكني أنا لا أقول ذلك، كمبدأ ومذهب قومي..

ولكني لا أنكر على غيري أن يقوله.. فقد يمثل هذا الادعاء جانباً من جوانب الحق..

وفي الأصل فإن مجلس النواب، كان إلى جانب الاتحاد.. ثم جاءه الضباط، وفي أعقابهم تهرول حكومة القوتلي والعسلي والعظم والكزبري بالوحدة الاندماجية، فأقرّها بإجماع أعضائه، وهلّل وصفّق.

ولم يخرج على هذا الإجماع إلا خالد بكداش، زعيم الحزب الشيوعي..

وأودّ أن أنقل هنا ما كتبه الأستاذ أحمد حمروش[2] لأختم به هذه التأمّلات:

«عبد الحكيم عامر، بحكم طيبة شخصيته.. لم يكن عسكرياً من الطراز القادر على إحداث تغيير ثوري في صفوف الجيش.. فقد أحاط نفسه بعدد من الضباط الذين استمرؤوا السلطة والفساد، وانتهزوا طيبته.. وانجرفوا إلى جانب الحياة الناعمة التي يسهل توفرها في سورية..» (؟!).

وكان بين الضباط السوريين عدد من الانتهازيين، سلكوا مسالك رخيصة تجاه المتربعين في القمة، وأعطوا بمسلكهم هذا أسوأ انطباع وأكذبه عن الضباط والشعب العربي».

كما أودّ أن أستشهد بباحث سوري، هو الضابط السابق عوني فرسخ، عن هذا الموضوع الحساس، فقد كتب يقول[3]:

«إن عدم إعداد الضباط المصريين المنتدبين للعمل في الجيش الأول في سورية الإعداد اللازم من النواحي النفسية والسياسية، كان سبباً قوياً في امتعاض الضباط السوريين، الذين اعتادوا على التدخل في السياسة.

في حين أن الضباط المصريين كانوا جيش ضبط وربط.. ولم يكن للرتب العسكرية في الجيش السوري وزن مثل الجيش المصري.. فقد كان يحدث أن يكون العقيد عضواً في حلقة حزبية أمينها ملازم.. ولم يكن الضباط المصريون المنتدبون يأتون على أساس الكفاءة، فكثير منهم أتوا عن طريق الواسطة..».

وإذا فكّر الضباط السوريون، بالابتعاد عن السياسة، وأكثرهم غير مسيسين، فإن بعض الساسة كانوا يتسللون إلى نفوسهم، تسلل الداء إلى الأعضاء، ويزينون لهم «أطايب العمل السياسي» فيما إذا ناصروهم.. على إنجاح «مبادئهم» بانقلاب عسكري، تكون نتيجته خيراً عليهم في كل حالي النجاح والفشل.. فإما أن يصبحوا قادة الجيش، في حالة النجاح، وإما أن يرسلوا سفراء إلى موسكو أو باريس أو لندن.. أو على الأقل ملحقين عسكريين.

وحين «يتقاعد» هؤلاء السياسيون، يأخذون بالتهجّم على تدخل الجيش في السياسة.. ويتنصلون من ماضيهم الأسود في علاقاتهم مع الضباط..

وكان إلى جانب الأستاذ الحوراني، ساسة استمرؤوا «تجنيد» الضباط.. ولن أذكر الشيوعيين والسوريين القوميين، والبعثيين الاشتراكيين، وإنما أود أن أقف عند سياسي عريق، هو الأستاذ خالد العظم، الذي كان يحب الحكم، ويسعى إليه، بكل وجه من وجه الوصول..

فنحن إذا تصفحنا مذكراته، الجزء الثالث، لوجدنا تناقضاً محزناً في أقواله عن علاقاته بالضباط.

في الصفحة 121 يقول:

«وكنا على سابق عادتنا نجتمع في داري مرة أو أكثر في الأسبوع اجتماعاً سياسياً يحضره العسلي والحوراني والكيالي (فاخر) والبيطار ورؤساء الشعب الخمسة في الجيش وخالد بكداش».

وكانت هذه الاجتماعات تمثل الفئة الحاكمة في التجمع القومي والجيش.. وكنا ندرس السياسة ونقدر الاتجاه العام».

ويقول في الصفحة 171، «أما خالد العظم (حين قيام الوحدة) فقد تخلصوا منه ومن أنصاره في الجيش».

وفي الصفحة 210 يقول:

«وفي عام 1954 ألفنا مع أكرم الحوراني وأسعد هارون من الحزب الوطني جبهة، كان يساندنا فيها رئيس الأركان العامة شوكت شقير».

ولكنه يقول في الصفحة 206 ما يلي:

«الواقع أنني كنت غير مرتاح لكل ما يجري: كتدخل الجيش في الأمور العامة».

ويقول في الصفحة 209:

« وقلت للحاضرين إنّني لا أعرف أحداً من الضباط، لأنه ليس لي اختلاط بهم، وذلك تمشياً مع خطي بعدم التدخل في شئون الجيش».

ويقول في الصفحة 211:

«لا ريب في أن تدخل الجيش في سياسة الدولة، وسيطرته على الحكم أدى إلى نتائج أذكر منها»:

1 - عدم الاستقرار الذي ساد سورية منذ انقلاب حسني الزعيم عام 1949.

2 - زوال هيبة الحكم وسلطان الدولة.

3 - تقلص عدد الضباط من جراء التسريحات التي يقوم بها (بسبب الانقلابات).. وهذا السياسي وأمثاله هم الذين أفسدوا الجيش، وركضوا في موكب الوحدة، وساروا في جنازتها، ونفضوا أيديهم من مآسيهم.. وأظن فيما نقلته عن كتاب ألفه بخط يده، درس لمن يرغب أن يقرأ ما يكتبونه عن أدوارهم المشينة فيه.

الأربعاء ١ تشرين الثاني

حتى الآن، ومنذ عودتنا من القاهرة، كان نشاطنا مجرد سهرات نقضيها معاً، نحن بعض وزراء عبد الناصر السابقين.. نهاد القاسم والدكتور شوكت القنواتي وأحمد الحاج يونس وأنا وزوجاتنا..

كنا نتحدث فيما يصلنا من أنباء عن نشاط الانفصاليين وأخبارهم.. وشعرنا كأن نواة تكتل بدأت تظهر على الساحة من هذه السهرات، ولكن الذي حدث، أن الدكتور القنواتي، وهو مريض، صارحنا بأنه لم يسبق له أن عمل في السياسة، وهو لا ينوي الآن أن يعمل فيها، وأنه أخذ وزيراً للصحة، من منصبه كرئيس للجامعة.

لذلك، قرر أن يعتزل اجتماعاتنا حتى لا يتسبب لنفسه أو لنا بأي إحراج..

أما أحمد الحاج يونس، فإنه لم يصارحنا بشيء، ولكنه أخذ يتغيب عن اجتماعاتنا، بعذر أو بدون عذر.. إلى أن انقطعت صلته بنا تماماً.. وقد علمنا أن وزير الوحدة السابق، ثابت العريس، عاد إلى عمله في وزارة الخارجية «الانفصالية»، وعُيّن في منصب سفير!..

ولو فعل هذا غير «ثابت» لما كنت حزنت.

الجمعة 3

إني أجتمع إلى بعض الإخوان، وأستمع إلى انطباعاتهم.. وأتقصد إثارة نقاش مع بعض الأفراد، من الذين أتعامل معهم، كالبقال والقصاب.

إني لست في حاجة إلى القسم، ليصدقني الناس، بأن غالبية من أتصل بهم من مختلف الشرائح الاجتماعية، هم مع الوحدة، وضد الانفصال.

وكثيراً ما سمعت أو قرأت بأن «الشوام» انفصاليون بالفطرة، لأن دمشق لم تعد عاصمة! وأستطيع التأكيد، بأن هذا افتراء شائن، ولا تسانده أغلبية في دمشق.. وإن الذي سمعته منهم، كان حزناً عميقاً على الوحدة.

وكانوا بقولون ما يقوله كل عاقل، بأنه، إذا كانت هناك أخطاء وقعت أثناء الوحدة، فإن معالجتها لا تكون بالانفصال.

وهذا الاستمساك بالوحدة، متأثر بعاطفة دينية عميقة، تنطلق من اعتبار المسلمين «خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر».. وقد التقيت بطريق الصدفة بالقاضي عادل شعبان شيش، فوقف في الطريق يحدثني عن «محاكمة صورية» أجراها للشعب السوري، لمحاسبته على تأييده للانفصال.. وكان يستدعي أحد «المتهمين» ويجلس إليه، كما يجلس القاضي أمام أي متّهم، يسأله ويستوضح منه، ويقارن شهادة بشهادة.. وانتهى في نهاية «المحاكمة» إلى أن الناس في دمشق وفي غيرها، وحدويون أقحاح.. وأن الانفصال جريمة منكرة.. ولا عبرة بالمارقين القلة..

وأشهد أمام الله والتاريخ، أن هذه كانت انطباعاتي.. ولكني لا أستبعد وجود انفصاليين، تضررت منافعهم ومصالحهم، أو أشخاص فضلوا ركوب الموجة الانفصالية، ليحققوا لأنفسهم مكاسب عاجلة! ولست أزعم أن كل الناس سواسية، فهناك الأخيار وهناك الضعاف.. والتفاوت بين هؤلاء الناس في الطبيعة، هو الذي يفرق بين الغث والسمين.

الأحد 12

قرر مجلس وزراء الكزبري، الإعلان عن إجراء انتخابات عامة والاستفتاء على دستور مؤقت، ستجري يوم الجمعة ١ كانون الأول القادم.

ونُشر الدستور المؤقت في الصحف. وهو يتألف من ثماني مواد فقط. وأول ما يتبادر إلى الذهن، هو السؤال التالي:

لماذا دستور مؤقت، ودستور 1950 جاهز، وهو معتدل وجيد المبادئ والاتجاهات؟

على كل حال، فإن مواد هذا «الدستور» المؤقت، ليست إلا قواعد لتسيير الدولة فترة مؤقتة، يصار بعدها إلى وضع دستور دائم.. وضحكنا كثيراً من مادته الأولى، المصوغة صياغة لا تخلو من نفاق.. «الجمهورية العربية السورية دولة مستقلة ذات سيادة (وهذا هو الهدف من الانفصال، وقد تحقق للدمى ولمحركيهم من خلف الستارة». «وهي جزء من الوطن العربي الكبير»

وهذا نص، لا يعني في حقيقته أي شيء بالنسبة لواضعيه، إلا أن يكونوا أرادوا حماية أنفسهم من انتقادات الشعب اللاذعة، التي دمغتهم بالانفصالية القذرة.

أما المواد الأخرى، فتتلخص فيما يلي:

1 - ينتخب الشعب مجلساً نيابياً مدته 4 سنوات.

2 - يتولى هذا المجلس وضع دستور دائم.

3 - ثم ينقلب إلى مجلس نواب.

4 - وينتخب رئيس الجمهورية لمدة خمس سنوات.

5 - ويمارس رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء السلطة التنفيذية وفق الأحكام المنصوص عنها في دستور 5 أيلول 1950، حتى نشر الدستور الجديد.

وقد دبت الحياة في الأوساط السياسية، التي فتحت شهيتها الرغبة في العودة إلى المناورات والألاعيب الحزبية، التي حرمت منها قرابة 4 سنوات..

---

الحواشي:

[1] مجلة آخر ساعة المصرية، عدد 24 فبراير/ شباط 1988.

[2] في كتابه عبد الناصر والعرب، الجزء الثالث من كتاب قصة ثورة يوليو 1952، مطبعة مدبولي. القاهرة.

[3] في كتابه.. ص273 وما يليها..