مشروع الوحدة الموضوع أُقر بالإجماع - الجزء 2: إحالة قادة الانفصال إلى محاكم أمن الدولة ومذكرة حومد والقاسم بالاستقالة

اقرأ بالإنكليزية

الأربعاء ١ أيار

يبدو أن المجلس الوطني لقيادة الثورة عادت إليه ذاكرته، فراجع نفسه وأصدر مرسومين بتاريخ 30 نيسان 1963 يتضمن إحالة عدد من «أعداء الشعب» إلى محاكم الأمن القومي في قائمتين اثنتين.

وتتضمن القائمة الأولى الأسماء التالية:

«ناظم القدسي، خالد العظم، عبد الكريم زهر الدين، معروف الدواليبي، أكرم الحوراني، أمين النفوري، خليل كلاس، أسعد محاسن، عفيف البزري».

وقد تبين للمجلس الوطني من التقارير والتحقيقات التي قدمت إليه أن هؤلاء الأشخاص الذين عزلوا مدنياً، ارتكبوا أفعال تكريس الانفصال وتخريب معنويات الشعب وقتل الروح القومية فيه وإثارة النعرات الإقليمية وإفشاء الأسرار العسكرية والافتراء الجنائي وإساءة استعمال السلطة وتبديد أموال الدولة وغيرها من التهم التي تظهر أثناء التحقيق.

وتتضمن القائمة الثانية الأسماء التالية من أعداء الشعب:

«مأمون الكزبري، فؤاد العادل، حيدر الكزبري، موفق عصاصة، مطيع السمان، عبد الغني دهمان، جورج محصل (بطل مجزرة حلب) هشام عبد ربه، فخري عمر، بسام عسلي، عادل الحاج علي، زهير برزنجي».

.. لأنهم ارتكبوا جرائم القيام بانقلاب أيلول 1961 وتمزيق وحدة الجمهورية العربية المتحدة وتكريس الانفصال وتخريب الشعور القومي والنيل من هيبة الدولة وإثارة العصيان المسلح ضد السلطات القائمة بموجب الدستور، وقتل العمال والفلاحين وغيرهم من المواطنين الذين تصدوا لجريمة الانفصال، وتهمة الاتصال بدولة أجنبية ودس الدسائس لديها، وغير ذلك من الجرائم التي قد تظهر من التحقيق.

وأذكر أنني كنت مرة عند اللواء الحريري، فسألني سؤالاً خاصاً عن شخصين هما الأستاذ مصطفى الزرقا والدكتور عبد السلام الترمانيني، ووضعهما في عهد الانفصال، فزكيتهما تزكية جيدة، وقلت إنهما لا يعملان في السياسة، وأنهما أصحاب اختصاص ممتاز.. ويبدو أن شهادتي أنقذتهما من العزل، على ما علمت فيما بعد.

واتفقت مع زميلي نهاد القاسم على أن نكشف أسباب استقالتنا، ونقدمها كمحاولة أخيرة، إلى الأستاذ صلاح، على الرغم من قناعتنا، بأنه انساق مع التيار الذي قرر إخراج سورية من الاتحاد، والتحكم فيها، وفقاً للعقيدة الحزبية الضيقة.. وقدرنا، سلفاً، بأن المحاولة الجديدة، إذا قدر لها أن تفشل، فلن يدهشنا فشلها.. وعندها تكون نوعاً من إبراء الذمة، تجاه الله والوطن.

وطلبت من رئيس الوزراء موعداً، فحدد لي الساعة الحادية عشرة من يوم الاثنين 6 أيار 1963.

والتقينا في مكتبه. وتعاتبنا،ء ولكن كل ما قلته له، إنما كان صرخة في واد. فهو وحدوي، كما قال، وهو متمسك بالميثاق الثلاثي.. غير أن الخطأ هو خطؤنا نحن «الناصريين».

وحاولت تذكيره مرة أخرى، بأننا وحدويون، ولسنا «ناصريين»، لأن عبد الناصر، على أهميته للأمة العربية في الوقت الحاضر، لأنه هو الذي يتصدى بشجاعة لقيادتها في طريق الوحدة والكرامة، شخص لن يكتب له الخلود.. وإنما نحن مثل البعثيين «أصحاب رسالة» وحدوية، لا أكثر ولا أقل.. ونعتقد أن أوان إقامتها قد حان الآن، ولا يصح أن نتلكأ في السعي إليها أو إعاقتها، كائنة ما كانت الأسباب. والرب لا يعذر، والوقت لا يصبر.

ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داوود؟

وقدمت له المذكرة التي شرحنا فيها أسباب استقالتنا، فرفض أن يستلمها، فمددتها إليه مرة أخرى، وقلت له: نحن منذ اليوم مستقيلون ومنقطعون عن الوزارة، وهذه وثيقة يهمّنا جداً أن تقرأها في ساعة من ساعات فراغك. وودعته، ولم أره بعدها إلا مرتين.

مرة، بعد أن استقال من حزب البعث (أو أُقِيل) وعاش خارج سورية ثم عاد إليها، وطلب مني أن أراه في بيته، فزرته.. ومرة ثانية، حين زار الكويت بعد نحو من خمسة عشر عاماً، وكان ينزل ضيفاً على حكومتها، في فندق شيراتون..

وفيما يلي نص مذكرتنا:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

6 أيار 1963

سيادة رئيس مجلس الوزراء

تحية طيبة وبعد، فقد كنا تقدمنا إليكم باستقالتنا من الحكومة التي شكلت برئاستكم يوم 9 آذار 1963، بكتاب مؤرخ في 25 من الشهر المذكور، للأسباب التي تحاشينا التوسع فيها، يومذاك لأن ثورة 8 آذار كانت لا تزال وليدة، ولم يكن من مصلحة البلاد أن يكون كتاب الاستقالة على غير الشكل الذي قُدِّم به.

وقد عللنا انسحابنا في ذلك الكتاب من الحكم:

1 - «بأننا وضعنا مصلحة الوطن العليا فوق أي اعتبار آخر، ونزلنا عند رغبة إخواننا القادة العسكريين، لنساهم مباشرة في إعادة الوحدة العربية».

2 - «ولكن المناقشات التي دارت فيما بعد، والتي تتصل بصميم العمل وسيره، أقنعتنا بأن المصلحة تقضي بلزوم التخلي عن مسؤوليات لم تتهيأ لنا أسباب القيام بها، على وجه يرضي قناعتنا».

ونحن، وقد تطورت الأحداث إلى ما تطورت إليه، أصبحنا نجد أنفسنا، مطالبين بأن نشفع رأينا الذي ضمناه كتاب الاستقالة، بهذه المذكرة لنوضح فيها بعض وجهات نظرنا. ونؤكد عزمنا على الاستقالة مرة أخرى بعد أن انقطعنا تماماً عن ممارسة مهام أعمالنا.

ولعلكم تذكرون، أننا كنا وإخواننا من أعضاء الجبهة العربية المتحدة، والقوى الوحدوية الأخرى، ومنها جناح حزب البعث الوحدوي، الذي تمثلونه، على أتم وفاق وانسجام، في مقارعة الانفصال الآثم، وفي الصمود لكل أساليب الضغط والإرهاب التي كانت تمارسها قوى الشر، العاملة في إمرته، من مجرمين ورجعيين وشعوبيين وعملاء.

وكنا جميعاً، تساندنا القوى الشعبية الكاسحة، نسعى إلى تهديم الفلسفة الانفصالية الحاقدة، التي تجند عقول المرتزقة من أدعياء (رجال الفكر)، والمنحرفين من (رجال السياسة) لترسيخ الانفصال، وحمل هذا الشعب على التنكر لمبادئه الوحدوية الاشتراكية، التي جعلها عهد الوحدة، حقيقة راهنة ذات أسس واضحة تتجه بحزم إلى التحرر والعدالة الاجتماعية وإتاحة فرص التكافؤ لجميع المواطنين ودفع غوائل الجوع والمرض والجهل عن سواد شعبنا الطيب، والقضاء على الإقطاع واستغلال رأس المال، والوقوف بصلابة وإيمان في وجه المؤامرات الاستعمارية التي لا تتحقق مصالح أصحابها إلا في تجزئة العرب وترسيخ كيانات زائفة، أقامها لغايات سياسية واقتصادية، ثم لحماية الدولة المسخ «إسرائيل»، التي أقامها حربة في جنب العرب، لتفصل مشرقهم عن مغربهم، وتكون أداة تهديد بيده، يهزّها كلما شعر أن مصالحه تتعرض للخطر.

وكانت وحدة مصر وسورية، في الحق والواقع أول جواب عملي على تصميم العرب على تحرير أنفسهم، وتهيئة أسباب القوة الفعالة لغسل عار إسرائيل، التي كانت تُحارَب بالخطب الفارغة ورشق التهم الكاذبة، التي يعرف أصحابها، قبل غيرهم، زيفها وبطلانها، والتي أصبحت تواجه قيادة واحدة، تطوقها من شمالها وجنوبها، وتقف سداً منيعاً في وجه مغامراتها الانتحارية.

وكان معروفاً تماماً أن الذين فوجئوا بقيام هذه الوحدة لم يكونوا راضين عن قيامها، فلما زالت دهشة المفاجأة، راحوا يجندون أتباعهم لمحاربتها بكل الوسائل غير الشريفة مستغلّين، كل إمكانياتهم الضخمة في ذلك، حتى قضوا عليها في ليلة سوداء، وبعملية غدر لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، متحدين إرادة الأمة، وحقوق الأجيال، وحقائق التاريخ، وقد رفض الشعب السوري الباسل، بجماهير مثقفيه وجنوده وعمّاله وفلاحيه وعامة أوساطه المخلصة، أن يرضى بما يريده له أعداؤه من تفرقة وضعف وتنابذ واستماتة في حمل أكبر قوة عربية وهي الشقيقة الكبرى مصر، على الكفر بعروبتها، وتنفيرها من كل عمل عربي، إبقاء على عوامل الضعف والقلق في المنطقة العربية الشرقية، وكانت مهزلة (مؤتمر شتورا) ذروة هذه السياسة الرعناء وكانت حملات صحفهم الصفراء على الجيش العربي الذي ألقى بخيله ورَجله في معركة اليمن، لتحريرها من نظام أصبح فريداً في عالم الرجعيّة والتخلف والفساد، مثلاً آخر على حملات الحقد والكراهية، ومحاولة تقطيع أوصال الأمة العربية، وجاء أول رد على الشعوبيين والمرتدين من بغداد، على أسنة

أبطال العروبة الميامين يوم 14 رمضان الخالد.

وجاءت الضربة القاتلة الثانية في ليلة 8 آذار، حينما تحركت جحافل النصر من الجبهة المجاهدة، تغسل عار الانفصال، متجاوبة في ذلك مع إرادة الشعب، وتقلم مخالب المستعمر وأعوانه، من ملوك وحكام عملاء، في المنطقة، اغتصبوا إرادة الشعوب العربية الشقيقة، التي يحكمونها بحراب المستعمر، وبقوة الحديد والنار والدم.. وبذلك عادت الطريق ممهدة إلى قيام الدولة العربية المتحررة بشكل أقوى وأشمل مما كانت.

ويومها دعينا إلى المساهمة في الحكم فأقبلنا بقلب المؤمن ورغبة الواثق المستبشر، ولكن المباحثات التي دارت بيننا من أجل تشكيل الحكومة لم تلبث أن صدمتنا بشدة، لأننا، وقد كان في قناعتنا أن رفقاء المقاومة يلتقون على طريق الوحدة ليقيموها من تحت أنقاضها وجدنا أنفسنا أمام حلول مفروضة، لا تقبل المناقشة، ولا تفسح صدرها للنصح المخلص، ولا للاستفادة من عبر الأحداث المماثلة التي مرّت بنا في السنوات الأخيرة.

ولعلكم تذكرون، أن الأسس التي قامت عليها المذاكرات، وكان الاتفاق حولها إجماعياً، هي الوحدة العربية الثلاثية، واحترام قواعد العدالة، التي نعتبرها مقياس الأمة في نطاق المدنية وإقامة اشتراكية لصالح مجموع الشعب، لا يكون مرتكزها دكتاتورية الطبقة الواحدة، وإطلاق الحريات العامة غير المخربة، لتكون إطاراً واقياً لعملية مخاض الوحدة وولادتها في أفضل الظروف وأحسن الشروط، ومشاركة القوى الوحدوية المناضلة، في جميع عمليات البناء الجديد على أسس سليمة من التكافؤ الصحيح، والثقة المتبادلة.

ولكن الحلول المفروضة، التي حملتم شخصياً لواءها على خلاف ما عرف عنكم من تمسك بأساليب الشورى، وما عرف عن جناح حزبكم الوحدوي، من مقاومة للنزعة الفردية والتحكم، وتمسككم بالحقائب الوزارية الحساسة ووجودكم أكثرية غالبة في مجلس الوزراء ومجلس قيادة الثورة، جعلتنا نعتذر عن المشاركة في الحكم منذ الساعات الأولى، وعرضنا عليكم أن يتسلّم حزبكم بمفرده، مسؤولية الحكم، على أن نظلّ نحن مؤيدين لكم خارجه، ما دمتم في الطريق السوي، وكنا مخلصين في موقفنا حقاً، ولكن الظروف الدقيقة التي كانت تمر بها الثورة، كما قيل لنا ليلتها والضغط المعنوي، والإلحاح علينا من جميع الذين كانوا في مقر وزارة الدفاع، جعلتنا نرضخ، غير قانعين، للاشتراك

في الحكم، بعد ست عشرة ساعة من نقاش منهك لم يؤدِّ إلى أي تبديل في الموقف، على أمل أن تظهر القوى الوحدوية بمظهر موحد، يساهم في إنجاح الثورة، وينزع البلبلة من نفوس كانت أحوج ما تكون فيه إلى الاطمئنان والثقة. ونقول بصراحة، أن شكوكاً كثيرة ساورت نفوسنا تلك الليلة: وفي يقيننا أنها كانت إحدى الأخطاء الجسمية التي ارتكبت في فجر هذا العهد لأن الحكم الجديد انطلق منذئذ من تلك النقطة الخاطئة، وجاءت الحوادث تؤكد أن هناك سياسة مقررة، ترمي إلى هيمنة حزب البعث بمفرده، على أجهزة الدولة، في مختلف قطاعاتها: وكانت استقالتنا بعد خمسة عشر يوماً فقط من تشكيل الحكومة، تعبيراً عن رغبتنا بأننا لا نرضى أن تكون مساهمتنا في الحكم مساهمة شكليّة، لتغطية حكم حزب واحد، نجد من واجبنا أن نلح على خطأ السير في هذه الظروف التي يجب ألّا يكون التركيز والمكاسب والحزبية هدف الحزبيين، على اعتبار أن المرحلة، مرحلة قومية، وحين يدعى الشعب إلى قول كلمته في صاحب الأكثرية، يرضخ كل فريق إلى هذه الكلمة الفصل. وإلى أن يقرر الشعب وضع ثقته فيمن يشاء نرى من الخير والمصلحة ألا تأتي المكاسب الحزبية إلا في درجة متأخرة عن الاعتبارات القومية.

وليس من الضروري أن نفيض في موضوع المفاوضات لإعادة تشكيل الوزارة ومجلس الثورة والجبهة القومية التي بدأت قبل ذهاب الوفد إلى مباحثات القاهرة من أجل إقامة الدولة الاتحادية. وحسبنا أن نشير إلى أن الاتفاق كان تامّاً حول جميع المسائل ولذلك جمدت الاستقالة لينصرف الوفد إلى عمل أهم، متحللاً من المشاكل الداخلية، وجاء إعلان ميثاق الوحدة الاتحادية بشرى عظيمة كنا نأمل بعدها وضع خاتمة سعيدة للصراع الحزبي الخفي الذي جاء قبل أوانه بكثير للاستيلاء التام على الحكم الفعلي ولكن، للأسف، تناسى الحكم القائم هذه المرحلة الدقيقة، وانقلب على رفقاء المعركة الوحدوية ليعيد إلى أذهانهم ما كانوا يتعرّضون له أيام الانفصال، وجاءت سلسلة التسريحات وأساليب الضغط على الوحدويين بشتّى أنواعها وأشكالها تؤكد لنا عدم تحمل مسؤولية وهميّة يحملها في حقيقتها سوانا على الشكل الذي يريد.. ومن الخير أن يفعل ذلك دون وجودنا.

وعلى هذا فإننا نقرر ما يلي:

1 - إن إصرارنا على استقالتنا وتأكيدنا على ضرورة قبولها فوراً، إعراب صريح عن رغبتنا بأننا لا يمكن أن نقبل تحمل أعباء الحكم دون مشاركة صحيحة وتكافؤ سليم.

2 - إن سياسة القوة، في غير تطبيق سليم للقانون، لم يقدر لها يومأ أن نجحت في الحلول محل التأييد الشعبي، ولا بد لكل حكم لكي يستمر في تأدية رسالته من كسب الثقة العامة بالتجاوب مع رغبات الشعب الأكيدة وبما يقدمه هذا الحكم للشعب من خير وخدمات، ولذلك نرى أن نلفت نظركم إلى أن ما كنا نأخذه وتأخذونه معنا، على العهود التحكمية يجب ألا يتكرر ويجب أن تحول مبادئكم الديمقراطية دون تكرار مآسيه.