مشروع الوحدة الموضوع أُقر بالإجماع - الجزء 1: توقيع ميثاق الوحدة الثلاثية بعد فشل وساطتي بومدين والسلال

اقرأ بالإنكليزية

حومد يقول: لا خلاف بين أطراف الحكم ونحن متّفقون على الوحدة

سألت الأنوار تليفونيّاً الدكتور عبد الوهاب حومد عن رأيه فيما يتعلّق بموضوع الوحدة فأجاب:

لقد اشتركنا في اللجنة السداسية الوزارية التي وضعت مشروع الوحدة الاتحادية ونحن موافقون على كل ما تمّ في هذه اللجنة ونحن الذين وضعنا المشروع السوري للوحدة الثلاثية بالتعاون مع بقيّة أعضاء اللجنة بمشروعنا إلى مجلس الوزراء، فأقرّه بالإجماع ونحن في هذا المشروع موافقون على الوحدة الثلاثية بين الجمهورية العربية المتحدة والعراق وسورية، ولا يوجد أي خلاف على هذا الموضوع بين أطراف الحكم، ولذلك نعتبر أن الوحدة الثلاثية موضوع متّفق عليه بصورة إجماعية ونحن دخلنا الوزارة لكي ننجز مطلب الشعب العربي في سورية، ونحقق أمله بالوحدة وقد تحقق هذا الهدف السامي بالشكل الذي يرضي ضمائرنا وقناعاتنا لذلك فإنّ كل ما يُقال عن هذا الموضوع غير ذلك فهو باطل ومختلق.

الثلاثاء 26 آذار

أعلن مجلس قيادة الثورة بتاريخ 25 آذار 1963 مرسوماً يتضمن عزل 27 شخصاً من الانفصاليين لمدة عشر سنوات أو خمس، وفق المدة الموضوعة بجانب كل اسم.

وعلى رأس القائمة الدكتور بشير العظمة وأحمد قنبر (لمدة عشر سنوات)، ورياض الميداني وأسعد كوراني وأحمد عبد الكريم وهاني السباعي ومصطفى حمدون ونوفل الياس وعبد الفتاح الزلط ومحمد عابدين وفيضي الأتاسي وحسين عواد وعبد الغني قنوت.

كما أصدر مرسوماً آخر بتاريخ 27 آذار يتضمن عزل ثلاثة وستين شخصاً، على رأسهم الدكتور ناظم القدسي وخالد العظم ومعروف الدواليبي ومأمون الكزبري وصبري العسلي وأكرم الحوراني ورشاد جبري وسهيل الخوري وأحمد سليمان الأحمد ومصطفى البارودي وليون زمريا وعزة طرابلسي وعوض بركات وكبار الصحفيين نصوح بابيل ومحمد طلس، وقائد الجيش عبد الكريم زهر الدين وقائد قوى الأمن الداخلي مطيع السمان وخالد بكداش وأحمد محفل، والضباط الذين قاموا بالانفصال، وعلى رأسهم عبد الكريم النحلاوي وموفق عصاصة وعبد الغني دهمان وفخري عمر وحيدر الكزبري ومصطفى الدواليبي.

الاثنين ١ نيسان: حضور الرئيس بومدين إلى دمشق

حضر الرئيس الجزائري هواري بومدين إلى دمشق، ودعانا إلى اجتماع معه.

وتوجهنا إلى هذا الاجتماع الذي حدده لنا، أنا وراتب الحسامي وعلي بوظو ونهاد القاسم، فاستقبلنا في صالون قصر الضيافة، في شارع أبو رمانة «الجلاء» رسمياً.. وقد أخبرنا بأنه اجتمع إلى الأستاذ البيطار وإخوانه البعثيين، وتحدث إليهم في موضوع وساطة يقوم بها بيننا وبينهم، فكانوا - على حد قوله إيجابيين.. وهو يريد منا أن نكون إيجابيين أيضاً.

وقد كدنا نفهم من حديثه معنا، أن الرئيس عبد الناصر موافق على هذه الوساطة أيضاً..

وقال لنا الرئيس بومدين، إنه إذا وفق في وساطته هذه، وتمّ (صلح كريم) بيننا وبين البعثيين، فإنه ينصح حكومته بالانضمام إلى هذه الوحدة.

كان بومدين فارع القامة، فصيح اللسان، متمكناً من اللغة العربية، وهو في ذلك على خلاف زملائه مثل بشير بو معزى.. وقد علمت أنه درس في الأزهر، ثم انضم إلى القوات التي حاربت الجيش الفرنسي، وكان قائداً بارزاً.

وبعد ذلك أطاح بالرئيس أحمد بن بلله، بتهمة ميوله الشيوعية، وتولى قيادة الدولة، فبرهن على أنه من أكفأ القادة.

وانتهت وساطته إلى الفشل.

فقد قال له البعثيون إنهم لا يزالون متمسكين بالاتجاه الثلاثي، غير أنّهم عند موقفهم من حرصهم على الإمساك بمقاليد الأمور.. وهم يرحبون بمقاسمتنا المناصب الوزارية، شريطة أن تكون لهم الأكثرية.

وسافر الرجل إلى بلاده، عن طريق القاهرة.

ولم تكن وساطة عبد الله السلال، الرئيس اليمني، الذي حضر، كذلك، إلى دمشق واجتمعنا معه اجتماعاً مطوّلاً، أكثر نجاحاً.

وكان فشل وساطة الرئيسين متوقعة، إذ تمكن الجناح المتشدد من حزب البعث من السيطرة على الحزب، وهو جناح يمقت عبد الناصر ويريد الانفراد بحكم سورية، لغايات إقليمية محلية.

وقد حدث أثناء اجتماعنا بالرئيس السلال، أن دخل شخص إلى القاعة، وجلس قريباً من حلقة المجتمعين.. وسألنا السلال، إن كان هذا الشخص من أعوانه اليمنيين، فقال إنه لا يعرفه.. وسألناه من تكون يا سيد؟ قال: أنا هنا في مهمة!، واستغربنا هذه الوقاحة.. وقلنا للضيف الكبير. أما أن يخرج هذا الشخص من القاعة، وإما أن ننسحب.. حفاظاً على كرامتك وكرامتنا..

واتصل الرئيس بمن أصدر الأمر إلى هذا المتطفل بالانسحاب.. فانسحب دون أن يحس بأي غضاضة جراء طرده..

ولم نسمع بدولة «محترمة» ترضى أن تعامل ضيفها «الثوري» هذه المعاملة الدنيئة.

ولكن «جماعتنا» استحلوا كل شيء.

السبت 6 نيسان: محادثات المرحلة الثالثة

سافر الوفد السوري إلى القاهرة، لمتابعة محادثات الوحدة الثلاثية.

وكان يتشكل من سبعة عشر عضواً يمثلون القوى الوحدوية الأربع.

وعلى خلاف تشكيل الوفد السوري أثناء محادثات المرحلة الأولى، الذي لم يشترك فيه البعثيون، إلا بالأستاذ عبد الكريم زهور، اشترك في هذا الوفد أربعة من كبارهم، هم صلاح الدين البيطار وعبد الكريم زهور وشبلي العيسمي والعقيد محمد عمران (عضو مجلس الثورة).

وكان الوفد العراقي مشكلاً من أحمد حسن البكر، رئيس مجلس الوزراء وعلي صالح السعدي، والفريق صالح مهدي عماش (وزير الدفاع) وطالب شبيب (وزير الخارجية) ومحمود خطاب (وزير البلديات) وعبد الستار عبد اللطيف (وزير المواصلات).

ويلاحظ في تشكيل هذا الوفد، استبعاد الدكتور عبد الرحمن البزاز منه.. وكان سفير العراق في القاهرة.. وهو معروف بوحدويته القومية، ولم يكن حزبياً.. ومن أسف أنه انتهى نهاية محزنة.. على أيدي شركائه في الحكم.. فيما بعد!.

وكان وفد الجمهورية العربية المتحدة مؤلفاً من الرئيس جمال عبد الناصر، وعبد اللطيف البغدادي وكمال الدين حسين وعلي صبري وكمال رفعت وأمين هويدي (سفير مصر في بغداد) وعبد المجيد فريد.. وهم الذين حضروا محادثات المرحلة الأولى بكامل هيئتهم، والمرحلة الثانية (باستثناء كمال رفعت وأمين هويدي اللذين لم يحضرا محادثات المرحلة الثانية).

وقد عقدت جلسات المحادثات برئاسة الرئيس عبد الناصر، واستمرّت من 6 إلى 14 نيسان 1963.

ولمن يريد أن «يتسلى» عليه أن يقرأ المحاضر.. وسوف يرى سطحية بعض المتكلمين.. وحتى بعض «الكبراء» من الأعضاء! حتى يعجب المرء، كيف احتلوا، بين إخوانهم، تلك المراتب الرفيعة التي يشغلونها.. وأغرب من الغرابة، أن بعضهم كان يبدي رأياً يظنّه بيضة الديك، ولكن ما إن يرد عليه الرئيس عبد الناصر، حتى يتخلى عن «نظريته».. وينطوي على نفسه بكل تواضع وكانت «يعني.. يعني..» موضع تندر الإشاعات والناس[1].

ولست في صدد البحث عن العيوب والمثالب، فهي موجودة في المحاضر وفي الأفعال.. لذلك سأكتفي بتدوين ما يحتاجه «التاريخ» ويساعد على كتابته.. وفي بداية المحادثات، عرض الوفد السوري مشروعنا الذي اتفقنا عليه في دمشق، وتم الاتفاق على أن تدرسه لجنة مؤلفة من أعضاء الوفود الثلاثة، اختيروا بالتزكية، وهم الأساتذة، السيد كمال الدين حسين، نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة، وقد ترأس الجلسات، وكمال الدين رفعت (عضو مجلس الرئاسة) ومحمد فهمي السيد (المستشار القانوني لرئيس الجمهورية) عن مصر، ونهاد القاسم وعبد الكريم زهور وهاني الهندي وسامي صوفان عن سورية، وعلي صالح السعدي وصالح مهدي عماش وطالب شبيب وعبد الرحمن البزاز (الذي اقترحه الرئيس جمال عبد الناصر) عن العراق.

ومع أن جريدة البعث كانت مستمرة في الهجوم على الوحدويين، وكانت السلطة السورية، بهمة وزير الداخلية وأجهزته، تنكل بكل من يرفع صوته مطالباً بعدم التأخر في إقرار الوحدة، والمحاولات التي قام بها أعضاء الوفد من البعثيين لتأخير إبرام الوحدة، فقد انتهت الوفود إلى الاتفاق على مشروع الميثاق ثم التوقيع عليه يوم 17 نيسان 1963[2].

وقلنا، الحمد لله الذي أكرم هذه الأمة، بالاتفاق على قيام وحدة اتحادية، تمتلك نفط العراق وقناة السويس، وجوهرة الشام».. وحدة تخلق دولة كبيرة، قادرة على تطويق إسرائيل ومقاومتها، حين يجد الجد، وتصدر إلى جيشها الموحد أوامر قيادة واحدة، تعرف أنها مسؤولة وحدها عن هذه الأوامر، كما أنها ستصبح سوقاً اقتصادية واحدة، تتكامل عناصر اقتصادها، على أساس دراسات علميّة.

ولست أنوي نقل مقدمة الميثاق ولا بنوده، لأن من الممكن الرجوع إلى المراجع التي تضمنتها[3]، ولكني سوف أعطي فكرة وجيزة عن هيكل الدولة المقترحة، التي أصبحت ملكاً للتاريخ.

فقد جاء في المقدمة:

«باسم الله العلي القدير

وباسم الشعب العربي

التقت في القاهرة الوفود الممثلة للجمهورية العربية المتحدة وسورية والعراق، وامتثالاً لإرادة الشعب العربي في الأقطار الثلاثة وبالوطن العربي الكبير، بدأت المباحثات الأخوية بين الوفود الثلاثة يوم السبت السادس من إبريل (نيسان) وانتهت يوم الأربعاء السابع عشر من شهر إبريل (نيسان) سنة 1963.

لقد استلهمت الوفود العربية في كل مباحثاتها الإيمان بأن الوحدة العربية هدف حتميّ، استمد مقوّماته من وحدة اللغة التي تحمل الثقافة والفكر ووحدة التاريخ التي تصنع الوجدان والضمير ووحدة الكفاح الشعبي التي تقرر وتحدد المصير، ووحدة القيم الروحيّة والإنسانيّة النابعة من رسالات السماء، ووحدة المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية القائمة على الحرية والاشتراكية.. واسترشدت بإرادة الجماهير الشعبية العربية التي تطلب الوحدة وتناضل لإدراكها وتضحّي حماية لها وحفاظاً عليها. وهي تعلم أن نواة الوحدة الصلبة تتكون من توحيد أجزاء الوطن التي امتلكت حريتها واستقلالها، وقامت فيها حكومات قوميّة تقدّميّة عقدت عزمها على القضاء على تحالف الإقطاع ورأس المال والرجعية والاستعمار وتحرير القوى العاملة من أبناء الشعب لتقيم تحالفها، وتعبّر عن إرادتها الحقيقية.. والوحدة خاصة ثورة، لأنها مرتبطة ارتباطاً عميقاً بقضية فلسطين، والواجب القومي بتحريرها، فنكبة فلسطين هي التي كشفت تآمر الطبقات الرجعية وفضحت خيانات الأحزاب الشعوبية العميلة..

ولئن كانت الوحدة هدفاً مقدساً، فهي أيضاً عدّة للنضال الشعبي ووسيلته لتحقيق أهدافه الكبرى، في الحرية والأمن وفي تحرير جميع أجزاء الوطن العربي، وفي إرساء مجتمع الكفاية والعدل، مجتمع الاشتراكية».

وعن بناء الدولة الاتحادية واختصاصاته، جاء في الميثاق:

«تقوم دولة اتحادية باسم الجمهورية العربية المتحدة على أساس الاتحاد الحر بين كل من مصر وسورية والعراق، وتكون أسماء الأعضاء بالدولة الاتحادية القطر المصري والقطر السوري والقطر العراقي..».

ويكون لكل جمهورية عربية مستقلة، تؤمن بمبادئ الحرية والاشتراكية والوحدة، الحق في أن تنضم إلى هذه الدولة، بإرادة شعبية حرة.

وتكون السيادة الدولية الكاملة للدولة الاتحادية. ويكون لمواطني الدولة الاتحادية جنسية واحدة، هي الجنسية العربية، وتكون عاصمتها القاهرة ولها علم واحد، هو علم الجمهورية العربية المتحدة (آنذاك) على أن يضاف إلى نجمتيه، نجمة ثالثة، ويكون الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية.

ويدخل في اختصاصات السلطة الاتحادية، الأمور التالية خاصة:

1 - السياسة الخارجية، بكل جوانبها، بما فيها التمثيل الخارجي والمعاهدات الدولية.

2 - الدفاع والأمن القومي.. ووحدة الجيوش وتقرير الحرب والسلام.

3 - الضرائب الاتحادية وميزانية الاتحاد، والقروض الخارجية والداخلية والقوانين والسياسة الجمركية.

4 - التخطيط الاقتصادي وشؤون العملة، وتنظيم استغلال المصادر الطبيعية.

5 - وضع أسس موحّدة للعدالة والقضاء والمواصلات المشتركة وحالات إعلان الطوارئ. وكل مالا يدخل في اختصاص الاتحاد يبقى من اختصاص سلطات الأقطار.

ويكون للدولة الاتحادية:

1 - مجلس الأمة ويتألف من مجلسين:

أ - مجلس النوّاب، ويُنتخب أعضاؤه انتخاباً حراً ومباشراً بنسبة عدد السكان في كل قطر.

ب - ومجلس الاتحاد، ويُنتخب انتخاباً حراً ومباشراً ويتكون من عدد متساوٍ من الأعضاء من كل قطر.

ويصدر رئيس الجمهورية القوانين، بعد إقرارها من المجلسين.

ويرأس الدولة الاتحادية رئيس للجمهورية، يعاونه نائب له من كل قطر.. ومدة الرئاسة أربع سنوات.. ويكون لها مجلس وزراء يُعيِّن أعضاءه رئيس الجمهورية، ويقبل استقالاتهم، وهم مسؤولون أمام مجلس الأمة، ويكون للدولة محكمة اتحادية عليا.

ويكون لكل قطر:

1 - رئيس للقطر ينتخبه مجلس القطر التشريعي لمدة 4 سنوات، ويوافق عليه رئيس الجمهورية.

2 - مجلس تشريعي/ منتخب انتخاباً حرّاً ومباشراً. ويدخل في اختصاصه وضع التشريعات الخاصة بالقطر.

3 - وزارة قطرية تتألف من رئيس للوزراء ومن عدد من الوزراء.

ويكون للدولة الاتحادية مجلس للرئاسة، يتكون من عدد متساوٍ من كل قطر، ومجلس للدفاع القومي يعينه مجلس الرئاسة.

وتتألف الوزارة الاتحادية من الوزارات السبع التالية:

الخارجية والدفاع والإعلام (والإرشاد القومي) والتربية والتعليم (والتعليم العالي والبحث العلمي) والعدل، والمالية والاقتصاد (والتخطيط الاقتصادي).

ووضعت أحكام انتقالية، كي تفسح المجال أمام الأقطار الثلاثة لتستكمل إنشاء المؤسسات الدستورية، في مدة لا تجاوز عشرين شهراً.

وبعد أن تم التوقيع على وثيقة الاتحاد، تبادل الأطراف التهاني، بالعناق «وتقبيل اللحى».. ولكن الأيام كشفت على أن الجانب السوري، كان يخفي قنبلة موقوتة.. وما كانت تعلن عنه الظواهر، غير ما كان يتردد في السر والسرائر.. ويدبر في أجنحة الظلام.

وراح البعث يتصرّف مع حلفائه في سورية، ومع عبد الناصر تصرفات لا يمكن أن توصف إلا بأنها غير أخلاقية.

فقد سرح المجلس الوطني ونقل إلى السلك الخارجي مئة ضابط وضابطين معروفين باتجاهاتهم الوحدوية الناصرية، لكي يسيطر حزب البعث على الجيش والقوات المسلحة.. وعلى الأثر قدم الفريق محمد الصوفي (وزير الدفاع) واللواء راشد قطيني (معاون قائد الجيش) استقالتيهما.. وعلمنا أن ثلاثة وزراء بعثيين،هم عبد الكريم زهور والدكتور جمال الأتاسي، والدكتور سامي الدروبي قدموا استقالاتهم أيضاً، احتجاجاً على تصرف الحكم البعثي حيال زملائهم الوحدويين، وحيال الميثاق الثلاثي، الذي اتخذه البعثيون وسيلة لكسب الوقت والاستيلاء على الجيش والدولة. وقد التزم زهور بيته، ثم استقال من حزب البعث.

وانطلق الدكتور الأتاسي في العمل السياسي، مع جماعة من إخوانه، بعيداً عن الكيان البعثي، وكانت بيني وبينه بعض الصلات السياسية.. ولم يرحمه الحكم، فراح يحاربه بالإشاعات المؤذية.

وعيّن الدكتور سامي الدروبي سفيراً لدولة البعث لدى عبد الناصر.

وقد التقاني ذات يوم في الطريق، وضمّني وراح يبكي ويندب حظّه لأن الله لم (يكتب له الشهادة معنا).

ومن غرائب الصدف، أن تسمى المدرسة الثانوية التي تقع في الشارع الذي أقطنه (شارع عروة بن الورد) والحديقة التي نتنشق هواءها ونمتع أبصارنا، صباح مساء بخضرتها وتاريخها، باسمه.

ولم يدخل واحد من الثلاثة «البعثيين» في وزارة البيطار الجديدة.

وأبرقت إلى «معلمنا» بالبرقية التالية:

السيد الرئيس جمال عبد الناصر - القاهرة

الحمد لله على نعمائه، فقد أقر أعيننا بعودة جمهوريتنا الخالدة، أقوى وأمنع جانباً، وكلل الله جهادك وجهاد أمتنا العظيمة بنصر مؤزّر، وكافاك على إخلاصك، بأن وَضَعَ التاريخ العربي بين يديك تصنعه بإيمانك العميق وعزمك القوي. وقد عقدت لك الأمة الراية وأخلصت الحب لقيادتك الواعية. فلك في هذه الأيام الخالدة، أعظم التهاني وأصدق الود والله يصونك ويرعاك.

دمشق 17 نيسان 1963

الدكتور عبد الوهاب حومد

وجاء في الجواب التالي:

الدكتور عبد الوهاب حومد، وزير المالية، دمشق

أشكركم أصدق الشكر على ما حملته برقيتكم من جميل عواطفكم وخالص تهانيكم بمناسبة إعلان الوحدة بين الأقطار العربية الثلاثة. وإنا لنحمد الله على ما أفاء به على العروبة من فضل حتى تحققت هذه الوحدة التي كانت محط آمال المخلصين من أبناء الأمة العربية، وإني لأعرب لكم عن أطيب تمنيات الصحة والسعادة.

القاهرة 22 إبريل 1963

جمال عبد الناصر

---

الحواشي:

[1] كان كلّما سأل الرئيس عبد الناصر الأستاذ عفلق عن مفهوم عقائدي، كان الأستاذ يجيب يعني.. يعني.. على ذمة المحاضر والإذاعة المصرية.. وقد كتب باتريك سيل في كتابه (الأسد) ض136، يقول: (وفي محاولة لإجبار السوريين على الخضوع، هدد (عبد الناصر) بأنه سيقوم بنشر محاضر المحادثات.. وقد تمّ تنفيذ هذا التهديد، مما سبب إرباكاً لعفلق والبيطار إذ أظهرهما كمفاوضين رديئين يتلعثمان في الكلام).

[2] كذلك لم أجد فائدة من نقل مشروعنا، لأن تعديلات مهمة أُدخِلَت عليه.. وقد سبقت الإشارة إليه، وتجسدت مبادئه في مواد الميثاق. ثمّ لأن الميثاق نفسه دخل في ذمّة التاريخ، ولم يعد إلا موضوعاً يرجع إليه من يرغب في دراسة تطور الفكر السياسي العربي.

[3] من هذه المراجع، دراسة الدكتور عادل زعبوب، الميثاق العربي، بيروت 1979، ومحاضر محادثات الوحدة الأهرام.