مقالات وأحاديث إذاعية ومقابلات سجلتها وقتها في أوراقي - الجزء 1: خطابه الإذاعي إلى المعلمين عام 1951، وتقريظ لإصلاحاته التربوية
افتتاح العام الدراسي الجديد
لمعالي وزير المعارف
الدكتور عبد الوهاب حومد
مجلة المعلم العربي
كانون الأول 1951
افتتح معالي وزير المعارف العام الدراسي الجديد بخطاب توجيهي قيّم ألقاه من محطّة الإذاعة السورية بتاريخ 14/10/1951 كان له أعظم الأثر في نفوس رجال التعليم، وبَعَث فيهم روحاً وثّابة جديدة.
ونثبت فيما يلي نص الخطاب:
باسم الله، أفتتح العام الدراسي الجديد، وباسمه أفتتح حلقة جديدة من حلقات الكفاح المضني ضد الجهالة والظلمات.
أيّها الأخوان والمعلمون:
غداً في الصباح الباكر يهرع ثلاثة آلاف وستمئة معلّم (3600) وألف وأربعمئة معلّمة (1400) في التعليم الرسمي وحده يواكبهم مئة وخمسة وخمسون ألفاً (155000) من التلاميذ واثنان وخمسون ألفاً (52000) من التلميذات، يضاف إليهم نحو من ألف وخمسمئة (1500) معلم ومعلمة، من الذين عُيّنوا هذا العام، أو الذين سيعينون بعد فترة وجيزة.
وهكذا ترون أن عددكم يتزايد عاماً بعد عام، لكي تحتضنوا تحت جناح رعايتكم عدداً من أطفال الأمة، يتزايد عاماً بعد عام. وسوف تستمر هذه الحركة المباركة، إن شاء الله، حتى يكون لكل قرية سورية معلّمها الذي يهب نفسه لتثقيف أبنائها.
وعليكم أن تعلموا بادئ ذي بدء أن مهمتكم، مهمة قومية، ورسالة مقدسة لا وظيفة، ومتى أدركتم أنكم تنشئون الجيل الجديد القادم الذي سيحتل الساحة العامة، حين يترقّب علينا إخلاؤها له بحكم الزمن، علمتم جلال علمكم وشرفه وأهمّيته.
أن عليكم أيها المعلمون، تبعات جساماً إذا لم تنهضوا بأعبائها خير نهوض، فإنكم تعرّضون كيان أمّتكم بأجمعه إلى الخطر. وأمتكم لا تتحمل هذه الأعباء الجسيمة، من رواتب ونفقات وأدوات وأجور، حتى ليكاد الرقم في ميزانية العام الجديد يناهز الأربعين (40) مليوناً من أصل (175) مئة وخمسة وسبعين مليوناً تقريباً (هي موازنة الجمهورية السورية) إلا لترى أبناءها الذين أودعتهم إلى ضمائركم وشرفكم، متعلمين، موجهين توجيهاً قوميّاً صحيحاً، ومُعَدّين خير إعداد ليكونوا خيراً من أسلافهم الذين سبقوهم، وليكونوا رجال المستقبل بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى.
ولكي تؤدّوا رسالتكم على وجهها الأكمل، يترتب عليكم أن تدركوا واجباتكم العامة إدراكاً عميقاً.
يجب عليكم أن تحبّوا مهنتكم من صميم قلوبكم، وثقوا بأنها أشرف مهنة وأنبل عمل. ولقد مارستها منذ ثمانية عشر عاماً، ولا أزال أمارسها، وإني لشغوف بها وضنين، وإذا كنت قد مارستها في جميع مراحلها ابتدائيتها وثانويتها وعاليها، وخبرتها في مختلف أدوراها، فإني أؤكد لكم إنها مهنة واحدة، وأعباء متشابهة، ومسؤوليات متماثلة. ولا يفرق بين مختلف مراحلها إلا استعداد المعلم وإعمار الطلاب، ولكنّها جميعها لا تعدو أن تكون مهنة التعليم الشريفة.
ولا يكفي أن تحبوا مهنتكم التعليمية، بل يترتب عليكم أن تخلصوا لها، وتتفانوا في أدائها على أحسن وجوهها. وأن من أخلص لعمله، أرضى ربه وضميره، وقام بواجبه نحو وطنه. ورغبة منا في مساعدة من كانت نفسه منكم حائرة، مترددة بين أداء الواجب والتهرب منه، فقد شدّدنا المراقبة وأمددنا المفتشين بصلاحيات واسعة، وأكثرنا عددهم، لتكون تقاريرهم مرجعاً هامّاً في تحديد وضع المعلم، ترقية وتنقّلاً وتقديراً.
وقد أولينا التعليم الخاص عناية خاصة، ليساعدكم في تخفيف الوطأة عنكم وللفوائد الجلى التي يقدّمها للبلاد. فأحدثنا له مديرية في العاصمة، ووضعنا لمساعدتها مفتّشين في بعض المحافظات التي تكثر فيها المدارس الخاصّة، ليسهروا على تطبيق برامج الدولة بدقة وليرعوا بث الروح القومية، التي يجب أن تكون قطب الرحى في كل تعليم.
وأحبّ أن أذكر أن المدارس الخاصة. بأن لها من حقوق الرعاية علينا ما يحملنا على تسهيل مهمتها، ولكن عليها أن تذكر دوماً أن واجب الحفاظ على الجيل الناشئ، يفرض علينا واجب التشدد مع كل من لا يرعى لبلادنا حقوقها في تربية صحيحة.
تذكّروا دوماً، أن المعلم الذي يعتقد أن ما يحمله من متاع علمي، حين نال شهادته، يكفيه ليقوم بواجبه التعليمي، فقد أخطأ في تفكيره خطأً جسيماً. أن الثقافة كالحياة، متطوّرة متجددة كل يوم، وكل من يغلق كتابه، ولا يجالسه كل يوم ساعات طوالاً، يغلق على نفسه باب الحياة، ويتخلّى عن معانيها السامية، ويصبح في أدائه عمله، كالآلة التي لا حياة فيها. وفي هذا خطر على القِيَم السامية، وتنكّر لمكتشفات التفكير البشري، الذي لا وطن له. لذلك كان على المعلم الذي يريد أن يكون معلّماً حقّاً، أنّ يظلّ على اتصال مستمر بالدراسة والمطالعة واستقراء المسائل التربوية التي تعرض له، وبذلك يرفع مستوى نفسه، وينفق أوقاته في لذة واستفادة.
ولكن هذا الذي قلته، هو الجانب التعليمي من مهمتكم. وأنه ليس بشيء كبير إذا قِيس بالجانب الأهم من هذه المهمّة، وهو جانب التهذيب والتوجيه. فالمعلم الذي يحشو أدمغة تلاميذه بالمعلومات طيلة العام ثم يختبرهم في نهايته لا يستحقّ أن يسمّى معلماً. فمهمة المعلم الصحيحة، مهمة تربوية توجيهية قبل أن تكون تعليمية. ولكي يكون المعلم مربّياً حقّاً، عليه أن يكون شديد الاتصال بالوسط الذي يعلم فيه ويتفهّم شخصية كلّ تلميذ من تلامذته، ويدوّن ملاحظات عن كل واحد منهم، ويعدّهم إعداداً حسناً ليعيشوا في هذا الوسط. والأهم من ذلك كلّه أن يجعلهم يثقون به؛ ولا يثقون به إلا إذا وثق بنفسه واحترمها، وجعلها مثلاً أعلى ليفرض احترامه على تلامذته، وليكيفوا شخصياتهم على نحو شخصيته. أن شخصيّة المعلّم أشبه ما تكون بالقالب الذي يصوغ المادة الطرية، ويكيّفها على شكله وهيئته؛ ومن الجناية بحق الوطن أن يكون هذا القالب مشوّهاً سقيماً. إنكم كلّما تمنّعتم في قول شوقي:
أعلمت أشرف أو أجلّ من الذي
يبني وينشئ أنفساً وعقولا
تكشفت لكم النواحي الوضاءة اللامعة من عملكم الجليل.
أيها المعلمون:
إنكم للأمة كلّها لا لشخص ولا لحزب، إن الأمة هي التي تدفع لكم رواتبكم، ورواتبكم كما تعلمون ضرائب لا تجبى من شخص، ولا تؤخذ من ميزانية حزب. ففيها من جملة ما فيها، مال اليتيم وحطام الأرملة.
والأمة هي التي تكل إليكم حشاشتها المتمثلة بأبنائها لكي يتلقوا على أيديكم الثقافة، ويقتبسوا من أرواحكم وأخلاقكم أنوار تربية صالحة، فلا يكن لكم من عمل إلا تلامذتكم، ولا يكن لكم من شاغل إلا مدرستكم، وهذا لا يمنعكم من العيش في محيطكم، كمواطنين شرفاء تتعرفون إلى حاجاته ورغباته، غير أنكم بصفتكم العامة يجب ألا تكونوا إلا عمال الأمة وحدها دون سواها تفيدون منها وتفيدونها.
لذلك كان واجبكم القومي، وشرفكم المسلكي، يفرضان عليكم أن تبتعدوا عن كل ماله علاقة بالحزبيات السياسية، لأن السياسة إذا دخلت المدارس جعلت المعلّمين شيعاً، وقضت على ثقة الآباء فيهم وعُرِّضت راحة المدرسة وهدوءها إلى خطر جسيم، وجعلت التلاميذ نهباً مقسّماً بين المذاهب، وفي هذا خيانة لثقة الآباء الذين أسلموكم أولادهم لتثقفوهم وتعلّموهم، وتجن على الوطن الذي لا يريد منكم إلا أن تعدوا أبناءه ليكونوا مواطنين صالحين. إن التربية المُثلى لا تؤتي أكلها إلا في جو هادئ، ترفرف فوقه ملائكة المثل العليا. فاجعلو من مدرستكم جنة قومية، لا جحيماً حزبياً.
ولا بدّ لي في خاتمة هذه الكلمة، من أن أتوجّه إلى الذين عيّنوا مجدّداً، بعيدين عن المناطق التي كانوا يرغبون أن يكونوا فيها. عليهم أن يعلموا أن هذا التدبير ضروري لنشر التعليم في أرجاء الوطن، وخاصة في بعض المحافظات التي حرمت حتى اليوم من معلمين أكفاء، وحيث يعمل المعلم، فثمّة وطنه وأرضه. وليكونوا على ثقة بأن تعيينهم قد صدر عن روح نزيهة متجردة، لم ينظر فيه إلى غير تسلسل العلامات دون سواها، ولم تؤخذ أية شفاعة أو واسطة بعين الاعتبار؛ لأننا لا نستطيع أن نطالبكم بالمثل العليا ونتنكر لها نحن.
وقد أذعت بياناً منذ أيام قليلة، قلت فيه أنني مستعدّ لسماع كل شكوى محقة، حول التعيين والنقل، وأملي أن تظلّ القواعد التي سرنا عليها دستوراً لوزارة المعارف لا تحيد عنها ولا تبدلها بتبدّل شخصية الوزير.
أيّها المعلمون:
إنكم تتهيّؤن الليلة لاستقبال عام جديد، فاعملوا على أن يكون مثمراً صالحاً، وضعوا بأيديكم القوية لَبِنَة جديدة في صرح الوطن، الذي آل على نفسه أن يسير قُدماً إلى الأمام، ليُجاري الأمم المتوثّبة، في ركب الحضارة والعلم والعدالة الاجتماعية. واذكروا أن دستور البلاد قد رسم لكم السنن الذي تسيرون عليه في تدريسكم، في الفقرتين الثانية والثالثة من المادة الثامنة والعشرين وهذا نصهما:
«الفقرة الثانية - يجب أن يهدف التعليم إلى إنشاء جيل قوي بجسمه وتفكيره، مؤمن بالله، متحلٍّ بالأخلاق الفاضلة، معتزّ بالتراث العربي، مجهّز بالمعرفة، مدرك لواجباته وحقوقه، عامل للمصلحة العامة، مشبع بروح التضامن والأخوّة بين جميع المواطنين.
يحظر كل تعليم ينافي الأهداف الواردة في هذه الفقرة.
الفقرة الثالثة - يجب أن يُعنى بتقوية الشخصية والحريات الأساسية.»
والله أسأل، أن يوفقكم إلى خدمة أمّتكم خدمة صحيحة، وأن يجعل عامكم مباركاً، والسلام عليكم ورحمة الله.
إصلاحات في المعارف
للأستاذ طالب الصابوني
استمرّت وزارة المعارف في وضع مؤلم من البلبلة، والاضطراب اللذين خيّما عليها ردحاً من الزمن لم تعرف خلاله الاستقرار، حتّى ساور النّفوس من جراء ذلك يأس ممض كاد يقضي على كلّ أمل فيما ترجوه الأمّة المتوثّبة من استقرار في الأهداف وما تنشده من اطراد النجاح في مسالك التربية والتعليم؛ إلى أن أطل على هذه الوزارة عهد جديد ظل وزيرها العصامي الشاب الدكتور عبد الوهاب حومد الذي هو ابن المعارف تلميذاً ومعلّماً ومدرّساً وأستاذاً ومشرعاً، والذي جمع إلى عزم الشباب حكمه الشيوخ، وإلى الذكاء الوقّاد غزارة العلم وإلى التقاليد النافعة التّقدّمية الصالحة.
وإذا أردنا أن نخرج عن نطاق هذه الصفات التي عرفته بها الأوساط المختلفة: الاجتماعية، والسياسية، والعلمية في المجتمعات والنوادي، تحت قبة البرلمان وعلى منابر التدريس، ونعدد الأعمال الإصلاحية التي وذع حجرها الأساسي، وبدأ يشيد عليها بنيانه القويم؛ نرى من الإنصاف أن نذكر له بعضها ليعلم الجيل الصاعد مقدار ما غرسته يده الصالحة في حقول التعليم من غرسات نافعة، عمرت بها تلك الحقول بعد إقفارها، وأزينت بعد عطلها، وارتوت بعد عطشها. فقد فُتِح باب البعثات على مصراعيه حتى دخل فيه أفواج الطلاب، والعملمين، والمدرسين، والمفتّشين جماعات ووحداناً؛ وتأهبّوا ليغترفوا من مناهل العلم الصحيح والثقافة الكاملة؛ ويعودوا إلى بلادهم مزوّدين بما ينقع الغلّة ويور الظمأ، ويسدّ الحاجة إلى المختصّين الذين بدأ يتضاءل عددهم يوماً بعد يوم، بجانب توسع المعاهد العلميّة وانتشار المرافق الصناعية، وتعدّد المشاريع الفنّيّة، التي تمشي جنباً إلى جنب مع تحفّز الأمة إلى المستوى اللائق.
ثم فتح أبواب المدارس لروادها حتى جمعت بين جدرانها جلّ الصغار والصغيرات الذين هم في سنّ التحصيل، إن لم نقل كلّهن، ولم يصل إلى هذه النتيجة السارّة إلا بعد أن كافح في سبيلها كفاحاً طويلاً، وناضل نضالاً شاقاً سواء في مجلس النوّاب أو في مجلس الوزارء، اللذين ماشيا أهداف وزير المعارف ومقاصده النبيلة؛ حتى بلغ عدد المعلمين والمعلمات الذين انضموا في صفوف رجال التعليم الابتدائي 1500 معلم ومعلمة ليكفوا 60000 طفل وطفلة، وبهم يبلغ عدد طلاب المدارس الابتدائية ربع مليون طالب. وقد أمّن كل ما يلزم لهذا الجيش اللجب من طلاب وطالبات ومعلمين ومعلمات لتجهيزات صفوفهم من مالٍ وعتاد في قلب الأزمة الخانقة التي تعانيها ميزانية الدولة، التي تنوء تحت عبء واجباتها المتعددة. هذا عدا عن الجهود التي خُصَّ بها التعليم الثانوي، والشُعَب الثمانين التي أضافها على ملاكه، وجهّزها بالمدرسين والمخابر والوسائل؛ إنها جهود تقصر عنها همم الجبابرة من الرجال.
ولا يغرب عن البال ما يحتاجه هذا العدد الوافر من رجال التعليم، من توجيه ونصح وإرشاد من قِبَل أساتذة خبروا مسالك التعليم، ووقفوا على أساليبه وطرائقه ونجحوا في تحقيق أهدافه خلال سنين طويلة؛ لذلك لجأ وزير المعارف إلى توسيع ملاك التفتيش وتخيّر له رجالا جمعوا إلى الصفات والأخلاق العالية نتاج خبرة واسعة؛ وأطلقهم في مهامهم ليوجهوا، ويرشدوا، ويعاونوا زملاءهم المعلمين والمدرسين على أداء مهمّتهم بالسهولة المطلوبة، وبالطرق الناجحة. والأمل معقود على مساعيهم الحميدة في هذا المضمار، كما هو معقود على هيئات التعليم بالتجاوب مع هذه الأهداف والعمل على تحقيقها. وسينبثق عن هذا التعاون المشترك جيلٌ واعٍ عارف بمبادئ بلاده الدستورية، عامل على تعزيزها، ساعٍ للمساهمة في رفع شأن وطننا الناشئ.
ولو أن وزير المعارف نهج في تصريف شؤون الوزارة غير هذا النهج وتدخل في تفصيلات الأمور، لما تسنى له أن يحقق هذه المشاريع الكبرى، أو ينجز هذه الأعمال الباهرة التي درت على وزارة المعارف والعاملين فيها خيراً وبركة، وعلى البلاد نفعاً عميقاً شملها من أقصاها إلى أقصاها. ولكنّه حفظه الله، ترك الأمور إلى أربابها، ووضعها في نصابها؛ ولم يعد يفتح باباً من أبواب الالتماس. فقد أوصد في وجوه الوسطاء كل باب حاولوا أن يفتحوه. ليحفظ لعهده الميمون النقاوة والسلامة من كل ما يشوبه أو يؤذيه؛ حتى أذعن الجميع إلى الحق وأيقنوا أن لا سبيل للخروج عن جادته. وانصرف الجميع وهم مطمئنون إلى أداء تضحية مشتركة وتعاون مشترك لهدف نبيل وغاية شريفة.
وبهذا النهج القويم، والتدبير الحكيم، امتلأت مدارس المحافظات الأربع المحرومة، وهي الفرات والجزيرة وحوران وجبل العرب بالاختصاصيين في شؤون التربية والتعليم بعد أن كانت محرومة من جهودهم ومساهمتهم في بناء أجيال تلك الأصقاع، التي ظلّت حتى يومنا هذا مهملة لم تنل نصيبها من عناية أصحاب الحل والعقد في الوزارات المتعاقبة. كانت تلك الوزارات توالي عنايتها على العاصمة أولاً ثم على المحافظات الكبرى، فكنّا نجد في مدرسة متوسطة الحجم من مدارس دمشق أو حلب خمسة أو أكثر من خريجي دور المعلّمين أو المعلمات، بينما لم نكن نجد مثل هذا العدد في مدارس المحافظات الأربع جميعها. من جراء ذلك، اختل التوازن في توزيع قسط عادل من التعليم على أبناء الوطن الواحد؛ وأقفرت المحافظات الأربع من الشباب المثقّف حتى أعوزها الأمر إلى استقبال الموظّفين صغارهم وكبارهم من أبناء المحافظات الأخرى، بينما يقبع أبناؤها عاطلين عن العمل يتقيؤون ظلال الأشجتر في زوايا البطالة والكسل.
فإذا ظلّت هذه السّياسة الحكيمة متّبعة في وزارة المعارف ولم تتغيّر خطواتها المباركة في هذا السبيل، فنحن على يقين أنّه سيأتي يوم قريب نجد فيه تساوياً نسبياً في انتشار الثقافة بين أرجاء الوطن كافّة؛ وفي ذلك اليوم يذكر الجيل الصاعد أنّ الفضل في إنارة تلك الأرجاء يعود إلى المشعل الذي رفعته عالياً ذراع الوزير الشاب الدكتور عبد الوهاب حومد.
طالب الصابوني
حديث في الإذاعة السوريّة 1951 في مفهوم الديمقراطية (1)