وراء القضبان - الجزء 12: زعم معروف الدواليبي أن تحذيره لكنيدي كان السبب وراء اغتيال الرئيس

اقرأ بالإنكليزية

مقابلة جاسم علوان

اليوم الأربعاء ۱۹ أيار ۱۹۸۲ اتصل بي العقيد جاسم علوان، حول الساعة العاشرة صباحاً، وتواعدنا على أن تلتقي بعد نصف ساعة، فقد كان ينزل في شقته في شارع عمان القريب، وسألني إن كنت أحب أن يزورني هو، ولكني أحببت أن أقوم أنا بالزيارة من باب المجاملة.. فجاسم علوان من أصحاب المبادئ السامية، ولم يتمرغ في حمأة التقلب والتلون الرائجين.

وكان على الباب «بواب»، علمت منه أن الشقة مستأجرة من قبل السفارة العراقية.. وكان العراقيون يتراجعون تراجعاً تكتيكياً، على جبهتهم الحربية مع إيران.. وقد أفرغوا في هذه الحرب الرعناء ما في خزائنهم من مال وما في مستودعاتهم من أسلحة، وضحوا بالآلاف من ضباطهم وجنودهم.

وكذلك كان قدر الإيرانيين.

ولم يكن أحد مرتاحاً إلا تجار الأسلحة، والدول ذات المصالح الخبيثة في المنطقة، وإسرائيل في مقدمتها.. فقد كانوا يهرعون في السر والعلن إلى نجدة الطرف الذي تميل كفته إلى الهزيمة.

وحدثي عن «إخواننا» في مصر، يوسف مزاحم وجادو عز الدين وأحمد الحنيدي. وقد كانوا وزراء في دولة الوحدة، وأبعدهم النظام الانفصالي عن البلاد، فلما رجعوا يوم 9 آذار، لم تسمح لهم ثورة 8 آذار، بالنزول من الطائرة، وأعيدوا إلى القاهرة، تحت تهديد السلاح! واستدرك العقيد علوان، فقال إنهم الآن يذهبون إلى سورية ويعودون. بعد أن حصلوا على موافقة النظام.

وبعد المقدمات المألوفة، تحدث عن السياسات الاستعمارية في الشرق العربي، وقال إنها تنفذ السياسات التي شرحها الكاتب الهندي المعروف كارانجيا في كتابه «خنجر إسرائيل»، والتي تقوم على مبدأ تفتيت المنطقة إلى فسيفساء من الدول، شرقي البحر الأبيض المتوسط.. إسرائيل في الجنوب، ودولة مارونية في الوسط، ودولة علوية في اللاذقية، على أن تكون الهيمنة لإسرائيل.

ولا يشك أحد في أن أظهر معالم السياسة في المنطقة هي إبادة القيادات السنية..

وأكد أنه لا خوف على الجبهة العراقية العربية مع إيران الفارسية الشيعية، وشبه انسحاب الجيش العراقي إلى الحدود الدولية، انسحاب رومل في ليبيا، وهو انسحاب محمي بالطيران العراقي المسيطر على الأجواء.. والعراقيون لا يزالون متحصنين جيداً في مدينة خُرَّمشهّر (المحمَّرة) الإيرانية.

وكان رأينا أن هزيمة العراق ستكون إن وقعت أفدح خسارة قومية، تلحق بالعرب بدءاً من سورية وانتهاءً بدول الخليج.. وقَّدرنا تقديراً عالياً، الإنذار الذي وجهته إلى إيران، الدولتان المواجهتان لها على الساحل الغربي للخليج العربي (الفارسي) المملكة العربية السعودية والكويت.

وهما في هذا الإقدام إنما تباشران دفاعاً غير مباشر عن سلامتهما.

وعاد العقيد جاسم إلى الحديث عن الوضع السوري، فقال إن الوضع في سورية وفي المنطقة كلها ينذر بشر مستطير، ولذلك لا بد من مواجهة التفتت قبل أن يقع.

ومما قاله إن الأستاذ أحمد محفل - زعيم الشيوعيين المنشقين عن بكداش - أخبره بأنه سيدخل في جبهة «تحرير سورية» ولكن بعد أن يضمن ولاء عدد من شيوعييه، وكذلك قال له زعيم الإخوان المسلمين عدنان سعد الدين، فقد وافق على العمل مع الشيوعيين.

وعن الأستاذ معروف الدواليبي، رئيس وزراء حكومة الانفصال، قال إنه قابله، وأنه يؤيد الجبهة، وسوف يعلن انضمامه إليها في وقت لاحق، أما الآن فإنه مشغول بالوساطة بين إيران والعراق، بوصفه رئيس المؤتمر الإسلامي العالمي، ثم إنه لا يريد أن يعلن عن اسمه صراحة، حتى لا يحرج «مضيفيه» السعوديين.

وسألني رأيي، فقلت له: كل ما قلته واضح ومعروف.. فنحن نعيش في بلادنا ممزقين، ونخضع لحكم ديكتاتوري، لا ينكر نفسه.. ولكني لا أستطيع أن أثق بأناس يحملون على أكتافهم أوزار المآسي القومية والإقليمية.. ولا أجد أسباباً صحيحة تقنعني بسلامة اتجاهاتهم، وضمان تمسكهم بوعودهم.

علاوة على ذلك، فأنا في وضع صحي لا يسمح لي بالمخاطر بالسفر والانتقال من بلد إلى بلد، إضافةً إلى أن ثقل السنين على كاهلي، ألزمني بتجميد كل نشاط سياسي.. وخدمتي لأمّتي محصورة الآن بما لا يقل لها نفعاً من السياسة، عنيت بذلك التعليم في الجامعة.. «من المحيط إلى الخليج».

وقال: أنا أفهمك جيداً، ولكنك ستظل معنا، وطلب أن يبقى أمر زيارته سراً.

وأعترف أنه قال لي أشياء في منتهى الخطورة، ولكني وجدت من مصلحة الوطن، أن يطويها النسيان.

فقد يثوب الذين أساؤوا أمانة السلاح، إلى صوابهم ذات يوم!.

مقابلتان مع الدكتور معروف الدواليبي

آخر مرة التقيت فيها بالأستاذ الدواليبي، كانت في الثلث الأخير من شهر تموز 1963، حين انتقلت وأدخلت سجن المزة.

ولأمر ظل مجهولاً، نقلني مدير السجن - أنا الناصري - إلى الغرفة التي خصصت لقادة الانفصال، كالأستاذ الدواليبي وشقيقه العميد مصطفى، وموفق عصاصة وهيثم المهايني وفايز الرفاعي.

وحين أفرج عنه غادر البلاد إلى لبنان، ثم التحق بالديوان الملكي السعودي.

وقمت مع زوجتي بزيارة ولدنا غسان، الذي كان يعمل مهندساً في القمر الصناعي العربي (عربسات)، ومركز إدارته الرياض.

وتحرك في الحنين إلى رؤية صديق قديم، مقيم في العاصمة السعودية، وهي فرصة قد لا يسمح لي بها الزمان مرة أخرى.

واتصلت هاتفياً بالدكتور الدواليبي، فسرَّ بالمفاجأة كما قال، واتفقنا على أن أزوره، الساعة السابعة والنصف من مساء الأحد 29 شباط 1988 (الموافق 12 رجب 1408). وزرته في الموعد المحدد مع ولدي غسان.

ورد لي الزيارة يوم السبت 5 آذار 1988.

وسجلت على أوراقي خلاصة الليلتين، وفيما يلي ما يدخل في موضوع هذا الكتاب، أما ما لا يدخل فيه، فصاحبه أولى به.

وأود أن أكون صادقاً مع القارئ، فأنا أحب معروفاً كصديق ورفيق عمر، ودرسنا معاً في السوربون، وعشنا سوية سنوات الحرب العالمية الثانية، وكنت أقف إلى جانبه في العمل السياسي هناك، على الحق دون الباطل، وأثق بآرائه.. وحين عدنا إلى الدراسة، عملنا معاً في حزب الشعب، الذي كان يقوده رشدي الكيخيا.. ولكنا اختلفنا في الرأي بعد وقوع الانفصال، فقد أيده وسار في ركابه وقبل رئاسة الوزراء الانفصالية، وعارضته أنا وقاومته.. ولكننا لم نصطدم اصطداماً شخصياً، بل ظل الخلاف محصوراً في الإطار السياسي.. غير أن نفسينا، للأمانة، لم تحافظا على صفائهما السابق.

واليوم، هو وأنا، أصبحنا نعيش في الظل.. وليس لأحدنا نشاط سياسي يلزمنا أن نقف في معسكرين متقابلين.

فقد اجتاح السيل كل ما كان في مسار اندفاعه، وسوف أحرص على نقل أفكاره بأمانة المؤرخ، سواء أعجبتني أم لم تعجبني، فأنا - على ما ألزمت نفسي به - أسجل أحداث مرحلة عشتها للتاريخ، لأن الذين كتبوا عنها، لم يكونوا منصفين ولا حياديين.

1 - كان الأستاذ في كامل أناقته التي عرف بها، بدلة داكنة أوربية الصنع، وربطة عنق مناسبة للون البدلة، ومحرمة صغيرة في جيب الجاكيت الصغير.. وهي المحرمة التقليدية التي عرف بها، وكانت لحيته القصيرة وشاربه الجميلان، يريقان عليه ملامح الشباب، الذي يحرص الأستاذ عليه، برغم أنه في أحضان الثمانين من عمره، وقد رفض الأستاذ أن يوافق المتنبي قوله:

ومن هوى الصدق في قولي وفي عملي

تركت لون مشيبي غير مخضوبِ

ومن هوى كل من ليست مموهةَ

رغبت عن شعر في الراس مكذوب

فالمتنبي لا يحب الخضاب.. وسرت أنا على مذهبه.

وخالفنا الأستاذ في هذا المذهب.. فبدا « شاباً» أسود الشعر.

2 - وكان يسكن في فيللا أنيقة، وضعها الملك تحت تصرفه.

3 - وقال: إنه هاتف الأخ رشدي الكيخيا، المقيم في قبرص، ولم يرتح على سلامة صوته، الذي بدا متهدجاً ضعيفاً، لأن السرطان كان مستمراً في الاشتداد عليه، برغم معالجته بأشعة الليزر.

وقد حادث في شأنه الأمير عبد الله ولي العهد السعودي، فتأثر وعرض أن تستضيفه المملكة وتعالجه في مشافيها، أو أن تستضيفه للعلاج في أمريكا أو أوربا.. وقد فضل رشدي بك الحضور إل السعودية، غير أن صحته الآن لا تسمح له بذلك.

4 - وتحدث عن الدكتور ناظم القدسي، فقال إنه أصبح شيخاً متهدماً، محدودب الظهر.. ويعيش في بيوت أولاده، خارج سورية.

5 - وعاد الكلام عن ذكرياته السياسية القديمة.. ومما قاله:

أ - «إننا حين أخْرَجنا من سورية عبد الناصر». وهذا تعبيره حرفياً.. حمل السلاح السوري معه على مصر، لذلك يقي الجيش السوري بدون سلاح.. خشية من قيام إسرائيل بعدوان علينا، اتصلت هاتفياً بخروشوف (الرئيس السوفيتي) عن طريق سفيره بدمشق، وقلت له: أنا لست شيوعياً ولكني لست أمريكياً أيضاً، وطلبت منه صفقة سلاح سريعة، تكفي جيشنا لخوض معركة حربية واحدة على الأقل، وبدون ذلك سوف يخسر الإتحاد السوفيتي صداقة سورية على الأبد.. وبعد بعض التهديد، قال لي خروشوف: أرسل لجنة عسكرية إلينا، وسوف نعطيها كل ما تطلب من أسلحة، ولاحظتُ له: إذا أرسلنا لجنة عسكرية، وانكشف أمرها: فإن إسرائيل قد تهاجمنا فقال لي خروشوف، إذن اترك الأمر لي، فسوف أتدبر الموضوع.. وصدق خروشوف في وعده، فأرسل لنا أسلحة على وجه السرعة.. وخضنا مع إسرائيل بهذا السلاح معركة أذقناها فيها الأهوال».

«بعد ذلك، جاءت الأخبار السرية بأن إسرائيل تعد العدة لمهاجمتنا مرة أخرى فاستدعيت السفير الأمريكي وأنذرته بأنه لو هاجمتنا إسرائيل فسوف تُقْتَلَعُ جذوركم من سورية، وتغلق سفارتكم فيها، وطلبت منه أن يبلغ الرئيس كندي مخاوفنا في الليلة ذاتها.. ففعل وسافر إلى عاصمة بلاده وأقنع كندي بأن مصلحة أمريكا تقتضي توجيه إنذار شديد إلى إسرائيل، ففعل ووَجّه هذا الإنذار الشديد، الذي أذهل إسرائيل وأقض مضجعها.. وقد كان هذا الإنذار السبب المباشر لاغتيال كندي بعد مدة قصيرة!».. وأضاف الأستاذ: لعلك لا تجهل أن قاتل كندي يهودي، وقاتل قاتله يهودي.. (والحقيقة أنني لا أعرف ذلك ولا أقطع بما ذهب إليه فضيلة الشيخ).

ب - «وأتيحت لي محادثة خروشوف فأعلمني أنه يثق بي - أي بالدكتور الدواليبي - ولا يثق بالرئيس عبد الناصر..

وقد أخبرني خروشوف بأن لديه معلومات تدل على أن عبد الناصر ينوي احتلال اليمن والسعودية وجميع المنطقة، بموافقة أمريكا.. فأسرعت بإعلام السفير السعودي بهذا النبأ. وطلبت منه أن ينقله إلى الملك سعود في الحال، وبصورة شخصية، حتى لا يتسرب النبأ إذا أرسل بالحقيبة الدبلوماسية.

جـ - وأنه قال لخروشوف: لقد ورطتكم أمريكا في حرب أفغانستان لتنتقم منكم عن هزيمتها في فيتنام، وأنكم بسبب إلحادكم عاديتم الإسلام.. وقد صدَّرت بلادنا إلى العالم ثلاث ديانات، وهي مكتفية بها، لذلك فإنها لا تريد استيراد ديانة جديدة (الشيوعية طبعاً)، فاهتم خروشوف بهذا القول، وعرضّ عليَّ - أنا رئيس المؤتمر الإسلامي العالمي - أن نقبل في هذا المؤتمر الجمهوريات الإسلامية السوفيتية، فأجبته بأن ذلك غير ممكن الآن، ما دمتم موجودين في أفغانستان الإسلامية..».

د - «وقد أخبرني رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي ديميتشيف، في موسكو، أن بلاده تنفق كل شهر مليار دولار في أفغانستان، وإن بلاده سوف تعمل على الانسحاب من أفغانستان، التي تورطت بالدخول إليها..

وقد وصلني - يومها - رسالة من شيفر نادزه، وزير الخارجية السوفيتي، لا زلت أحتفظ بها، وسوف أطلعك - يطلعني - عليها ذات يوم».

6 - وقال: «لقد زرت الصين الشعبية، واجتمعت بقادتها وأفهمتهم خطأ سياستهم ضد المسلمين في بلادهم، فاقتنعوا بوجهة نظري، ووعدوني بإعادة فتح المساجد وعدم إرغام المسلمين على أكل لحم الخنزير.

والذي أخذته على صديقي الأستاذ، هذا التجني الظالم على الرئيس عبد الناصر، الذي كان يحرص جداً على إظهار حقده عليه، بترديده المستمر:

«.. حين قمنا بانقلابنا على عبد الناصر..». و«حين رتَّب عبد الناصر الانقلاب عليَّ» (أي عليه بصيغة المفرد).

ويعلم كل إنسان، من هم الذين قاموا بالانقلاب الانفصالي في أيلول 1961، وحطّموا الوحدة، ودمغوا أنفسهم بالعار الأبدي.

كما يعلم كل إنسان، من هم الذين قاموا بانقلاب عام 1963 تحت ستار إعادة الوحدة، وحطموا الحكم الانفصالي الذي كان على رأسه الدكتور ناظم القدسي، رئيساً للجمهورية، وخالد العظم رئيساً للوزارة، التي لم يكن الدواليبي عضواً فيها.. ثمّ قلبوا للوحدة وأهلها ظهر المجَنُّ.. وحين وقع الانفصال، كان الدواليبي معنا في القاهرة يعمل فيها في لجنة توحيد القوانين الشرعية بين الإقليمين، وكان يتمتع، هو وصديقنا مصطفى الزرقا، بكل مظاهر الاحترام والتكريم.. فأين هو دوره إذن في وقوع الانفصال، الذي أود أن أنزهه عنه، ويريد أن يجر على نفسه معرته؟

ومن أسف، أن يكون الأستاذ مقتنعاً كذلك بأن نجدة الرئيس عبد الناصر، للرئيس اليمني عبد الله السلال «قد تمت بموافقة أمريكا».

والأرض تعلم والسماء لا تجهل أن عبد الناصر، إنما زج بجيشه وبنفسه في حمأة الحرب اليمنية، استجابة لدافع قومي، مُبَرأ من الهوى ومنزه عن كل دافع سياسي.

وكانت مغامرة جريئة منه، أرهقته نفسياً وصحياً.. وحَمّلت الخزانة المصرية فوق طاقتها..

ولكنه أنقذ اليمن «السعيد» من نظام حكمه «الإمامي» المتحجر، الذي يعود في تخلفه عن حضارة العصر، إلى ما قبل العصر الحجري.

ولكن الحقد قد يحرف «المنصفين» عن جادة الصواب فيرون «حسناً ما ليس بالحسن». وبهذه المقابلة «الأخوية» أنهي هذا الجزء من المذكرات..

فقد أنهيت كتابته يوم الجمعة 29 آذار 1996. وأعدت قراءته وتنقيحه يوم الجمعة23 آب من نفس العام.

{رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا}.. والحمد لله رب العالمين.

حاليّاً 23 آب 1996.