وراء القضبان - الجزء 11: لقاءات سرية مع صلاح الدين البيطار وأكرم الحوراني حول العنف الطائفي في سورية

اقرأ بالإنكليزية

ج - دخولنا إلى لبنان

وأكدت له أن سمعتنا، من جراء دخول جيشنا إلى لبنان، انحدرت في العالم العربي إلى الحضيض.. فمثلاً أهل الكويت يعتقدون أننا أصبحنا «حلفاء الموارنة» الذين انهزموا أمام الفلسطينيين، لكي نضرب هذه القوة العربية المسلحة، في تل الزعتر، ثم هل تستطيع ميزانيتنا المرهقة أصلاً، تحمل أعباء جيش احتلال لبلد أجنبي؟ وذكرت أننا نحن السوريين أصبحنا نعاني كثيراً، في جامعة الكويت مثلاً، من انكماش الأساتذة العرب، من مختلف الجنسيات عنا، والصحافة العربية تكيل لنا الشتائم بلا تحفظ ولا مواربة.

وأود أن أسجل هنا، أن اللواء الخليفاوي أيّد بدون تحفظ هذه الملاحظات، وقال في نهاية المقابلة، أنه يشكرني جزيل الشكر على هذه الملاحظات التي أبديتها وأكد أنه سيتذكرها، ورجا أن يتكرر لقاؤنا في القريب العاجل.. وسأل الله أن يوفقه في مهمته، ليتمتع الشعب بالأمن والطمأنينة.

وودعنا إلى خارج الفيللا.

وفي السيارة أثنى الدكتور العمادي على الحديث، الذي أيده جملة وتفصيلاً، واعتبره من «أحسن وأجرأ ما سمع في هذه المواضيع».

ولست واثقاً أن الاثنين تقبلا حديثي على علّاته، ولكن الذي أذكره للواء الخليفاوي بالخير، أنه وسّع كثيراً لي صدره، وصبر على ما قلت صبراً جميلاً شكرته له عليه.

ولم يعرض عليَّ الرجل شيئاً، كما ذكر العمادي لي قبل المقابلة، بأنه سيعرض علي تولي منصب وزير المالية.. وقد يكون أدرك بأنني سوف أعتذر، وقد يكون صبر عليّ من باب المجاملة، كضيف في بيته،.. ولكني تصرفت، في ظني، تصرف المواطن الصالح.. وصديقك من صَدَقَك لا من صَدَّقك!

وشكل الوزارة بعد يومين، واختار الدكتور العمادي لمنصبه نفسه في الوزارة السابقة.

وعدت إلى متابعة تأليف كتابي «الإجرام الدولي» الذي أصبح في أيدي القراء في الموعد الذي حددته له، بالاتفاق مع جامعة الكويت.

مقابلة غريبة مع الأستاذ صلاح البيطار

كانت المفاجأة مذهلة حقاً، حين دق الهاتف في بيتي، على شاطئ الخليج العربي في الكويت، وفي حي السالمية «الأرستقراطي» ضحى يوم السبت 4 كانون الأول 1979، وقلت: نعم، فقال الصوت: أنا صلاح البيطار.

كنت أتوقع كل مفاجأة إلا هذه..

الأستاذ صلاح البيطار، الذي تعاونا معه، ثم غدر بنا.

وكان رئيساً للوزارة حين ألقي القبض علينا، وأعدم من أعدم، وسجن من سجن، وعذب من عذب.

وقد أطاح به حزبه، فغادر إلى «الدياسبورا». - الهجرة اليهودية - .

وحكم عليه وعلى رفيقه، المؤسس الثاني لحزب البعث ميشيل عفلق بالإعدام غياباً.. فما الذي أتى به إلى الكويت، وماذا يريد مني بالذات، وأنا الذي لا زالت صورته على الصفحة الأولى من جريدة البعث في مخيلتي، وهو يسير في مقدمة «الحرس القومي» وعلى كتفه حمالة جلدية، يتدلى منها «الكلاشينكوف» السريع الطلقات.. وكدت أغلق السماعة في وجهه.. هذا الذي وقع على وثيقة الانفصال يوم 28 أيلول 1961.. غير أنه قال لي: إنه سيحدثني في أمر خطير، ولا بد أن نجتمع في أقرب وقت.. وقلت لنفسي: لعل لديه أشياء تنفع معرفتها.

واتفقنا على أن نجتمع بعد ظهر غد، على ظهر الباخرة «ماريوت» وهي سفينة صغيرة، حَوَّلها مستثمرون كبار إلى فندق عائم ومطاعم.. كان ينزل فيها «ضيفاً» على الحكومة الكويتية.. وبالذات على الشيخ جابر العلي، وزير الإعلام.

كان الأستاذ ينزل في غرفتين، إحداهما لنومه مع زوجته والثانية كصالون يستقبل فيها ضيوفه.

وقد لفت نظري، وهو ينهض عن كرسيه لاستقبالي، هذا الاحديداب الشديد في ظهره، وتضعضع صحته وضغط الشيخوخة على حركته.

ودار الحديث - كتمهيد مبدئي - عن أوضاع المنطقة العربية.. وألخص في الفقرات التالية، خلاصة الحديث الذي سجلته على أربع صفحات.

1 - السعودية تعيش أياماً صعبة جداً، واحتلال الحرم المكي، الذي أعلن الأمير نايف وزير الداخلية السعودي، أنه تم من قبل «مهووس يدعي أنَّه المهدي المنتظر». ليس إلا ثورة منظمة واسعة، قام بها ثائر لتغيير الأوضاع المتردية في هذه «المملكة التيوقراطية». التي تتستر برداء الإسلام.. (جهيمان؟).

وقال الأستاذ صلاح، إنه قابل يوم الأمس أمير الكويت الشيخ جابر، وعلم منه أن حركات ثورية واسعة تجري في المنطقة السعودية الشرقية، الإحساء، ذات الكثافة السكانية الشيعية الناقمة.

وقد ساندتها، فعلاً مظاهرات في الكويت، نظمها إيرانيون مقيمون فيها، واتجهت هذه المظاهرات إلى السفارة الأمريكية، للاحتجاج، غير أن قوات الأمن الكويتية فرقتها بالقوة، ومنعت سيرها.

وإذن فالمنطقة الخليجية في حالة غليان، لما يجيش في صدور شعوبها من نقمة عارمة على الأوضاع السياسية والاجتماعية فيها.

2 - وبعد ذلك أخذ الأستاذ صلاح الكلام يتحدث عن الأوضاع السورية الداخلية، فقال: هناك مؤشران كبيران:

الأول: مجزرة مدرسة المدفعية بحلب، التي قتل فيها حوالي مئة طالب من العلويين، وكانت بدءاً لانطلاق الأعمال الدموية.

والثاني: هجوم العلويين على الأحياء الإسلامية في مدينة اللاذقية وحوادث الاغتيال في حلب وحماة.

وقال: إن هذين الحادثين يدلان على مدى عمق الكراهية الطائفية «التي تسبب العلويون في إثارتها» بينهم وبين السنة الذين يشكلون أكثرية المواطنين الساحقة، والتي لا تملك من الأمر شيئاً..

3 - وقال إنه قابل منذ أيام في باريس أكرم الحوراني وشبلي العيسمي، وعلم منهما أن العراقيين نظموا جبهة من السوريين الفارين إلى خارج سورية «من أجل إسقاط النظام السوري»، وأن العيسمي الذي اجتمع مع صدام حسين (جلاد العراق وحاكمه تحت ستار الحزبية البعثية) أخبره بأن العراقيين قرروا ترك الحرية للسوريين يتصرفون كما يريدون لتحرير بلدهم، دون أي تدخل عراقي في مخططاتهم.

ولذلك اتجه رأي اللاجئين السوريين إلى تشكيل جبهة تضم الاتجاهات السياسية المختلفة، تجتمع في مكان ما وتذيع بياناً تطالب فيه بإنهاء الحكم العسكري وإجراء انتخابات حرة.

وأكد أن «الناس» لم تعد تقبل أن يقود الجبهة المعادية للنظام السوري، البعثيون، بعد أن جربوهم وجربوا نظرياتهم الفاشلة.. (وكان هذا كلاماً مذهلاً من ثاني اثنين أسسا هذا الحزب).

وقال إنه اجتمع من سنتين، مدة أربع ساعات مع الرئيس حافظ الأسد، وخرج من هذه المقابلة غير مرتاح.. «فهذا إنسان غير واع بالمرة، أو أنه على درجة عالية من المراوغة». ولذلك «لم أر بارقة أمل في إصلاحه».

وقال أيضاً: إنه قابل رشدي الكيخيا في باريس، ولم يجد لديه أي رغبة في العودة إلى ممارسة السياسة، غير أنه ناقم على الإصلاح الزراعي، ووجد له الأستاذ صلاح عذراً في ذلك، لأن مصطفى حمدون (وزير الإصلاح الزراعي أيام الوحدة) «تصرف مع رشدي بك بحقد أسود، ووضع أسمه على رأس قائمة المشمولين بقانون الإصلاح».

وأضاف: «ولم يكن هذا ذنبنا نحن، لأننا كنا يومها في القاهرة».

ورددت عليه، في نهاية الجلسة، بقولي: أستاذ صلاح: تقول إنك تريد العودة إلى الوحدة.. أولم تكن الوحدة قائمة.. وأنت أحد الذين هدموها؟

وأرجوك ألا تقول، إن أخطاء عادية وقعت أثناء الوحدة.. فلا يماري أحد في ذلك.. ولكن هل كان «الإصلاح» بالانفصال، أم بالمداواة؟.

وقلت له: أود أن أصارحك بأن الأستاذ عفلق فقد رصيده تماماً، أما أنت فقد قتلت نفسك حين وقعت وثيقة الانفصال، كذلك فإن الأستاذ أكرم الحوراني رفع علم الانفصالية جهرة وعلناً.. ولن يثق بعد الآن أي شخص «بوحدويته». وما أظن أن رشدي الكيخيا يمكن أن يقبل العمل في السياسة، خاصة مع من ذكرتَ من السياسيين.

قال والرأي؟

قلت: شبعنا مذابح.. والذي أراه هو أن تحاول الاتصال بالرئيس الأسد، والعمل على إقناعه بإعادة الديمقراطية، وتشكيل حكومة تكلف بتشكيلها أنت أو الشيخ معروف الدواليبي، على أساس مصالحة وطنية وحدوية.

عندها أكون في انتظارك.. وحتى ذلك الوقت فأنا مجمد كل عمل سياسي.

وسألني، وأنا أودعه، إن كنت أرغب أن أساهم في تحرير جريدته التي يصدرها في باريس «الإحياء العربي». ولو باسم مستعار، ولكني لم أعده بشيء.

وأعطاني نسخة من بيانه الذي أذاعه «باستقلاله عن حزب البعث» منذ اثنتي عشرة سنة، لأن تاريخه يعود إلى 10/11/1967.. تاريخ نشره في جريدة النهار اللبنانية، ولم أكن اطلعت على هذا البيان.

ويقع البيان في ست صفحات كبيرة (فولسكاب)، ومما جاء فيه «أنه منذ الانقلاب الغادر الذي وقع في 23 شباط 1966.. وأنا أعيش في هجرة داخلية..». بعد ذلك هاجم «حزب البعث».. بسبب «الجمود العقائدي والعقلية المتحجرة وأساليب العمل المتخلفة، وما تطفل عليها من مراهقة فكرية وثرثرة ثورية ووصولية انتهازية..».

وبعد أن «فش خلقه» ونسب إلى الحزب الذي شارك في تأسيسه كل المعايب والنقائص دعا «الآخرين» من الأحزاب الأخرى «أن يتطهروا من رواسب أحزابهم وأساطير منظماتهم، وأن يقبلوا عبر الحدود الحزبية المصطنعة، للالتقاء على عتبة مرحلة جديدة.. وإذن فلا بد - في نظره طبعاً - من مرحلة جديدة انتقالية يلتقي خلالها الجميع لممارسة نقد حر علني وإدانة نزيهة إنشائية مشتركة للتجربة الحزبية السابقة.. وهذا الموقع الجديد، لم يعد داخل الأحزاب والحركات والمنظمات العقائدية التقليدية، فالشعب هو اليوم خارجها وموقعه فوقها لا تحتها... وهذا الموقع أضحى اليوم خارج الأحزاب والمنظمات التقليدية.. ويجب على الثوريين أن يستوعبوا آفاق العمل العربي الجديد، ويضعوا علمهم وتجربتهم في سبل ولادة حركة ثورية عربية للوطن العربي كله..».

ثم يقترح صيغة جديدة.. «تنطلق من صلب الحقيقة الثورية للعروبة وللشعب العربي معاً، وتمتد سطحاً وعمقاً لتزدهر في كنفها وحدة وطنية ديمقراطية لقوى الشعب ووحدة قومية للوطن واشتراكية عربية للمجتمع..».

وفي الختام، فإنه «يعلن استقلاله عن حزب البعث العربي الاشتراكي ويقف في الموقع الجديد».

وأعترف وأنا أنهي قراءة البيان من جديد، أنني لم أتمكن من فهم هذا الموقع الجديد، ولا أين يكون، ولا ماذا يريد الأستاذ بصورة دقيقة.

وقلت في لنفسي: هذا هو الأستاذ البيطار، مثالي حالم خارج الحكم، وواقعي متعصب حين تكون السلطة في يده.

وقد بقي الأستاذ حياً قرابة أربعة عشر عاماً بعد «بيان استقلاله» دون أن نسمع شيئاً عن مصير هذه الدعوة.. في «موقعها الجديد».

ولم أره بعد ذلك، فقد اغتيل يوم 21 تموز 1980 في باريس وهو على مدخل مكتبه الذي يصدر منه جريدة الإحياء.. والواقع في أحد الأحياء الباريسية الراقية Avenue Foche.

وساءلت نفسي مراراً: الأستاذ البيطار عاجز مادياً عن تأمين معيشته بسهولة، فمن أين له بالمال ليدفع أجرة شقة سكنية وأجرة المكتب الذي يحرر فيه الجريدة في باريس، خاصة وأنه لم يعد عضواً في حزب، لنفترض أن هذا الحزب يموّله؟

وصدقاً، تأثرت على موته اغتيالاً.

وإذا وضعت حسناته في كفة وسيئاته في الأخرى، فإن الأولى سترجح يقيناً.. وقد حدثني ابن أخيه الأستاذ تيسير البيطار (في مقابلة معه يوم 30 أيار 1990) أن المرحوم صلاحاً بكى بعد توقيعه على وثيقة الانفصال، وحاول أن ينتحر مرتين، وقد حاول الانفصاليون، من أجل الضغط عليه، خطف زوجته وابنته في بيروت بعد أن لجأ إليها.

مقابلة مع أكرم الحوراني وأحمد محفل

في اليوم السادس من شباط عام 1980 اتصل بي، في بيتي بالكويت الأستاذ أكرم الحوراني، ليخبرني أنه في الكويت (فندق شيراتون) وأنه يريد أن يراني.

وكنت انتظر كل نوع من أنواع المفاجآت، إلا هذه المفاجأة الغربية.. وأخبرني أن معه الأستاذ المحامي أحمد محفل، رئيس الحزب الشيوعي في حلب، وأدركت على الفور أن هذه الزيارة العجيبة، تأتي في سياق زيارة الأستاذ البيطار، منذ شهرين.

وأخبرته بأنني قادم في الحال، إذ لا فائدة من التسويف، لأنه سوف ينتظر الوقت. الضروري لكي يتحدث إلي.

وركبت سيارتي التي تقطع المسافة بين بيتي وبين فندق شيراتون إذا سرت على كورنيش الخليج الهادئ، في أقل من نصف ساعة.. كنت خلالها أقلب فكري فيما عسى أن تكون أجوبتي على عرضه، الذي كنت أتوقعه.. واستقبلاني بالقبلات في جناحهما.

لاحظت أن أكرم الحوراني أصبح شيخاً متهدماً، نحيل الجسم، تتحرك رقبته النحيفة داخل قبة قميص واسعة.. غير أنه بقي متوقد الذهن، واضح البيان، شديد الاندفاع، كما عرفته دوماً.

وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث، من رسوخ ثورة الخميني الذي خلع الشاه وأرغمه على مغادرة إيران في 16/1/1979 إلى اغتيال الشيخ محمد الشامي بحلب منذ أيام.. والذي قيل إن الإخوان المسلمين قتلوه، لأنه أصبح من أنصار السلطة ويعمل ضدهم!.

ودخل الأستاذ في «الحديث الجاد»، فقال:

«أنا - والله - تركت السياسة من عهد بعيد، وأصبحت قانعاً بأنه لم يعد يجوز لنا أن نُوَرِّطَ الناس.. ولكن هؤلاء الشباب الأخيار، الذين يدمغهم النظام السوري، ظلماً وعدواناً. بأنهم من الإخوان المسلين، ليسوا إلا شباباً متحمسين، يعملون من أجل إنقاذ البلاد من هذا الحكم العلوي الرهيب.. غير أنهم في حاجة إلى غطاء سياسي، ومن أجل إيجاد هذه التغطية، قررت أن أقوم باتصالات مع الإخوان القدامى، وأنت منهم لعلنا نشكل جبهة موحدة تسعى إلى القضاء على هذا النظام..

وقال الأستاذ المحفل، إنه والأستاذ الحوراني ينظمان شبكة مقاومة داخل سورية وأنهما على اتصال مستمر مع الأستاذ البيطار».

وسألته : ألا تزال تعمل كشيوعي؟ وكان قصدي أن أذكره أن الشيوعيين قاوموا الوحدة بضراوة، فقال: نعم، ولكن ليس مع خالد بكداش.

وسألاني عن استعدادي للعمل مع هذه الجبهة.

وقررت أن أكون صريحاً معهما، حتى يعرف كل واحد حدوده.. وأعدت على مسامعهما ما كنت قلته للبيطار من قبل.. فأنا لا أمد يدي إلى مال دولة أجنبية.

وأن الوحدة كانت موجودة، وأنهم هم الذين لعبوا الدور الحاسم في إسقاطها واليوم بيكون عليها.

ولم أتردد في القول بأنني لا أحب أن أكون متسكعاً من دولة إلى أخرى، دون هدف واضح، نسعى إلى تحقيقه، وصحبة مأمونة الجانب.

وفهما رغبتي في أنني لا أحب أن أتعاون معهما.. يسبب تجاربنا السابقة.. وحرص الأستاذ الحوراني على أن يخبرني بأن «الوحدة كانت عملية إنقاذ لنا، يوم سعينا إليها.. فقد كنا في حالة لا بد أن تقودنا إلى أحد حلين: اتحاد مع مصر أو وقوع انقلاب.. ولم نكن نظن أن عبد الناصر سيقبل بالاتحاد.. ولكنه قبله»..

وسألته: وكيف تحول الاتحاد إلى وحدة، يومها، قال: «الضباط هم الذين حملوا عريضتهم وذهبوا بها إلى عبد الناصر.. وتركوا الأستاذ البيطار خارج المقابلة، فلم يدخلوه معهم».

وطلب مني الحوراني، وأنا أودعهما على باب الجناح، «أن يظل حديثا مكتوماً وكذلك أمر الزيارة».. فوعدتهما بذلك.

وكنت أردد لنفسي من جرَّب المجرَّب حلت به الندامة.

ومن أسف، أن الأستاذ الحوراني، انتهى نهاية لا يستحقها، فقد ظل مشرداً ينتقل من العراق إلى فرنسا.. حتى أسلم روحه في عمان منذ أيام ضيفاً على ملك الأردن حسين، الذي قال فيه أكرم الحوراني وفي أسرته، ما لم يقله مالك في الخمر.

كذلك مات الأستاذ عفلق في العراق، وهو يتمتع بلقب «القائد المؤسس».. وكان أعلن إسلامه.. وحين أسلم روحه إلى بارئه، أعلنت الحكومة العراقية الحداد عليه، وألغت برامج إذاعتها، لتحل محلها قراءات القرآن الكريم.. واغتيل قبلهما الأستاذ البيطار.

وهكذا يموت البشر.. كما يموت الشجر.. ويظل الوطن حياً.

الله تبارك وتعالى وله الخلود والبقاء.