وراء القضبان - الجزء 2: إعلان عبد الناصر في خطابه الإذاعي عن إعدامه، ونجاته في اللحظة الأخيرة

اقرأ بالإنكليزية

3 - أوراق التحقيق

وزع الحارس علينا أوراقاً لنملأها.. وكان فيها تهديد واضح «بأننا نعرف عنك كل شيء ولا فائدة لك من إنكار الحقيقة..».

وفي الورقة أسئلة كثيرة، لأنها من أربع صفحات كبيرة، وكانت إجاباتي بالنفي على أكثرها.

هل سافرت إلى القاهرة، مؤخراً؟، ولماذا؟ وبمن التقيت هناك؟ وماذا جرى بينكم من أحاديث؟.. تكلم عن ذلك بالتفصيل.

وأجبت بأنني منذ عدت من القاهرة في 19 تشرين الأول 1961 في أعقاب الانفصال، لم أعد إلى القاهرة، وبالتالي لم أقابل أحداً.

هل سافرت إلى لبنان؟ ومتى؟ وأين وأيان، وحيثما وكيفما..

وكتبت بأنني لم أسافر إلى لبنان، منذ أيام الوحدة!.

وأجبت على سؤال عن «الذين تعرفهم من الضباط السوريين»، ووجه المعرفة والصلة.. وأجبت: إن لي في الجيش ابن أخت برتبة نقيب، ذكرت لهم اسمه وعمله.. وقلت إن لي ابن خال طياراً هو فلان.

وتبين لي، فيما بعد، أنه كان معتقلاً في «جناح آخر».. وأنه متهم بأنه وحدوي وقد أخرج من الجيش فيما بعد، بعد أن أصبح طياراً لامعاً، بعد تخرجه من الاتحاد السوفيتي ومصر وبولونيا.. ثم استدعي أياماً إلى الخدمة.

وفتل في معركة مع إسرائيل، حين أسقط اليهود طائرته.. في الأرض التي تفصل بين القوات اليهودية والقوات السورية.. وبقي جثمانه الذي احترق في طائرته أربعين يوماً، حتى أصبح كومة شوهاء متفحمة.. وغامرت مجموعة من المغاوير بإحضارها.

وكرَّمته الدولة، فأطلقت اسمه على مدرسة إعدادية في مدينته حلب.. وكذلك ذكرت لهم معرفتي «بالفريق أمين الحافظ نائب الحاكم العرفي، الذي أصدر الأمر العرفي رقم 19 القاضي باعتقالنا..

ونصحني بعض إخواني ألا أذكر اسمه، حتى لا أحرجه.. ولكني ذكرته، تنفيذاً لأوامر التحقيق «التي تطلب أن نقول الصدق، لأنهم يعرفون عنا كل شيء..».

وشعوري أن أمين الحافظ مكّن للنظام المهتز بما استعمله من أساليب العنف والقسوة مع الناصريين، مع أنه لم يكن من البعثيين أصلاً.. وقيل إنه انضم إلى هذا الحزب في وقت متأخر، أثناء تولّيه «رئاسة المجلس الوطني» بعد أن استقال منها الفريق لؤي الأتاسي.

وكثيراً ما تساءلنا، لماذا استقال الفريق الأتاسي؟

قال قائل: إنه رفض التوقيع على قرارات الإعدام، وفضل أن يستقيل حتى لا يصبح «ممسحة» للنظام.. خاصة وهو محسوب على «الناصريين» ومعدود بأنه أحد ثوّار الحركة القومية.

ولكن الذي تأكد لنا، أن التوقيع على قرارات الإعدام كان منوطاً بأمين الحافظ قانوناً باعتباره نائباً للحاكم العرفي.. لذلك فإن الفريق الأتاسي قدّم استقالته حتى لا يظلّ مندفعاً في نفق لا نهاية له، خاصة حين وقّع على المرسوم التشريعي الذي أنشأ المجلس العرفي، وأخذت الإذاعة تذيع سلسلة أحكام الإعدام وتنفيذها..

ففضّل أن يقفز من القارب الذي كان متجهاً إلى الهاوية لولا أن أنقذته صخرة احتمى بها، وجنح إلى اليابسة.. وخرج ينشر على الناس أنباء بطولاته الوحدوية، التي كانت له ذات يوم أبيض، ولكنه تخلى عنها فيما بعد.

4 - المجاهد الحشاش

وجدنا بين المعتقلين شخصين لم يستطع أحد أن يفهم سبب وجودهما معنا.

الأول: كان نائباً سابقاً، وقريباً جداً من أصحاب السلطة الجدد، وكان اسمه لمع في أوائل عهد الوحدة، بين مصر وسورية، كوسيط للرشوة التي أراد بها الملك السعودي إسقاط طائرة عبد الناصر والخلاص من خطره على عرش أسرته.. وخرج من هذه «المؤامرة» بمبلغ دسم قدره بالتمام والكمال مئة ألف جنيه إسترليني.. وكان هذا المبلغ يكفي لشراء خمس وعشرين شقة، كالشقة التي اشتريتها لسكني في شارع الشهبندر.

وقد تحاشاه الذين يعرفون قصصه.

ولكنه لم يتحاشني.. ولم أنكر عليه تقربه مني، لأنه كان من طلابي في كلية الحقوق، ولذلك كان حفياً بي، يجاملني ويروي لي ما كان يسمعه من أقاربه «السعوديين» عن أوضاعنا، وما يعرفه عنهم من داخلهم..

ولست أنكر أنني كنت حذراً منه، لذلك كنت أسمع منه، ولا أحدثه إلا بما لا ينفعه ولا يؤذيني.

وفارقنا بعد أربعة أيام، لأن «أمراً عالياً» صدر بالإفراج عنه. وخرج من المهجع، تشيّعه نظرات الاستهجان.

وأما الثاني، فقد بقي لغزاً، حتى فتح مغاليق نفسه.

قال: أنا رجلٌ عشير «جوزة».. وكنت «مسطولاً» تحت شجرة وارفة الظلال.. أعمِّر «جوزتي»، وهي قطعة من الخشب الصلد، محفورة بحيث تتسع لشيء من الرماد، وبعض الفحم المشتعل.. ثم أضع على النار قطعة الكيف «وهو الحشيش» وأظلّ أدخن، حتى أفقد الشعور بكل شيء.

وفيما أنا في هذه الحالة من «السلطنة»، سمعت الطلقات النارية وقصف المدافع، ولكني لم أعبأ بأي شيء، فقد كنت في متعة غامرة.. إلى أن هاجمني بعض الجنود، وراحوا يضربونني، إلى أن غبت عن الوعي وصحوت وأنا بينكم،

وراح يتساءل عما حدث، ولماذا هو هنا؟ وهل هذا مستشفى؟ أم هو سجن؟

ولما قيل له، بل هذا سجن!. راح يلعن الحشيش، ويلعن من درّبه على تعاطيه.. وأسلم نفسه إلى ذهول عميق.

وقد أصبح مصدر تسلية لنا.. وسمّاه أحدهم باسم القائد القرطاجي هانيبال (أو هاني بعل) الذي هدد ذات يوم إمبراطورية الرومان، في عقر عاصمتها نظراً لاتهامه «بتهديد سلامة الدولة». على أنه استفاد من سجنه، بسلسلة من الأيمان والطلاقات المغلظة بأنه تاب إلى الله من إدمانه.. ونودي عليه ذات مساء.. فخرج ولم يعد.

وأغلب الظن أن «عدل محكمة الضللي» أصابه، فأعيد إلى «جوزته» لأننا لم نسمع اسمه بين الذين نفذ فيهم حكم الإعدام.

ذلك أن من العسير جداً على مدمن على المخدرات، أن يقلع عن هذه العادة المرذولة بالأيامين والطلاقات.

وفيما أنا أكتب هذا الفصل قرأت في مجلة العربي (شباط 1996 ) عرضاً لتقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة «أن حجم تجارة المخدرات في العالم قد بلغ 500 مليار دولار سنوياً، (لاحظوا الرقم جيداً إنه 500 مليار وليس 500 مليون).

ويقول تقرير التنمية البشرية إن ما ينفقه المستهلكون على المخدرات يفوق قيمة الناتج المحلي الإجمالي لأكثر من ثمانين بلداً نامياً».

وتجدر الإشارة إلى أن الأمم المتحدة خصصت عقداً كاملاً (10 سنوات) لمكافحة المخدرات، هو عقد التسعينات أسمته «عقد الأمم المتحدة لمكافحة سوء استعمال المخدرات»، وأهم مراكز إنتاج المخدرات في العالم، أفغانستان وإيران وباكستان وبوليفيا وبيرو وتايلاند وكولومبيا.

وأهم البلاد المستهلكة للمخدرات هي الولايات المتحدة الأميركية وكندا.

وهذه الأرقام الفلكية تعني أن «تجارة المخدرات» تفوق حجم تجارة النفط في العالم، وتأتي مباشرة بعد تجارة الأسلحة، التي تتحكم بها الدول الصناعية المتقدمة، الولايات المتحدة الأمريكية وفرانسا وإنكلترا، والاتحاد السوفيتي، الذي أصبح بعد انحلاله مجموعة من الدول، أهمها الدولة الروسية الفدرالية.

5 - خطاب عبد الناصر يوم 22 تموز

هذا اليوم، يوم عزيز على عبد الناصر.. وعلى رفقائه في الزحف المقدس، وعلى الأمة العربية.. ففيه، عام 1952 تحركت جحافل الضباط الأحرار لاقتلاع جذور النظام الملكي الفاسد، وإعادة السيادة إلى شعب مصر، لأول مرة، منذ انتهاء حكم الفراعنة، في عهد ممعن في القدم.

وكان من عادة الرئيس المصري أن يحتفل بهذه الذكرى بخطاب يلقيه في جمع حاشد من المواطنين.. ولم يغيّر، في هذا اليوم، هذه العادة.

واستمعنا إلى خطابه من جهاز راديو صغير، كنت أحتفظ به معي.

وقد هاجم حزب البعث هجوماً قوياً جداً واتّهمه بأنه حزب فاشيستي، وجاء في خطابه هذا «أننا قررنا اعتبار ميثاق 17 إبريل (نيسان) لاغياً[1].

وبذلك فشلت جهود الوفد السوري الذي سافر إلى القاهرة برئاسة الفريق لؤي الأتاسي وعضوية العقيد محمد عمران والمقدّم فهد الشاعر، يوم 18 تمّوز - يوم وقوع الهجوم الناصري على الأركان والإذاعة - لإقناع عبد الناصر بعدم إلغاء الاتفاق الثلاثي الموقع يوم 17 نيسان. وفشل الوفد في مهمته فشلاً ذريعاً.. وقد أدرك الرئيس أن البعثيين كانوا يناورون، لكسب الوقت على أمل أن يرسخوا أقدامهم غلى أرض صلبة.. بعد أن قرروا تصفية شركائهم في الأمس.

وقد استبد بنا قلق شديد، لأننا خشينا أن تتوسع عمليات التصفية الجسدية.. وتطال عباساً ودباساً.. من نزلاء المهاجع، ونحن منهم.

كذلك هاجم الرئيس عبد الناصر في هذا اليوم محكمة الضللي بعنف، لأنها «قررت إعدام عبد الوهاب حومد» وتم تنفيذ الحكم فيه.. كما جاء في خطابه. وقد تشاءمت كثيراً من هذا النبأ.. غير أني، وأنا في معتقل لا حول لي فيه ولا طول، لم أكن أملك إلا التسليم بقضاء اللّه.

وفي صبيحة اليوم التالي، جاء صف ضابط إلى باب المهجع ونادى علي بأنني مطلوب «لمقابلة».

وأسلمت أمري إلى الله وارتديت بدلتي، إذ كنت كغيري نعيش في «البجامة» لأنها أيسر لجلوسنا على الأرض.. وقدرت أن الدعوة للمثول أمام المحكمة.. وودعت إخواني بالقبلات، وخرجت مع الجندي وسط وجوم المعتقلين وتوقعاتهم.

وأدخلوني إلى غرفة تدل هيئتها على أنها مكتب، لوجود طاولة فيها وتليفون.. وبقيت جالساً أترقب.. وفتح الباب، ودخل منه شخص أعرفه، هو الصحافي الأستاذ مطيع النونو.. ومعه مصور يحمل كاميرا.

وتبادلنا التحيات «العاطرات» والسؤال عن الصحة «والخاطر».

ولاحظت بأن المصور أخذ يلتقط لي صوراً - كثيرة - وما هي القصة يا أستاذ مطيع؟

قال: اشتقت إليك، فطلبت مقابلتك، وسمحوا لي. وكان هذا أتفه جواب أسمعه.. فلم يكن بيني وبينه صلات تبرر السماح له بطلب المقابلة.. خاصة وأن سلامته كانت في إنكار أي معرفة بيننا، حتى «لا يدفع نفسه» بشبهة «التآمر» والناصرية. وحتى لو سلمنا جدلاً، بانقضاض حبي «العذري» على قلبه بصورة مفاجئة، فإنه لم يكن له من الأمر، ما يمكّنه من الحصول على إذن خاص بهذه المقابلة الغريبة.. وحرت في تفسيرها، وذهبت بي الظنون مذاهب شتى وأنا أتحدث إليه. وتكلم.. فقال، والضابط المراقب يسمع حديثنا، وهو ثالثنا في الغرفة، إن المصريين أذاعوا أنك أعدمت، فقلق اهلك وأصحابك، فأحب المسؤولون أن ينفوا الخبر، لتهدئة أفكارهم.

وابتسمت له ابتسامة لم يخفَ عليه معناها وسألني إن كنت أريد شيئاً، فقلت له: إذا كان ممكناً أن أتحدث مع زوجتي بالهاتف، فاستجاب إلى رغبتي، وتناولت سماعة الهاتف ووضعتها على أذني وهنا أخذت أنوار «فلاش» الكاميرا تلمع، وأنا في وضع من يتحدث بالهاتف.

ولم أظفر بالمكالمة.. لأن «الخط معطل».. كما قال الضابط.. «ومرة أخرى إن شاء الله». وودعني الأستاذ مطيع.. وعدت إلى إخواني، الذين استبشروا خيراً بعودتي.. كدليل على أنني لا زلت حياً وأني أعامل معاملة كريمة، والبرهان، الهاتف على أذني.

وصدق رسول اللّه في قوله: «كاد المريب أن يقول خذوني».

6 - إعدام لا مثيل له

انتشر في المهجع نبأ مذهل لم يستطع أحد «بلعه».

فقد روى لنا أحد المعتقلين أنه شاهد ضابطاً صغيراً من «أهل الثقة» ينزل من سيارة الجيب ضابطاً برتبة مقدم.. في الوقت الذي كانت «سيارة اللحم» - وهي السيارة المغلقة التي تنقل الجثث - تتحرك للتوجه إلى أقرب مقبرة، لرمي ما تحمله من جثث الذين تم إعدامهم.. غير أن هذا الضابط «الموثوق» أشار إلى سائق سيارة اللحم بالتوقف والانتظار حتى «يأخذ هذا معه».. ووقفت السيارة.

وانتظر سائقها حتى دخل الموثوق والموثق إلى باحة السجن، فالغرفة الرهيبة التي كان يمارس فيها الضللي وإخوانه «القضاة» هوايتهم الدموية.

ووقف الموثق أمامها، فوجهت له «المحكمة» بعض الشتائم «المهذبة»، و«تداول» أعضاؤها في العقوبة التي يستحقها ، وانتهت المداولة بتقرير إعدامه.. فاقتيد إلى حيث لقي مصيره، وحملت جثته إلى سيارة اللحم.. وذهبت روحه إلى بارئها تشكو له ظلم هذه العصابة الجاحدة الباغية.

وبكت الأمهات على فلذات أكبادها.. شهداء الوحدة الغالية. وترنحت أمهات القضاة فخراً بأبنائها.. الذين أعمى عيونهم بريق السلطة وأوهام الكفاح الطبقي.

غير أن أمهات أخريات سوف يبكين أولادهن «القضاة» ذات يوم.. وإلى أبد الدهر.. يلاحقهم غضب الله ولعنته.

وسوف يقتل بعضهم، بسلاح من هو أكثر منه دموية.. من «إخوانه»، وسوف يرد بعضهم إلى أرذل العمر.. متشرّداً من بلد ينبذه إلى بلد يوصد في وجهه بابه.

7 - ونعق الغراب

ما كدنا ننعم ببعض الراحة النفسية بعد بضعة أيام من قلقٍ قاتل، حتى أبصرنا من وراء قضبان باب المهجع، المساعد سليمان، وبيده ورقة، يتهيّأ لقراءة ما كتب فيها من أسماء.

وساد المهجع سكون الأموات.. وتجمد الدم في الوجوه.. وقدّرنا أن ماكينة الموت عادت إل العمل برئاسة الضللي. وقرأ سليمان ثمانية أسماء:

عبد الوهاب حومد

نهاد القاسم

ثابت المهايني

منير الريس

عدنان المجركش

زائري طيارة..

ولم أعد أتذكر الاثنين الآخرين.. ولا أقطع في صحة اسم زائري طيارة.. غير أنني تحدثت في هذا الموضوع، مع الأستاذ عدنان المجركش مساء يوم 9/12/1993 عن ذلك اليوم.. فتذكر مثلي هذه الأسماء. ولم يتذكر من هما الشخصان الآخران.

وأوقفونا صفّاً أمام باب المحكمة.. والحراس يحيطون بنا.. وانتظرنا تحت الشمس المحرقة.. وظال انتظارنا.. ربما قرابة ساعة.

وضاق بعض «المدعوين» ذرعاً بالوقوف.. وتساءلوا: لماذا الدعوة، ولماذا الانتظار؟

ويقول لي الأستاذ المجركش:

لقد تكلمتَ - يريدني أنا - فينا، مشجعاً وداعياً إلى الاعتصام بالأناة والصبر.. واللّه وحده يفعل فينا ما يشاء..

واستدعت المحكمة سليمان، الذي يقف مطرقاً إلى جانبنا، فدخل مدّة دقيقتين، وخرج ليقول لنا: «عودوا إلى مهجعكم».. وسرنا، وراء الحارسين. وكأننا ثمانية خرفان، اختارهم الجزار من الزريبة، ثم عرض له ما حمله على تأخير الذبح.. فما عدا مما بدا للمحكمة، التي اشتاقت إلى سفك الدم، بعد أيام من الراحة؟ الذي قيل لي بعد سنوات، هو أن الفريق أمين الحافظ - وأذكرها للتاريخ - ضغط على المحكمة، لترجئ محاكمتنا التي ستنتهي حتماً بكارثة، لأنه «علم من الأوراق» أنه لا علاقة لنا بهذا الهجوم المسلح، الذي قام به جاسم علوان وبعض أنصاره على الأركان ومقر الإذاعة.. خاصة وأنه ليس في ماضي واحد منا، ما ينم عن ولع بالانقلابات الدامية.

واجتمعت بعد هذه الحادثة مرتين مع الفريق أمين الحافظ، ولكننا تحدّثنا في أمور أخرى كانت أكثر إلحاحاً.. وتحاشيت أن أسأله عن مسألة قد لا يعرفها.. فإن صح هذا التدخل في اللحظة الأخيرة، من قبل نائب الحاكم العرفي، فإن ذلك يعني أن أكثر النفوس سواداً، قد يكون فيها بقعة نور مضيئة، تلمع في حالك الظلام.. فتزيل مظلمة لا لزوم لها.

وسُرّ نزلاء المهجع بعودتنا.. لأنهم تعودوا على أن من يخرج لا يعود.. وتتجه آذانهم إلى ما وراء الجدار الشمالي.. حيث تنتصب خشبة الإعدام.. ليسمعوا إطلاق النار من فتحة الشباك العالي.

---

الحواشي:

[1] وانظر ص: 184. 1977 palazzoli, la Syrie, le rêve et la rupture, paris