وراء القضبان - الجزء 3: تسع ليالٍ في زنزانة انفرادية، وصوت التعذيب كل ليلة، ومحاولة انتحار أحد الضباط

اقرأ بالإنكليزية

8 - الهجرة إلى الزنزانة

بعد إقامة في المهجع استمرت نحواً من أسبوع، جاء المساعد سليمان، وهو في العادة لا يجيئنا إلا بأنباء كريهة، ووقف وراء قضبان الباب وراح يقرأ أسماء بعض المعتقلين، وكنت واحداً منهم، وطالبنا بأن يحمل كل منها أشياءه الخاصة به تنفيذاً للأوامر.

وتبادلنا النظرات مع الذين لم يرد لهم ذكر.. وتساءلنا، ترى إلى أين؟

ونهض «المطلوبون» وودعوا زملاء المهجع، وتوجهوا إلى الباب، دون أن يكون في أيديهم أي شيء يحملونه.. ذلك أنهم ألقي القبض عليهم في أماكن غير بيوتهم، فأحضروا وليس معهم إلا ثيابهم!.

أما أنا فكانت معي حقيبة ملابس وقطع من الصابون ومنشفة وجه للوضوء. وبابوج (شبشب حسب الاستعمال المصري)، وبعض الملابس الداخلية.. غير أن آلة الحلاقة وشفراتها والدراهم التي كنت أحملها، احتجزت أثناء دخولي إلى غرفة مدير السجن، بسبب خطورتها.. أما الشفرات، ومثلها ربطات الأحذية، فإنها قد تستعمل للانتحار.. وأما الدراهم فإنها لا تقل خطورة عن الشفرات، لأنها قد تستعمل لنحر ضمير أحد الحرّاس.. ثم أنها لا تنفع صاحبها في شيء، لأنه لم يكن مسموحاً لنا بأن نشتري أي شيء من خارج السجن.

وبحسب القواعد القانونية « المألوفة» فنحن أبرياء حتى يقوم دليل على جريمتنا.. ولكن «أولي الأمر» قرروا أننا مجرمون.. ملعونون ولا يحق لنا أن نتمتع بأي حق من حقوق البشر.

وصدقاً فقد خامرني أمل، بأنني ذاهب إلى الحرية.. وزاد في ترسيخ هذا الأمل، أصوات الأقفال الضخمة التي كانت تفتح بمفاتيح كبيرة الحجم، فكنت أجتاز بوابة حديدية إثر بوابة حديدية أخرى، وأنا أتّجه ومعي «حارسي الأمين» إلى ساحة السجن.. غير أن الأمل تبدد نهائياً، حين انحرف بي الدليل إلى جهة اليسار، ووجدته يقف أمام باب صغير، عليه حارس آخر مرابط، ويأمره بفتح الباب، ويأمرونني بالدخول، ثم يغلق الباب خلفي، ويقفل القفل..

إنها الزنزانة إذن، وليس الإفراج!.

كانت الزنزانة أشبه ما تكون بالقبر.. طولها متران وعرضها متر. وقد زيّنت أرضها بفراش من القش، لا يحتاج معه الإنسان إلى عيني أحد الجوارح ليكتشف قذارته. وكانت رائحة العفن تنطلق منه، أما جدرانها فإنها لم تظفر بيد دهّان منذ أن أنشا الفرنسيون السجن، قبل نحو من أربعين سنة.. فهي تحمل كتابات بعضها محفور فيها كالجراح الغائرة، وبعضها مكتوب بلون أحمر داكن، قدرت أنه دم إنسان، ضاق فيها ذرعاً بالحياة..

ولكن كل كلماتها من «الأدب الحزين».. وأكثرها استغفار وتضرع.

وخلعت بدلتي وارتديت البجامة.. وتلك عادة مألوفة لأنه طالما أن الجلوس سيكون إقعاء على الفراش، فإن ارتداء البدلة ليس له طعم ولا لون ولا رائحة.. وبعد بضع ساعات جاءني الحارس ببطانية ومخدة، وألقاهما لي، ثم عاد فأغلق الباب بالقفل.

وخير لي ألا أتحدث هن هذه البطانية.. لأن خيوط سداها بارزة، بعد أن ذابت لُحمتها، فظهرت وكأنها ديار حبيبة طرفه، «مراجيع وشم في نواشر معصم» بعد أن هجرها أهلها وترحلوا عنها.

غير أن ما راعني منها، هو هذا الالتصاق بين أجزائها حين أردت فتحها لأنشرها على الفراش، فرحت أشدّ بيديّ الاثنتين، طرفين بعد طرفين بعد طرفين، حتى تفتحت مغاليقها، وظهرت قذارتها على أقبح وجوهها.. ولم أجد تفسيراً لهذا الالتصاق، إلا تدفق دماء عليها، وتركها في إحدى زوايا غرفة مهجورة، حتى يبس الدم عليها.. ومع ذلك، فحين جنّ الليل عليّ، أرغمني برد الفجر على أن التحف بها.. «مرغماً أخاك لا بطل».

ووضعت رأسي على المخدة، بعد أن جللتها بالمنشفة، ودسست الراديو الصغير تحتها، وكنت أخفيه بين ملابسي، وتظاهرت بالنوم، لكي أستمع إلى الإذاعة.. ولم يكن في وسعي أن أستمع إلى هذا الراديو في غير هذه الطريقة، لأن الحارس يبقي فتحة الباب الصغيرة مفتوحة، ليرى ماذا أفعل، ولم يكن ذلك عسيراً عليه، لأن اللمبة الكهربائية المغروسة في سقف الزنزانة العالي يبقى مشتعلاً طيلة الليل، ولا يستطيع غير الحارس إشعاله أو إغلاقه، لأن مفتاحه مركب خارج الزنزانة.

ورحت أستمع إلى برقيات المؤيدين للعهد. وتلك عادة كثير من الناس. لأنهم «مع الداخل رقصة، ومع الخارج بـ..». وضحكت لبرقية أرسلها صاحبها من الجزيرة، وقال فيها: «نحن فداء لقوميتنا العربية ولأمتنا المجيدة سليلة العروبة الخالدة».. أما التوقيع، فكان بدروس بدروسيان.. أو شيء من هذا القبيل.

وتذكرت قول الشاعر الذي هزلت فرسه الأصيلة، فأنزلها إلى سوق الدواب ليبيعها.. فلم يسأله عن ثمنها إلا المفاليس. فبكى، وعاد بها يترنم:

وقد هزلت حتّى بدا من هزالها

كُلاها وحتى سامها كلّ مفلس

وحزنت لبرقية أخرى..

فمرسلها موظف في الداخلية، بيني وبينه نسب بعيد.. وكان يظهر لي من الصداقة والمودة، ما كان يبهجني ويريح نفسي.. فلما كبا بي الزمن، قال في برقيته:

اذبحوهم حتى الوريد، وحطموا جماجمهم وعظامهم.

غير أنه لم يستطع إقناع رجال العهد الجديد بإخلاصه، ورجائه بأن يعيدوه إلى وظيفته التي كان سرح منها سراحاً غير جميل، بسبب شبهات بشعة حامت حول ذمّته، فبقي على الرصيف يلعق حمرة خجله كمنبوذ.. وسخ.

وما إن مالت الساعة عن منتصف الليل، حتى بدأت الكوابيس.. وما هي بكوابيس.. لأنها أصوات بشر يتعذبون. وأرهفت سمعي.. ويا تعاسة ما أسمع.. صراخ، واستغاثة.. وأخ.. ود خيلك. وشتائم «من تحت الزنار» ألطفها يا كلب.. يا خائن.

ودامت هذه «الاستجوابات» حتى بوادر الفجر. وعايشتها كل ليالي الزنزانة.

وكثيراً ما ساءلت نفسي: من أي معدن أسود، قدّت قلوب الذين يقومون بعمليات التعذيب، ليلة بطولها، دون كلل ولا ملل؟. وأي ضمائر سوداء أولئك الذين يأمرون بالقيام بهذه الفظاعات؟

وحدثوني فيما بعد بأن «المحققين» يمرنون بعض السجناء على استعمال أدوات التعذيب الكهربائية.. تحت تهديدهم، بأن يخضعوهم لها، إذا لم يقوموا بما يؤمرون به، من تعذيب الآخرين، وضربهم.

وحدث أن أمر المحقق السجين الذي يقوم بتعذيب زملائه، بأن يزيد في شدة التيار الكهربائي، ففعل، وراح الذي يخضع «للاستجواب» يصرخ بشكل هستيري، حتى فقد وعيه، ولم يعد يشعر بأي عذاب. وحسب المحقق أنه مات، فأشار إلى القائم بالتعذيب أن يتوقف.. غير أنه كان قد سقط مغشياً عليه، مما عاناه رفقاؤه على يديه، برغم أنفه.

وكتب له الله السلامة، فجمعتني به في مستشفى السجن، ظروف أليمة.. وكانت عيناه تدمعان، خجلاً وحسرة، كلما ذكرت أحداث التعذيب.. وفي النهار، كنت أستمتع بمنظر حديقة السجن، إذا نسي السجان إغلاق الفتحة.. ومن ذكرياتي في الزنزانة، خلال الليالي التسع التي بقيت فيها، أقتطف مما حفرته الوقائع في حجيرات الدماغ، القصص التالية:

أ - جاري فاروق القوتلي

في غيبة الحارس، تبادلت الحديث مع جاري في الزنزانة المجاورة.. فقد عرف من أنا، وأخبرني أنه من طلابي في كلية الحقوق.. ولم يزد.. خشية أن يكون علينا رقيب في شكل آلة تسجيل مدسوسة.

غير أنه في إحدى الليالي، دعا ربه بصوت مرتفع.. فنهره الحارس وأسكته، فقال له: إني أدعو الله، لا أكثر، ليفرج عنا.. قال الحارس: ادعه بصوت منخفض.. فرد عليه.. إنه لا يستجيب لي، وأنا أدعوه بصوتي الجهوري.. فهل تريده أن يستجيب لي وأنا أدعوه بصوت لا يسمع؟.. وكأني بالحارس، وهو من مجتمع مؤمن، خشي أن يقف بين الله وبين من يدعوه، فخطا نحو زنزانة الجار، وقال له: أرجوك أن تدعو الله، بصورة لا تتسبب لي بسكن زنزانة معك.

ورفق جاري به، فاقتصر في دعائه الله سبحانه، على التمتمة.

2 - الدعوة إلى الحمام

جاءني سليمان مرة، حول الساعة الثالثة صباحاً، وطلب إليّ أن أنهض لأستحم..

واستغربت هذه الدعوة، إذ لم يسبق لي أن دعيت قبلاً إلى الحمام منذ أن دخلت المعتقل.

وكنت أشعر أن المساعد سليمان (معاون مدير السجن) «منا وفينا»، أو هكذا كان يشعرنا.. فسألته، حمّام أم تحقيق.. قال، بل حمّام: وما الفرق؟ قلت في التحقيق.. أرتدي تحت البيجامة بضعة قمصان.. لتخفيف لسع الكرباج، إذا ارتأى المحقق أن «يخضعني إلى قول الحقيقة» بأساليبه المهذبة المعروفة.

وكانت الدعوة حقاً إلى الاستحمام.

كان كل مستحمّ يقف عارياً إلى جانب جاره، وينتظر حتى يفتح الحارس الحنفية من الخارج، حتى إذا تدقق الماء وكأنه قادم من جهنم أرغى الصابون على رأسه وجسده، ولا يكاد ينتهي من الصابون، حتى يستحيل الماء إلى صقيع وكأنه ذوب الجليد.

وأعترف أني مسحت الصابون بمنشفتي عن جسمي، لأني لم أعد أطيق احتمال الماء المغلي يعقبه ماء القطب الشمالي.. وبذلك ضاعت عليّ نعمة «نعيم الدنيا».. التي هي الحمام، حسب التعبير الشعبي!.

3 - اللحم في الزنزانة

مرّ بي الطبيب، وسألني عما بي فشكوت له «الجوع».. ولم أكن مبالغاً في قولي، فلم أكن آكل غير القسم الخارجي من رغيف الخبز، لأن المرق الذي تسبح فيه حبات الفاصوليا البيضاء، كان يحمل عفونة المازوت، فلا تقبله حتى النفوس «القاطعة».. ولست أدري لماذا كل هذه الحجارة الصغيرة المتناثرة مع حبات البرغل في الوعاء الثاني.

وقدّر الطبيب حاجتي «لأكلة لحم يومياً».. وكتب على ورقة، ولم يخيب مدير السجن الرجاء.. فجاءني الحارس في ليوم التالي، بقطعة لحم سوداء أخرجها من جيب بدلته.. وحين سألته ما هذا؟.. قال: «تعيينك من اللحم».. وهو تكريم خاص بي، خارج روتين القروانة!.

4 - الدخان بدل القرآن

سألني مرة معاون مدير السجن، في كثير من اللطف، عما أشتهي الحصول عليه؟ وساورني القلق، ففي العادة يسألون من يراد تنفيذ الشنق فيه، عن رغباته الأخيرة. فبعض المحكوم عليهم، يطلبون فنجان قهوة.. ومنهم سيكارة، وبعضهم يطلب أن يغني موالاً.. وبعضهم يكتب وصية لأهله..

وخفت أن يكون سؤاله، من نوع هذه الأسئلة.. فقلت له أريد نسخة من القرآن الكريم.. فقال: طيب.. وذهب ولم يعد.. ولكنّه أرسل إليّ جندياً ومعه علبة دخان وبضعة أعواد من الكبريت..

يومها كنت مقلعاً عن التدخين، فحلت عليّ بركة الزنزانة، ورجعت إليه، أعاقره.. إلى أن أقلعت عنه مرة ثانية، وإلى الأبد.

وأنا الذي عانيت من الدخان، في صدري وصحتي ما عانيت، أشعر بمتعة غامرة، حين أتمكن من أقنع صديق أو قريب - وأحياناً غريب - بترك التدخين، فيتركه وقد أتيح لي أن عرضت نفسي على أستاذ طبيب في باريس، اخترته من دليل الهاتف، وشكوت له اضطرابات في جهاز الهضم، ففحصني، ثم سألني هل أدخن، فقلت له: نعم، قال هل تستطيع الإقلاع عن التدخين؟ ولم ينتظر جوابي، إذ قال لي: يا سيد إذا لم تترك التدخين، فإن أي دواء لا يفيدك.

ولم آخذ بنصيحته، إلى أن تيقنت أن الأدوية التي كنت أتعاطاها لم تنفعني في شيء، ونفعني الإقلاع عن التدخين، دون أية أدوية.

ولست أدري، لماذا لا تنظم حملات مكثفة لإقناع الفتيان الذين يقلدون الآخرين أو يجارون رفقاءهم خجلاً. بأضرار التدخين وأنه ليس الوسيلة المثلى لإثبات «الرجولة».. وأنا أعرف أكثر من غيري ما يدرّه الدخان على خزينة الدولة من موارد. غير أنّ ما ينفقه الأهل والدولة على ترميم الصحة التي يخربها التدخين، في النتيجة؟ أدهى وأمر!. وهل أقول: إن الدخان مدخل مقنّع إلى تعاطي المخدرات؟.

5 - رسالة إلى أم غسان

لم أكن متأكداً من «نبل» هذا الرقيب - وهي رتبة في الجيش - الذي أخذ يجاملني أكثر مما يسمح به له وضعه كجندي ووضعي كسجين.

ومع ذلك فقد استأنست به.. حين كان يقف وراء باب الزنزانة، وفمه على فتحتها ليتحدث إليّ. مغامراً بتعريض نفسه إلى مساءلات هو في غنى عنها..

ومن باب تحصيل الحاصل أنا أقول أنني كنت حذراً من صحبته.. وفي مرة من المرات، سألني إن كنت أريد إرسال رسالة إلى أهلي..

وفغرت فمي دهشة من هذه الإنسانية التي تغري الزاهد، فأهلي لا يعرفون عني، منذ «استسلمت للسلطة أي نبأ.. سوى ما يخمنونه، ويتخيلونه، حين يسمعون من الإذاعة أنباء الإعدامات.. ووصفنا، جميعاً بالذيليين والأذناب والمجرمين والانبطاحيين.. وهي كلها أوصاف لا تطمئن الأهل والصحب على المصير، خاصة وأن البلد يعيش في ظل احتلال عسكري عرفي، لا مكان فيه للمروءة ولا للقانون.

وفكرت في الأمر: ماذا لو سلم الورقة إلى مدير السجن، لينال لديه حظوة؟

ولكن ماذا لو كان مخلصاً في عرضه «النبيل»؟ أليس في وصول كلمة إلى زوجتي وأهلي من هذا المعتقل ما يدخل إلى قلوبهم الطمأنينة والراحة، ويخفف من آلامهم وقلقهم على مصيري المجهول؟

واتخذت قراري بإرسال كلمة موجزة، قلت فيها إنني بخير وعلى قيد الحياة.. وأوصيت زوجتي خيراً بالأولاد، وأن تسهر على تربيتهم.. أي أنني قلت ما يقول أي أب، في مثل وضعي.. وليس في ذلك ما يعرّض أمن الدولة للخطر، بل إن تصرفي حق طبيعي لي، كان يجب أن يمتعوني به دون أن أتوسل إليه بطريق ملتوية.

وقال لي الجندي بعد يومين إنه أوصل الرسالة، وأن أسرتي في خير، ولم يستدعني أحد إلى سؤال وجواب عن الرسالة المذكورة.. ولكني قررت ألا أعود إلى مثلها.

ذلك أن جاراً لي سلم الجندي رسالة مماثلة إلى أهله، فوصلت إلى مدير السجن.. واستدعي السجين.. وأراه الضابط الورقة.. ولكمه على وجهه لكمة كادت تحطم له فكه.. وحين أفرج عني، علمت من زوجتي أن رسالتي وصلت في حينها.

وطالما أن الجندي سلّم رسالة الجار إلى مدير السجن، فآذاه.. فإنه لا بد أن يكون عرض رسالتي على رئيسه، ووجدوا أن يمدوا لي في «المجاملة» لعلي أكتب في رسالات قادمة، ما يمكن أن يكون دليلاً على إدانتي.. أو إدانة غيري!

6 - ضابط حاول الانتحار

كان عدد الزنزانات التي تقع إلى جانب زنزانتي أربعاً.. لم أعرف من نزلائها إلا الأستاذ القوتلي.. وظل الآخرون أشباحاً في الخيال.

وذات ليلة، سمعت كسر زجاج.. وبعده هدأت كل حركة.. وفي الصباح الباكر، شاهدت عدداً من الجنود، من فتحة الباب، يتراكضون، ومعهم محفة، من النوع الذي ينقلون عليها المرضى.. ودخلوا إلى إحدى الزنزانات المجاورة، وخرجوا، وهم يحملون المحفة، وعليها سجين ممدد، كانت أمعاؤه خارج بطنه.

وقد تبين انه أحد الضباط الذين هجموا على الأركان، ولم يعد يحتمل أكثر مما احتمله من التعذيب، وربما أدرك أن مصيره محتوم، وهو الوقوف مربوطاً على عمود الإعدامات، معصوب العينين، ليتلقى زخة من رصاص فرقة الموت.. فقرر أن ينهي مصيره «بيده لا بيد عمرو». فتسلق جدران الزنزانة، حتى بلغ الزجاج العالي فوق الباب، وكسره بيده، وأخذ قطعة حادة منه، شق بها بطنه، وجلس في هدوء على أمل أن تنطفئ شعلة حياته في هدوء.. غير أن القدر كان له بالمرصاد، فأبصر الحارس الدم الذي يتدفق من الزنزانة إلى خارجها، وأطلق «نداء الاستغاثة». فجاءوه بالمحفة ونقلوا المنتحر.. إلى حيث تضيع عنا أخباره.

وضاعت أخباره حقاً، في زحمة الأحداث.. فلم أعد أعرف عنه شيئاً! وكذلك لم يعرف «حارسي» عن مصيره شيئاً.

والانتحار في ذاته هروب من مواجهة الحياة.. والدين يحرمه.. والرجولة تأباه.. ولكني كنت متعاطفاً مع هذا الشخص، لأنه، كان سيعدم حتماً، إذن التعلق بالأوهام، وتحمل ليالي تعذيب لا يلوح على فجرها بصيص من نور؟