وراء القضبان - الجزء 4: وردة أهداها حارس في كوب شاي، واعتراف يسميه وزيراً للخارجية

اقرأ بالإنكليزية

7 - وردة في كأس شاي

هذه أحلى ذكريات الزنزانة.. ففي إحدى الليالي طلبت من الحارس الجديد، أن يرافقني إلى الحمام.. وحين استجاب لي، تحدثت إليه فعرفت من لهجته أنه حلبي مثلي، يؤدي خدمة العسكرية.. وحين عدتُ إلى الزنزانة، سألته من أي حي من حلب؟ فقال من حي الشرعسوس.. وتذكرت أنه كان لي رفيق في هذا الحي في ثانوية حلب، حين كنت تلميذاً فيها من آل الورد.. وذكرت له اسمه، فتهلل وجهه، وقال هذا عمي، شقيق والدي، وأنس الحارس إلي..

وقلت له: أنت ترى أنني متقدم في السن، وأن جدران السجن عالية جداً، لا يحلم مثلي بتسلقها، ثم أنها متوجة بأسلاك شائكة مكهربة.. وخلف الجدران أرض فراغ مطوقة، هي أيضاً، بالحراس والأسلاك الشائكة والكلاب المدربة.. لذلك لا يوجد مجنون يفكر بالهرب.

وقال: وإذن؟

قلت: سأطلب منك خدمة، قال: وما هي؟ قلت: إن الحر عنيف في تلك الليلة من آب.. وأن «الفسفس» - كما نسميه في حلب و«البق» يسميه الشوام - يزحف في أرجاء الفراش كالكلاب الكَلِبَة المسعورة، تنهش الوجه والأطراف، نهش الجياع اللئام.. فلو تركت لي باب الزنزانة مفتوحاً فقد يهب عليّ بعض الهواء المنعش، فأذبل وأنام قليلاً.. ووافق بعد تردد.

ونمت نومة عميقة.. لم تستطع صرخات الخاضعين للتعذيب الروتيني أن تقطعها.. وحين استيقظت صباحاً، وجدت «كيلة» الشاي، في مكانها، وهي مملوءة، وإلى جانبها «كيلة» كأس من الشينكو، فيها ماء ووردة صفراء، اختلسها الحارس من حديقة السجن.

ولم أشعر بمتعة في حياتي، من هدية أجمل من هذه الهدية، وعشت مع هذه الوردة، ما بقيت في الزنزانة.

وكنت أنظر إليها وكأنها نفحة روحانية، تقول لي: أبداً لا يمكن أن تكون هذه الدنيا مليئة بالوحوش وحدهم.

8 - أربعة أيام مع الانفصاليين

بعد تسعة أيام قضيتها في الزنزانة، جاء ضابط شاب، يأمرني «بجمع» حقيبتي، لاصطحابي معه، وكانت وجهتنا، مهجعاً جانبياً.

وحين فتح لي بابه، وجدت نفسي مع الانفصاليين.. الدكتور معروف الدواليبي وشقيقه الضابط العميد مصطفى، وهيثم المهايني، وموفق عصاصة وفايز الرفاعي.. وغيرهم.

وحين تأكدوا من شخصيتي «استنكروا» وجودي بينهم، فاستقبلوني بوجوم واضح.. كانوا يعتبرونني «عبد الناصر» الذي اتهموه بأنه هو الذي دبّر الانقلاب عليهم، وساقهم إلى حيث هم موجودين الآن.

والذي علمته منهم، بعد «عشرة» أربعة أيام معهم، أن صلاح الضللي كلف المساعد سليمان بإحضارهم أمامه لمحاكمتهم عن «جريمة» الانفصال.. فلاحظ له المساعد أنهم موقوفون لسبب غير ما هو داخل في اختصاص المجلس العرفي، فانتهره الضللي وأمره بإحضارهم فوراً.. ومن يدري ماذا كان يمكن أن يحدث لهم، لو أن المساعد نفذ الأمر.. لذلك اتصل برؤسائه.. فطلبوا إليه عدم الاستجابة، إلى أن تمكنوا من إخبار نائب الحاكم العرفي بأوامر رئيس المجلس العرفي.. فاتصل به هاتفياً ومنعه من التعرض للانفصاليين.

ويقول أحدهم: وهكذا أنجتنا شجاعة المساعد سليمان.

كان الدكتور الدواليبي يقرأ كتاب ميشيل عفلق «في سبيل البعث» وكان يضع خطوطاً حمراء تحت المقاطع التي لا تعجبه.

وحاول أن يناقشني فيما قرأ، وكأنني أنا مؤلف الكتاب.. «ما معنى قول عفلق إن الإسلام تجربة اشتراكية». هل الإسلام دين الله أم تجربة من تجارب النبي؟ وقلت له: إذا استطعت أن تتصل بالمؤلف، فإنه سيشرح لك وجهة نظره.. أما أما، فكنت قرأت الكتاب، ولكنني لا أتذكره الآن.

وأرسلت في طلب مدير السجن، فجاءني مشمئزاً وطلب منه أن ينقلني إلى مكان آخر، فإني لم أستطب البقاء مع هؤلاء الناس، الذين لا تربطني بهم رابطة.

واستجاب إلى رغبتين فنقلني - مؤقتاً - إلى المستوصف.

واسترحت منهم واستراحوا مني.. إذ أن ما كنا نتبادله من حديث، وهو نادر، كان غمزاً ولمزاً، وسؤالاً استفزازياً، يعقبه جواب لاذع.

كانت غرفة المستوصف أول مكان أرى منه الدنيا، كما كنت تركتها، لأنها تطل على قرية المزة القريبة، وعلى غوطة دمشق وجانب من العاصمة.. وأجلت النظر في المنظر، وكأنني أحد رجال الكهف، الذين عادوا إلى الحياة بعد ثلاثمئة سنة وازدادوا تسعاً.

وفي شرفة هذا المستوصف، كنت أمتع الطرف بجمال ما خلق الله من نور وبشر، وفجأة اقترب مني ضابط برتبة عقيد، عرفني عن نفسه بأنه قائد الشرطة العسكرية، وأن قيادة السجن داخلة في اختصاصه، وأخبرني بأنه أحد تلامذتي في حلب، حين كنت أدرس في ثانويتها الآداب العربية.. وأعرب عن رغبة ملحة في أن يلبي لي طلباً.. ورجوته إن كان يستطيع أن يأتيني بفراش من بيتي أنام عليه، ثم أتركه لهم «هدية».. فوعد بذلك، ولكنه لم يستطع الوفاء..

وكأن حديثي معه، كان نذير شؤم عليه، فقد كنا نتحدث في الشرفة وإلى جانبنا لوحة موضوعة على باب السجن، تحمل شعار البعث: وحدة حرية، اشتراكية،.. وأشرت إلى اللوحة، ومازحته، قائلاً: لماذا لا تكتب على هذه اللوحة الآية الكريمة {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيَّاً}؟ وشعر بشيء من الخجل والحرج.. وانصرف.

ودار الزمن دورته، فألقى به أصحابه في المهجع الذي كنا فيه.. ومع ذلك، فقد أوصى بي أن أنقل إلى «الغرف» مع أصحابي الناصريين، و«الغرف» في مفهوم سجن المزة، أربع غرف في جناح يطل على ساحته.. وحين أدخلوني إحداها.. ابتهجت لرؤية إخواني، ولكني أدركت أن العيش في هذه الغرف انتحار بطيء.

كانت إحدى هذه الغرف مخصصة للعقيد محمد نبهان، أحد قادة الانقلاب الفاشل. وقد استرعى انتباهي أنها ذات شباكين، أحدهما جنوبي والثاني غربي، وكانت مفروشة بصورة لائقة، وكانت الجرائد تأتيه كل صباح.

أما غرفتنا، فقد كان فيها نهاد القاسم وعبد الصمد الفتيح وأنا، وكان معنا أيضاً ضابط «ناصري» من إدلب برتبة عميد هو مؤيد الحكيم.

وكان حريصاً على «تبشيرنا» بحركة من يده على عنقه.. بأن ساعتنا قد دنت.. وساعته هو أيضاً، لأنه كان يعتبر نفسه من قادة الحركة، وقد سحب فيما بعد إلى موقع آخر.

وكان في الغرفة المجاورة اللواء راشد القطيني والفريق محمد الصوفي.. وحين ألقي القبض على اللواء محمد الجراح، وجاؤوا به إلى الغرفة الرابعة، شعرنا بأن الخطر علينا تزايد كثيراً.. وكان مصدر هذا الشعور، أنه ليس من السهل على بشر أن يستمر طويلاً على رفض «الاعترافات» التي يريدها المحققون، واللواء الجراح واحد من قيادتنا السرية.

وسوف يكون لأقواله وزن ثقيل في ميزان إدانتنا، ولكنه تحمل أقسى أنواع الضرب، هو والعقيد جاسم علوان، بطل الهجوم، ورفض أن يقول غير ما يعرف.

ولم نكن نريد إلا قول الحق.. لأننا فعلاً لا نعرف عن الأمر شيئاً.. ومن شدة رطوبة الغرفة، وعدم دخول الشمس إليها، بدأت آلام «الكولون» تتحرك.. وتألمت كثيراً، حتى شكوت.. فأخبر زملائي الضابط المشرف على قسمنا، بما أصابني، وسمعته يقول لهم، حين يأتي طبيب إلى السجن نخبره، وحين أخبروه بأن آلامي أصبحت لا تحتمل، قال لهم: إذا مات فسوف نقوم بدفنه.. اطمئنوا.. واطمأننا فعلاً!

وتفتق ذهن هذا الضابط على أن ينقلني إلى غرفة مظلمة، لأكون فيها وحدي.. غير أنني فوجئت بإدخال سجين عملاق عليَّ، وسلّم بأدب، وتمدد على السرير الحديدي الآخر.. وسارع بعض زملائي ينبهونني إلى الاحتراز منه، فإنه «مصاب بداء العض»، ويُخشى أن «يستحكمني» بعضة مفاجئة، في عنقي مثلاً، فيخرج منها بقطعة لحم!. وأصابني شعور بالخوف منه، فيما أخذني النوم.. لذلك بقيت مع آلام الكولون، متمدداً على ظهري طيلة الليل، وكنت أجده يضحك لنفسه تارة، ويشتم تارة أخرى، وكلما تحرك وسمعت أنين السرير الحديدي، سألته إذا كان يريد شيئاً، حتى يعرف أنني في حالة يقظة متوثبة، فيهدأ قليلاً، ثم يعود إلى الضحك أو البكاء.. واستدعي إلى التحقيق صباحاً، ولم أعد أعرف ماذا فعل الله به.

وأعادني الضابط المشرف إلى رفقائي.. في الغرفة الأولى.

وفي هذه الغرفة عدت إلى رؤية الشمس، التي كانت تدخل غرفتنا من طاقة متوسطة الفتحة.. واتفقنا على أن «نتقاسم» نعمة دفئها بالقسطاس.. فكان لكل واحد الحق في الوقوف تحت الأشعة نصف ساعة، ثم يترك مكانه لغيره.. ويدور الدور.. وجاء الأمر بعدم إغلاق أبواب الغرف الأربع، لذلك كنّا «نتزاور».

وفي كل مساء، كان كل سجنائها يتحلقون حول اللواء محمد الجراح الذي كان يشرح لهم بعض أحكام الدين الحنيف.. ويفسر بعض آيات الذكر الحكيم، ثم يقف فيناً إماماً ونؤدي صلاتي المغرب والعشاء جماعة.

وتأملت ملياً في هؤلاء الضباط، الذين انقلبوا إلى تقاة نقاة، يقفون صفين للصلاة، ويرفعون أيديهم بالدعاء إلى الله,,, ولم يكونوا يفعلون ذلك من قبل ولكن الذي استغربته، هو عزوف أحد إخواننا عن مشاركتنا صلواتنا وادعيتنا.. وكلنا يعرف أنه كان معدوداً من قادة الإخوان المسلمين، قبل أن يعتنق «المذهب الناصري».. وهما مذهبان متكاملان على كل حال.

وسألته في همس، عن السبب في ظهوره شاذاً أمام الآخرين؟ فقال: إن الله يعرف أنني ما كنت أصلي.. فما أحب أن أخدعه، تحت وطأة المحنة.. وسوف أمارس مناسكي بعد الإفراج عني.. إن كتبت لي النجاة مما نحن فيه.

وقد استدعي اللواء راشد القطيني وعاد يحدثني عن «مجرياته». قال له الضابط الذي حقق معه: «سيادة اللواء، انظر إلى عظمة يدي اليسرى جيداً..

لقد كُسرَتْ وأنا ألطم بها مجرماً كنت أحقق معه.. وأرجوك ألا تكون سبباً في كسر اليد الأخرى».

وناوله ورقة فيها أسئلة، وأخلى له الغرفة ليدلي بأقواله.. فكتب له أربع صفحات لم يحدثنا بشيء عنها..

غير أن «زميلنا»محمد النبهان - وهو من سلمية حماة - عاد ضاحكاً ذات مساء، وأبلغ رفيقنا الأستاذ جهاد ضاحي، أن ينقل إلينا «بشرى اعترافاته بكل شيء» لذلك «قل للإخوان أن يدبروا أنفسهم».

ومما قاله - حفظه الله - للمحقق، أننا «يقصد المتآمرين على سلامة الدولة» اجتمعنا في منطقة باب المصلى، واتفقنا على قائمة وزارية من أعضائها عبد الوهاب حومد وزيراً للخارجية وعبد الحليم سويدان.

في الأحوال العادية، ليس في هذا «الاعتراف» ما يؤذيني، لأن «المعترف» لم يقل إنهم اجتمعوا معي أو سألوني رأيي، للحصول على موافقتي..

غير أننا لم نكن في أحوال عادية.. كنا في مسلخ تحرك فيه رائحة الدم شهية الجزار..

وفي يوم من أيام «الغرف» شَرَّف السجناء بطلعته البهية، المقدم صلاح الضللي رئيس المجلس العدلي.. ولم أكن حاضراً، لسبب نسيته.. وجلس إليهم يحدثهم عن «أمجاده».. ومما قاله لهم مفتخراً: «إن التاريخ سوف يسجل اسمه بأحرف من نور.. فقد سلمته القيادة قائمة تضم أسماء ثلاثمئة شخص، ليحكم بإعدامهم.. ولكنه اكتفى بإعدام واحد وثلاثين فقط».

ونسي أن يضيف أن التاريخ سوف يسجل على هذه القيادة وهذا المجلس العرفي لعنة ستظل لصيقة بصفحتها السوداء، طالما بقي في الناس حد أدنى من مفهوم العدالة في مرابعنا التعيسة.

وقد ناصبت العداء طيلة حياتي الجامعية والعملية السياسية جميع أنواع المحاكم الاستثنائية الجزائية، مهما كانت تسمياتها.

إلا محاكم الأحداث.. فهي، بطبيعتها استثنائية، ولكنها تتصف بالديمومة من جهة وتختص بمجموعة من الجرائم، تحتاج في معالجتها إلى حنكة ودرية.

وذات صباح، وكنت أمضيت نحواً من شهر في سجن المزة، أنتقل، حسبما يرتاح له مزاج مدير السجن، من مهجع إلى زنزانة، ومن مساكنة الانفصاليين إلى الغرف الرطبة المظلمة، جاءني صف ضابط، و«أمرني» أن أرتدي ملابسي.

وودعت إخواني، دون أن أعرف أو يعرفوا إلى أين يتجهون بي.. أقول: يتجهون بي، لأني رقم انتزعت منه إرادته، فلم يعد يملك أن يتصرف في إرادته، وقد ناب عنه في التحكم في هذه الإرادة، جندي أمي، يتحرك بدوره في نطاق الأوامر.

وحملت حقيبتي، التي خف وزنها كثيراً، لأن جميع ما أحضرته من كتب حين «استسلمت» صودر.. وكنت تعلمت من أساتذتي وعلمت طلابي في الجامعات التي درست فيها القانون، أن السجن «دار إصلاح وتهذيب».. وأن للمجرم السياسي حرمةً نص عليها الدستور وأكدها قانون العقوبات، بدون موارية ولا تلميح.

ونزلت بنا سيارة الجيب، فمررنا بسوق المزة، وحين انتهت إلى نهاية السوق، كنت بين آمل في الاتجاه إلى بيتي، أو إلى مقابلة مسئول ما.. ولكن حين انحرفت إلى اليسار ودخلت في الطريق الذي يوصل إلى المستشفى العسكري، أدركت أنني سأنزل ضيفاً على أحد أجنحته.. وقد يكون الجناح الذي كنت نزيله، حين اعتقلنا أديب الشيشكلي عام 1951. وصدق حدسي.

وفتح الحارس باب «الجناح»، وسلمني إلى حارس آخر، وانصرف الذي أوصلني «بضاعة مزجاة».

ونجوت في وقت مناسب من ظلمة «الغرفة» ورطوبتها.. وقد حملت منها ذكرى مؤلمة على شكل أوجاع روماتيزمية.