أحداث عام 1959: هجوم أكرم الحوراني على إنفاق الجيش ولجان توحيد التشريع

اقرأ بالإنكليزية

بدأت السنة الجديدة، والأمطار لا تزال محبوسة، وقد عانينا من انحباس المطر منذ خريف العام المنصرم، وهو العام الأول للوحدة، وتشكو الحقول المزروعة من الظمأ، والمزارعون أخذوا يقلقون...

ومنذ أعوام وفنادق العاصمة الكبرى تنظم احتفالات ذات أبهة في ليلة رأس السنة.. ومع أن هذا العيد، عيد يحتفل به إخواننا المسيحيون في الأصل، إلا أن المسلمين أخذوا يشاركون فيه.. ويقولون، أليس عيسى نبياً أرسله الله وعلينا "ألا نفرق بين رسله"؟..

واخترنا فندق سميراميس للعشاء و"الاحتفال" برأس السنة الجديدة..

والذي يلفت النظر، تماوج الراقصين، وأكثرهم من المسلمين، والشره في تناول الخمر، وفقد السيطرة على السلوك..

وليس من عبث حرمت الشريعة الإسلامية، المسكرات..

وقد يترخص البعض في التسمية، فيسميها "المشروبات الروحية" ومن المؤسف أن هذه التسمية وردت في بعض القوانين السورية، تقليداً للتسمية الفرنسية: Spiritueux وهذه تسمية، في نظر زميلنا الأستاذ مصطفى الزرقا، أستاذ الشريعة الإسلامية، مستقبحة ومنكرة، لأن الخمور لا علاقة لها بالروح، ويسميها دوماً "الكحول" أو المسكرات..

وقد كان في المدن الكبرى، في تلك الأيام، شريحة من المجتمع يسمونها "المجتمع المخملي"، تتألف من مجموعات متكاملة.. تنبع من الأوساط التي "تثقفت" ثقافة غربية، ومن الأوساط التي جمعت ثروة كبيرة، دون عناء.. كأبناء أصحاب شركات محمية ولا تخشى المنافسة.. أو من أبناء الإقطاعيين وأبناء "العائلات".. وهذا "المجتمع المخملي" يرتاد المراقص والملاهي، ويغرق في اغتراف متع الحياة الحلوة التي ينبذها الشعب.. ويسترعي الانتباه أن الأنظمة التالية أصبحت أكثر تسامحاً معها، فنمت نمواً مذهلاً.

السبت 3

وصلت اليوم من القاهرة اللجنة الثلاثية التي شكلها الرئيس من السيدين عبد اللطيف بغدادي وأكرم الحوراني نائبي الرئيس، وزكريا محيي الدين وزير الداخلية المركزي لكي "تهتم بإنجاز الأعمال في الإقليم الشمالي".

ويجوز أن تكون مهمتها الإطلاع عن كثب على حقيقة الوضع العام في سورية، بعد أن أخذ خصوم الوحدة ينشرون الإشاعات ويختلقون وقائع يذيعونها في الناس، ليس لها أساس من الصحة..

ومن أمثلة هذه الأكاذيب، أكذوبة تزعم أن سيد مرعي وزير الزراعة المركزي، طلب من وزير الزراعة الإقليمي السوري، أحمد الحاج يونس، وهما في مهمة في روما، أن يلبسه معطفه، قائلاً له: "يا أحمد، لبسني المانطو"..

وقد شجع خصوم الوحدة في سورية على رفع أصواتهم، هيمنة الاتجاه الشيوعي على الحكم في العراق. ولا أحد يستطيع أن يؤكد ما إذا كان عبد الكريم قاسم، الذي تفرد بحكم العراق، واعتقل زميله عبد السلام عارف، وأصبح "زعيماً أوحد" كما تسميه الصحف والإذاعة العراقية شيوعياً أم لا، ولكن المؤكد أنه لعب بورقة الشيوعيين وأطلق لهم العنان، ليقفوا في وجه الاتجاه الوحدوي الناصري.. والمؤكد الثابت أن عبد الكريم قاسم وأعوانه أخذوا يضطهدون المفكرين القوميين، ويرتكبون الموبقات في الشوارع دون خشية من عقاب!...

وقد سمعنا من عائدين من بغداد، أن أمواجاً من غير المنضبطين كانوا يوقفون السيارات في الشوارع ويعتدون على ركابها، وهم يهتفون:

"ماكو وحدة، لا زعيم إلا كريم، جمهورية لا إقليم".

والواقع الذي لا مراء فيه، هو أن تسيير مصالح الناس متعثر عندنا، بسبب بطء إنجاز العمل في القاهرة، لأن الموظفين المركزيين المصريين متشبثون جداً بالروتين، وكثرة التواقيع، والتهاون المفرط.. وحين كنا نرسل بعض المعاملات إلى العاصمة للتوقيع عليها، كانت تنام هناك أسابيع وأحياناً شهوراً...

وكان يساعد على هذا البطء، أن كل شيء يجب أن ينقل بالطائرة.. وربما وصلت الجريدة الرسمية متأخرة أسابيع.. ولم يكن ممكناً أن يعمل بالتشريعات ما لم تنشر فيها..

وهذه حقيقة تأكدت للبغدادي، وشكا منها حين جرى بيننا حديث خاص في مكتبه بقصر المهاجرين..

الأحد 4 منه

عقدت الحكومة اجتماعين مطولين، برئاسة البغدادي، لبحث الحالة في الإقليم الشمالي. وقد شرح كل وزير أوضاع وزارته بتفصيل جيد. وتناولت الكلام. فعرضت الوضع المالي على حقيقته. ولم يكن وضعاً سيئاً، فاستغرب البغدادي ما قلته، وعلَّق عليه قائلاً: للأمانة فإن الصورة التي سمعتها غير التي كنت أحملها عن الحالة المالية.

وأنا نقلت بأمانة ما وضعه مدراء الوزارة تحت يدي من وثائق، وأرقام، هم - بالقطع - أعرف مني بها.

وتابعنا الاجتماعات في اليومين التاليين لمتابعة بحث أوضاع البلاد.

الأربعاء 7

قطعنا اجتماع اليوم، للخروج إلى المطار واستقبال السيد غروتويل رئيس وزراء ألمانيا الشرقية ووزير خارجيتها، قادمين من القاهرة..

وتعتبر دولتهم دولة صديقة، باعتبارها جزءاً من العالم الشيوعي (الثاني).. ولها في ذمتنا ديون لا يستهان بها من ثمن الأسلحة التي تزود بها قواتنا المسلحة.

وقد أهدى الوزراء آلة كاتبة صغيرة، وتبين لنا فيما بعد، أنها صناعة ليست على المستوى الجيد.. وبعد مراسم الاستقبال، عدنا إلى اجتماعنا الوزاري.

وتكلم أكرم الحوراني، ففجر قنبلة غير موقوتة، على غير عادته في هذا الموضوع بالذات، فقد حمل بقسوة على "إسراف" الجيش وشرح بعض أوجه التبذير في نفقاته وتسليحه، وانتهى بالتأكيد على ضرورة أن يكون جيشنا على "قدر مواردنا".. ومما قاله إن الجيش يستهلك نحواً من 62% من الميزانية، وهي نسبة تفوق إمكانياتها..

وطالب بفرض رقابة صارمة على القطع الأجنبي، أي على دخول وخروج العملات الأجنبية "الصعبة".. وأيده في ذلك خليل كلاس - وزير الاقتصاد - وربما كانا متفقين على هذا الموضوع حزبياً، وانضم اليهما حسن جبارة، وزير الخزانة المركزي.

وقد عارضت فرض هذه الرقابة، لأن حدودنا طويلة جداً مع تركيا، والعراق والأردن ولبنان، ناهيك عن حدودنا مع إسرائيل.. ولا تستطيع أجهزة الأمن عندنا، أن تمنع تسرب هذه العملات، دخولاً وخروجاً..

وإذاً فهي مغامرة..

ومن تجاربنا المريرة في أيام الجفاف التي نعيشها، أن اللبنانيين اشتروا من أغنامنا أكثر مما يستهلكون عادة ثلاث مرات.. وحين بحثنا عن السر، علمنا أن التجار في القطر الشقيق، يشترون الأغنام السورية، ويرسلونها للرعي في أراضي الجنوب.. وبناء على اتفاقات خبيثة مع الصهاينة، كان يتم "استيلاء" القوات الإسرائيلية على هذه القطعان "غنائم حرب".. وتنتهي كل مهزلة بتصريح يشجب "القرصنة" العدوة..

الخميس 22 كانون الثاني

صدر اليوم عن الأستاذ الحوراني، بوصفه وزيراً مركزياً للعدل القرار رقم 1 متضمناً تشكيل سبع لجان مشتركة، من أجل توحيد التشريع بين الإقليمين..

وكنت فكرت في هذا الموضوع منذ أن كنت وزيراً للعدل، وباحثت فيه الأستاذ محمد فهمي السيد، مدير المكتب القانوني للرئيس عبد الناصر، وعديله في الوقت نفسه..

والأستاذ السيد مرن الفكر، سريعٌ في اختيار الألفاظ القانونية، سريع الاستجابة إلى محاوره، إذا كان يعتقد أنه أقدر منه علماً، وتشبثاً برأيه..

وصدور هذا القرار، خطوة صحيحة، في اتجاه التوحيد السليم.

ولا يجهلن أحد بأن كثيراً من قوانيننا الحديثة، في مصر وسورية، مأخوذة من ينبوع مشترك، هو، في الغالب، التشريع الفرنسي، كالقانون المدني والتجاري والمرافعات، وإلى حد كبير، قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية.

أما قوانين الأحوال الشخصية، فهي تراث مشترك بين المسلمين، حيثما وجدوا، والتقنين، أي صياغة الأحكام الفقهية، هو اختيار الحل الأكثر يسراً من أحد المذاهب المعتبرة.. ومن حسن الحظ أن رئاسة هذه اللجنة أسندت إلى الفقيه اللامع، زميلنا في كلية الحقوق، الشيخ مصطفى الزرقا، كما أن دراسة لجنة القانون المدني أسندت إلى الدكتور مأمون الكزبري، أستاذ هذه المادة في كلية الحقوق أيضاً، وأحد "صانعي" الوحدة، مع القاهرة، التي انقلب عليها بعد فترة، وأصبح رئيساً لحكومة الانفصال.

وقد استرعى انتباهي تشكيل لجنة لوضع تشريع خاص بالأحوال الشخصية لغير المسلمين. واختير لعضويتها الدكتور فؤاد شباط (وهو مسيحي العقيدة) وعميد كلية الحقوق بدمشق..

والمواطنون سواسية كأسنان المشط..

وفي هذا اليوم صدر قراران جمهوريان، الأول يقضي بنقل السيد رفعت زريق، محافظاً إلى حلب من وظيفته الحالية (محافظ حماة)..

وقد برهن هذا الإداري الكبير على حسن إدارته، وسلامة تصرفاته، ونعومة لباقته.. وبرغم تقديري الشخصي له، فإني كثيراً ما تساءلت بيني وبين نفسي، لماذا لا يكون محافظ حلب، من أهل هذه المدينة، لعله يديرها عن معرفة أعمق من غيره بحاجات أهلها؟..

وأجابتني التجربة العملية، بأنه إذا التف فريق من مواطنيها حوله، فإن فريقاً آخر لا بد أن يخاصمه!..

وقد عانينا من هذا "الشقاق" كثيراً في موضوع رئيس بلدية حلب.. فإذا عين محمد طلس رئيساً لمجلسها وهو من الحزب الوطني، سعينا نحن جماعة حزب الشعب لعزله والتخلص منه.. وإن جئنا إلى الحكم وعيّنا واحداً "من جماعتنا" (محمد ويس)، سلقه "الوطنيون" بألسنة حداد، وتتابعت الشكاوي عليه.. إلى أن يصدر قرار بعزله..

ولهذا فضلت الحكومة، اللجوء دوماً إلى تكليف المحافظ بإدارة رئاسة البلدية، "وكالة"، ريثما يعين لها رئيس أصيل.. والمثل الفرنسي يقول "لا شيء يدوم كالموقت"... والقاعدة أن المحافظ، كما لاحظت، يكون من غير الحلبيين.

وكان هذا وضعاً أليماً، دام سنوات طويلة، وألحق ضرراً كبيراً بتقدم المدينة، لقلة الوقت الذي يخصصه المحافظ لأعمال البلدية.. وإرجائه البت في كل أمر حيوي، قد يتسبب له "بوجع الرأس"..

ولأمرٍ ما، قال دوقلة المنبجي، في قصيدته الشهيرة:

وحلبْ خزانةُ الذكاء

وموطن العفة والحياء

طالعها للغرباء سعدُ

وهي لمن فيها شقا وكد!..

وفي هذا اليوم أيضاً، أصبح الأستاذ يوسف مزاحم - محافظ دير الزور - أميناً عاماً لوزارة الداخلية، وهو أحد طلابي في كلية الحقوق، ومن القوميين الوحدويين المعروفين.. وهو في هذا المنصب، يحل محل الأستاذ إحسان القواص، الذي سُرِّح من وظيفته دون أن يؤخذ عليه مأخذ مسلكي أو أخلاقي..

وبعد بعض الوقت، أُخِذَ الأستاذ مزاحم وزيراً للأوقاف في الوزارة الجديدة.. وهي وزارة محدثة، وأظن أنها "لا محل لها من الإعراب"، إلا أن يكون إحداثها، نوعاً من "المساواة" مع الإقليم الجنوبي. فبعد صدور القانون بحل الأوقاف الذرية، في عهد حسني الزعيم عام 1949، ضاقت رقعة الأعمال الوقفية، لأنها أصبحت مقتصرة على "الوقف الخيري". وكانت تقوم بإدارته والإشراف عليه "مديرية الأوقاف العامة"، ولها مديريات في المحافظات..

ومع ذلك، فإن روائح عفنة، كانت تفوح من بعض متولي الأوقاف الذرية، ولم يسلم بعض مديري الأوقاف الخيرية من ألسنةٍ حداد..

الاثنين 26 منه

قصة سيارات الموظفين الحكومية قصة معقدة، وكل حكومة أو وزارة تسعى إلى القضاء على فساد استخدامها، لأنها، إنما خصصت، لمصلحة الوظيفة الرفيعة التي يشغلها الموظف، ليكون على رأس عمله في بدء ساعة الدوام الرسمي.. غير أنها، أخذت تنحرف عن الغاية التي خصصت لها، وأصبحت تستعمل في قضاء المصالح "المنزلية"...

وفي أيامنا، كانت تصدر "تعميمات" من رئاسة مجلس الوزراء، بتحريم استعمال السيارات في غير مصلحة الدولة.. ولكنها كانت في الغالب تظل حبراً على ورق..

ومع ذلك، فإن "إساءة الاستعمال" كانت نسبياً قليلة، لأن عدد السيارات الحكومية، كان فعلاً قليلاً... فمثلاً، كان في وزارة العدل سيارة شخصية للوزير، هو الذي يدفع ثمن بنزينها، وتدفع له الدولة مبلغاً مقطوعاً، إن تجاوزه، فإنه يتحمل ثمن الزيادات من جيبه. وكان من حقه أن يصطحب فيها أسرته.. ويظل السائق في خدمتها مساءً حين يدعى الوزير إلى حفل رسمي، أو مجلس وزراء ليلي.. وفيما عدا ذلك، كان السائق ينصرف إلى أسرته، بعد انتهاء الدوام الرسمي..

وكنت أمتلك سيارة صغيرة أقودها بنفسي، خارج أوقات الدوام الرسمي، وقد درجت على استعمالها حين تنعقد المجالس الوزارية ليلاً، وأصرف السائق والشرطي إلى أسرتيهما. وفي شهر رمضان كانت المجالس الوزارية تمتد إلى الفجر، لذلك كنت أصطحب ثلاثة أو أربعة وزراء من الذين صرفوا سائقيهم، وأوصلهم إلى بيوتهم، وأعود إلى بيتي لتناول طعام السحور، لنصبح على صيام..

ومع ذلك فكان وزراء آخرون، يفضلون استبقاء سياراتهم الرسمية، والسائق والشرطي تحت تصرفهم، لتوصلهم إلى بيوتهم التي ما كانت تبعد كثيراً عن مقر الاجتماع.. وكان هذا حقاً مشروعاً لهم. ولكن ما كنت أستسيغه.

وكان للوزارة سيارة ثانية، كانت تخصص "للتفتيش".. وكان متعارفاً أن تقل الأمين العام، الذي يصطحب في طريقه، بعض المديرين.. أما سائر الموظفين، ولو كانوا من الكبار، فإنهم يمتطون أقدامهم، أو ينتقلون في أحد الباصات العامة، بعد أن ألغيت "الترامواي" الكهربائية، في دمشق وحلب..

ولم يكن لرئيس الجمهورية إلا سيارة أكل الدهر عليها وشرب..

وكان الرئيس شكري القوتلي يركب سيارته الخاصة، مدة رئاسته، بعد أن يضع عليها لوحة خضراء خاصة بمقام الرئاسة.

وحدث مرة أن استقبلنا الملك حسين، ملك الأردن، في زيارة له إلى دمشق، وركب إلى جانب الرئيس في طريقهما إلى القصر الجمهوري بالمهاجرين، فتوقفت في حي العفيف.. وأبت أن تتحرك، لحصول خلل في محركاتها.. وكانت مشكلة جاءت في غير توقعها، وتسببت للرئيس بحرج شديد، لأن الملك كان من هواة السيارات الفاخرة.. وسيارات السباق منها خاصة..

وفي إثر هذا الحادث، قررت الحكومة تخصيص ثمن سيارة للرئاسة الأولى في الميزانية..

حتى في أيام الوحدة، كان بعض الوزراء، كالأستاذ فاخر الكيالي، وزير الخزانة في بدايتها، ووزير الدولة فيما بعد، يأتون بسياراتهم الخاصة إلى الوزارة، لعدم وجود سيارة رسمية لهم..

فلما أصبحت وزيراً للخزانة، استطعت أن أقنع صاحب الحل والعقد بشراء ثماني سيارات جديدة، من ماركة أولدز موبيل، خصصت للوزراء.. ولكنها لم تلق قبولاً من الصحافة.. التي اعتبرتها "تبذيراً" لمال الدولة..

وبعد أن سقطت الوحدة، لحق التطور، بأعداد السيارات الحكومية، فأصبحت أرقى أنواعها تنقل الأطفال إلى المدارس، ثم تعسكر أمامها لتعود بهم إلى بيوتهم..

وقد شاهدت منظراً أثر في نفسي كثيراً. ففي يوم من أيام الشتاء المثلجة، وقفت أرقب خروج تلامذة مدرسة ثانوية تقع أمام منزلي في دمشق.. كان البرد قارساً، والثلج يتساقط بغزارة.. وكانت السيارات الفارهة، لا تجد لها مكاناً للوقوف لكثرتها.. ورأيت "أبناء المترفين" الذين رفعوا شعارات التقدم ذات يوم لمواجهة عتاة الرأسماليين، يندسون في دفء السيارات، التي دفعت الأمة ثمنها وثمن بنزينها ورواتب سائقيها، وتنطلق بهم كالسهام.. رأيت نظرات الحقد والكراهية في عيون الصغار الذين يرتدون ملابس لا تقيهم عنف الصقيع، يجرجرون أنفسهم إلى بيوتهم البعيدة، والبرد يخترق أجسامهم الغضة..

وقلت لنفسي: ما أبعد اليوم من البارحة؟..

وحتى لا يساء استعمال مال الدولة في شراء سيارات لموظفين محظوظين، أصدر الرئيس عبد الناصر القرار 160 تاريخ 26-1-1959 في مادة واحدة، وهي تنص على عدم تخصيص سيارات رسمية، إلا للوزراء ووكلاء الوزارات حصراً، ولكنه سمح لكل وزارة بعدد من السيارات "حسب احتياجات العمل، ولا تخصص لموظف بالذات".. تحدد عددها لكل وزارة، اللجنة الاقتصادية المركزية، وهي مشكلة من عدد من الوزراء..

الأربعاء 28 كانون الثاني

دعينا إلى جلسة خاصة تعقد في القصر برئاسة البغدادي، كانت مخصصة للتمويل. وكان عليَّ أن أحضرها لأنني أنا الذي سوف "أُمَوِّل".

وحضر الجلسة صديقنا الدكتور عزة الطرابلسي، حاكم المصرف المركزي، وكبار أعوانه، وفي مقدمتهم الصديق الآخر الدكتور عوض بركات. وهما من زملاء الدراسة في جامعة باريس، ومن المشهود لهما بالإخلاص والكفاءة العلمية..

وتكلم عزة فشرح أخطار الرقابة، وهذا تأييد لما كنت شرحته منذ عشرين يوماً..

ثم انتقل الحديث إلى مسألة توحيد المصرفين المركزيين، المصري والسوري، -والمصريون يصرون على استعمال لفظ بنك، ونحن نصر على كلمة مصرف باعتبارها كلمة عربية- فرفض عزة الفكرة الآن وقال إنها ستحدث تشويشاً في السوق المالية..

واستعرضنا مسألة توحيد النقدين، السوري والمصري، فلم يقبل به جماعة المصرف المركزي..

وربما كانوا - موقتاً - على صواب ولكن أي معنى لدولة موحدة لها مصرفان مركزيان، وعملتان لكل منهما نظامه وأسلوبه في العمل؟..

ومن المعقول إبقاء الوضع موقتاً على حالته الراهنة، ولكن لا بد من مواجهة تهيئة أسباب الدمج في مستقبل ليس ببعيد.. على أساس دراسة مستفيضة..

وهذا ما قلته صراحة..

وقال البغدادي، إن توحيد المصرفين أمرٌ لا بد منه، وفي أسرع ما يمكن غير أن توحيد النقدين، يمكن أن ينتظر بعض الوقت..

ولم نعرف حقيقة اتجاه وزير الاقتصاد، خليل الكلاس، لأنه لم يتخذ موقفاً برغم أنه الوزير المختص بيننا، وأحد قياديي حزب البعث (السابق)..

ومن جهة أخرى، فإن الدلائل تشير إلى أن الخلاف بين جمهوريتنا وبين العراق قد أسفر عن وجهه. فقد كتبت جريدة الأهرام مقالاً صريحاً، انتقدت به النظام العراقي انتقاداً لاذعاً، لأول مرة بصورة مكشوفة..

ولأول مرة أيضاً، انتقد زعيم الحزب الشيوعي السوفيتي خرشوف في مؤتمر عقده هذا الحزب، "الأصوات التي تحمل على الشيوعية في البلاد العربية".. وواضح أنه يقصد الرئيس جمال، الذي هاجم الشيوعية والشيوعيين مؤخراً..

ومعروف أن الشيوعيين، وقفوا ولا يزالون، ضد الوحدة.. وهم يؤيدون اتحاداً بدلاً منها..

ومما قاله البغدادي ذات يوم، إنهم وافقوا على الوحدة في القاهرة خشية أن يستولي الشيوعيون على الحكم في سورية.

وقد ردت جريدة الأهرام على خرشوف رداً ناعماً، هو رد من لا يسعى إلى تصادم..

السبت 7 شباط

هذا موظف كبير، فارع القامة، وخَّط الشيب رأسه وعارضيه، أنيق الملبس يحتل منصباً رفيعاً في أحد المصارف المتخصصة الحكومية. وهو ابن لمجاهد وطني معروف، حمل السلاح في وجه المستعمرين، من ليبيا، إلى فلسطين إلى سورية والأردن..

ولم يحصل من الدولة على أي معاش تقاعدي، ومات في بيته المتواضع في حالة لا يحسده عليها أحد.. ولكنه، ترك وراءه سمعة عطرة لا يمكن أن تقوم بمال..

وسرت وراء نعشه إلى مثواه الأخير.. وأبنته فوفيته حقه، وحق جهاده الطويل،

ومن أسف أن الذين شيعوه، ما كانوا يزيدون عن عشرين شخصاً، هم أولاده وقلة من خلصائه..

ذلك أنه لم يكن في موقع السلطة.. والجهاد "القديم" لا "يخدم" الناس في دوائر الدولة...

وفوجئت يوماً بالوزير الذي يشرف على هذا المصرف، يطلب موافقة مجلس الوزراء على تسريح ابن المجاهد "لأنه فاسد مختلس"..

وتحركت في نفسي ذكريات هذا الزعيم، وشعرت بحزن لا مزيد عليه، لأن هذا الولد العاق، ألحق بهذه الذكريات الخزي.

وحاولت أن أنقذ قليلاً من كرامة هذه السمعة، فاقترحت على مجلس الوزراء أن يرجئ الفصل في التسريح، وأنا كفيل بأن أحمله على الاستقالة.. وهكذا تم..

مجرد شكلية لإنقاذ شيء من ماء الوجه!..

السبت 14 شباط

قمت بجولة على المحافظات، لأبحث مع مدراء المالية شئون مديرياتهم..

وهذه الاتصالات الشخصية، ذات قيمة في تيسير وصول الناس إلى حقوقهم.. وسرعة إنجاز أعمالهم..

ودامت الجولة بضعة أيام، بدأت بحمص وحماة وحلب، وانتهت باللاذقية..

وقد ارتحت قليلاً مما أعانيه من إرهاق، من جراء أعمال الوزارة والإدارات الملحقة بها، كالجمارك ومكتب الحبوب، وإدارة حصر التبغ والتنباك والمصرف المركزي (الذي كان تابعاً للمالية، ثم أصبح تابعاً للاقتصاد) ومديرية التأمين والمعاشات وصندوق الدين العام. ولا أدري ماذا أيضاً.. يضاف إليها سلسلة الاجتماعات المضنية التي تستمر أحياناً إلى الفجر..

وقد استرعى انتباهي في هذه الجولة كثرة طلبات التوظيف، لأي وظيفة كانت.

ومن المؤكد، أن الدافع إلى السعي وراء الوظيفة هو سوء الحالة الاقتصادية، من جراء سوء المحاصيل الزراعية، وكساد القطن، الذي لا يجد مشترياً في الخارج.. فمن جهة، البلاد الشيوعية، ليس لديها قطع أجنبي لشرائه، ثم نحن مدينون لهم بأثمان الأسلحة وبعض المستوردات الصناعية. أما البلاد الغربية، التي تملك القطع المذكور، فإنها عازفة عن التعامل معنا.. نكاية بالوحدة، ووقوف البلاد موقف الحياد الايجابي، والأرجح اتجاهات البلاد نحو المعسكر الثاني..

وفي عودتي، وجدت على مكتبي قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 46 تاريخ 14 شباط الجاري، متضمناً إضافة فقرة إلى المادة 244 من قانون الجمارك هذا نصها:

"يعفى من الرسوم الجمركية ما يستورد للجيش وهيئة الشرطة في الإقليم السوري من ذخائر وأسلحة وتجهيزات وأدوات نقل وألبسة (باستثناء المواد الغذائية).

كما يعفى من الرسوم ما يستورد للمؤسسة الاجتماعية العسكرية من الحاجات التي يقرر نوعها وكمياتها وزير الحربية".

ولهذا القانون قصة..

فحين احتل الفرنسيون سورية، أعفوا بقانون صادر عن المفوض السامي مستوردات الجيش العسكرية، وكل ما يستورد لصالحه أيضاً..

وبعد أن جلا الفرنسيون عام 1946، بقي هذا النص (كغيره من التشريعات الانتدابية) نافذاً..

وكان مما يستورد، دون أية رسوم، المشروبات الكحولية..

وتحدثت في موضوع هذه الإعفاءات التي أسيئ استعمالها، ومنها استمرار استيراد الكحول للضباط، باسم "المؤسسة الاجتماعية العسكرية" مع الرئيس جمال عبد الناصر، واقترحت إلغاء هذه الإعفاءات بالمرة، قطعاً لدابر عقابيل الامتيازات الأجنبية..

ووافق الرئيس.. وصدر القرار بإلغاء النص القديم..

ولكن الفريق جمال الفيصل قائد الجيش الأول اعترض، عندما طبق النص الجديد.. ومن المؤكد أنه أقنع الرئيس بأن "مؤسسته الاجتماعية" لا تستورد إلا ما هو في صالح أرامل الشهداء وأيتامهم، كماكينات الخياطة، لكي يعتاشوا منها..

ورجع الرئيس عن قراره السابق، وأصدر قراراً وسطاً كتسوية بين وزارة المالية وقيادة الجيش!..

وأوضحنا لهذه القيادة، أن عليها أن تعد قوائم مفصلة بحاجات المؤسسة الاجتماعية "للأرامل والأيتام" من زوجات وأبناء الشهداء، وتقديمها إلى وزير الحربية، ليدرسها، ويقرر ما يستحق الإعفاء فيوافق عليه، ومالا يستحقه فيرفضه.. والمأمول أن يكون حلاً في ظاهره وباطنه الرحمة..

السبت 21 شباط

خطب اليوم الرئيس عبد الناصر، في ميدان الجمهورية في القاهرة.

وأعاد على الملأ شرح فلسفته في مفهوم القومية العربية المتحررة من النفوذ الأجنبي، وفي إقامة "مجتمع اشتراكي ديمقراطي تعاوني"..

وكان يقف إلى جانبه الماريشال تيتو، زعيم يوغسلافيا الشيوعية، الذي تمرد على المعسكر السوفيتي، وأوجد لنفسه فلسفة اقتصادية خاصة به. وهو صديق شخصي للرئيس، وقد اتفق الاثنان مع نهرو، الزعيم الهندي، على تأسيس جبهة "عدم الانحياز" بين المعسكرين الغربي والشرقي.

وقد كشف الرئيس في هذا الخطاب عن رسالة وجهها إلى خرشوف سأله فيها عن موقف الاتحاد السوفيتي من الجمهورية العربية المتحدة، في أعقاب هجوم عبد الناصر على الحزب الشيوعي السوري، واتهامه بالعمل تحت الأرض على تهديم الوحدة، ملتقياً في ذلك مع عملاء الاستعمار.. وأكد له في هذه الرسالة بأن صداقة بلاده للجمهورية العربية ثابتة وراسخة، وأن خلاف الحكم العربي مع الشيوعيين المحليين، مسألة داخلية، لا يحب الاتحاد السوفيتي أن يتدخل فيها.

وحقيقة الأمر، أن السراج اعتقل عدداً كبيراً من الشيوعيين السوريين، وهذا ما أبهج الغرب بالطبع، وظني أن خرشوف غير صادق في قوله بأنه لا يدعم الحزب الشيوعي السوري، وأنه يتركه لقدره.. لأنه صرح في الشهر الماضي بأنه يرفض "أن يوصم الشيوعيون العرب بأنهم عملاء للاستعمار"..

ونجم عن الصراع بين عبد الناصر وخروشوف، أن انشق الحزب الشيوعي السوري على نفسه، فأيد فريق الوحدة وهاجم الشيوعيين (قدري القلعجي) واستمر فريق آخر على نهجه وقناعته الشيوعية..

وقد اعتبر الفريق الأول "قومياً" مخلصاً لله وللوطن، وأصبح أعضاؤه مقرَّبين من مراكز القوى، كما اعتبر الفريق الثاني، مارقاً جاحداً، لا يصح الاعتماد عليه، لا في المؤسسات الشعبية ولا في دوائر الدولة..

وفي هذا اليوم، صدرت عدة قرارات جمهورية أساسية، بناء على اقتراح وزير العدل الأستاذ نهاد القاسم، كما صدر قرار مهم من مجلس الوزراء، هذا مجملها:

القرار الأول: يتضمن تنظيم دوائر الكتاب بالعدل

وهو القرار بالقانون رقم 54 وتاريخ 21 شباط 1959.

وكان للكاتب بالعدل نظام خاص، أخذه الشارع العثماني عن التشريع الفرنسي، الذي يسميهم

Les notaires ويرجع التشريع الفرنسي الحالي إلى السنة الحادية عشرة للثورة الفرنسية. ولكنه عدل مراراً..

وقد أخذت تسميتهم عندنا من قوله تعالى:

"يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى، فاكتبوه، وليكتب بينكم كاتب بالعدل" (سورة البقرة، الآية 282).

ويسميهم قانون السلطة القضائية كتاَّب العدل بدون باء.

وهم، في عملهم المعاصر، يضطلعون بمهمات عديدة، من أهمها توثيق العقود بين المتعاقدين، لتصبح ذات قوة إثباتية عالية، بحيث لا يصح الطعن في سلامتها إلا بطريق التزوير. وبعد أن كانوا ذوي استقلال عن الدولة، ويتقاضون أجورهم من أصحاب المصالح، جعلهم القانون الجديد مؤسسة حكومية، لهم مرتبات من الدولة ويعاملون معاملة الموظفين..

وبما أنهم هم الذين كانوا يستأجرون مقارهم، ويفرشونها من مالهم، ويدفعون مرتبات مستخدميهم، فقد حفظ لهم القانون الجديد حقوقهم، وأحدث لجنة خاصة لتعويضهم.

الثاني: قانون مجلس الدولة

وقد نظمه القرار الجمهوري رقم 55 تاريخ 21 شباط 1959 وكان عندنا تنظيم للقضاء الإداري يعرف باسم مجلس الشورى..

وقد عملت على إلغائه في دستور 1950 حينما كنت مقرراً له، شعوراً مني بقلة فائدته، خاصة وأنه كان في تلك الأيام "مأوى العجزة من القضاة"، ومجرد تقليد لمجلس الدولة الفرنسي. وقد أحدثت دائرة خاصة في محكمة التمييز (النقض حالياً) للفصل في المنازعات الإدارية. وارتحنا وارتاح الناس من مجلس الشورى وسارت الأمور على أحسن ما تكون.

ولكن كان للأستاذ نهاد رأي آخر، خاصة وأنه كان في الإقليم الجنوبي مجلس للدولة، أركانه راسخة فيه، فكان لا بد من أحد حلين، إما إلغاؤه في مصر، وهذا كان شبه مستحيل، أو أحداث مجلس دولة في سورية، وهذا هو الذي حدث.

وبعد زوال الوحدة، أعيد العمل بدستور 1950 وأضيف مجلس الدولة إلى المادة 108، وبذلك أصبح له موضع دستوري.

الثالث: قانون السلطة القضائية

الصادر بالقرار الجمهوري رقم 56 تاريخ 21 شباط 1959 وموضوعه تنظيم السلطة القضائية، ويتناول التفتيش والمحاكم بأنواعها ودرجاتها، والنيابة العامة وقضاء التحقيق ودوائر كتاب العدل (بعد أن أصبحت مؤسسة حكومية) ومجلس القضاء، وطريقة تعيين القضاة، وحصانتهم وأصول ترفيعهم، والعقوبات التي يمكن أن تفرض عليهم..

ويسترعي الانتباه أن المادة 81 من قانون السلطة القضائية، الذي عدل عام 1961 (تاريخ 15 تشرين الثاني)، تنص على ما يلي:

"يحظر على القضاة إبداء الآراء والميول السياسية.

ويحظر عليهم كذلك الاشتغال بالسياسة"..

ولا يزال هذا النص قائماً.. ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داود؟ فقد انغمس القضاة في السياسة العامة، وأصبحوا يسيرون في المواكب الحزبية، ويصفقون كما يفعل الآخرون.

الرابع: قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض

الصادر بالقرار الجمهوري رقم 58 تاريخ 21 شباط 1959 وبه أصبح للدولة إدارة خاصة، يعين فيها موظفون حقوقيون، مهمتهم الدفاع عن مصالحها وحقوقها، ويمثلونها أمام المحاكم.

وكانت الوزارات تعين لها محامين، تختارهم من المحامين العاملين في المحافظة، للدفاع عن حقوقها، حينما كانت تقام عليها أو منها دعاوى أمام القضاء..

وكان لوزارة المالية عدد من المحامين في بعض المحافظات، يعينون بقرار من الوزير، بموجب اتفاق يتم على الأتعاب الشهرية..

وكان بين الذين عينتهم قبل الوحدة، الأستاذ علي بوظو، والأستاذ رشاد برمدا، الذي أصبح أول رئيس لإدارة قضايا الحكومة في عهد الوحدة.