أحداث على طريق الوحدة

اقرأ بالإنكليزية

شهدت سورية، منذ فجر استقلالها، سلسلة من الانقلابات، أنهكت قواها واستنزفت دمها، وأضعفت جيشها وأذلت كرامتها... فقد ظفرت باستقلالها وجلاء آخر جندي فرنسي عن أراضيها يوم 17 نيسان عام 1946.

وجرت فيها أول انتخابات تشريعية على أساس الدرجة الواحدة في صيف عام 1947، وعقد مجلس النواب الجديد أولى جلساته يوم 13 تشرين الأول من العام نفسه، واندلعت الحرب مع إسرائيل رسمياً يوم 15 أيار 1948، وباءت الدول العربية فيها بالخسران المبين..

وشعر الساسة بوجود فراغ سياسي في البلاد، ففكروا بتشكيل أحزاب سياسية عصرية، غير الكتلة الوطنية، التي قادت الشعب في معركة الاستقلال..

ففي 7 نيسان 1947 تشكل حزب البعث..

وفي 8 آب 1948 تشكل حزب الشعب، الذي أنا أحد مؤسسيه، في مؤتمر عقدناه في فالوغا (لبنان)..

وفي فجر 30 آذار 1949 فاجأ الزعيم حسني الزعيم، قائد الجيش السوري، البلاد بانقلابه على السلطة الشرعية واعتقل رئيس الجمهورية (الرئيس شكري القوتلي) ورئيس الوزراء (خالد العظم) وعدداً من الوزراء، وأقام حكماً دكتاتورياً..

غير أن عهده لم يطل إلا أربعة أشهر ونصف، فقد أطاح به زميله اللواء سامي الحناوي، في صبيحة يوم 14 آب 1949، وتم إعدامه هو ورئيس وزرائه الدكتور محسن البرازي في اليوم ذاته[1]

وقد وافق الضباط الانقلابيون على تسليم الحكم إلى الساسة المدنيين، وكانوا صادقين فيما وعدوا به من إبعاد الجيش عن السياسة.. وتشكلت حكومة مؤقتة برئاسة الرئيس هاشم الأتاسي، دخلها رشدي الكيخيا (وزيراً للداخلية) والدكتور ناظم القدسي (وزيراً للخارجية) وفيضي الأتاسي، وكلهم من حزب الشعب.. وعادل العظمة ومجد الدين الجابري من الحزب الوطني وميشيل عفلق من حزب البعث الذي هو مؤسسه أيضاً، والدكتور سامي كبارة، السياسي المستقل وصاحب جريدة النضال التي كانت تهاجم عهد الرئيس القوتلي بعنف بالغ، وخالد العظم السياسي المخضرم المستقل..

ولم يكد الوزراء يرتاحون في مقاعدهم، حتى فاجأ العقيد أديب الشيشكلي، البلاد بانقلاب أول على القادة العسكريين صبيحة يوم 19 كانون الأول 1949، وهذا هو الانقلاب الثالث في أقل من تسعة أشهر، واستولى على مقاليد السلطة العسكرية، غير أنه أبقى على الحكم المدني والجمعية التأسيسية، التي استمرت في صياغة أول دستور يضعه السوريون لأنفسهم بأنفسهم في بداية العهد الاستقلالي..

وقد تم إقرار هذا الدستور، الذي كنت مقرراً له، يوم 5 أيلول عام 1950، ونشره رئيس الجمعية التأسيسية رشدي الكيخيا،

وفور إقراره انتخبت الجمعية التأسيسية، التي انقلبت إلى مجلس نيابي، فخامة الرئيس هاشم الأتاسي، رئيساً للجمهورية..

وظنت البلاد أن السحاب الأسود انقشع من سماء البلاد وعاد إليها صفوها وزرقتها..

غير أن الشيشكلي، وقد خشي أن يطاح به، انقض على السلطة المدنية صبيحة 29 تشرين الثاني 1951، وأطاح برئيس الجمهورية واعتقل الوزراء وبعض النواب، وكنت واحداً منهم، وحل الأحزاب ووضع لعهده دستوراً على هواه..

وفوجئ "رئيس الجمهورية" أديب الشيشكلي بأصوات ضباط من جيشه تنطلق من حلب، صبيحة يوم 28 شباط 1954، فآثر السلامة على المواجهة، متمثلاً بالحكمة الذهبية، "لو دامت لغيرك ما وصلت إليك" وغادر البلاد إلى عالم المجهول... سعيداً بأن رأسه ظلت على كتفيه[2].

وأعيدت الحياة الدستورية من جديد يوم 1 آذار 1954، وتعهد قائد الجيش اللواء شوكت شقير، في حمص في حضورنا، بأن الجيش اتخذ قراره النهائي بالابتعاد عن السياسة..

وعاد الرئيس هاشم الأتاسي إلى سدة الرئاسة، لإكمال مدته الدستورية، واعتبر عهد الشيشكلي عهداً غير دستوري، واعتبر هو وأعوانه عصاة مغتصبين للسلطة الشرعية..

وعهد الرئيس الأتاسي إلى الأستاذ صبري العسلي بتشكيل حكومة دستورية، فشكلها من حزبي الشعب والوطني وبعض المستقلين، ولم يشرك فيها حزب البعث.

غير أن الشرعية ما كادت ترسل جذورها في الأرض السياسية الآسنة، حتى أخذ الضباط المسيسون يحنون إلى المداخلات السياسية، والاعتراض على هذا الاتجاه أو ذاك، وراحوا يلصقون التهم الجزافية بالمدنيين، وخاصة بحزب الشعب، ويتقولون عليه بأنه يسعى إلى الدخول في حلف بغداد وفي اتحاد مع العراق.. ورأت الحكومة المدنية أن تحسم الأوضاع القلقة، فقررت إبعاد الضباط المسيسين، بنقل بعضهم إلى الملحقيات العسكرية في السفارات السورية (عبد الحميد السراج) وإجراء مناقلات داخلية فيما بينهم، من شأنها أن تحد من تدخلهم غير المشروع، في حزيران 1957، غير أنهم رفضوا إطاعة الأوامر، وقرروا الاعتصام في معسكر قطنا وأنذروا رئيس الجمهورية (شكري القوتلي) والحكومة بلزوم إلغاء هذه الأوامر، وإلا زحفوا بقواتهم على العاصمة.

وألغت الحكومة التنقلات مرغمة، وأقيل رئيس الأركان العامة اللواء توفيق نظام الدين، وعين بدلاً عنه العقيد عفيف البزري، الذي كان متهماً بميله إلى الشيوعية ورقي إلى رتبة لواء..

وأدرك الضباط أنهم سيواجهون فيما بينهم اشتباكات قد تتجاوز التهديدات الكلامية فاتجهوا على تباين كتلهم ومشاربهم صوب القاهرة وراحوا يدفعون الساسة إلى اتحاد مع مصر.. وقد صادف هذا التوجه هوى من نفوس عدد كبير من النواب، فأيدوه وكان من بين الذين أيدوه بإخلاص غالبية أعضاء حزب الشعب، الذي كنت أنتمي إليه. ولم يكن غائباً عن أعيننا أن إقامة هذا الاتحاد سوف ينهي تدخل ضباط الجيش السوري في السياسة..

وكان أشد النواب حماسة لهذا الاتحاد، هم نواب البعث العربي الاشتراكي.. ولا يصح أن نغفل الدور الفعال لسفير مصر في سورية المرحوم محمود رياض، الذي كان واسع الاتصالات بمختلف التكتلات السياسية ونحن منهم.. وأذكر أننا شكلنا إحدى الوزارات في مكتبه بدمشق.

وللذكرى، أقول إن مجلس الوزراء السوري اتخذ قراراً بتشكيل لجنة وزارية لدراسة مشروع اتحاد مع مصر في جلسة 5 تموز 1956، وكانت الوزارة قومية برئاسة صبري العسلي، وكنت أنا وأحمد قنبر ورشاد جبري ممثلين لحزب الشعب فيها. وقد توصلت هذه اللجنة إلى الاتفاق على مشروع لاتحاد مع مصر، عرضته على مجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية السيد شكري القوتلي بتاريخ 14 تموز 1956، فأقره بالإجماع.

وأمم الرئيس جمال عبد الناصر قناة السويس بتاريخ 26 تموز 1956، فكان هذا التأميم المفاجئ قنبلة هزت أوصال العالم الغربي، وخاصة الدول المستغلة التي كانت تستبد بموارد هذا الممر المائي المصري ولا تعطي الشعب المصري، صاحب الأرض، وحافر القناة، إلا الفتات التي لا تنقع غلة ولا تطفئ ظمئاً.

وكنا في ذلك اليوم ضيوفاً على عبد الناصر، تناولنا معه طعام الغذاء في استراحته بالمعمورة، ثم اصطحبنا إلى ميدان الإسكندرية، ولم يكن قد أخبرنا بشيء، وهناك أعلن النبأ في خطابٍ، كان لنا منه، نحن الوفد السوري، نصيب وافر من التكريم.. وأشهد أن أكثر من مليون شخص كانوا محتشدين في الميدان، كانوا يحيون الرئيس ويعلنون تأييداً حماسياً لقراره التاريخي، إلى درجة أن كثيرين منا، ذرفوا الدموع بتأثير انفعالٍ لم نستطع مقاومته..

ولم تغفر دول الاستعمار لعبد الناصر ما قام به، فأقامت عليه الدنيا، وسلطت صحفها وإذاعاتها، تنعته تارة بأنه هتلر، وتارة بأنه يريد أن يهدد طريق مواصلات عالمي يربط الشرق بالغرب، وتمر به ملايين الأطنان من بترول الشرق العربي وإيران، بأرخص الأجور.. وراحت تعد نفسها لضربه في عقر داره، وكان ما تفتق عنه ذكاؤها، أنها دفعت بإسرائيل إلى القيام بهجوم مباغت على مصر يوم 29 تشرين الأول 1956، أي بعد ثلاثة أشهر وثلاثة أيام، ثم انقضت إنكلترا وفرنسا على الأراضي المصرية، تضرب مطاراتها وتنزل على الشواطئ جنودها.. ولكنها اصطدمت بمقاومة مصرية باسلة، لم تكن قد وضعتها في حسبانها.. وفجرت قوات الأمن السورية أنابيب البترول التي تمر في الأراضي السورية، فكانت هذه العملية التي قادها عبد الحميد السراج، عملاً رائعاً من أعمال نجدة مصر وتنفيذاً شريفاً لاتفاق الدفاع المشترك المعقود بين الإقليمين..

وقد أيدَّ العالم مصر في محنتها، فوجه خرشوف إنذاراً إلى الدول المعتدية، يهددها بضربها إذا لم تنسحب، كما أن الرئيس أيزنهاور الأمريكي وقف موقفاً إيجابياً مع الدولة المعتدى عليها مصر، وأُرغِمَ المعتدون على الانسحاب.. وانتصرت الأمة العربية على أعدائها، فسقطت حكومة بريطانيا التي كان يرأسها المستر إيدن، كما سقطت حكومة غي موله الفرنسية (الاشتراكية)، وغادرت إسرائيل سيناء مرغمة..

وأصبح عبد الناصر رجل الشرق الأوسط، لأنه استطاع أن يحقق لأمته العربية نصراً مؤزراً على الدول التي كانت تذل كرامتها..

وأدرك ساسة سورية أن الوقت قد حان لإقامة اتحاد مع مصر عبد الناصر، الذي أخذ يمثل مطامح القومية العربية، في مختلف أقطارها ولمِّ شملها واحتلال مقعدها الشرعي تحت الشمس وبين الأمم الحرة.

ومن دواعي الفخر، أنه كان لمجلس النواب السوري فضل المبادرة إلى وضع العجلة على خطها الحديدي لتسير في وجهتها المرسومة لها والمرغوب في بلوغها، فاستقبل السيد أنور السادات، رئيس مجلس النواب المصري، في قاعته الجميلة في دمشق، وعقد النواب السوريون والمصريون جلسة تاريخية مشتركة يوم 17 تشرين الثاني 1957، تم فيها الاتفاق بالإجماع على إقامة اتحاد سوري مصري..

وكانت الحكومة التي كان يرأسها صبري العسلي، ويحتل مقعد وزير الدفاع فيها خالد العظم، أكثر الناس فرحاً وحماسةً لهذا الاتحاد. وكان الرئيس شكري القوتلي رئيس الجمهورية، أفصحهم بياناً في تبرير المشروع الاتحادي، وإظهار حاجة الأمة العربية لها، وهي في أقبح حالات انهيارها.. وكانت سورية، بخاصة، تعاني من انقسامات في قطاعاتها المدنية والعسكرية، لم يكن من الميسور تجاوزها بغير تسليم القيادة إلى رجل قوي، يستطيع أن يعبئ القطرين ضد الأعداء الخارجيين، وخاصة إسرائيل، التي أصبحت تمتلك أسلحة نووية، ويجمع شمل الداخل بعد أن تفشت الحزبية المتطرفة في بعض قطعات الجيش، التي يقودها ضباط مسيسون، أهملوا واجباتهم العسكرية، وراحوا يعترضون على هذا الحزب أو ذاك، ويطالبون بإخراج هذا الوزير أو ذاك.. تحت لواء التلويح بالعصيان والاعتصام في الثكنات.. أو الزحف على الحياة المدنية في أجنحة الظلام..

والاعتصام في قطنا والتهديد بالزحف على مقر الرئاسة الأولى في العاصمة في حزيران 1957 - قبل قيام الوحدة بشهور - ما لم تلغ الحكومة بعض قراراتٍ اتخذتها بنقل بعض الضباط إلى مواقع ترفيهية في السفارات السورية في الخارج، مثل صارخ على إذلال الحكم المدني وتسلط الحزبيات العسكرية عليه...

ومن أسف أن الحكومة أحنت رأسها صاغرة وجمدت مراسيمها!..

وفيما كانت إجراءات الاتحاد تسير سيرها العادي، المألوف وفقاً لأحكام الدستور، فوجئنا بنبأ سفر وفد عسكري إلى القاهرة بتاريخ 12 كانون الثاني 1958 ليطلب من الرئيس عبد الناصر، أن يقبل بوحدة اندماجية، بدلاً من الاتحاد.

ولم يشرك الضباط حكومة العسلي فيما قرروه بليل إلا بتقديم صورة عن مذكرة أعدوها إلى وزير الدفاع خالد العظم، مؤرخة في 11-1-1958 وتحمل توقيع القائد العام للجيش والقوات المسلحة [3].

وكان هذا المسلك لطمة قوية على وجه الحكومة، التي كان وزير خارجيتها صلاح البيطار، القائد البعثي المعروف، ورئيس وزرائها صبري العسلي، ووزير دفاعها خالد العظم.. وكان يجلس في أريكة الرئاسة الأولى شكري القوتلي..

ومن باب حفظ ماء الوجه أمام البلاد والعباد، خف صلاح البيطار إلى مصر، بناء على طلب عبد الناصر بضرورة إشراك العناصر الرسمية المسئولة في محادثات الساعة الأخيرة..

ولحق بالمسافرين، رئيس الجمهورية والحكومة على عجل إلى القاهرة يوم الثلاثين من كانون الثاني 1958، ومن هناك أعلن صبري العسلي، وهو في أعلى درجات الانشراح محضر الاتفاق. وكان الرئيس القوتلي يمسك بيد الرئيس عبد الناصر، لأنه "شهد أعظم أيام حياته، بقيام وحدة بين مصر وسورية، وهو الذي كرس كل أيامه للعمل من أجل الوحدة العربية" كما قال يومها!

ووافق مجلس النواب السوري على الوحدة يوم 5 شباط 1958، في جلسة رائعة، حضرها المرحوم رشدي الكيخيا، الذي كان قدم استقالته من مجلس النواب يوم 5 شباط 1958 وغاب عنها خالد بكداش، رئيس الحزب الشيوعي... معلناً بذلك عن وقوفه ضد الاتجاه العام، ومتخذاً طريقه إلى السرية..

وحين استفتي شعب مصر وسورية في موضوعي رياسة عبد الناصر والموافقة على دستور موقت يعلنه عبد الناصر، يوم 21 شباط 1958 جاءت نتيجة الاستفتاء مذهلة، فقد وافق شعب سورية على السؤالين بنسبة 99.98% في سورية و99.99% في مصر.

وهكذا قامت دولة الوحدة، التي تقبلها الشعبان تقبلاً حماسياً باعتبارها أول وحدة في تاريخ العرب، قديمه وحديثه، تتم دون حروب وإراقة دماء.

وقد يقول قائل: ما هي صحة هذه النسبة المرتفعة جداً والتي تصل إلى مرتبة الإجماع؟ وجوابي على هذا التساؤل، بكل صدق وأمانة، أنها في الغالب صحيحة! فقد ذهبت مع زوجتي وبعض أقاربي إلى صندوق في جادة الصالحية بدمشق، وأدلينا بأصواتنا بالموافقة على السؤالين. وإذا لم يكن الزحام شديداً، فإن البشر كان يتدفق من عيون المواطنين، والتفاؤل يبدو واضحاً عليهم، ولم ألحظ وجود أحد يطلب إلى مواطن أن يصوت إيجاباً أو سلباً. كان كل واحد وكل واحدة يأخذ ورقة الاستفتاء ويملؤها وراء ستارة، ثم يبرز بطاقته الشخصية للجنة الاستفتاء في هذا الحي الذي يقطنه، فيؤشر رئيس اللجنة على جدول أمامه يتضمن اسم المقترعين ثم يضع المقترع ورقته في الصندوق وينصرف. وهذا ما رأيته في مراكز متعددة، تجولت عليها ذاك اليوم.

هل حدث تزوير مكشوف؟ إني لم أشاهد شيئاً من ذلك في جولتي على صناديق بعض الأحياء القريبة، متفرجاً لا أكثر، ولست أدري لماذا التزوير، ولا يوجد مرشح آخر، ولم أشهد شخصاً وقف يعارض تدفق السيل الكاسح!

وكان شعوري، أن أعضاء الحكومة وعلى رأسهم الرئيس شكري القوتلي مرتاحون لما أبرموه في القاهرة، ووضعوا تواقيعهم عليه، راضين مختارين، وأن مجلس النواب كان صَوَّتَ بالإجماع على قيام الوحدة، بعد أن كان صَوَّت بالإجماع على قيام الاتحاد.. ولست أنكر أنه كان بين النواب من كان خائفاً على زعامته المحلية، في أعماق نفسه، ولكنه كان في مقدمة الركب حماسةً، لأنه كان يطمع في أن يظل ممثلاً للشعب، حين يختار الرئيس الجديد أعضاء مجلس الأمة الجديد، الذي فوَّض بانتقائهم، على أن يكون نصفهم على الأقل من مجلس النواب السوري ومجلس الأمة المصري.

وكان التجار السوريون يطمعون في السوق الاستهلاكية المصرية الواسعة، من أجل توسيع نشاطهم التجاري خارج المجال السوري. وكان رجال الصناعة السورية أكثر تشوقاً إلى قذف منتجاتهم إلى أسواق القاهرة والإسكندرية وأسيوط وأسوان.

ولم يكن أحد يجهل أنهم كانوا يعملون في منتصف الخمسينات وهم في خوف من مفاجآت محسوبة من اتجاه الحكم، الذي كان مطبوعاً بطابع يساري، يمثله أكرم الحوراني في رئاسة مجلس النواب وصلاح البيطار في وزارة الخارجية و خليل الكلاس في وزارة الاقتصاد، بل وخالد العظم في وزارة الدفاع وخالد بكداش عضو التجمع القومي.. إضافة إلى وجود الفريق عفيف البزري في قيادة الجيش، يعاونه الضباط المسيسون الكبار ذوو النزعات اليسارية المعروفة، مثل أمين النفوري وأحمد عبد الكريم وطعمة العودة الله وجادو عز الدين، والضباط الاشتراكيون مثل مصطفى حمدون وعبد الغني قنوت وسواهما..

وكنت أعرف أن أصحاب رؤوس الأموال، كانوا يستدينون من المصارف لعملهم التجاري أو الصناعي في سورية، ويهربون إلى الخارج أموالهم الخاصة. وتأكدت هذه الوقائع حين جرى تأميم المصارف وبعض الشركات، فقد ثبت باليقين القاطع، أن عدداً كبيراً من أصحاب الأموال، رحَّلوا أموالهم بالعملات الأجنبية إلى مصارف خارج سورية، وأن قليلاً منهم أضير من جراء التأميم. وكان ردهم أن رأس المال جبان يبحث عن المكان الآمن!..

وفيما عدا قلة من كبار الموظفين في العاصمة السورية، الذين خافوا من نقل العاصمة إلى القاهرة، أن يصبحوا في مواقع ثانوية، كان سواد الشعب وعامة موظفي الدولة فرحون بالوحدة، سعداء بقيامها..

حتى غالبية الضباط السوريين، كانوا مع الوحدة "فكثير منهم كانوا يرون أن اندماج سورية ومصر، هو الطريق إلى إنهاء خلافاتهم الانتحارية، التي كانت تضع كل جماعة منهم في وجه جماعة أخرى، ثم إن الجيش في القاهرة كان مسيطراً على النظام، وهذا النظام كان في جوهره مقبولاً منهم.."[4]

ومن باب تسجيل الحقائق التاريخية، أذكر - بالأمانة - ما سجلته في مذكراتي عن هذا اليوم الأغر!..

كانت نتيجة الاستفتاء في حلب 79%، أما في دمشق فكانت 98%.

ولا أستبعد أن يكون بين المواطنين السوريين معارضون للوحدة، إلا أنني لم ألاحظ من الناس الذين أعرفهم أو أتصل بهم من كان يعرب عن استياء، خاصة وأنا لم أكن، حين التصويت، في موقع السلطة.. لكي يقال إنهم كانوا يجاملونني، لو جازت المجاملة في أمر حيوي كقيام الوحدة.

غير أن هذا التأييد الكثيف للوحدة، لم يمنع وجود بعض المستاءين.

فقد فَقَدَ "أبو فريد" قهواتي مجلس النواب، أعصابه وهو يقدم لنا القهوة في ردهة المجلس، وشتم شكري القوتلي الذي "ضيَّع الشام"..

وحين خرجنا مساءً من قاعة مجلس النواب، حيث كنا ننظر في مشروع قانون العلاقات الزراعية في اللجنة التي شكلها مجلس النواب برئاستي، والذي تم إنجازه في تلك الليلة، متوجهين إلى فندق الأوريان بالاس لحضور حفلة أقامها التجار الدمشقيون على شرف الرئيس شكري القوتلي لشكره على مسعاه الكريم في إقامة الوحدة، عَلَّق عضو اللجنة الدكتور إحسان الجوخدار، على سلسلة الحفلات التي كانت تقام على شرف الرئيس بما يلي: "والله أنا لم أعد أطيق هذا الجو من النفاق.. فكيف نمحو دولتنا بأيدينا بعد أن عاشت وانتعشت؟!...

وسمعت في قاعة كلية الحقوق تعليقات غاضبة من بعض زملائنا الأساتذة المستاءين:

قال الدكتور مصطفى البارودي، "لقد أصبحت دمشق محافظة مثل سائر المحافظات الأخرى".. ورددت عليه: لقد عادت إلى الوضع السليم!..

وعلق الدكتور أحمد السمان، عميد الكلية، على الاستفتاء بقوله: "كان عظيماً هذا الاستفساء".. (ومعذرة من قلة الأدب، فناقل الكفر ليس بكافر).

وقد غص فندق الأوريان بالوجاهات التي توافدت إلى حفل التكريم هذا وتكرست تسمية الرئيس القوتلي بأنه "باني الوحدة العربية" و"هو أبوها الروحي".. وكان أكرم الحوراني أطلق عليه في حفل تكريمي أقيم في ردهة مجلس النواب، اسم "المواطن العربي الأول" وأهداه مجلس النواب "وسام الشعب" دون علم من مكتب المجلس أو النواب.

واستقبلتُ الوضع السياسي الجديد، متحللاً من أي ارتباط حزبي، لأننا قررنا حل حزب الشعب، كما حلت الأحزاب الأخرى نفسها، قبل أن يصدر قرار رسمي من رئيس الجمهورية بحلها..

---

الحواشي:

[1] نشرت الدكتورة خيرية قاسمية:"مذكرات محسن البرازي" عام 1994، اختارتها من أوراقه.

[2] ظهر كتاب عن "أديب الشيشكلي" للأستاذ هاني الخير 1994.

[3] كتب الأستاذ عوني فرسخ في كتابه "الوحدة في التجربة" (ص111) ما يلي: "لعبت مجموعة الضباط التي تعود أصولها في الغالب للريف، دوراً فعالاً في أحداث سورية قبيل الوحدة وخلالها، والضباط المستقلون كانوا على الأغلب ذوي توجهات تقدمية وعلى تماس دائم مع حزب البعث والحزب الشيوعي، ثم اتجهت عواطفهم بشكل واضح نحو الرئيس عبد الناصر، وارتبط بعضهم بأجهزته.. وهم محدودو الثقافة، وليس لهم أي التزام سياسي".. وقد شرحت هذه المواقف في كتابي "رشدي الكيخيا وحزب البعث" تفصيلاً.. وجدير بالذكر أن الأستاذ صلاح البيطار كان "اتحادياً" كسائر زملائه المدنيين في حزب البعث، ثم انقلب إلى "وحدوي" متطرف. انظر: أحمد حمروش في كتابه، عبد الناصر والعرب، ص 48. ومن هذه الوحدة، فر خالد بكداش إلى البلاد الشرقية الشيوعية.

[4] من كتاب الأستاذ C.Palozzoli وعنوانه: La Syrie lê reve et la rupture ed. Le Sycomore, Paris, 1977 P. 172.