عام 1960 - الجزء 3: تأميم بنك سورية

اقرأ بالإنكليزية

السبت 20

أقلعت بنا الطائرة إلى حماة، وهبطنا في مطارها بعد رحلة استغرقت أقل من ثلاثين دقيقة..

هذه مدينة أكرم الحوراني، الذي استقال من الوحدة، وراح يتهجم عليها ويعمل على تفكيكها.. ترى كيف تستقبل عبد الناصر؟..

ولم يتأخر الجواب:

كان الاستقبال مدهشاً وحماسياً وكثيفاً.. وكان الفرسان على خيولهم الضامرة يحيطون بسيارة الرئيس وصحبه، ويهتفون من أعماق قلوبهم؟

وواحدة من اثنتين:

إما أن تكون المدينة صادقة في مشاعرها وعواطفها، نحو الوحدة ورمزها عبد الناصر، وهذا يعني أن كل خصوم الاشتراكيين الحورانيين قد جمعوا جموعهم، وجاؤوا ليبرهنوا للحكم أن "الحورانيين" مجموعة من مجموعات حماة، وليست كلها، وأن المرحبين بقدومه هم الأكثرية.. والكلمة كلمتهم..

وإما أن يكون الشعب الهادر، قد جاء "نفاقاً" أو "إكراهاً"..

وهذه ملاحظة تنطبق على كل الاستقبالات الشعبية..

وفي هذه الحال ليس لي أن أهنئ نفسي وقومي، على مثل هذه الأخلاق التعيسة!.. ولكن الذي أقنعني، حقاً وصدقاً، بعفوية الحشود وصدقها، ما لمسته من حرارة الهتافات، والتدافع بالمناكب والبشر الذي يتدفق في الوجوه!

أتكذب العين والرايات خافقة

أم تكذب الأذن والدنيا أغاريد؟[1]..

وكان خطاب الرئيس الذي ألقاه من شرفة دار الحكومة يفيض بالمشاعر القومية، والاعتراف بالامتنان لشعب الجمهورية، سواء في حلب أو حماة أو اللاذقية.. وكل بلد حلت فيه ركاب عبد الناصر من بلدان الإقليم الشمالي...

وأقام المحافظ حفل عشاء واسع، ضم أبرز رجالات المدينة، وتناولنا الغذاء بدعوة من عبد الحميد السراج في مشروع المياه، بظاهر المدينة..

وفي الحفلتين، والاستقبالات لم يحضر من البعثيين إلا الدكتور فيصل الركبي..

وما أعرفه عن هذا الزعيم البعثي، أنه معتدل ومخلص في عواطفه..

وكان رفيق رحلة نيابية رسمية إلى البلاد الشيوعية عام 1955، لمسنا خلالها ما يتحلى به من تمسك بالمبادئ وبعد النظر...

الأحد 21

من حماة اتجهنا إلى حمص..

وما أن دخل موكب السيارات الرسمي أبواب حمص، حتى تعثرَّ سير الموكب لكثرة الناس المستقبلين وشدة الزحام..

وقد تأخر وصولنا إلى مدينة ابن الوليد كثيراً، بسبب خروج أهل القرى على جانبي الطريق الذي يزيد على أربعين كيلومتراً بين المدينتين... وسدهم سبيل المرور، ليجبروا الرئيس على النزول من سيارته، ومصافحته، وسماع كلمة منه..

أليس هو فلاحاً منهم، ما زال يحبهم ويسأل عن أحوالهم؟

وأمام الحشود الضخمة، وقفنا في الشرفة نتلمس خلجات قلوب الشعب.. إنه استفتاء وليس استقبالاً!..

وكان الفريق جمال الفيصل، قائد الجيش العربي الأول وهو حمصي في بلده وبين أهله، يقف إلى جانبي... فقلت له: جاء دورك في الخطابة!.. قال: وماذا سأقول، وأنا عسكري لا أعرف فنون القول؟ قلت له، قل ما قاله الفارس القديم، حين وجد في موقف حرج كهذا الموقف:

إذا لم أكن فيكم خطيباً فإنني

بسيفي إذا جدَّ الوغى لخطيب

وتقدم إلى منصة الخطابة، فبدأ خطابه ببيت من الشعر انتزع الإعجاب، وأتمه على أحلى ما يكون الخطاب..

وعلَّق المشير عامر، الذي كان إلى جانب الرئيس، على استعمال الفريق الفيصل ببيت الشعر بأن هذه طريقة عبد الوهاب حومد! مشيراً بذلك إلى الأشعار التي ضمنتها خطابي في حلب..

وفعلاً فإن الاستشهاد بالشعر عادة قديمة لي، حين أقف أمام الجمهور، ويفتح الله عليَّ بأبيات للمناسبة، أهيئها في ذاكرتي، إذا احتجت إليها!..

وتناولنا الغذاء في بيت الفريق الفيصل..

ثم اتجه فريق من أعضاء الحكومة إلى دمشق، لنكون في استقبال الرئيس فيها غداً..

الأحد 22

على طول شارع بيروت، الواسع والمظلل بالأشجار السامقة، وعلى خطوات من مجرى بردى، الذي يخترق دمشق التاريخية، اصطف المستقبلون في السرادق الفخم، كل في المكان المُعَدَّ له من قبل إدارة التشريفات.

وكنت أجلس إلى جانب شكري بك (المواطن العربي الأول) ورئيس جمهوريتنا السابق، حين أخبرنا رجال المراسم بأن عبد الناصر سيصل بالطائرة.. وقمنا إلى المطار القديم في المزة، ويقع جنوب غربي دمشق على بعد أقل من ثلاثة كيلومترات من مكان الاحتفال.. ولكننا ما كدنا نصل إليه حتى راح رجال المراسم يعتذرون عن خطأ وقع، فعدنا إلى المنصة المنصوبة في شارع بيروت.. (ويسمى اليوم شارع شكري القوتلي).

وعلَّق "صاحب الشارع" على ما حدث قائلاً: "شرق إيشي"، ولما كنت لا أعرف اللغة التركية، فسرها لي بقوله: "أشياء الشرق"!..

وعادت بي الذاكرة إلى سنوات خلت، وكان عليَّ أن اذهب إلى بيته لأصطحبه إلى مناسبة رسمية.. فأخذ يسوِّف في القيام، ويقول: بكيِّر بكيِّر (أي بدري، بدري على لغة المصريين).. حتى مضى على الموعد وقت طويل.. وكنت أشعر بالحرج من الضيوف.. الذين دعوناهم لافتتاح معرض لوحات أقيم تحت رعايته كرئيس للجمهورية.. غير أننا حين وصلنا متأخرين كان المدعوون أكثر تأخيراً منا إذ أننا لم نجد في المعرض إلا زائرين.. وبعض أصحاب اللوحات..

يومها، ما كان أحد يجبر أحداً على حضور مناسبة لا يريدها هو.. وما كانت تغلق المعامل وتعطل المدارس، لينقل العمال والتلامذة في سيارات الدولة الشاحنة، إلى أماكن الاحتفال، للهتاف والتصفيق والتلويح بالأعلام ساعاتٍ طوالاً، كثيراً ما يعود بعدها الأطفال إلى بيوتهم وسراويلهم مبتلة!..

الأربعاء 24

قام الرئيس بجولات على المحافظات الجنوبية.. وكان يستقبل كالعادة، بكل ترحاب وتكريم..

وكان يلقي خطاباً أو أكثر إذا دعت الظروف لإلقاء أكثر من خطاب..

وفي السويداء، خصص خطابه لمهاجمة البعثيين. وكان قاسياً جداً عليهم، دون أن يسميهم بالاسم، إلا أن الحملة عليهم، كانت لا تخطئهم.. وقد استعمل في التهجم عليهم، تعبيراً لم يكن مألوفاً أن يستعمله مسئول في خطاب عام فقال:

"إن الشعب سيسحقهم بالأقدام"..

ولم أكن أنا وحدي، الذي شعر بالامتعاض من سماع ألفاظ السحق بالأقدام، من مسئول كبير في مثل مقام عبد الناصر. والظاهر أن بعض تعابير أيام العسكرية المحتجزة في اللاشعور، تخرج أحياناً عفواً وبرغم إرادة صاحبها..

الأربعاء 2 آذار

لا يزال الرئيس في الإقليم الشمالي..

وقد أقام له الرئيس القوتلي حفل عشاء، دعا إليه أعضاء الحكومة.. وكلنا نلاحظ أن عبد الناصر يعمل ما يستطيع للإشادة بالقوتلي وتكريمه والحفاظ على مقامه في أعين الشعب..

الخميس 3 آذار

أقام الرئيس حفل عشاء كبير لأعضاء الحكومة وأعضاء لجان الاتحاد القومي... وعقد اجتماع بعد العشاء في سينما الزهراء..

وقد ألقى عبد الناصر في الحفل خطاباً استمر ساعتين تقريباً.. تناول فيه موضوعات الساعة، بجرأة ووضوح!..

هاجم فيه إسرائيل واليهود الصهاينة الذين يؤيدونها!.. وهدد بالاسم إنكلترا وفرنسا..

وتناول بالقذف ترومان رئيس الجمهورية الأمريكية، ونعته بأنه مجرد مطية في خدمة الصهيونية العالمية.

ثم تناول الوضع الداخلي، فكرر هجومه الشديد على البعثيين.. واتهمهم بأنهم يعرقلون تشكيل مؤسسات الاتحاد القومي، وأنهم ينعتون أعضاءه بأنهم جواسيس للنظام!.. وأنهم غير مؤمنين بشعاراتهم الاشتراكية والوحدوية التي رفعوها كذباً وتضليلاً، كما قال.. ولو كانوا مؤمنين حقاً بها، لما أعاقوا تطبيقها الذي بدأه غيرهم، بعد خروجهم على الإجماع..

وفي هذا الاجتماع، أعلن عبد الناصر عن "مجلس أمة واحد" وكانت تلك مفاجأة الحفل..

وفي هذا المساء أخبرني نهاد القاسم - وزير العدل الذي حل محلي في هذه الوزارة - أن الرئيس أرسله إلى أكرم الحوراني ليبلغه إنذاراً شديداً، ليكف عن "تحركاته" التي تصل أنباؤها إلى آذان أولي الأمر..

الجمعة 4

استلمت اليوم سيارتي الخاصة الصغيرة "سيمكا"..

وقد كلفتني 10500 ليرة، يضاف إليها 500 ليرة رسوم تسجيل..

وفرحنا بها جميعاً.. فقد أصبحت حراً في اصطحاب زوجتي وولدي إلى حيث نشاء، دون أن ترمقنا الأعين.. بأننا "نبذر" مال الدولة.. ومن أسف أن الشعب يجهل أن "سيارة الوزير، خصصت له لاستعماله الشخصي واستعمال عائلته، مدة الوزارة.. وأن الدولة تدفع له مبلغاً محدداً ثمن البنزين الذي يستهلكه في تنقلاته، فإن زاد الاستهلاك عن هذا المبلغ كان عليه أن يدفعه من جيبه الخاص..

وأذكر بالخير زميلنا وزير الداخلية علي بوظو.. فهو كردي الأصل ويقطن في حي الأكراد، الجاثم على سفح قاسيون وحالته المادية لا تسمح له بشراء سيارة خاصة.. لذلك كان يركب الباص - سيارة ركوب الأجرة الكبيرة - أيام الجمع، حين ينزل إلى المدينة.. وكأنه ليس وزيراً لديه سيارة الدولة وسائقها..

وقد عللَّ لي يوماً هذا التصرف، فقال، لن أتمكن ذات يوم من شراء سيارة خاصة، وسيارة الدولة عارية، سوف تذهب باستقالة الوزارة إلى الوزير الجديد.. وعندها سأعود إلى ركوب الباص مع سائر الشعب.. لذلك، فأنا أحب ألاَّ اقطع صلتي بمواطنيَّ خشية إن أنا قاطعت الباص، أن يفاجؤوا بجمال وجهي يزاحمهم على مقعد فيه.. حين تذيع محطة الإذاعة استقالة الوزارة..

وقد تذكرت هذه الحكمة ذات يوم، وأنا أمرَّ في يوم من أيام الثلج القارسة، أمام ثانوية في حينا، حين رأيت عدداً كبيراً من السيارات "الرسمية" تنقل الأولاد المحظوظين، والآخرين الذين ينظرون إليهم بحنق واضح، مما يعانونه من عنف الريح الثلجية..

والكيس في الكف غير الكف في الكيس!...

الأحد 6: تأميم المصرف السوري

عقدت الحكومة برئاسة عبد الناصر سلسلة من الاجتماعات في قصر الضيافة.. وكان شديد الإلحاح على النهوض بالإقليم الشمالي وتصنيعه ورفع مستوى المعيشة فيه، وتحصينه بالثقافة والعلوم..

وقد دعا إلى ضرورة القضاء على وفيات الأطفال، وقال إنه ما لم يصل عدد سكان الإقليم إلى عشرة ملايين، فإنه سيظل هدفاً لعدوانٍ إسرائيلي مستمر عليه، بل وسيتعرض إلى أخطار نلمحها ونعرفها..

وبحث مشكلة الزواج وضرورة إيجاد حلول عملية لها، من أجل زيادة السكان، والحفاظ على الأخلاق الفاضلة ومناهضة فساد الشباب..

ووقف طويلاً عند التطبيق الاشتراكي، فوجَّه إلى ضرورة أن يعم خير الوطن جميع أرجائه، لا أن تختص به مدينة أو منطقة، ومما يساعد على تعميم الخير، إقامة سدود لجمع مياه الأمطار إلى حين الحاجة إليها في الصيف، ونشر المراعي للأغنام والإبل وغيرها، وتخزين العلف إلى أيام المحل في المواسم المجدبة، والتوسع في إنشاء بيوت السكن الرخيص..

وألح على تقليم أظافر رأس المال حتى لا يخضع البلاد والعباد لسيطرته.. وفي ختام حديثه، أعلن أنه سوف يؤمم المصرف السوري..

وهو مصرف فرنسي قوي، يقرض الملاَّكين، والتجار، ويتحكم فيهم ويحقق علاوة على ذلك أرباحاً طائلة من حق الشعب أن تعود إليه..

---

الحواشي:

[1] هذا البيت للمرحوم شفيق جبري.