عام 1960 - الجزء 2: بدء جولة عبد الناصر الشمالية التي استمرت ثلاثة وعشرين يوماً في حلب

اقرأ بالإنكليزية

الخميس 28

أنهيت اليوم قراءة مذكرات إيدن عن حرب السويس، كما نشرتها جريدة الأهرام، واستنتجت منها ما يلي:

كان الإنكليز والفرنسيون، ومعهم إسرائيل مصممين على القضاء على عبد الناصر وعلى نظامه الذي شب عن الطوق، ولكنه قاتلهم حتى أذلهم.

هذا الدفاع المستميت عن "بقاء إسرائيل، بشكل غير مألوف، يؤكد شكوكنا بأن إسرائيل للغربيين مسألة حيوية، أولاً لقسم العالم العربي وإضعافه، وثانياً لتكون أداة تهديد للعرب في وسطهم، حتى لا يفكروا في الاستقلال باستثمار ثرواتهم، وخاصة النفطية التي يجب أن تترك في أيدي "شيوخ البترول" يصرفونها على ملذاتهم، وما زاد يوضع في البنوك الغربية، والإسرائيلية المقنعة بقناع أمريكي وإنكليزي!..

والذي أدهشني حقاً، هذه الشكوى المريرة، التي جرت على قلم إيدن مراراً عديدة، من موقف الولايات المتحدة... ورئيسها أيزنهاور شخصياً أثناء حرب السويس.

وهو موقف كنا نعرفه، غير أننا لم نكن نعرف مبلغ قوته وتأثيره، وكنا نولي الأهمية الأولى لإنذار الاتحاد السوفيتي..

وبعيداً عن أجواء العمل الوزاري، يحل علينا اليوم عيد ميلاد ابنتنا ميساء، التي أتمت الثانية عشرة من عمرها.. وهي تتقدم في دراستها عند الراهبات الفرانسيسكانيات.. وأعترف بإعجابي بنظام هذه المدرسة.. وبتعليم اللغة الفرنسية تعليماً جيداً..

وكنت وزيراً للمعارف أثناء حرب السويس عام 1956.. ووكيلاً عن وزير الخارجية.. وأنا الذي دعوت السفيرين البريطاني والفرنسي إلى الخارجية وأبلغتهما قطع العلاقات الدبلوماسية.. وهذا يعني ضرورة مغادرتهما مع أفراد بعثتيهما، البلاد السورية..

ولكني عرضت على السفير الفرنسي، الإبقاء على العلاقات الثقافية.. وهذا العرض يعني إبقاء المؤسسات التعليمية، والحفريات الأثرية، التي كان يقوم بها الأستاذ شيفر في أوغاريت شمال اللاذقية..

واستقبل العرض برضى وامتنان، وأبقيت في باريس مدير البعثات السوري فيها، صديقي ورفيق دراستي الدكتور جميل محفوظ، وأبقى هو المعهد الثقافي الفرنسي، والحفريات..

ومن أجل إنقاذ المظاهر عينت مدراء سوريين للمعاهد الفرنسية والإنكليزية لتهدئة الرأي العام الذي تضامن مع مصر، وألزمتهم بعدم التدخل في الأمور الإدارية إلى أن زالت آثار السويس، ومآسيها، وعادت الأمور إلى نصابها فألغي هذا التدبير!..

وأرسلت السفارة الفرنسية، تستمزجني في قبول وسام الاستحقاق الفرنسي، عن طريق الدكتور أنور حاتم، أمين عام مجلس الوزراء، ربما شعوراً منها بحكمة ما قمت به تجاه الثقافة الفرنسية.. غير أنني شكرت العرض، واعتذرت عن قبول التكريم... ذلك أن المناسبة نفسها، لم تكن تسمح لي بقبوله!..

الخميس 11 شباط: المعاشات الاستثنائية

أصدر الرئيس القرار بقانون رقم 35 تاريخ 11 شباط 1959، لتمكين الدولة من منح معاشات استثنائية لأشخاص لاحق لهم فيها قانوناً، ولكن من أجل الخدمات الاستثنائية التي أدوها للدولة.

ولم يكن تشريعنا يعرف هذه المنحة، إلا إذا صدرت بقانون خاص، كالقانون الذي صدر قديماً لتعليم أولاد إبراهيم هنانو على حساب الدولة والقانون الذي صدر لتعليم أولاد اللواء سامي الحناوي عام 1949 بعد أن اغتاله في بيروت أحد أبناء البرازي، ثأراً لمقتل ابن عمه الدكتور محسن.

ولكن القانون الجديد وضع بعض الضوابط:

1"- اشترطت المادة الأولى من أجل منح معاشات استثنائية أو زيادات في المعاشات "للموظفين المدنيين والعسكريين.. وغير الموظفين ممن يؤدون خدمات جليلة للجمهورية".

2"- ونصت المادة الثانية على تأليف لجنة بقرار من رئيس الجمهورية للنظر في المعاشات والمكافآت الاستثنائية "بناء على اقتراح وزير الخزانة"، غير أن قرارات هذه اللجنة لا تكون نافذة إلا إذا اقترنت بموافقة رئيس الجمهورية.

3"- ولكن إلى أن تتشكل هذه اللجنة، يكون منح المعاشات والمكافآت بقرار من رئيس الجمهورية..

وبناء على هذا القانون، أصدر الرئيس عدة قرارات بمنح معاشات استثنائية منها، ورثة المرحوم عثمان الحوراني، مدير التربية والتعليم بحماة سابقاً (القرار رقم 302 تاريخ 21 شباط الحالي)، وعائلة المرحوم نقولا ديب، الموظف في وزارة الاقتصاد (القرار رقم 303 بالتاريخ ذاته) وعائلة المرحوم صالح عقيل، التي منحت معاشاً مقطوعاً قدره 400 ليرة سورية (القرار رقم 303)..

وكان المرحوم صالح زميلنا في مجلس النواب عن منطقة القلمون.. وأصبح وزير دولة في الوزارة التي شكلها صبري العسلي في 31 كانون الأول 1956 من أعضاء التجمع القومي، بعد أن رفض حزب الشعب المشاركة فيها..

وكان يظهر حماسة واضحة للاتحاد مع مصر.. وانتهى عمل هذه الوزارة بالإعلان عن إقامة الوحدة، في 6 آذار 1958.

ويذكر خالد العظم في مذكراته أن صالح عقيل "كان متأثراً من إغفال اسمه بين وزراء الوحدة، وقد انتهى به هذا التأزم إلى إصابته بنوبة قلبية أودت بحياته"[1]...

الأحد 14 شباط

حضر الرئيس جمال بحراً، عن طريق اللاذقية.

(وسوف تدوم زيارته هذه المرة ثلاثة وعشرين يوماً متواصلة). واتجه لزيارة القامشلي ودير الزور والحسكة.. واتصلت بي مديرية البروتوكول للسفر إلى حلب، حتى نكون في استقباله يوم الأربعاء فيها.. ومن المؤكد أنه إنما حضر إلى هنا، لسببين:

الأول: معاودة الاتصال بشعب الإقليم الشمالي، وإشعار الناس أن رئيسهم يخصص لهم جانباً من وقته، ويستمع إلى طلباتهم وشكاياتهم عن قرب، وحل القضايا الحكومية التي لا يحلها، بالسرعة المناسبة، غير وجوده.

والثاني: دراسة الحالة العامة، من الوجهتين السياسية والأمنية موضعياً، بعد استقالة الوزراء البعثيين، ومباشرتهم العمل سراً ضد الوحدة لتهديمها كنظام سياسي، قلبوا له ظهر المجن..

وقد حدثني محافظ حمص، الضابط السابق مصطفى رام حمداني، بأن مصطفى حمدون جاءه ذات يوم وهو على رأس فرقته العسكرية، وفاتحه "بإنهاء هذه الوحدة التي يسيطر عليها المصريون".. ولكن الحمداني حذره من ارتكاب هذه الخطيئة التي لن يغتفرها لهم التاريخ"..

وكانت الوحدة لا تزال في شهورها الأولى!..

ومصطفى رام حمداني معروف بصدقه وأمانته، وقد برهن عن كفاءة إدارية نادرة، أثناء وجوده محافظاً لحمص.. وظل جندياً مخلصاً للوحدة النواة..

الاثنين 15

سهرنا هذا المساء في بيت المرحوم الدكتور طلس عديل اللواء سامي الحناوي، قائد الانقلاب الثاني، الذي أطاح عام 1949 بصاحب الانقلاب الأول حسني الزعيم، وانتهت جولة الدبابات بإعدامه وإعدام رئيس وزرائه الدكتور محسن البرازي.

وقال لنا مضيفونا، إن اللواء الحناوي مرَّ بهم بعد نجاح انقلابه ذاك.. غير أنه ثار ثورة جنونية حين أخبروه بإعدام الزعيم والبرازي، وهدد بالتخلي عن الانقلاب، والعودة إلى بيته!..

وقال لنا هؤلاء المضيفون، وكان قد مر على وفاة الدكتور أسعد عدة أشهر بأن الحوراني كان يعتقد بأن الحناوي سيحقق الاتحاد مع العرش الهاشمي في بغداد، لذلك عرض عليه، أن يتعاون معه لتحقيق هذا المشروع، على أن يكون الحوراني نائباً للملك، ويكون أسعد طلس رئيساً للوزراء.. ويرسل الحناوي سفيراً إلى دولة من الدول التي يفضلها.. غير أنه رفض التخلي عن عديله!..

وكان أسعد طلس، في فترة انقلاب عديله، أميناً عاماً لوزارة الخارجية (التي أخرجه منها محسن البرازي لكراهة شخصية بينهما)، ولكنه كان صاحب نفوذ قوي على الحناوي، المعروف ببساطته وطيبة قلبه.

الثلاثاء 16

مع فجر هذا اليوم "الدافئ" جداً، غادرت دمشق، لأكون في استقبال عبد الناصر في حلب.. وعلى طول مئات الكيلومترات إليها شاهدت آثار الجفاف على الطبيعة بعيني، وأنا في غاية الأسى. فقد شعرت وكأن الأرض تتميز من الغيظ والألوان الصفراء القاتمة.. لا نبتة عشب.. ولا قطرة ماء.. بل سماء صافية وشمس ساطعة..

نحن في منتصف شباط، وهو وقت تباشير النبت.. ومن عادة قطعان الأغنام أن تختال بعددها وأجسامها الثقيلة.. ولكن الذي رأيته في طريقي، أعداد قليلة من الغنم، تبحث عن شيء تقتات به بين الصخور والحصى.. مناظر مفجعة حقاً..

لقد انخفضت أسعار اللحم، لأن أصحاب المواشي لم يعودوا قادرين على إطعامها، فعرضوها للبيع لمن يشاء، بالسعر الذي يشاء.. وقد حدثني من حدثني، أن بعض الفلاحين، كانوا يتخلون عن أغنامهم في السوق، حين لا يجدون من يشتريها، لأنهم لا يستطيعون أن يعودوا بها إلى ديارهم!..

وتناولت طعام الغذاء في الميماس الحمصي بدعوة من صديقٍ لي، توفيت زوجته الأوربية، هو الأستاذ عمر فوزي عيسى، رفيق الدراسة في السوربون، وتركت له خمسة أطفال أخذ على نفسه عهداً بأن يكون لهم أباً وأماً...

والناس عندنا يتخوفون من الأوربية.. وقد أثبتت التجارب صحة تخوفهم.. إلا هذه، فإنها من القلة الفاضلة.. والاستثناء يؤكد القاعدة كما يقولون.

الأربعاء 17

خرجنا إلى مطار النيرب لاستقبال الرئيس.. وكان في هذا الاستقبال رشدي الكيخيا و ناظم القدسي وأحمد قنبر وكان لقاؤنا حاراً..

فقد أصبح القدسي رئيساً لمجلس إدارة "بنك العالم العربي"، الذي أسسته مجموعة تجارية سورية لبنانية فلسطينية.. وكان لي دور مؤثر في دعمه لهذا المنصب.. فقد زارني مجلس الإدارة، متحسساً رأي الحكومة في قبوله.. وأكدت للأعضاء أن الحكومة ستكون سعيدة بأن يكون على رأس المصرف العربي رجل من هذا الوزن والاحترام.. وحين تقرر تعيينه، أقام حفلة في دمر لهم ودعاني إليها، وكان الوقت لا يناسبني، لأنني كنت مشغولاً بمناقشة الميزانية في مجلس الوزراء.. ولكنه أصر على حضوري إصراراً شديداً، فاضطررت إلى طلب تأجيل الجلسة الوزارية.. إكراماً له!..

وكان لحضوري وضع خاص، لأن المصرف المركزي، كان تابعاً لوزارتنا! وسيكون "بنك العالم العربي" تحت إشرافه..

وكذلك أصبح أحمد قنبر مديراً لشركة اسمنت حلب.. وتأكد لمجلس الإدارة الذي زراني أيضاً، للغاية ذاتها، أن الحكومة تؤيد بقوة ترشيحه لهذا العمل.. فهو قوي أمين وإداري حازم، وهذا ما اشتهر به في توليه وزارة الداخلية مراراً..

وبتعيين هذين السياسيين الكبيرين على رأس مشروعين اقتصاديين كبيرين، تكون دولة الوحدة قد ربحت كفاءتهما وربما مساندتهما..

والذي أعرفه عنهما، وعن رشدي الكيخيا، أنهم صوتوا للوحدة مخلصين لها، بل إن رشدي الكيخيا الذي قدم استقالته من مجلس النواب، قبل الوحدة، دون أن يبت فيها المجلس، حضر جلسة التصويت على الوحدة وصوت على الموافقة عليها، منضماً في ذلك إلى الإجماع القومي..

ولا بد من الإشارة إلى أن القدسي وقنبر كانا في حاجة إلى هذا العمل، لضعف إمكانياتهما المادية.. وهذا واقع يشرفهما ويشرفنا أيضاً، لأن أحدا منهم لم يفتح جيبه، لتدس فيه الدولارات أو الجنيهات أو الريالات..

وكنت اقترحت على رشاد برمدا، الأخ الرابع في الحزب، أن يقبل وظيفة مدير عام لإدارة قضايا الحكومة، التي حلت محل محامي وزارة المالية.. وكان رشاد واحداً من هؤلاء المحامين قبل إنشاء هذه الإدارة الجديدة.. وقبلها وهو مرتاح، لأنه كان في حاجة إليها، كما كانت الدولة في حاجة إليه! وبقبوله هذه الوظيفة، تخلى عن ممارسة مهنة المحاماة الحرة.

وهؤلاء هم رجال حزب الشعب!..

وفي المطار، صادفت السيد علاء الدين الجابري، شقيق المرحوم مجد الدين.. وكان زارني في دمشق، وشرح لي سوء حالته المادية، بعد أن أخذ الإصلاح الزراعي أراضيه.. وطلب إليَّ أن أكون إلى جانبه في لجنة الإصلاح العليا، لإبقاء إحدى القرى في ملكيته ليعتاش منها..

وحين زففت له البشرى، كانت سعادته غامرة..

ومنطلقي في الحكم، أن المسئول لا يجوز أن يكون عدواً لجماعته، وإنما يجب عليه أن يعمل على حسن تطبيق القانون، دون توقف عند حدود صرامته.. ويطعِّم مفهوم العدل الجاف، بنفحات إنسانية، كثيراً ما يسمح بها التفسير المرن.. الذي لا يصل إلى قبول دفع الحلاَّب الذي غش الحليب بالماء، بأنه إنما غش الماء بالحليب!..

وبعد استقبال قصير في المطار، توجه الموكب إلى بناية نقابة الأطباء في حي العزيزية..

ووقفنا إلى جانب الرئيس في الشرفة، التي تشرف على أرض خلاء، اختارها المحافظ لتتسع لمئات ألوف الحلبيين، الذي احتشدوا فيها لتحية رئيس البلاد.

وعلى مدى ما ترى العين، كان الحشد المتدافع لا يوصف..

والحلبيون معروفون بحبهم للوحدة العربية، وبإخلاصهم لمبادئهم العامة.. وحبهم حب، وبغضهم بغض..

وهم، يقيناً أحبوا عبد الناصر..

وظلوا أوفياء للوحدة.. حتى بعد أن أسقطها العملاء. وقد برهنوا على ولائهم بالأربعين ضحية من الطلاب والعمال الذين قتلتهم دبابات جورج محصل أمام بناء العبارة!.

وحييته بخطاب ترحيبي، باعتباري ابن المدينة الوحيد في الحكومة.. وكل ما قلته فيه، كان يعبر عن حقيقة مشاعري، ولا يزال..

وقد استشهدت ببعض أبيات لحافظ إبراهيم، هي الآتية:

لمصر أم لربوع الشام تنتسب

هنا العلا وهناك المجد والحسب

ركنان للضاد لا زالت ربوعهما

قلب الهلال عليها خـافق يجب

إذا ألمت بوادي النيل نازلة

باتت لها راسيات الشام تضطرب

وإن دعا في ذرى الأهرام ذو ألم

أجابه في ربـى الشهباء منتحب

وكان لشعر حافظ، الذي أبدلت فيه كلمة "الشهباء" بكلمة لبنان الموجودة في الأصل، للمناسبة، فعل السحر.. فعل النار في الهشيم.. وحل الرئيس ضيفاً في "قصر" الحاج سامي صايم الدهر في حي المحافظة..

الخميس 18

حضرنا تدشين الخط الحديدي الجديد، في قرية الوضيحي، وكان مع الرئيس المشير عامر والوزير علي صبري والسراج وكحالة وغيرهم..

وقد خصص له مبلغ خمسمئة مليون ليرة، ليصل حلب بدير الزور والحسكة والقامشلي شرقاً، وبإدلب واللاذقية غرباً...

وهو حلمٌ كان ينتابنا، من أجل نقل الناس ومواسم الجزيرة والفرات الزراعية إلى مواقع الاستهلاك.. دون إرهاق مالي، ودون تلف في السلع..

وقد برَّ الرئيس بوعده به في العام الماضي، ودشنه في هذا العام..

وكانت فرحة محمد العالم، وزير المواصلات، بهذا الإنجاز كبيرة، وقد عبر عنها بالخطاب الترحيبي، الذي ألقاه مرحباً ومكرِّماً..

الجمعة 19

صلينا الجمعة في الجامع الأموي الكبير.. وقد بني على غرار جامع بني أمية في دمشق وفي أوضاع متماثلة..

وكثيراً ما كنت أتردد عليه في صغري، لأصلي فيه الظهر أو العصر، وخاصة في رمضان.. فهو يتوسط المدينة، وكنت في ذهابي إلى الثانوية تلميذاً، أمر من أمامه، في أسواق مقبية، قبل أن يفتح الشارع الكبير الذي توقف عند باب السجن "التركي" الآن.

وكان الوصول إلى الجامع معضلة فعلاً، لشدة الزحام.. وقد سهل عليَّ الوصول أن المحتشدين عرفوني.

وقبل أن نصل إلى القبلية، سألني صديقي الشيخ محمد الحكيم، مفتي حلب الفصيح المتكلم، ماذا يمكن أن يقوله في خطبته في صالح المدينة، فنصحته بالتركيز على موضوع "جامعة حلب"..

ولقد أجاد وأبدع في هذا الموضوع، ولم ينس أن يقول لمن يريد أن يسمع بأن محافظة حلب تدفع 52% من موارد الدولة، إلى خزينتها.. ونظر إليَّ الرئيس نظرة ذات معنى يتضمن الموافقة.. لأنني تحادثت معه من مدة في بيته مطولاً عن هذا الموضوع..

وذكرَّ الخطيب الرئيس بفلسطين، وقارنه بصلاح الدين وطالبه أن يترك للتاريخ ما تركه له الأيوبي.. وفي مقدمة انتصاراته تحرير القدس..

وكنت أنظر إلى وجه عبد الناصر، فألمس مدى شعوره، وهو يستمع إلى تدفق الحكيم، بثقل المسئولية التاريخية على كتفيه..

---

الحواشي:

[1] ج3 ص 176.