عام 1961 - الجزء 6: تمرد الجنرالات على ديغول في الجزائر واعتراف ناظم القدسي بضائقته المالية

اقرأ بالإنكليزية

السبت 22 نيسان: انقلاب عسكري في الجزائر

تناقلت الإذاعات نبأ الانقلاب الذي قام به جنرالات فرنسيون، في الجزائر على الرئيس ديغول.

وهؤلاء القادة العسكريون، هم كبراء الجيش المرابط في "المقاطعات الثلاث الفرنسية وراء البحار" (إقليم الجزائر)، وأبرزهم الجنرال شال والجنرال سالان والجنرال جوهو والجنرال زيللير..

وعللوا قيامهم بهذا الانقلاب، بأن ديغول خائن للوطن، وأنه يريد تسليم "أرض فرنسية" لعصاة خارجين على القانون.. وهم الجزائريون أصحاب البلاد الأصليين!..

وزعموا أنهم سيطروا على جميع القطعات العسكرية في فرنسا نفسها وفي الإمبراطورية، وأنهم سيغزون باريس، للقبض على ديغول ومحاكمته..

وقد أحسسنا وكأن كارثة من وزن ثقيل جداً تحل بنا..

فما كاد بصيص من أمل يلوح للمجاهدين الجزائريين، حتى ادلهم الأفق بظلام دامس..

ومعروف عن الضباط الفرنسيين أنهم حمقى..

وذاقوا طعم السعادة والبذخ في بلد نهبوا خيراته وأفقروه.. وفي سبيل الإبقاء على امتيازا تهم، فإنهم لا يتورعون عن حمل السلاح ضد رئيسهم..

وغالبية الدساتير تنص على أن رئيس الجمهورية، هو القائد الأعلى للقوات المسلحة.. ومن حسن الحظ أن الانقلاب فشل بعد ثمان وأربعين ساعة، لأن ضباط الجنرالات الأربعة، رفضوا الطاعة وامتنعوا عن تنفيذ الأوامر..

وأثبت ديغول أنه قائد شجاع، فقد أعلن أنه سيقاومهم في ساحات القتال، ولن يتراجع عن قراره، ولو قتل في سبيله..

وأيدته قطعات واسعة من الجيش.. وأعلنت ولاءها لقائدها الكبير..

وبذلك سدت المنافذ في أوجه المتمردين، فأعلن كبيرهم شال استسلامه، وهرب الجنرالات الباقون إلى جهات مجهولة.. يتوسلون إلى من يؤويهم ويمنحهم حق "اللجوء السياسي" في إسبانيا أو ايطاليا..

وتعود بي الذاكرة إلى تلك الأيام من عام 1940، يوم أعلن الماريشال ﭙتان الذي استلم الحكم في أعقاب هزيمة الجيوش الفرنسية أمام الجحافل الألمانية، استسلام بلاده، وقبوله شروط الهدنة التي فرضها المنتصر هتلر عليها..

ورفض ديغول قبول قرار رئيسه الأعلى، وكان إذ ذاك ضابطاً شاباً، فهرب من فرنسا والتحق بالقوات البريطانية في بريطانيا...

وأسس إذاعة "صوت فرنسا الحرة"..

وحين انتصر الحلفاء على الدول الفاشستية، حرروا فرنسا وسلموها إلى ديغول.. بل ومنحوها مقعداً دائماً في مجلس الأمن.. فأصبحت واحدة من كبيرات دول العالم الخمس..

ولها حق النقض... (الفيتو)..

وليس من حق الجنرالات "الجزائريين" أن يحتجوا بسابقة ديغول..

فانشقاق ديغول، إنما كان ضد ركوع بلاده أمام منتصر أجنبي.. أما هم فقد تمردوا على رئيسهم الذي يمارس السلطة المدنية الشرعية..

وهو لا يختلف في ميوله عن ميولهم الاستعمارية الاستغلالية، ولكنه أدرك أن الحرب الجزائرية، ستذل فرنسا، وتسيء إلى وضعها الدولي، وتهدد اقتصادها بالانهيار، فقرر أن يسلك طريق المهادنة مع قادة جبهة التحرير، لصالح بلاده قبل أي شيء آخر..

وتجدر الإشارة بأن هؤلاء الضباط المتمردين، هم الذين أعادوا ديغول إلى السلطة عام 1958، بالضغط والتهديد.. وحين شعر أنه أصبح أسير "ثورتهم"، وفكر في حل المشكلة الجزائرية، قرر الخلاص منهم بإقصائهم عن الجيش.. ولكنهم سبقوه إلى الثورة التي أعلنوها في ظروف غير مواتية لهم، ففشلوا وتساقطوا كما تتساقط أوراق الخريف، تحت الأقدام..

ومن الجائز أن يكون عبد الناصر فكرَّ في عملية "ديغولية" مماثلة حين عزم على التخلص من التهديد بالانقلاب على الجمهورية، من قبل الضباط الذين "فرضوا" عليه الوحدة.. فأبعد عدداً كبيراً منهم إلى السلك المدني والدبلوماسي، ونقل نحواً من خمسمئة ضابط إلى الإقليم الجنوبي.. غير أن الحذر لا يمنع القدر..

الاثنين 8 أيار

زارني في مكتبي عضو مجلس الأمة عن حلب، الأستاذ المحامي عارف جزماتي.. وكان شارك في حملة ظالمة على بعض الوزراء في إحدى جلسات الاتحاد القومي في حلب..

وقد تبسط في شرح ما يرى أن الوضع العام آل إليه..

ففي رأيه أن الكساد ضارب بأطنابه في المدينة، والمعامل توشك أن تتوقف لعدم تصريف منتجاتها، والتجار في خوف مقيم من صدور قرارات بتأميم معاملهم..

وحدثني عن موظفين مصريين، قررا العودة إلى الإقليم الجنوبي "خشية أن يريا نفسيهما ذات صباح معلقين من رقبتيهما على شجرة"..

ودعايات الشيوعيين ومن يسايرهم في اتجاههم ضد الوحدة، نشيطة في بعض الأوساط تختلق الزيف، وتنشر السموم..

ونصحته بأن يعمل من جانبه، كنائب عن الأمة على شرح هذه المخاوف إلى رئيس مجلس الأمة، أنور السادات، أو إلى الأستاذ راتب الحسامي نائب الرئيس.. ووعدته أن أعمل من جهتي على نقل هذه الانطباعات لنائب الرئيس في أول مقابلة..

وليس من شك في أن عبد الحميد السراج يشدد القبضة على أعداء الوحدة، ولكن ليس من المعقول أن يترك لهم المجال مفتوحاً، ليعيثوا في الأرض فساداً، تحت ستار "الحرية" التي لم يرعوا لها حرمة حين كانوا يعملون تحت لواء الضباط المسيسين.

الثلاثاء 9

صديقي المؤرخ الدكتور عابدين حمادة، يتحدث معي من منطلق الحرص على الوحدة.. وأناقشه ويناقشني..

وقد أطلعني اليوم على خبر مثير حقاً، خلاصته أن الأستاذ أكرم الحوراني، الذي يقود الحملة على الوحدة بتكتم، طلب منه أن يتصل بالأستاذ رشدي الكيخيا، ويبلغه استعداده التام للسير تحت لوائه..

وهو يفضل أن يجتمع به سراً في بيت عابدين..

وأبلغ الدكتور حمادة رشدي الكيخيا برغبة الحوراني، ولكنه أبلغه بأنه لن يقوم بأي عمل ضد الوحدة، ويعتبر كل إساءة إليها جريمة قومية، لا سياسية ولا حزبية..

وهذا ما أعرفه تماماً عن رشدي الكيخيا...

الزعيم الزاهد، الذي رفض رئاسة الجمهورية السورية ثلاث مرات، مرة عام 1950، حين وضع أول دستور في العهد الاستقلالي، وكان رئيساً للجمعية التأسيسية، ومرة ثانية عام 1955، وكان وراءه إجماع من جميع كتل مجلس النواب وأحزابه، ومرة ثالثة عام 1961 بعد وقوع الانفصال..

ورغم هذه المواقف النبيلة، فإنه لا يزال "مغضوباً عليه" من أجهزة المخابرات[1]!..

وفي المساء سهر عندي ثابت العريس، وزير الثقافة المركزي، في طريقه إلى مقر عمله في القاهرة، قادماً من حلب، وحدثني عن الحالة النفسية والاقتصادية المتردية في مدينتنا..

وألح على انتشار الدعايات السامة ضد الوحدة، ولكنه أكد أنها لا تلقى صدى يذكر.. ولكن لا بد من عمل شيء يخفف من سوء الحالة الاقتصادية، وإجراء تعديل ما في تركيبة الاتحاد القومي..

واتفقنا على أن ننقل هذه المشاعر إلى رئيس المجلس التنفيذي حتى لا يظل معتمداً على تقارير المخابرات المتجنية..

وفعلاً، حدث بيني وبين عبد الحميد السراج حديث مطول، قال في نهايته إنه سوف ينقل ما تحدثنا به إلى الرئيس عبد الناصر..

وآمل ألاَّ يكون متشككاً في أقوالي، حتى لا يصدق فينا قول ذلك الشاعر:

أرى خلل الرماد وميض نار

ويوشك أن يكون لها ضرام

فإن النار بالعودين تزكو

وأن الحرب أولَها الكلام

فإن لم يطفها عقلاء قوم

يكون وقودها حثث وهام

أقول من التعجب ليت شعري

أأيقاظ أمية أم نيام..

الأربعاء 10

من أجل تخفيف وطأة البطالة، لجأنا إلى تعديل قوانين الضريبة، لإضافة نسبة ضئيلة على معدلاتها.

ولست أنكر أن الظرف غير مواتٍ لهذه الزيادات..

وقلت ذلك صراحة في مجلس الوزراء..

ولكني وافقت، لكي تتمكن الدولة من إحداث 6000 فرصة عمل في الجهاز الحكومي، تخفيفاً من وطأة الجفاف..

فالجامعات تخرِّج كل عام أعداداً متزايدة من الطلاب. ولا بد من عمل شيء لاستقطابهم، وإيجاد سبل معيشة لهم..

ومن المؤكد أن هذه المشكلة سوف تتفاقم مع الزمن.. كما هي متفاقمة في مصر وفي سائر بلاد العالم الثلاث..

ويقول قائل" وأين شعار "بترول العرب للعرب"؟..

ويردون على هذا القائل السمج: بترول العرب لشيوخه وأمرائه..

وللحسابات السرية في بنوك سويسرا والوسطاء.. والعملاء.. ودور القمار والملاهي في مونت كارلو ولاس فيغاس.. وعيادات معالجة الإيدز (أو السيدا بالفرنسية)..

ويبقى للناقمين "الحق القومي المطلق" في أن ينشدوا:

بلاد العرب أوطاني

من الشام لبغدان

ومن نجد إلى يمن

إلى مصر فتطوان!..

الاثنين 22

لا أعرف السبب الذي دعا الدكتور ناظم القدسي إلى ترك عمله في بنك العالم العربي الذي تولى رئاسته، وهل هو الذي ترك، أم أن أصحاب هذا البنك هم الذين حملوه على الترك.. ولكني لم أسمع رسمياً بانفكاكه عن العمل أو استمراره فيه مؤقتاً..

اتصل بي اليوم هاتفياً، واتفقنا على أن يكون ضيفي في بيتنا مساء...

ولست أدري، أمن حقي أن أنشر مختصراً لحديثه، أم أني أتخلى بهذا النشر عن واجب الكتمان والأدب؟..

وشعرت أنني أؤدي خدمةً للقدسي نفسه، وللحقائق التاريخية، إذا نقلت الحديث أمانة، خاصة وأنه أدلى به إليَّ بوصفي عضواً في الحكومة، وليس كصديق..

وينتسب الدكتور القدسي إلى عائلة حلبية عريقة..

وقد حصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق من جامعة جنيف..

وانتخب مراراً نائباً عن حلب وعين سفيراً في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1945.. وتولى وزارة الخارجية في حكومة فخامة هاشم الأتاسي أثناء انقلاب الزعيم سامي الحناوي (من 14 آب 1949 حتى 14 كانون الأول من نفس العام).

ثم تولى رئاسة مجلس الوزراء ووزارة الخارجية (لمدة ثلاثة أيام) ما بين 24-27 كانون الأول 1949.

وعاد إلى تولي هاتين الحقيبتين في 4 حزيران 1950 حتى 27 آذار 1951 وبعد ذلك انتخب رئيساً لمجلس الوزراء، بعد الإطاحة بعهد أديب الشيشكلي عام 1954. وكان الشخصية الثانية البارزة في حزب الشعب..

وقد حدثني تلك الليلة بما يلي، قال:

ورثت مع إخوتي عن والدي ثلاثة آلاف ليرة ذهبية، وقد بددت نصيبي في ممارستي العمل السياسي..

وجمعت مبلغ 55000 ألف ليرة سورية، استرهنت بها الدار التي أسكنها، أي أنني لا آخذ فائدة عن المبلغ الذي دفعته لصاحب الدار، ولا أدفع له أجرة عن سكنها..

وجاءت السنوات العجاف، فاضطر إلى الاستدانة..

وهو مدين الآن، لبعض أهله وأصحابه بمبلغ ثمانين ألف ليرة سورية، وأضاف: لولا أن زوجتي هي التي تنفق من مال ورثته عن أبيها على أولادنا، لكان وضعي الاجتماعي والعائلي غاية في السوء..

وأنني خدمت هذه البلاد سفيراً ونائباً ووزيراً ورئيس وزارة ورئيس مجلس، وأنا الآن دون أي مورد خاص، وليست لي وظيفة أتقاضى راتباً عنها..

وأظن أن من حقي على بلادي أن تقدِّر وضعي، فتمد إليَّ يد العون في مرحلة الضيق..

وتوجه إليَّ:

والآن، أنت رئيس اللجنة الوزارية التي تقترح على رئيس الجمهورية أسماء الأشخاص الذين يستحقون أن تمنحهم الدولة معاش تقاعد استثنائي، وإني أطلب أن أمنح هذا التقاعد، لحاجتي القصوى إليه. وأشهد أنني ذهلت حين سمعت منه هذا الطلب.. فما كنت أعرف أنه في حالة ضيق كهذه..

وهو الذي تولى أرفع المناصب في الدولة، وكان على صلات واسعة في الداخل وفي الخارج..

ولكني أعرفه أيضاً، عف اليد، صادق المروءة، شديد الشعور بالكرامة.. ولم يكن أبداً موضع شبهة ذات يوم أبداً..

وتولتني حيرة شديدة، فيما أقول له.. خاصة وأنا أعرف أنه لا يرتاح إليَّ كثيراً..

ورأيت أن أكون معه صريحاً، حتى لا يعلل نفسه بأماني عذاب كاذبة..

فقلت له: يا أبا سعد، لن تظفر بشيء عن طريق لجنتنا، لأن بعض أعضائها يصابون بالتشنج.. من سماع أسماء بعض العائلات المعروفة..

وقد سبقت لي تجربة معهم، في موضوع تقاعد استثنائي لمجاهد كبير، ولم تكن مشجعة.. ونصحته أن يكتب مباشرة إلى الرئيس عبد الناصر، فأنا أعرف يقيناً أنه سيتفهم وضعه، وأن يرسل إليَّ نسخة من رسالته لأتحدث في موضوعها معه، حين أقابله على انفراد في القاهرة..

ولم تصلني هذه "النسخة" لأنه فضَّل ألا يكتب في حاجته إلى أحد..

وهذه تحية مني إليك، أيها السياسي النزيه المحترم..

ولو أنني كنت أكتب عن "النزيهين" لكنت ذكرت أسماء ساسة كبار، كانت أسماؤهم ملء السمع والبصر.. توفاهم الله، وهم يرزحون تحت أعباء الحاجة..

وأنا أعرفهم جيداً... رحمهم الله.. وساعد من بقي منهم على قيد الحياة يعانون أمراض الشيخوخة، ويستعينون عليها بعرق أولادهم من كان منهم له أولاد..

ولو أردت ذكر أسماء لذكرت بالخير نسيب البكري وأحمد قنبر ورشاد برمدا وعلي بوظو وعبد الصمد الفتيح وراتب الحسامي وعبد الحميد دويدري ورفيق بشور!. ونبيه العظمة وشقيقه عادل وهؤلاء غيض من فيض!..

ولم أضع بينهم اسم رشدي الكيخيا، الذي كان قمة في الوطنية والنزاهة، لأنه عاش أعزب، وكان يتمتع بثراء واسع، ورثه عن آبائه...

---

الحواشي:

[1] انظر ما كتبه عنه الدكتور عبد اللطيف اليونس، زميلنا في مجلس النواب قبل الوحدة، في مذكراته التي نشرها عام 1982، دار العلم ص 398.