عام 1961 - الجزء 8: إطلاق الصاروخ الإسرائيلي وتهديد قاسم بضم الكويت
الثلاثاء 27
عدت من القاهرة أول البارحة الأحد في 25.. وعرضت لي حاجة في بيروت، فتوجهت إليها..
وفيما كنت أتناول طعام الغذاء في مطعم مطارها، أخبرني الدكتور سامي الجندي، وهو عضو في مجلس الأمة، عن النشاط الموبوء الذي يقوم به ميشيل عفلق ضد الوحدة..
وعفلق مقيم في بيروت.. كلاجئ.
وأضاف الدكتور الجندي:
في جلسة "حزبية" كنا مع عفلق.. فوجهنا إلى عدم مقاطعة انتخابات الاتحاد القومي ومجابهة عبد الناصر.. وعلل هذا "التوجيه" بأن عبد الناصر بطل قومي، وأحد رجال التاريخ القومي..
ولا يجوز النظر إليه، كما كنا ننظر إلى أديب الشيشكلي أو حسني الزعيم.."
أما اليوم فقد تغير توجيهه وأصبح يدس على الوحدة دون رادع من ضمير.. وقد انشق عنهم فؤاد الركابي..
ويعتبر انشقاقه لطمة لبعث العراق..
وطلب إليَّ أن تعمل الحكومة شيئاً لوقف نشاط عفلق وإخوانه في لبنان.."
ويذكر الأستاذ عوني فرسخ أن ميشيل عفلق دعا إلى مؤتمر قومي في بيروت.
وقد عقد المؤتمر بالفعل يوم 27-8-1959 "وانقسم الحزب على نفسه في اليوم الخامس" وكان الانقسام بسبب الجمهورية العربية المتحدة. وقد انسحب 37 عضواً من أصل 90. وانتخب عفلق أميناً عاماً للقيادة القومية الجديدة، واستقر في بيروت ورفع شعار "تصحيح الأوضاع في الجمهورية"، وخاصة انعدام الديمقراطية وافتقارها إلى الحريات العامة وحرية الصحافة والتنظيم النقابي والحزبي.. وكذلك "انحراف الجمهورية عن خطها القومي".
السبت 1 تموز: قاسم العراق والكويت
أثار قاسم العراق" كما أصبح يعرف، أزمة في العالم العربي، بمطالبته بضم الكويت، باعتبارها جزأ من دولته العراقية..
وانتهزت بريطانيا الفرصة، فأعادت قواتها إلى الكويت.. من أجل حمايتها.. وإذا كان حقاً أن يسير العرب بطريق الوحدة، فإن تحقيقها حرباً وبالقوة، غير متيسر لهم، لأن المنطقة العربية تقع في مركز ثقل المصالح الأجنبية..
ومن أجل حماية البترول وحماية هذه المصالح أقيمت إسرائيل.. وأنشئت القواعد العسكرية في العراق والأردن والسعودية وغيرها.. وقد رد عليه عبد الناصر على الفور، بأنه يقبل منطق الوحدة العربية، شريطة أن تتم بالرضا وإرادة الشعب، ويرفض منطق الضم والاستيلاء..
وإذا نحن رجعنا إلى خطابات الرئيس عبد الناصر في موضوع الوحدة العربية نجد له موقفاً راسخاً، وغير قابل للمساومة: الوحدة العربية: نعم! الضم بالقوة: لا.
ففي خطاب ألقاه يوم 10 آذار 1957، قال:
"إني لا أفكر الآن في أي نوع من الاتحاد الفيدرالي أو التعاهدي أو غيرهما من أنواع الوحدة بين الدول العربية، ولكني أوجه عنايتي أولاً إلى اتحاد أفكارنا وإيماننا بالقومية العربية.
وقد أثبت التاريخ أن توحيد جبهة العرب، كان السبيل إلى نجاحهم في قهر العدوان والمحافظة على استقلالهم"..
وفي الأيام الأولى من قيام الوحدة السورية المصرية، ووقوف بعض الدول العربية المجاورة ضدها بكل ضراوة، قال في خطاب له ألقاه بتاريخ 1 آذار 1958:
"لا بد لنا أولاً من تصفية عملاء الاستعمار في الوطن العربي..
فالعراق والأردن تآمرا مع الاستعمار في ضياع فلسطين.."
وهو يقصد بالتحديد نوري السعيد في العراق، والملك حسين في الأردن، وأضاف اليهما المملكة العربية السعودية في خطاب ألقاه في 5 آذار نفسه، حين قال:
"والنظام السعودي تآمر لمنع الوحدة المصرية السورية".
وحين أطاح الجيش بالنظام الملكي العراقي، تابع حكم الزعيم عبد الكريم قاسم عداءه للجمهورية العربية المتحدة، وتحالف مع الشيوعيين العراقيين.
لذلك أضاف عبد الناصر الشيوعيين العرب إلى قائمة الأعداء..
ولكنه رفض استعمال القوة ضد العراق، حين ضربت طائرات قاسم، قرية سورية في آذار 1959، فقال في خطابه الذي ألقاه في 2/3/1959: "كنا نستطيع أن نرد الكيل كيلين، ونرد العدوان مرتين، ولكنا لم نفعل، لأننا لا نريد أن نقتل أرواحاً عربية في بلدة عراقية".
وقد ارتفع المد الثوري في الأقطار العربية، بقيام الوحدة السورية المصرية ووقوف عبد الناصر بقوة إلى جانب القضية الفلسطينية، وساند الثورة الجزائرية بكل امكانات الجمهورية، مادة ومعنى، فأراد الرئيس أن يحد من اندفاع الجماهير الوحدوية، حتى لا يطغى الانفعال على العقل والامكانات، فأعلن أنه يؤمن بتحقيق الوحدة العربية تدريجياً وليس بطريق العنف والقوة.
وفي بحران هذه الانفعالات المتنامية، ألقى خطاباً في 29 أيلول 1958 قال فيه:
"علينا أن نقيم سدوداً على أمانينا نفتح فيها عيوناً من الحكمة، كما نفعل في خزانات المياه التي نقيمها في وجه فيضانات الأنهار العاتية، لكي ينتظم جريان أمانينا، وإلا لو تركنا الأمر يجري كما يشاء، لاستحالت هذه الأماني طوفاناً يهدد كياننا..
وأضاف:
"إننا لا نسعى إطلاقاً إلى فرض أي شكل بذاته للوحدة، ليكون أساساً للتعاون العربي، لأننا نؤمن بأن التطور يجب أن يكون طبيعياً وعلى أساس من معتقدات الشعوب.
على أن الذي يهمنا قبل غيره هو التضامن".
وفي خطابه الذي ألقاه في 21 شباط 1959، بمناسبة الذكرى الأولى لقيام الوحدة، قال:
"الموضوع ليس موضوع وحدة أو اتحاد، إنما هو التضامن.
أما الوحدة في إيماني فسوف تجيء حتماً، إذا كانت إرادة الشعوب العربية تقررها، ستجيء بالتطور، بعد سنة إذا أراد الشعب العربي أن تأتي، أو بعد عشر سنوات، إذا أرادها الشعب أن تأتي بعد عشر سنوات..
إنها مرهونة بإرادة الشعوب العربية"..
بل إنه اشترط، لقيام الوحدات، أن تتم ليس فقط بإرادة الشعوب العربية، ولكن يجب أن تكون هذه الإرادة اجماعية..
وقد ألح على هذا الإجماع في خطابه الذي ألقاه في 28 كانون الثاني 1959، فقال:
"يجب لقيام أي وحدة بين بلدين أو أكثر أن تتم بموافقة وإرادة شعوبهم، موافقة وإرادة اجماعية، وليس موافقة وإرادة الأغلبية"..
وفي زحمة السير إلى تحقيق الوحدة العربية، فإنه يهتم كثيراً وقبل أي شيء آخر، بمسألة تحرير الأقطار العربية التي لا تزال ترزح تحت نير المستعمرين.
ففي خطابه الذي ألقاه في 31 كانون الثاني 1961، قال:
"هدفنا أن نحرر كل وطن عربي محتل وكل فرد عربي، سياسياً واجتماعياً..
أما الوسائل التي تمكننا من تحقيق هذا الهدف، فقد نختلف عليها، ولكن بشرط أن لا يكون هذا الاختلاف بأي حال من الأحوال دافعاً لنا لأن ننسى الهدف"..
ويظهر أن الأسلوب الذي اختاره عبد الناصر لحياته السياسية، وفي سعيه إلى تحقيق أهدافه، هو الأسلوب التدريجي المنطقي، المبرأ من النزق، والبعيد عن الارتجال والانفعال..
وقد استمد هذه القناعة، من قناعة أسمى في نفسه، هي العقيدة الإسلامية.
ففي خطابه الذي ألقاه في 9 تموز 1960، قال:
"الذين يقولون: ما هي النظرية، فإنهم يسعون إلى التعجيز.
وقد أعطانا الله سبحانه مثلاً في القرآن الكريم، لكي نطبقه في حياتنا.
فالله قادر على أن ينزل مع سيدنا جبريل كتاباً مطبوعاً ومجلداً، ويقول:
هذه هي النظرية (الإسلامية) المتكاملة.. هذا هو القرآن!..
غير أنه لم يفعل ذلك، وإنما سار بعباده مرحلة مرحلة..
ولم يتم تحريم الخمر - على سبيل المثال - إلا بعد 23 سنة من البعثة النبوية أي على مراحل"..
غير أنه لم يقبل المنهج التدريجي في موضوع التنمية، بسبب الفوارق الكبيرة بيننا وبين العالم المتقدم، فقد كان بوده أن يحرق المراحل ويحقق للبلاد مستوى لائقاً من العيش، يجد فيه الفقير حاجته، ليعيش كريماً ويربي أولاده تربية صالحة.
وفي خطابه ذاته، الذي ألقاه في 9 تموز 1960، قال:
"إن العالم يتقدم بخطى واسعة، والفوارق تتضاعف كل يوم، بل كل ساعة بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة..
وإن المواصلات وتقدمها الخيالي، وما يترتب على ذلك من الاتصال الفكري المباشر على النطاق العالمي، مضافاً إليه ضغط المبادئ المختلفة التي تساندها الدول الكبرى، جعل السرعة في العمل (في موضوع التنمية) أمراً لا يقل أهمية عن العمل نفسه".
الأربعاء 5 تموز: الصاروخ الإسرائيلي
أذاعت محطة الإذاعة الإسرائيلية نبأ مذهلاً، هز أعماق الضمائر العربية، وكان له وقع كبير في أوساط السياسة العالمية.
فقد أطلقت إسرائيل صاروخاً إلى الفضاء، وبدأ تحليقه حول الأرض على ارتفاع ثمانين كيلومتراً..
وقد حضر حفل الإطلاق، رئيس الوزراء بن غوريون في ملابس عسكرية، وقائد الجيش الجنرال تسفي تسور، وغولدا مائير، وزير خارجية العدو..
وهذا الصاروخ، طعنة قاتلة في قلوب العرب، وخطر ماحق يهددهم بكل شر..
وإنه يأتي بعد الإعلان عن المباشرة بإقامة "مفاعل ذري ثان"، لأغراض غير عسكرية..
وبعد رسالةٍ من الرئيس كيندي إلى ملوك العرب ورؤسائهم، يعرض فيها عودة عدد محدود من اللاجئين، في إطار صلح مع إسرائيل..
وقيل إن الرسالة مبطنة بتهديد للعرب، إذا لم يقبلوا العرض الأمريكي..
ونحن العرب، ماذا نفعل تجاه هذه الأخطار المميتة؟..
أقولها بكل صدق، نفعل الإشاعات، ونروج الأكاذيب، حباً بالكيد وشغفاً بالنكاية..
ولكنا عن الأخطار المحيطة بنا لاهون..
وأسوأ من كل سوء، عمل بعض الساسة المبعدين على تمزيق الوحدة، لمجرد أن حبهم للسلطة لم يرتو!..
خاصة ونحن نعرف أن إسرائيل تعمل على امتلاك القنابل النووية..
هذا إذا لم تكن قد امتلكتها فعلاً..
وكان رأي عبد الناصر معتدلاً في الخطاب الذي ألقاه في 16 نيسان 1960، فقد حاول فيه تخفيف وقع الأنباء التي تسربت عن النشاط النووي الإسرائيلي، ومما قاله:
"إذا خيرت بين أن تكون معي القنابل الذرية أو القوى المعنوية التي تمتلئ بالإيمان والتصميم، لاخترت القوى المعنوية التي تتمثل في إرادة الشعب العربي، وتتمثل أيضاً في إرادة الشعوب الصديقة، لأن الذي يملك القنابل الذرية لا يستطيع أن يحمي نفسه من الدمار، أما الذي يملك القوى المعنوية فإنه يستطيع أن يمثل ضمير العالم الحي".
غير أنه غيرَّ رأيه هذا في نهاية العام نفسه، ونظر إلى خطر السلاح النووي الإسرائيلي، نظرة المسئول المدرك، الذي تكونت في نفسه قناعة جديدة، بأهمية الخطر الصهيوني على الأمة العربية..
وأن إسرائيل لا تلهو ولا تلعب، ولكنها تسلح نفسها حتى أسنانها.
ففي خطابه الذي ألقاه في 23 كانون الأول 1960، قال:
"إذا توافرت معلومات بأن إسرائيل على وشك أن تمتلك القنبلة الذرية فإن من الضروري شن ضربة وقائية ضدها".
ولكنه، وهو العسكري الذي خاض غمار الحرب في ساحاتها، وليس على الورق أو في الصالونات المخملية، يعرف ما تعنيه الحرب..
وأول واجبات القائد هو أن يستعد لها.
ففي الخطاب الذي ألقاه في 22 حزيران 1961، وكان يرد به على أحمد عبد الكريم وأكرم الحوراني ورفقائهما الذين طالبوا ذات مرة بمنع تحويل نهر الأردن من قبل إسرائيل بالقوة المسلحة، قال:
"إذا قمنا بهذه العمليات، فكيف أضمن أن بن غوريون سيقوم بعمليات شبه عسكرية، ولا يقوم بعمليات عسكرية.
فعندما أتخذ قراراً يجب ألا أكون مقامراً بمصير بلدي وأدخل في نكبة تشبه نكبة عام 1948، وأرى أنهم وصلوا إلى دمشق..
وإن الذي يريد الحرب يجب أن يستعد لها، والذي يريد تحقيق هدفه، ينبغي عليه ألا يقامر بمصير بلده أو بمصائر الآخرين، ولا بد من الاستعداد لكي يحارب، والذي لا يستعد، يكون خائناً لوطنه ولشعبه".
والاستعداد يتطلب أن يكون البلد قادراً على شن الحرب والانتصار فيها بصورة مؤكدة، لذلك لا بد له من سلاح وعتاد في مستوى عدوه، وقدرة مالية قوية، لدعم المجهود الحربي، وتأييد كاسح من شرائح الشعب.. وربما بسبب عدم القدرة على هذا الاستعداد إلى درجته العالية، أعلن مراراً على الملأ، أنه ليس لديه خطة مباشرة لتحرير فلسطين، حتى لا يدخل في متاهة، لا يقدر عليها جيشه وبلده..
ومما قاله مرة، إن وحدة العرب هي الأمل في اجتثاث جذور الصهيونية وانتصارهم على الأسلحة الإسرائيلية المتطورة، التي تغترفها من مخازن السلاح الأمريكية والأوربية، كما تحب وترضى..
غير أنه أعلن على الدنيا أيضاً، أن لديه خطة جاهزة لمواجهة إسرائيل إذا هجمت على أي بلد عربي!..
وأتساءل: أفي مثل هذه الأجواء الخطرة التي نعيش فيها، يسعى البعثيون والشيوعيون والرأسماليون إلى تقويض الوحدة؟..
وعليَّ وعلى أعدائي يا رب!.. كما قال شمشون حين خرَّب الهيكل..