فصل خاص - الجزء 2: معركة حومد مع المحامين حول إصلاح الإجراءات القضائية

اقرأ بالإنكليزية

معركة مع المحامين

مهنة المحاماة، أو كما يسميها البعض "وظيفة المحامي" مهنة شريفة، لأنها وجدت لمساعدة صاحب الحق للوصول إلى حقه، بعرض حججه وأدلته أمام القاضي ليفاضل بينها وبين حجج وأدلة خصمه.. فهو لسان صاحب الحق المعتدى عليه وسيفه الذي يرفعه في وجه الظالم..

وهي مهنة قضائية قديمة:

"فمنذ أن تخلى الناس عن استعمال القوة للفصل في خلافاتهم، وُجِدَ المحامون، لأن القوانين، سواء أكانت طويلة أو قصيرة، غامضة دوماً وناقصة. ذلك أن من المستحيل حل أنماط لا تنتهي بين الناس، بوضع بعض الصيغ (تنظم في مواد محددة). وحيثما ينشب خلاف بين شخصين، فإنه لا بد لهما من قاض يفصل بينهما في هذا الخلاف، بتفسيره نصوص القانون. والأصل أنه حيثما يوجد قاض، فإنه يكون إلى جانبه محاميان اثنان.. ذلك أن كل طرف في الخصومة يخلط بين مصلحته وبين حقه، كما يخلط بين حقه والحق بمعناه العادل... وقد وجدت المجتمعات أن من المفيد والأحوط، إحاطة القضاء بكل احتياط يحول بينهم وبين الوقوع في الخطأ، ومن ذلك مساهمة الخصوم في بسط طلباتهم بوضوح أمامهم، لكي يتفهموها جيداً.. وليس أفضل من وجود محامين يقفون بين القاضي والخصوم، ليدافعوا عن حقوق موكليهم، كأصحاب مهنة، مراعين في عملهم قواعد الاستقامة والتهذيب[1]".

وهو ما قاله أفلاطون قديماً:

"كل علم لا يقوم على العدل والفضائل الأخرى ليس إلا مهزلة وليس فضيلة"..

وحين تحدث سقراط إلى "فيدر" قال له:

"يا رفيقي، إن فن الخطابة يشترط التزام الحقيقة، وليس إرضاء الناس لأنه عندئذ يكون فناً مضحكاً ولا خير فيه"..

وقد حرص قانون المحاماة الراهن (القانون رقم 39 لعام 1981) على السير على هذا الطريق، فعرَّف المحاماة في مادته الأولى بأنها:

"مهنة علمية فكرية حرة، مهمتها التعاون مع القضاء على تحقيق العدالة والدفاع عن حقوق الموكلين وفق أحكام هذا القانون"..

وأوجبت على كل مجاز في الحقوق، يريد أن ينتسب إلى هذه المهنة أن يقسم أمام محكمة الاستئناف بحضور نقيب المحامين (رئيس فرع نقابة المحامين) اليمين التالية:

"أقسم بالله العظيم أن أمارس مهنتي بأمانة وشرف وأن أحافظ على سر المحاماة وأحترم القوانين"..

وأرجو أن ألح على نقطتين:

الأولى: أن مهنة المحاماة ذات مهمة محدودة، هي التعاون مع القضاء على تحقيق العدالة (أولاً) والدفاع عن حقوق الخصوم (ثانياً)، ليس بكل وسيلة يتوسل بها المحامي، وإنما "وفق أحكام هذا القانون"..

ومن أجل تحقيق "مهمة المحاماة"، وهي بالقطع مهمة سامية، ترك الحق للمحامي بقبول التوكيل عن الخصم، أو رفضه (إلا في حالات محددة نص عليها القانون (في المادة 56).. وألزمه بالاتفاق خطياً مع موكله على الأتعاب، حتى لا يقع بينهما خلاف، فيما بعد، فيعمد إلى الانتصاب خصماً لشخص كان بالأمس المدافع عنه، والملتزم بقضيته..

والقاعدة التي أصبحت راسخة في أصول المهنة، هي أنه لا يحق للمحامي أن يقبل الوكالة عن أحد، أمام القضاء، إلا إذا كانت "قضية عادلة"، كما يشعر بها في أعماق ضميره، وترتاح إليها قناعته المسلكية.

وهذه القضية "العادلة" لا تتضح للقارئ إلا بالرجوع إلى الشروح القانونية، التي لا تتوقف، ما دام في الناس ظالم ومظلوم..

وأنا مارست المحاماة منذ عام 1945، وبقيت مسجلاً في سجل النقابة نحواً من ثلاثة وعشرين عاماً، أعترف أن أكثرها تسجيل شكلي، بسبب انشغالي بالأعمال السياسية، ولذلك لم أطالبها بأي حق من الحقوق التي تمنحها قوانين المهنة، للمحامين الممارسين..

غير أني عرفت الكثير عن محاسن هذه المهنة، وأكثر عن مثالب بعض المحترفين وليس هنا موضع تقييمها، ولكن كثيرين من أخيار المحامين أخذوا يجأرون بالشكوى من تصرفات بعض زملائهم، التي لا ترتفع عن مستوى الشبهات، فأساءوا إلى أنفسهم وإلى مهنتهم.

وخلال الفترة التي توليت فيها وزارة العدل، شكا إليَّ كثير من المواطنين بأن قضاياهم تظل سنين طويلة أمام القضاء لا يفصل فيها، وأن كثيراً منهم، يفضلون التخلي عن حقوقهم، على المغامرة في الذهاب إلى المحاكم..

وسألت القضاء عن سبب هذا البطء، فقالوا إنهم يعانون من إلحاح المحامين في طلبات التأجيل، لسبب يقدمونه، أو لغير سبب!.. كما أنهم يشكون من الإرهاق الناجم عن كثرة القضايا التي تدفع إليهم كل صباح.. ومنها المحقة، وأكثرها لا تستند إلى حق.. ولسان حالهم يقول"

لو أنصف الناس استراح القاضي

ورجع الناس إلى التراضي

وقد سألت محامياً من طلابي الأقدمين عن "أطول قضية في تاريخه"، فقال إنه وكل عن طفل ولد بعد وفاة أبيه، ليخرج له مستأجراً من بيت آل إليه بطريق الإرث، وربح الدعوى، ولكن لم يدخل الموكل البيت، إلا وعروسه تسير إلى جانبه..

وأنا في بيتي، عانيت هذه المشكلة.. فقد اشتريت شقة على الهيكل، وأقر خمسة من البائعين الشركاء بالبيع، وأنكر السادس إمضاءه.. وعلى الرغم من شهادة الخمسة على شريكهم في المحكمة، بأنه باع معهم وقبض حصته من الثمن، وأن هذا التوقيع هو توقيعه.. فإن دعوانا عليه لم تبلغ نهايتها "السعيدة" إلا بعد أربعة عشر عاماً.. ولا تزال أمامنا مرحلة إجراءات طويلة، لنصل إلى تسجيل الشقة في السجل العقاري الموقت..

وإذا كان المثل: "اقرأ تفرح جرب تحزن" يصلح للاستشهاد به، فإنما يكون خير موضع لذلك، هو المادة 144 من قانون أصول المحاكمات، التي تقول في فقرتها الأولى:

"يجب على الخصوم أن يبينوا جميع طلباتهم ودفوعهم دفعة واحدة". ويجب أن يفهم هذا النص بأن المدَّعي يقدم استدعاء دعواه مرفقاً بكل طلباته وأدلته، ويتبلغها الخصم المدعى عليه، فيستمهل للرد عليها، فتمهله المحكمة مدة مناسبة، وفي نهايتها عليه أن يأتي بردوده كاملة، فيرفع القاضي القضية للتدقيق مدة معقولة، ثم يصدر حكمه فيها..

ومن الجائز أن يحتاج الموضوع إلى شهود أو خبرة... عندها يجب أن تجري هذه الإجراءات بالسرعة الضرورية لا أكثر..

أما أن تظل القضية معلقة سنين أمام المحاكم فإن هذا وضع يخالف مبدأ العدالة ويرهق المتقاضين.. ويهزأ بالنص القانوني المذكور، وبواضعه أيضاً..

وكان مجلس القضاء الأعلى في أيامنا الفارطة، يعاقب القاضي الذي يؤجل القضايا لأسباب غير مبررة.. وكان المفتشون يقومون بالتفتيش على القضاة المهملين.. أو المجاملين.. فيسألون و"يلفت نظرهم" خطياً..

وقد بدا لي أن أدخل بعض التعديلات على نصوص القوانين، التي ثبت بحكم التجربة أنها في حاجة إلى تعديل، رعاية لحقوق العدل، ومصالح المتقاضين..

فشكلت لجنة من القضاة، ناقشنا فيها هذه النواقص، وانتهينا إلى وضع مشاريع قوانين بها، ورفعتها إلى رئيس الجمهورية فوقع عليها وأصبحت قوانين واجبة النفاذ. وتشمل هذه الإصلاحات نواقص في قانون السلطة القضائية وقانون أصول المحاكمات الجزائية الصادر بالمرسوم التشريعي 112 لعام 1950، وقانون أصول المحاكمات رقم 84 لعام 1953

وما كاد نبأ إقرار هذه القوانين يصل إلى أسماع المحامين، حتى جمعوا جمعهم وراحوا يشنون حملة واسعة عليَّ، لأنني لم أستشرهم"..

بل إنهم وجهوا برقية لرئيس الجمهورية، عن طريق الأستاذ محمود رياض، الذي كان سفيراً لمصر في سورية، ثم بقي فيها - كمستشار محلي للرئيس - ولم يأخذ الرئيس بحججهم، لأنها، في جوهرها، ترمي إلى إعادة إطالة بقاء الدعوى تحت "عناية" القضاء، تتقاذفها الأيدي دون سبب، أو تنام على أرفف الديوان، حتى يأتي "القادر" على تحريكها..

وبقيت هذه الإصلاحات ما بقيت الوحدة..

فلما وقع الانفصال المشئوم، كان أول هموم وزير العدل (وكان محامياً) ورئيس مجلس الوزراء (وكان محامياً أيضاً) نسف هذه التعديلات، فأصدروا مرسوماً تشريعياً قضى بإلغائها..

فما تم تعديله، مثلاً، في قانون أصول المحاكمات المادة 221 حيث جعلنا النص كما يلي:

"تبدأ مواعيد الطعن في الأحكام الصلحية والبدائية والاستئنافية منذ اليوم الذي يلي تفهيم الحكم إذا كان وجاهياً، ومن اليوم الذي يلي تبليغه إذا كان بمثابة الوجاهي"، وأعيد النص القديم الذي يجعل مواعيد الطعن في الأحكام البدائية والاستئنافية "في اليوم الذي يلي تبليغها"..

وجعلنا ميعاد الطعن بالنقض خمسة عشر يوماً (المادة 252)، فأعيدت إلى ثلاثين يوماً..

والغاية، ليس تمكين المحامي من إعداد دفاعه، لأن المفروض فيه أنه يعرف الملف جيداً، ولكن لغايات أخرى منها الرغبة في إبقاء القضية معلقة بين يديه أطول مدة ممكنة..

ومن حق الأخيار من المحامين، وهم والحمد لله كثيرون، أن أخرجهم من هذا التعميم بل ومن حقهم أن أندد بسلوك من لا يحترم المهنة وقواعدها الشريفة، وهي مساعدة صاحب الحق المعتدى عليه، على عرضه على القاضي بلغة قانونية يحترمها القاضي، والرد القانوني المقنع على مزاعم الخصوم.. حتى تظل كرامة المهنة فوق الشبهات..

ولنتذكر أن القاضي، يظل من البشر.. وقد يتأثر بما يتأثرون به. وينسب إلى الرسول عليه السلام قوله، برواية الإمام أحمد في سنده عن أم سلمة هند زوج النبي(ص):

"إنكم تختصمون إليَّ، وإنما أنا بشر، ولعّل بعضكم ألحن - أي أفطن وأقدر على البيان- بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار[2]"..

ولكن كثيراً من الناس تغيروا عن هذا النصح الكريم وقست قلوبهم، فأكلوا المال السحت، وتنكبوا عن جادة الله!...

---

الحواشي:

[1] من كتاب نقيب المحامين الباريسي الأستاذ بايان، وعنوانه: Les règles de la profession d'Avocat, Paris 1936, P 6.

[2] نقلاً عن الدكتور عطية مشرفة، القضاء في الإسلام ص 79.