فصل خاص - الجزء 7: خلاف هلال رمضان والقاضي الفاسد في قضية مستنقع المهاردة

اقرأ بالإنكليزية

القاضي الشرعي والبيرة

في بداية الوحدة لم يكن في سورية وزارة للأوقاف. وقد أنشئت في نهاياتها، واستلمها تلميذ لي وصديق، هو يوسف مزاحم. وكان مهذباً في طلب مخصصات لوزارته، وترك "لمروءتي وتقديري" تحديد المبلغ الذي تبدأ به ولادة الوزارة التي لا لزوم لها..

وأُخْبِرتُ بأن التقليد يقضي بأن يجلس وزير العدل في مكتبه مساء التاسع والعشرين من رمضان، ومعه قاضي الشرع الأول والمفتي العام، ترقباً لاتصالات هاتفية من قضاة الشرع في المحافظات بثبوت رؤية هلال شوال، الذي يجب أن تراه عين مجردة، إذ لا يصح الاعتداد بثبوته بالحسابات الفلكية.. التي لا يمكن أن تخطئ أبداً...

ويروى أن أعور جاء يقسم بين يدي قاضي الشرع في حماة بأنه رأى الهلال الوليد، وفيما كان يتقدم في المجلس نزلت رجله في كانون النار الذي كان ينشر الدفء على الجالسين، وانفجر الجالسون ضحكاً منه ومن حدة نظره.. وسأله القاضي، كيف رأيت الهلال، فقال من هنا، وأشار بيده إلى الأفق الشرقي، فأنبه القاضي وزجره على رعونته.. وقال له: شاهد لا يستطيع أن يرى النار تحت رجليه، وبرغم عوره، يشاهد الهلال على الأفق الشرقي!..

ومن أسف أننا لا زلنا نعيش هذه المشكلة في كل رمضان حتى الآن!..

وحدث في صغري، أن أتممنا صيام عدة رمضان ثلاثين يوماً، لأن ولادة هلال شوال لم تثبت.. وبعد الظهر من ذلك اليوم، بدأ إطلاق المدافع مؤذناً بثبوت "العيد"... فقد ثبت لدى أحد القضاة بدء عيد الفطر، ولم يكن لديه هاتف يخبر به قاضي حلب، فأرسل رسولاً على دابة، ووصل إلى مجلس القضاء ظهراً، فأعلن القاضي دخول العيد وأفطرنا قبيل صلاة العصر..

وذهبت إلى مكتبي، كما تقضي به التقاليد، وحضر قاضي الشرع الأول، ولم يحضر شقيقه الأكبر، المفتي العام..

وكان المفتي العام أستاذاً لي يوم انتسبت إلى كلية الحقوق بدمشق.. ثم سافرت إلى الدراسة في السوربون، وعدت بعد ثماني سنوات أستاذاً في تلك الكلية، وكان أستاذنا، لا يزال يدرِّس فيها.. فأصبحت زميلاً له،.

وحين كنا طلابه، كنا نكره مادته، وهذا التعبير هو الذي يجب أن يستعمل. فقد عَقَّد الشريعة، وجعلها عبئاً ثقيلاً على النفوس، ولم نكن نفهمها تماماً، لا من شرحه ولا من كتابه.. وكان يتمسك بحرفية ما في الكتاب، لذلك كنا نخاف أن نقرأ له كتاباً لغيره..

ويروي تلاميذه أن طالباً مسيحياً أدى الفحص الشفهي أمامه، وكان حفظ الكتاب "بصماً" - كما كنا نقول -، وراح يسرد الإجابة بإتقان زائد، وأنهى "التسميع" بجملة يضعها الأستاذ في نهاية استشهاده بأحد المراجع، وهي (آه محشي) أي انتهى كلام المُحَشِّي، وهو صاحب الحاشية.. فقال الطالب: آهْ مُحْشِي..

وظن الأستاذ أنه يسخر منه، فنال العلامة التي اشتهر بها الأستاذ وهي الصفر وإعادة السنة..

وللذكرى، أذكر أن عميد الكلية كلفني بأن أتمم نصاب لجنة الفحص في الشريعة مع أستاذنا الجليل، فاعتذرت بأنني غير مؤهل لفحص مادة، أنا غير مختص بها، فقال: إنها مسألة شكلية، حتى لا يتعطل سير الامتحان. اجلس واسمع.. وهكذا جلسنا نحن الاثنين.. واستدعى أول طالب، ومد يده إلى كيس، وأخرج منه قطعة نحاسية عليها رقم من الأرقام الأربعين، وهي عدد الأسئلة المسجلة على ورقتين، ورقة أمام الطالب وورقة أمام اللجنة الفاحصة.. وكان الرقم يشير إلى الزواج..

وراح الطالب يتكلم كلاماً منطقياً ومتسلسلاً، وكان الأستاذ الشيخ يبتسم له ويشجعه بهز رأسه.. ولما انتهى الطالب، سألني الأستاذ إن كان لدي سؤال أطرحه عليه، فقلت له: كلا.. لأنني أدركت أن الطالب جيد تماماً..

فصرفه بإشارة من يده، وأخذ الورقة التي عليها الأسماء، ووضع بجانب اسمه صفراً.. من عشرين.. وأصابتني الدهشة، فقلت له، لماذا صفر يا أستاذ؟ إنه كان يجيب جيداً، وأنت تبتسم له وتشجعه.. فبماذا أخطأ؟.. ولم يبين لي وجه الخطأ، وقال: إنه يأتي بأشياء من عنده، ويقول نكاح بدل زواج.. وعبثاً حاولت إقناعه، بأن زمان الحفظ قد انتهى، وأن المعوَّل عليه في الجامعات هو الفهم..

ووجدت أن نستدعي العميد فجاء وعرضت عليه الأمر فقال: العلامة تؤخذ من متوسط علامتي الأستاذين الفاحصين فكم تقدر له؟ قلت عشرين من عشرين.. قال" إذاً تضعان له عشراً من عشرين. وهكذا أنقذ الطالب.. وفحصنا عدة طلاب، تم إنقاذهم من جراء إصراري، على العشرين.. ولكن الأستاذ ضاق ذرعاً وأوقف الامتحان حتى يأتي غيري من "أصحاب الاختصاص"..

ويشاء سوء حظي، أن يحمل مرسوم تسريحه من الجامعة توقيعي، حين شاركت في الحكم.. وجاءني يعاتبني قائلاً: أتسرحونني حينما استويت (أي نضجت) فأجبته ملاطفاً، بلى، لأنك "استويت".. أي فقدت القدرة على العمل، وأنهكت..

وحين وقع الانفصال، استلم مذياع الإذاعة وراح يشتم عبد الناصر وعهد الوحدة، ببذاءة لا تليق بكرامة من في سنه، ووضعه الديني!..

وأعيد إلى منصب الإفتاء العام "تكريماً لجهاده هذا"..

وأشهد أن أخاه، قاضي الشرع الأول بدمشق، كان على جانب كبير من العلم ومن الرزانة ومرونة التفكير..

وقد جاءه من يخبره بأن أحد قضاة المحافظات اتصل به ليخبره بأن لديه من شهد برؤية الهلال، فقلتُ له: هل نتصل بالقاهرة لنسألها ماذا لديها، قبل إعلان نهاية رمضان، فوافق.. وكانت وجهة نظري أننا في دولة واحدة، ومن الخير عدم التسبب في وقوع بلبلة بين الإقليمين..

وجاء الجواب، بأن أحداً في مصر، لم يشهد برؤية الهلال، وأن الحسابات الفلكية تؤيد عدم ظهوره.. وأتممنا العدة.. وعَيَّدَت الجمهورية عيداً واحداً بقطريها..

وثبت أن إتمام العدة، كان هو الصحيح شرعاً...

وجرى بيني وبين القاضي اللطيف مساجلة، موضوعها ما أفتى به جده المجتهد الأكبر ابن عابدين في حاشيته، سيراً على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، حول حِلَّ البيرة وما كان في حكمها.. فقال أنا مع جدي ومع أبي حنيفة! ولا أزيد..

وليس المهم أن يقول ما يشجع على تناول الجعة (البيرة)، وإنما المهم: الحلال بينِّ والحرام بينِّ.. ولا يصح أن يحرِّم شيء إذا لم يحرمه صاحب الشريعة.. وبتفصيل أحواله.. والله يقول "وقد فصَّل لكم (ربكم) ما حرم عليكم"...

تكليف محرج

كان واضحاً لنا جميعاً أن الود يكاد يكون مفقوداً بين نائبي رئيس الجمهورية، أكرم الحوراني وصبري العسلي..

وحين يعقد مجلس الوزراء، كان النائبان المذكوران يجلسان على رأس الطاولة، الحوراني على اليمين وإلى يساره العسلي..

وكان الحوراني هو الذي يدير الجلسات.. في حين أن العسلي كان نادراً ما يتدخل في المناقشات.. وكنت أشعر أنه لم يكن مرتاحاً في موقعه هذا، وإنما كان يتحمله بجَلَدٍ لا أعرف له سبباً واضحاً..

ومن طبيعة الأستاذ أكرم حبه للسيطرة وفرض الرأي..

ومن الجائز أن يقال فيه، إنه متعصب لرأيه، متشبث بمواقفه، شارك في كل الانقلابات، وتزعَّم - ولو ظاهرياً - مسيرة الوحدة، ثم انقلب عليها، لأنه فقد القدرة على الهيمنة.

بل قيل فيه إنه "دموي المزاج".. وأنه خرب البلاد بتطرفه الزائد!.. وأعداؤه كثيرون يكيد لهم ويكيدون له..

نعم! لقد قيل فيه ذلك كله..

ولكنه لم يعر اهتماماً لكل ما يقال فيه، وكان يعرفه جيداً.. وأذكر أنه حدثني مرة، أن حملة صحفية سفيهة تناولته بما فيه وبما ليس فيه، فأخرجته عن طوره، وحمله الغضب إلى قميصه، فمزقه..

وبرغم كل ما قيل فيه، فإن رأيي فيه، أنه زعيم اشتراكي مخلص لمبدئه الاشتراكي وقناعاته السياسية.. وأن شبهة جدية ما، لم تتناوله أبداً في ذمته، أو نظافة يده..

وزرته في بيته مراراً قبل أن يتزوج وبعد أن أصبح له زوجة وأولاد.. فكان فرش بيته، فرشاً متواضعاً يشهد له بترفعه عن الانغماس في الحصول عن متاع الدنيا بطريقة غير كريمة ولا لائقة..

وقبل سنوات من قيام الوحدة عرض عليَّ أن أقود حزبه في منطقة حلب.. ولكني لم أقبل، لأنني - بطبعي - معتدل القناعات ومن أنصار التطور في الاشتراكية.. ودعاة الإصلاح المرحلي، ولست ثورياً!... وقد عرف عني هذا الاعتدال في كل أعمالي السياسية، وخاصة منذ أن ألقيت محاضرة عامة في حلب عام 1955 موضوعها "الاشتراكية الدستورية" أي، إصلاح الوضع الاقتصادي، بسن التشريعات الملائمة، وليس باللجوء إلى الثورة وكفاح الطبقات.. وهذه المحاضرة منشورة ووزعت في الناس..

وقد يكون لوضعه كزعيم اشتراكي ثائر، ما يبرره محلياً..

فقد كانت حماة أكبر معتقل للإقطاعية الزراعية..

وكانت هذه الإقطاعية تناصبه عداء لا هوادة فيه، وكان يبادلها كرهاً بكره.. وقد تصدَّر، هو وأصحابه الاشتراكيون، ومن شايعهم في تركيبة "الاتحاد القومي"، موكب المسيرة التي حققت الوحدة بين القطرين، وكان يقف خلفهم الضباط المسيسون المتناحرون فيما بينهم، لعله يجد في الوحدة ما يحقق له طموحاته الاشتراكية، ويضعه على رأس الموجة الوحدوية، استناداً إلى ماله من دالة عند الرئيس جمال..

وحين تحققت الوحدة، وراح المدُّ الاشتراكي يجتاح تشريعات الإقليم، كان للبعثيين شأن الصدارة في الدولة ولأكرم الحوراني خاصة.. ولكن خلافهم مع عبد الناصر على أسلوب الحكم، وموقعهم معه، انتهى بخروجهم منه!..

وذات يوم طلب إليَّ سكرتيره أن أحضر إلى مكتبه، وأنه في انتظاري الآن.. فاعتذرت من أصحاب المصالح، وذهبت إلى قصر المهاجرين حيث يوجد مكتبا نائبي الرئيس..

واستقبلني بحرارته المعهودة، فقد كنا صديقين قديمين، وكانت لنا جولات مشتركة في مجلس النواب، خاصة منذ تلك الجلسة الكريهة عام 1947، التي تم فيها التصويت على تعديل الدستور، لإعادة انتخاب الرئيس شكري القوتلي مرة أخرى.

وتم انتخابه، وانتخبناه لاعتبارات سياسية، ولكن حسني الزعيم أطاح به واعتقله، واستولى على السلطة..

ولم يمضغ كلماته.. ودخل رأساً إلى الموضوع، فسألني: هل عندك معلومات عن سيح محردة؟..

وسيح محردة، هو مستنقع في قرية محردة، جففته الدولة بأموالها وأصبحت الأراضي المجففة في منتهى الخصوبة، وكان مقدراً أن تبيع الدولة هذه الأراضي للفلاحين، أو تؤجرها لهم، لتستعيد ما أنفقته من مبالغ طائلة.. غير أن الذي حدث، هو أن بعض أصحاب النفوذ استولوا عليها، وراحوا يستغلونها، دون أي التزام قِبَلَ الخزينة العامة.. وتنبهت الدوائر المختصة إلى هذا الوضع الشاذ، فوجهت إلى "المحتلين" إنذارات بالكف عن التمادي في العدوان على مال الدولة، وضرورة تكييف أوضاعهم مع التشريع النافذ.. فلم يعجبهم ذلك، واتجهوا إلى القضاء..

وجاءتني المعلومات السرية، بأن هؤلاء المتنفذين جمعوا ثلاثمئة وعشرين ألف ليرة، وكان مبلغاً ضخماً في تلك الأيام، واختاروا لهم محامياً صغيراً من حماة، وضعوه واجهة لهم، ووكلوه بإقامة دعاوي على الدولة، وحددوا له أجرة مبدئية قدرها خمسة آلاف ليرة.. واتفقوا - كما جاء في المعلومات السرية - مع رئيس إحدى غرف الاستئناف بدمشق (التي كانت تنظر في الدعوى) على مبلغ ثمانين ألف ليرة، تدفع له مقابل الحكم لصالحهم..

وكانت الأحكام في موضوع إشغال الأرض غير تابعة للطعن تمييزاً (أي بطريق النقض).. أما المحامي الكبير، الذي كان نقيباً لمحامي دمشق (كان في كل محافظة نقابة) فقد وُعِد بثمانين ألف ليرة أيضاً، مقابل سعيه في استصدار الحكم..

ومهنة المحاماة توجب على المحامي ألا يتوكل في قضية إلا إذا وجدها في هدوء ضميره "دعوى عادلة"..

ووجه المشكلة في هذه الوكالة، أن نائب رئيس الجمهورية الثاني، صبري العسلي كان شريكاً في مكتب هذا المحامي، حينما كان يعمل في المحاماة..

وممارسة مهنة المحاماة ممنوعة بالقانون على الوزراء، وسائر الموظفين، ما عدا أساتذة كلية الحقوق الذين يدَّرسون المواد القانونية، وذلك بنص صريح في القانون (المادة 11 من قانون تنظيم المحاماة رقم 39 لعام 1981 والقانون السابق).

ومن هذا الوضع تناولته الألسن بالنقد، بسبب دخول شريكه في قضية ملوثة مشبوهة..

وأجبت نائب الرئيس على سؤاله: أن نعم، لديَّ معلومات عن موضوع السيح تتفق ومعلوماته هو. فقال: وماذا يمكن أن نعمل، لإنقاذ حق الدولة، قبل فوات الأوان بصدور حكم مبرم؟ قلت له: أنت تعلم أن القضاء مستقل، وأنا لا سلطة لي على قضاة الحكم، ولكني سأدفع النائب العام - الذي هو تحت سلطتي - للتدخل.. غير أن النائب العام، يطلب وقد لا تجيبه محكمة الموضوع إلى طلبه.. وبعد تقليب الرأي، اتفقنا على العمل بسرعة.. فأتقدم إليه شخصياً بمشروع قانون معلل، يرسله إلى رئيس الجمهورية، دون أن يعرض على مجلس الوزراء، حتى لا يتسرب خبره.. وأعرقل أنا سير الدعوى أمام المحكمة، حتى يقرر الرئيس عبد الناصر ما يراه في صالح العدل..

وطلب إليَّ أن أزور الأستاذ العسلي، وأفاتحه في موضوع الإشاعات التي تتناوله، دون أن أشير إلى مشروع القانون..

وكان الأستاذ العسلي، هو "مرجعي".. فلم يكن شيئاً إداً أن أطلعه على أمور قضائية.. وطرقت باب مكتبه فأذن لي بالدخول، ورَّحب بي، وجلسنا نشرب القهوة التي أمر بإحضارها.

كان في غاية الهدوء، يجلس وحيداً ولم ألحظ على مكتبه أي ورقة أو قلم..

وبدأت في الحديث عن سيح محردة، وبدأ لونه يتبدل إلى الأحمر.. وحين لفظت اسم شريكه في مكتب المحاماة، والمبلغ الذي يشاع بأنه قبضه أو وُعِدَ به، أصبح لونه أرجوانياً وانتفخت أوداجه، وانتصب واقفاً، وقال لي: "هل تظن يا بيك، أن الراتب الذي تعطيني إياه (وهو في حدود ألفي ليرة شهرياً) يكفي ثمناً للتبغ الذي أحرقه؟ وتابع، وهو في غاية الانفعال: لقد دفع إليَّ شريكي في الشهر الماضي مبلغ ستة عشر ألف ليرة.. فماذا يستطيع "راتبك" الذي تدفعه إليَّ، أن يفعل معي؟..

وأنا لا أدفع له، لا راتباً ولا تعويضاً.. ولكنه في ذروة انفعاله تكلم بما تحرك في لا شعوره، وحسب أنه يتحدث مع "وزير ماليته" السابق، حين كان هو رئيساً للوزارة عام 1956!..

ورحت أجامله، حتى سكن.. ثم ودعته إلى عمل في الموضوع الخطير، يكون أكثر جدوى للدولة..

وطلبت من النائب العام أن يحضر بنفسه جلسات محاكمة هذه القضية.. ورجوته أن يماطل فيها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، تارة لكي يدرس طلبات الخصوم، وتارة لكي يرد عليها..

وهذا ما كان يفعله القضاء دون حاجة إلى طلبات..

فالدعاوي التي يرفعها "للتدقيق" - وهي أكثر من الهم على القلب- تنام في الأدراج نومة أهل الكهف.. حتى يقيض الله لها من يوقظها من سباتها..

وكنت أستعمل في إدخال النيابة في الدعوى المدنية حقاً قانونياً منحتنا إياه المادة 123 من قانون أصول المحاكمات المدنية..

وتحدثت مع رئيس مجلس القضاء الأعلى في الموضوع، واستكتمه بأمره، وطلبت منه أن يدفع بالقاضي المذكور إلى أن يتنحى من تلقاء نفسه عن نظره، من أجل الحفاظ على سمعته وسمعة القضاء، غير أنه أبى واستكبر وأصر على رؤية الدعوى والفصل فيها..

ولم يعد أمامي إلا أحد طريقين:

إما أن أعمل على رفع الحصانة عن القضاء كله، وألقي به إلى بيته..

وإما أن أعمل، بدعم من الأستاذ الحوراني، على الإسراع في إصدار مشروع القانون الذي أرسل إلى رئيس الجمهورية، ليفتح باب النقض أمام هذا النوع من القضايا الكبيرة!..

واستجاب الرئيس إلى رغبتنا، فوقع على مشروع القانون ونشر في اليوم ذاته في الجريدة الرسمية.. وحينئذ حمدنا الله وتنفسنا الصعداء..

وهذا هو نص المادة الوحيدة من القانون رقم 7 تاريخ 9 حزيران 1958:

"تخضع للتمييز قرارات إعادة المحاكمة في الدعاوي العقارية التي تكون الدولة طرفاً فيها"..

وحين رفع خلفي في وزارة العدل الحصانة عن القضاء، سرح هذا القاضي الفاسد المفسد، مع خمسة عشر قاضياً أقلهم من طينته، وغالبيتهم من الضعفاء في علم القانون، أو الذين تحوم حولهم شبهات قوية..