عام 1960 - الجزء 4: تأسيس جامعة حلب
الاثنين 7: هذه ليلة جامعة حلب
بالنسبة لي، كحلبي وكأستاذ جامعي، تعتبر هذه الليلة تاريخية.. فقد تحقق فيها حلم قديم كان يراود مخيلة كل أبناء حلب، وأهل الشمال أيضاً. وكان يقاومه بشراسة غير مفهومة ولا مبررة، جماعات الضغط في دمشق..
وقد أثار النواب الحلبيون مراراً موضوع "جامعتهم"، ولكنهم كانوا يقابلون بالمجاملات الفارغة، والرجاء بانتظار الأيام المناسبة..
وفي هذه الجلسة، التي امتدت إلى الثانية صباحاً، حانت المناسبة الحاسمة..
وكنت أعرف أن الرئيس عبد الناصر سيفجر الموضوع، وأنه موافق عليها، ووعد بذلك منذ حديثي معه في بيته في منشية البكري..
وبدأت الجلسة بالحديث عن نقص الأطباء في الإقليم.. فقال وزير الصحة الدكتور شوكت القنواتي، إنه سوف يحضر مفتاح وزارته إلى الرئيس، ما لم تدعم بعدد واف من الأطباء المصريين.. وسأله الرئيس: إذاً، طالما أن كلية طب دمشق لا تخرج عدداً كافياً من الأطباء فإن الحاجة والمنطق يلحان علينا أن ننشئ كلية طب في حلب لسد حاجة الإقليم من الأطباء..
وانفجرت القنبلة على غير انتظار!..
وأخذ الكلام الدكتور أمجد الطرابلسي، وراح يقيم العراقيل والمصاعب وعدم الإمكانية في وجه جامعة ثانية في حلب "نحن عاجزون في الوقت الحاضر عن القيام بمتطلباتها".. و"نرجو أن نوفق إلى تحقيق هذه الأمنية ذات يوم، حين نصبح قادرين على أن تولد جامعة ذات مستوى رفيع!.."
وقبل أن يقفل الحديث عن جامعة حلب، تحرك نور الدين كحالة ووجيه السمان، وطالبا بإنشاء كلية للهندسة في دمشق "على غرار كلية الهندسة بحلب"..
وطلبت الكلام، فأعطانيه الرئيس وهو يبتسم..
وتكلمت عن حاجة الشمال والوطن كله إلى جامعة تقام في الحال في حلب، وبدون تسويف أو مماطلة.. وذكرت بكل وضوح، ما كنت قلته للرئيس في بيته من حجج.. ومما قلته إن أبناء حلب والشمال يذهبون زرافات ووحداناً إلى تركيا والدول الشرقية الشيوعية للدراسة في جامعاتها الرخيصة، وهناك يتزوجون من فتيات تركيات أو بلغاريات أو روسيات، ويعودون بهن وبأولادهن، أو لا يعودون بالمرة.. وهذا وضع يجب أن نأخذه في اعتبارنا حين نتحدث عن مستقبل البلاد والناشئة..
كذلك فإن من واجبنا أن نتذكر أن ضعف العملة في تلك البلاد، وفارق كلفة الدراسة فيها، بالنسبة إلى أسعار المعيشة في دمشق، تعتبر مصيدة مثالية لاقتناص الشبيبة السورية..
ووجهت الكلام إلى الرئيس قائلاً: أود أن أذكِّر بأن قوانين الميزانية تتضمن، منذ عام 1946 وبصورة دورية، نصوصاً بضرورة إنشاء كليتين في حلب، إحداهما للتجارة والأخرى للزراعة.. وتمر السنة تلو السنة، ولا يباشر أحد إنشاء الكليتين، وينقضي العام تلو العام، فينطفئ المبلغ المرصود وتبدأ المساعي من جديد، لإعادة كتابته في الميزانية..
وهذا وضع لم يعد من الجائز أن يتكرر..
لذلك لا مناص لعهد الوحدة، والآن إذا أمكن، من تقرير إنشاء الجامعة الحلبية، ويسرني أن أعلن أمامكم استعدادي لرصد أي مبلغ معقول، للبدء بإنشائها..
وطلب الطرابلسي الكلام، ليعيد تذكيرنا بالصعوبات "العلمية" هذه المرة، التي لا تجيز لنا أن نقدم على "عمل ارتجالي".
وعدت للرد!..
وهنا مال الرئيس إلى عبد الحكيم عامر، وتهامسا، وتضاحكا..
بعدها اتجه الرئيس إلى الوزراء، وكأنه يعتذر عن هذا التضاحك، وقال: كنت أقول لعبد الحكيم (وهكذا كان يسميه)، هذه أول مرة أرى فيها وزير المالية يعرض المال بسخاء، ويرفضه الوزير المختص.. ونحن في القاهرة في خصام مستمر مع كمال الدين حسين (وزير التعليم المركزي)، الذي لا يشبع من طلب المال لإنشاء مزيد من المؤسسات التعليمية..
وانطلقت الضحكات مدوية..
عندها أخذ الرئيس الكلام، وأعلن بصورة حاسمة "بأن جامعة حلب ستقام الآن" لأن البلاد فعلاً في حاجة إلى قيامها..
وهكذا فصل عبد الناصر في موضوعٍ ظل معلقاً سنين وسنين، ولا من سامع ولا من مجيب..
وبذلك "قطعت جهيزة قول كل خطيب"...
وتقتضي الأمانة، أن أذكر بالخير الحاج نجيب باقي، منشئ دار الأيتام في حلب وراعيها، لسعيه الدؤوب في سبيل الجامعة الحلبية، والشيخ محمد الحكيم، مفتي حلب القديم، والنواب، من الأقدمين ومن الجدد، الذين عملوا ما استطاعوا، لتكتمل عيون مدينتهم بمرأى وليدٍ استعصى في بطن أمه..
وقد زارني الحاج نجيب مراراً، ليذكرني بالموضوع الشائك..
وقلت له مرة ممازحاً:
يا عم أنت معي كحامل التمر إلى هجر، كما يقول المثل العربي،
وحامل الفحم إلى نيوكاسل، كما يقول المثل الإنكليزي.
وحامل الماء إلى البحر، كما يقول الفرنسيون، تعبيراً عن حالة من يريد أن يقنع شخصاً مقتنعاً بالأمر..
ومن قديم قال عمرو بن أبي ربيعة في هذا المعنى:
وقربن أسباب الهوى لمتيم
يقيس ذراعاً كلما قِسْن أصبعا..
ومن الأمانة أيضاً أن أشيد بصديقي وزميلي في الحكم وفي المجالس النيابية الأستاذ الجليل محمد المبارك (أبو هاشم).. وهو رفيق دراستي في كلية الآداب بباريس قبل أن يعود إلى البلاد مع اندلاع نيران الحرب العالمية الثانية.. وكان لقاؤنا المسائي في مطعم "الكتبية" في الحي اللاتيني يتجدد ساعة الإفطار في كل يوم من رمضان..
فقد كان رحمه الله رئيساً للجنة التربية والتعليم النيابية، وأدرك ما تعنيه إقامة جامعة في حلب، بالنسبة إلى نصف عدد سكان الدولة، من آمال وكنت عضواً في هذه اللجنة، ونظرت اللجنة في المشروع الذي قدمته إلى المجلس، واختارتني مقرراً خاصاً لهذا الموضوع، لأدافع عنه أمام الهيئة العامة للمجلس حين الحاجة، وأصدرنا القرار التالي، أنقل مقاطع منه للإشادة بأعضاء اللجنة ورئيسها.. ولو أن هذا القرار ظل حبراً على ورق..
"عقدت لجنة التربية والتعليم اجتماعاً، يوم 17-12-1957 برئاسة رئيسها محمد المبارك ومقررها عبد الوهاب حومد، وحضور أعضائها السادة:
راتب الحسامي وعلي الدندشي وسلمان الهنيدي وأحمد كنو ودياب الماشي (وهو لا يزال عضواً في مجلس الشعب عام 1995 منذ ذلك التاريخ) وأحمد الحسين ومحمود حبيب وفرحان الجندلي وصبحي طه وعادل العجلاني وعبد الرؤوف أبو طوق ورزق الله سالم..
وقد بحثت اللجنة في اقتراح القانون القاضي بإنشاء جامعة في حلب تكون كلية الهندسة نواة لها، وتضم كليتي التجارة والزراعة عند إنشائها..
وقد وَجَدَتْ أن موقع مدينة حلب الصناعي والزراعي، وقربها من الحدود وانتقال عدد كبير من الطلاب الحلبيين وغيرهم إلى المعاهد المجاورة الأجنبية يجعل من المصلحة القومية الموافقة على هذا الاقتراح..
ولما كانت سورية في حاجة إلى جامعة ثانية تسهِّل على الطلاب إمكانية الحصول على أمكنة للدراسة، وكان من المصلحة العليا للوطن إكثار مراكز الإشعاع الفكري وعدم حصرها في منطقة واحدة.
ونظراً لأن حاجة البلاد الملحِّة - وهي في مرحلة تطور شامل - إلى استثمار أراضي الوطن وإيجاد فئة متدربة من المهندسين الصناعيين، الذين تفتقر البلاد إليهم.
وبناء على ما لهذا المشروع من أهمية عظمى في رفع مستوى المواطن وتثقيفه.
فقد قررت اللجنة بالإجماع، الموافقة عليه كما ورد".
ومن أسف أن هذا القرار لم يعرض على مجلس النواب، لانشغاله بمسألة الوحدة مع مصر!..
السبت 12
عقد مجلس الوزراء جلسة هامة في هذا اليوم برئاسة المشير عبد الحكيم عامر لدراسة طلبات الاتحاد القومي.
وتقرر فيها ما يلي:
تعيين مدير لجامعة حلب.. وقد تم بهذا القرار تتويج قرار إنشاء هذه الجامعة، التي أصبحت حقيقةً واقعة وراسخة كالطود..
واقترح الطرابلسي الأستاذ توفيق المنجد، أول رئيس لها..
وسعدت بهذا ا الاقتراح، لأن الأستاذ المنجد من أبرز مدرسي علوم الطبيعة والفيزياء في الثانويات، ومع أنه لا يحمل شهادة الدكتوراه في اختصاصه، فقد أصبح أستاذاً وعميداً لكلية العلوم بدمشق.. وتمت الموافقة على تعيينه، لينهض بأعباء هذه المسئولية الجسيمة حقاً..
وفرحت به وهنأته ووعدته بكل عون أستطيعه.
تأسيس كلية للزراعة في هذا العام
إنشاء قصر العدل في حلب فوراً، وكانت مخططاته على الورق منذ ثلاثة عشر عاماً. ووافقت، بالطبع، على رصد مبلغ مناسب قدره نصف مليون ليرة للمباشرة بإنشائه.
المباشرة في الحال بإنشاء مستشفى حلب الكبير... ورصدنا له مبلغاً مناسباً.
فوضني المجلس ببيع العقار الواسع المخصص للسجن في وسط حلب، والمباشرة بإنشاء سجن جديد..
وقد شعرت بأن السراج لم يكن مرتاحاً لهذا التكليف، لأن "السجون" داخلة في اختصاصه.. ولكني شرحت له بأن المسألة مالية بحتة.. أما مكان إنشاء السجن الجديد واختيار موقعه، فلا يدخل في اختصاصي...
إنشاء فندق سياحي كبير في حلب، بالتعاون مع أصحاب المال.
توسيع مطار حلب وتجهيزه، لاستقبال الطائرات النفاثة..
تنفيذ المرحلتين الثانية والثالثة من مشروع جر مياه الفرات إلى مدينة حلب..
استصدار قانون بإعفاء مصلحة مياه حلب من الفوائد المستحقة عليها، ولا تقدر على سدادها..
وأذكر أن الأمين العام لوزارة الخزانة، عرض عليَّ مرة، قراراً بالحجز على أموال هذه المصلحة، وسألته، هل نبيع آلات الضخ ومواسير المياه؟..
ومسح الرجل حمرة اجتاحت وجهه، جراء ضيق أفقه!..
وفي نهاية الجلسة، تقدمت من المشير عامر شاكراً وذاكراً على هذه القرارات التي سوف تبهج جميع أهالي حلب.
وضحك الرجل الطيب.. وربت على كتفي، وقال ممازحاً: الآن ضمنت نجاحك في الانتخابات القادمة!..
وتقرر في الجلسة ذاتها القيام بمشاريع أساسية في دمشق وريفها والمحافظات الأخرى.. وكان مندوبوها منشرحين وسعداء جداً.
الأحد 13: زلزال أغادير
في هذا الشهر، حلت بالمغرب الشقيق نكبة عظيمة، سببها زلزال هَدَّم مدينة أغادير، التي تقع على ساحل الأطلسي..
ويقال إن المدينة أصبحت أنقاضاً بكاملها...
وقد صرح ولي عهد المغرب، أن عدد الضحايا أربى على اثني عشر ألف شخص..
وفي بعض الإذاعات، زاد على عشرين ألفاً.. وتبرع أعضاء الحكومة بمرتب أسبوع للمنكوبين..
ولا يزال الإنسان، الذي طار في الفضاء، وأقام السدود، وبنى ناطحات السحاب واخترع الأسلحة الفتاكة وسيطر على الوحوش الكاسرة، يشعر بضعفه أمام قوى الطبيعة المهلكة..
وفي هذه الأيام، تهدم الزلازل المدن..
وتغرق الفيضانات العاتية المساحات الشاسعة من الأراضي المزروعة.. وينظر الإنسان بحسرة إلى الأنقاض.. فيشعر بعجزه المحزن!...
الخميس 17 آذار (20 رمضان 1379 هـ)
أصدر الرئيس قرارات نشرت بالجريدة الرسمية بقبول استقالة الوزراء البعثيين وهم:
أكرم الحوراني نائب رئيس الجمهورية
صلاح البيطار، وزير الثقافة والإرشاد القومي المركزي
خليل الكلاس، وزير الاقتصاد
مصطفى حمدون، وزير الإصلاح الزراعي
عبد الغني قنوت، وزير الشئون الاجتماعية والعمل
وكان رياض المالكي، وزير الثقافة والإرشاد القومي، قد أقيل من قبل..
ولم يستقل الدكتور أمجد الطرابلسي، وهو واحد منهم
وتقرر إدخال السادة الآتية أسماؤهم بدلاً عنهم:
أحمد الحنيدي، وزيراً للإصلاح الزراعي (ضابط سابق)
أكرم ديري، وزيراً للشئون الاجتماعية والعمل (ضابط سابق)
حسني الصواف، وزيراً للاقتصاد
جادو عز الدين، وزير دولة لشئون رئاسة الجمهورية (ضابط سابق)
جمال الصوفي، وزيراً للتموين (ضابط سابق)
ثابت العريس، وزيراً للثقافة والإرشاد القومي
يوسف مزاحم، وزيراً للأوقاف..
ومن بين هؤلاء الوزراء الجدد أربعة ضباط واقتصادي ودبلوماسي وإداري..
والضباط من الذين كانت لهم سطوة في الجيش وأعضاء في تكتلاته السابقة. ومن المؤكد فإن الرغبة في استيزارهم هي إعادة العافية إلى القوات المسلحة..
الجمعة 18
ودعنا الرئيس عبد الناصر من اللاذقية في طريقه بحراً إلى الإسكندرية فالقاهرة. وقد أنجزت قضايا جوهرية خلال وجوده، أو بتوجيه منه..
ومع تقديري الأكيد للحياة النيابية، إلا أن ما أنجز خلال ثلاثة وعشرين يوماً، يصعب تحقيقه في مجلس نيابي، ولجانه البطيئة والكثيرة التعقيد في سنين طويلة، إن قدِّر لها أن تنجز!..
إنشاء "المؤسسة الاقتصادية السورية"
وصل عدد الجريدة الرسمية اليوم، وهو يتضمن إنشاء المؤسسة الاقتصادية للإقليم الشمالي (القانون رقم 99 تاريخ 19 آذار 1960).
والغاية من إنشائها هي "المساهمة في تنمية الاقتصاد القومي، عن طريق النشاط الاقتصادي في القطاع العام" (المادة 4).
ومن أجل ضمان استقلالها، وتمكينها من النهوض بمهماتها على وجه منتج، ألحقت برئاسة الجمهورية.
وقد نص قانون إنشائها على تركيز فعالياتها على حاجات الإقليم الاقتصادية وإدارة أموال الدولة في القطاع العام. لذلك خصص لها رأس مال تديره، يتألف من:
أنصبة الحكومة في رؤوس أموال الشركات المغفلة
ورؤوس أموال المؤسسات العامة (المادة 2)
وتدرس هذه المؤسسة الحاجات الاقتصادية، وتعمل على تأمينها، ولها في سبيل هذا التحقيق:
تأسيس شركات أو منشآت لأغراض التنمية القومية،
وعقد القروض مع المؤسسات العامة الوطنية،
وكذلك مع الحكومات والهيئات الأجنبية والمؤسسات الدولية..
وقد نصت المادة 15 على أن يكون للمؤسسة مجلس إدارة يعين أعضاؤه بقرار من رئيس الجمهورية، وألزمت المادة 22 هذا المجلس برفع تقرير سنوي عن نشاطه إلى رئيس الجمهورية.
وفي الوقت نفسه، أصدر الرئيس ميزانية خاصة لم تكن متوقعة، من أجل مساعدة الإقليم على سد حاجاته العاجلة..
وكان الداعي إليها حالة الجفاف الضاربة بأطنابها في المنطقة.
وقد صدرت بقرار جمهوري رقمه 423 تاريخ 16 آذار 1960.
وحجم هذه الميزانية 15.150.000 ليرة سورية، هذه أبرز بنودها:
مليون ليرة
5.000.000 مشاريع الإسكان لمؤسسة الإصلاح الزراعي
2.500.000 وحدات سكنية لوزارة الشئون البلدية والقروية
3.366.000 إنشاء مشافٍ ومستوصفات
500.000 استكمال القصر العدلي بحلب
300.000 ارواء قرى في ادلب
1.250.000 شعير إعانة لعلف الحيوانات في مناطق البادية