عام 1960 - الجزء 6: رواية أكرم الحوراني الخاصة عن أسباب استقالته
الاثنين 28: زيارة أكرم الحوراني
العيد مناسبة لبر الأهل ولقاء الأصدقاء..
وقد درج بين الناس تقليد شاذ هو مغادرة البلد "للاستجمام" والاستراحة من استقبال الناس وتوديعهم طيلة الأيام المباركة..
غير أني من قديمٍ أمقت هذا التقليد! حتى أنني إذا كنت على سفر فإني أحرص على العودة، لأكون في بيتي خلال أيام العيد واستقبال زواري..
ورأيت أن أنتهز مناسبة العيد، فأقوم بزيارة أكرم الحوراني في بيته.. وتوجهت إلى بيته الساعة الخامسة مساء على غير موعد..
فاستقبلني بالبيجاما، واعتذر بأنه كان في الغوطة، وعاد متعباً.. وبعد أن تبادلنا أحاديث هامشية، لابد منها، كسقوط المطر، وتغير الجو، سألني: ما هي الأحوال؟..
وقدرت أنه يريد أن يتحدث في الأوضاع العامة.. وكنت أترقب هذا الحديث، وأسعى إليه.. حتى أسمع من صاحب الشأن مباشرة، لماذا استقال وماذا ينوي أن يفعل..
وحدثته عن حديثي عنهم مع المشير، يوم استقبلني ليرى ما إذا كنت سأستقيل معهم أم لا؟ وأنني طلبت منه أن يعيد ترميم الجسور التي تهدمت بينهم وبين الحكم..
وعلَّق أكرم الحوراني على نصيحتي للمشير بعدم أخذ وزراء من القوات العسكرية، بأنهم يرغبون في سحب العناصر القوية من الجيش لإضعافه وسهولة التحكم فيه.. وأن الضباط الذين اعتادوا الطاعة العمياء في مهنتهم، سيكونون شديدي الطاعة لرؤسائهم في الحكم المدني أيضاً..
ورجوته أن يحدثني بأمانة عما كان يجري في السر، وكيف تفاقمت الأمور حتى بلغت الاستقالة:
وإني ألخص هنا بأمانة تامة، ما قاله:
قال:
شعرت بأن الوحدة انحرفت عن مسارها! فاتفقت مع صلاح البيطار على الاستقالة، ولكنا قررنا أن ننتظر مناسبة مقبولة، لأننا قررنا أن نستقيل بدون ضجة..
وجاءت اللطمة الأولى، حين أقيل رياض المالكي (وزير الإرشاد القومي) بطريقة لا تخلو من تحدٍ وإهانة.
وقررت أن أفاتح الرئيس بما نعتقد أنه في صالح الوحدة، واجتمعنا، وحضر الجلسة المشير عبد الحكيم.. فقلت له:
"يجب أن يقوم الحكم على لا مركزية واسعة، وأن يعطى الإقليم الشمالي أوسع أشكال الحكم الداخلي، فيكون له حكومة محلية ومجلس نواب وحريات ديمقراطية واسعة، لأن السوريين أصحاب عقائد، وجميع الأحزاب التي أنشئت فيه لها عقائد.. وإن وضع الإقليم السوري، الواقع على حدود الأردن ولبنان والعراق، يفرض عليه أن تنشأ فيه منظمات سياسية.. ولا يجهل أحد أن نصف مليون سوري يزورون سنوياً لبنان، ويرون ما يتمتع به اللبنانيون من حرية.. وإذا كان السوريون محرومين الآن من السفر إلى لبنان إلا بصعوبة، فإن هذا الوضع لا بد أن يزول..
وقلت للرئيس - والكلام للحوراني - إن الاتحاد القومي لا يمكن أن يكون أساساً لنظام حكم ديمقراطي. وأن بين العشرة آلاف الذين دخلوا فيه الجاسوس والخائن.. وحتى لو أحسنا الظن فيهم، فإنهم بتشكيلتهم التي هم عليها، لا يصلحون لإقامة نظام ديمقراطي..
ونحن لم نقل أبداً إن جميع أعضاء الاتحاد القومي جواسيس، كما نسب الرئيس إلينا هذه التهمة، في خطابه في سينما الزهراء..
وأنه كذب في قوله هذا
وخطر ببالي الشعار الذي رفعوه ذات يوم: الله والوطن والرئيس..
إن الوحدة أصبحت تسلطاً مصرياً على سورية، بكل ما تحمله كلمة التسلط من معنى!..
وحين طالبنا بالوحدة، كنا نستجيب لعقيدة شعبنا الوحدوي، ولم يشترنا عبد الناصر بالمال.. وقد بذل المصريون أموالاً طائلة في الأردن ولبنان والعراق، ولكنها لم تعد عليهم بأي نفع!..
وقلت للأستاذ الحوراني: أليست الوحدة العربية في ذاتها هدفاً مقدساً، وأنها واردة في برامج جميع الأحزاب، بما فيها الحزب القومي السوري؟ وأنتم الذين سرتم في الطليعة، وحرمتم على كل إنسان أن يبدي رأيه يوم طرحت الوحدة بدلاً عن الاتحاد؟..
وذكرته بموقف حزب الشعب، الذي كان يتبنى علاقة اتحاد تحفظ لكل إقليم أوضاعه الداخلية، ويتم دمج مؤسسات رياسة الجمهورية في مؤسسة واحدة وإقامة حكومة مركزية، تشتمل على وزارات الخارجية والحربية والاقتصاد الخارجي.. لكنكم أصررتم على الوحدة، وأنت كنت رئيس المجلس النيابي، الذي عدل عن الاتحاد الذي أقره، إلى الوحدة التي تحولتم إليها..
وأجاب: إني أفكر كم كنتم على حق في طلبكم الاقتصار على الاتحاد.. بل إني أقول اليوم: حبذا لو كنتم وفقتم إلى تحقيق اتحاد مع العراق..
ولاحظت له: إن موضوع اتجاه حزب الشعب إلى اتحاد أو وحدة مع العراق، في ظل نظام ملكي وتحت حراب إنكليزية لم يطرح أبداً على مجالس الحزب.. وإنها تهمةً وجهت إليه واستغلت أبشع استغلال ضده...
وإن عبد الناصر يسعى إلى "تفتيت" المجتمع السوري..
فقد فتت الأحزاب السياسية، ثم فتت الجيش السوري، وشتت شمل ضباطه، ولم يبق منهم إلا أربعة أو خمسة "ركنهم" عنده في مصر..
وتابع الحوراني:
"لقد أراد توريطي في إحدى الجلسات معه، وكانت في حضور عبد الحميد السراج، فسألني رأيي في زج 300-400 رجعي في "رأس غارب" (سجن في مصر)، وكان يسجل الحديث، فقلت له: إياك أن تفعل ذلك، لأنك بذلك تجعل منهم شهداء.. وسمعت فيما بعد من عبد الناصر، أن الحوراني اقترح عليه اعتقال الرجعيين في سجن غارب، ولكنه رفض هذا الاقتراح الذي لم يجد له ما يبرره.. فأين هي الحقيقة؟..
إن سياسة عبد الناصر القائمة على اغتيال الساسة العرب، لا يمكن أن توصله إلى نتيجة قومية مقبولة!
فمنذ أيام أرسل "الجاسوس" عبد الله الريحاوي (أحد زعماء البعث الأردنيين الذين لم يتضامن معهم وظل موالياً للوحدة) شقيقين إلى عمان، لاغتيال رئيس الوزراء المجالي، ولكنهما وقعا في قبضة رجال الأمن الأردنيين..
وحاول قتل عبد الكريم قاسم في بغداد بواسطة أبرياء من حزبنا، دون استشارتنا!..
ويتابع الحوراني:
وقلت للرئيس بأن سياسة الاغتيالات، لا تنفع إلا إذا كان قتل الرجل يستطيع أن يقضي على النظام.. وليس مؤكداً أن اغتيال قاسم سوف يقضي على نظامه في العراق.. ومن المحتمل جداً، أنه إذا قتل، فإما أن يعود العراق إلى الحكم الإنكليزي أو يصبح بلداً شيوعياً صريحاً..
وقال:
إن نظام الحكم نظام دكتاتوري! وهذا الحكم قد يكون محتملاً لبعض الوقت لو أنه بني على أساس جماعي. فالنظام السوفيتي الروسي، والنظام النازي ونظام ايطاليا الفاشستي، أنظمة دكتاتورية، إلا أنها قامت على أساس جماعي. أما النظام الفردي، القائم على الدعاية، فإنه سينتهي دون أن يترك أثراً وراءه.. والكتب والوقائع تشهد على أن بعض الناس كانوا في وقت من الأوقات أبطالاً، ثم لعنهم التاريخ وشنَّع عليهم!..
وأضاف:
لقد قلت للرئيس إن النظام القائم على الدعاية وحدها، قد ينجح في مصر، ولكنه لن ينجح في سورية أبداً، بسبب ذكاء السوريين وفطنتهم!..
وختم الأستاذ أكرم حديثه بالإلحاح على ثلاث نقاط جوهرية:
الأولى: أنه قال: "أنا من جهتي تركت.." وكان الحديث عن العمل العام... وكان يعني أنه تخلى عن العمل السياسي.
الثانية: أنه أبدى حزنه وأسفه على حال الأمة العربية المتردية. فهي لا تحزن عدواً ولا تفرح صديقاً.. وهذه الإذاعات لا تسكت! وكل رئيس يشتم الرئيس الآخر.. والعالم يضحك عليهم كلهم..
وإسرائيل وحدها هي التي تقطف ثمار هذا العداء المستشري..
الثالثة: أنه وإخوانه نادمون على الخطأ الذي ارتكبوه في معالجة الوحدة.. وإنهم فرحون بقبول استقالاتهم لأن كابوساً أزيح عن ضمائرهم وأعناقهم.. وأنه شخصياً "شبع ذلاً" من إهمال عبد الناصر له وإلقائه في غرفة لا يدخل عليه فيها أحد!.. مكتوب على بابها يافطة تحمل هذه التسمية الضخمة: "نائب رئيس الجمهورية"....
وأنهى الأستاذ الحوراني حديثه، بانتقاده عبد الناصر على تأميمه القناة وتسببه في نشوب حرب مدمرة.. وقال: إنه أراد أن يستغل هذا التأميم لأسباب دعائية! فلو أنه انتظر بضع سنوات، لكان أجل الاتفاقية انتهى، ولعادت القناة إلى مصر دون "مشاكل".. ولما كانت مصر دفعت ثمن الأسهم لحملتها من مساهمي شركة القناة الأثرياء!..
ولا يوجد ظلم للتاريخ أقبح من هذا الظلم..
وقد كنت أحد الذين عايشوا قناة السويس، ومشوا في مواكب الوحدة السورية المصرية، وهتفوا لبطولة عبد الناصر في دحر العدوان الفرنسي الإنكليزي اليهودي على مصر (والأمة العربية)، وأشادوا بقيام الوحدة، التي اعتبرناها أعظم إنجازات الأمة العربية في هذا الجيل، بل وكل جيل.. لذلك استغربت حديث الأستاذ الحوراني.. عن الدكتاتورية والوحدة مع العراق، وإضعاف الجيش باستيزار عناصره المتقاتلة...
وخرجت من عنده إلى بيتي، لأسجل هذه المحادثة..
والآن وأنا أنقلها، أعود بذاكرتي إلى ما قام به الحوراني وإخوانه من مناورات خطرة على مسرح السياسة السورية..
ولقد قلتها مراراً.. إن المذهب الاشتراكي الذي نؤمن به جميعاً ليس من المآخذ عليهم و عليَّ.. فحالة الفلاح السوري في غاية السوء الاجتماعي، ولا يجوز بل ولم يعد ممكناً، أن يستمر قبوله بوضعه الزريَّ..
ثم إن لي في شخص أكرم الحوراني رأياً جيداً، وهو رأي يعارضه كثيرون من الساسة.. فهو في نظري سياسي شريف القصد، نظيف اليد.. غير أنه يعتمد أولاً في تحقيق غاياته السياسية على العسكريين من محازيبه، لذلك فإنه هو الذي أدخل السياسة إلى الجيش.. ومن هنا فإنه كان يقف في الصف الأول من كل الانقلابات، إرضاء لانفعالاته العنيفة وحبه للتسلط...
حتى الوحدة، هي انقلاب عسكري في نظري.. ولكننا سرنا معها، لعل عبد الناصر يعيد الاستقرار إلى سورية، علاوة عن قناعات قومية..
فقد أرهب البعثيون كثيرين من النواب، تارة عن طريق الحكم "المدني" أثناء وزارات خالد العظم و صبري العسلي، اللذين رفعا الراية البيضاء مقابل البقاء في "رئاسة الوزارة" ومراقبة التيارات التي تتماوج حول كرسي "الرئاسة الأولى".. وتارة بهز السوط العسكري مباشرة..
واخترعوا مسألة "حلف بغداد" وألصقوها بالساسة الذين ظلوا أوفياء لمبدأ توزيع السلطات، وخاصة إبعاد الجيش عن السياسة، وهو مبدأ تتبناه الأكثرية الساحقة من الضباط، احتراماً لنص دستور 1950 النافذ أنذاك، في مادته الثلاثين ونصها هو:
"الجيش حارس الوطن، وتنحصر مهمته في الدفاع عن حدود الوطن وسلامته"..
وقد أقسمنا جميعاً على ذلك النص كممثلين للأمة في مجلسها النيابي..
غير أن بعض الضباط انخرطوا في الأمور السياسية، وصاروا يعترضون على تشكيل الحكومات، ويضعون الفيتو على هذا الوزير أو ذاك.. ويتدخلون في السياسة العامة للدولة، يشجعهم على ذلك بعض الساسة الوصوليين، وقد استمرأ عشاق السلطة منهم ممارسة النفوذ هذا، فراحوا يتجمعون في كتل، يناوئ بعضها بعضاً، حتى أصبحت بعض الأسلحة محسوبة على هذا الحزب وبعضها على ذاك...
ولم يكن نظام عبد الناصر سراً على البعثيين: فالرجل حل الأحزاب في بلده، ولم يقبل الوحدة مع سورية إلا بشرطي حل الأحزاب السورية وتحريم السياسة على العسكريين.... وقبلوا بهذين الشرطين، كما قبل بها شكري القوتلي وخالد العظم وصبري العسلي ومأمون الكزبري.. تشهد على ذلك وثيقة الوحدة التي أعلنت في شباط 1958، من شرفة قصر الطاهرة في القاهرة..
مع ذلك فقد ساروا في موكب الوحدة، حتى قلصت فعالياتهم السياسية عندها تذكروا أن عبد الناصر ديكتاتور!..
وأعجب ما ورد في قوله انتقاد عبد الناصر على تأميم قناة السويس، فقد هز هذا التأميم العالم، وأعاد لمصر أعظم مرفق أصبح يدر عليها أكبر مواردها من العملات الصعبة، من أجور عبور السفن فيها..
ولولا هذا التأميم البطولي، لما أعيدت القناة إلى مصر حين حلول أجل انتهاء الاتفاقية الدولية، لأن الدول الغربية كانت ستتذرع بألف وسيلة لحمل مصر على اتفاقية جديدة، ثم إن ما دفعته مصر ثمناً للأسهم، ليس إلا جزأ صغيراً من مردود رسوم سنة واحدة.. ولولا أن الغربيين يعرفون هذه الحقيقة، لما شنوا حرباً على مصر، ولبحثوا عن تسوية ما، لضمان عبور السفن بسلام، وبرسوم بسيطة..
وتبقى لي كلمة عن هيمنة المصريين على الحكم في سورية.. وأنا لا أنفي تماماً هذا القول.. ولكني لا أتبناه تماماً.. وأشهد أن كثيرين من أبناء الشعب فرحوا بتقليص نفوذ العسكريين.. ومن هؤلاء صبري العسلي، الذي عملوا على إقصائه من الحكم وطالبوا بمحاكمته، فأسرها لهم في نفسه.. وسمعته يتحدث عنهم بأقبح مما تحدث به مالك عن الخمر.. وذلك في دارته، التي كان يبنيها في سهل الزبداني.. وكنت في صحبة رشدي الكيخيا ورزق الله الأنطاكي..
وسوف أعود إلى تقييم هذا الرأي في موضعه، لأقسم التبعة بين السوريين والمصريين، عند الكلام عن أسباب انفصام عرى الوحدة.
الثلاثاء 29: قانون الإدارة المحلية
صدر قانون جمهوري بقانون رقمه 124 تاريخ 28 آذار 1960، يتضمن "قانون الإدارة المحلية".
والغاية منه، توسيع مساهمة المواطنين في إدارة الشئون المحلية، لبلدهم ومحافظتهم.. عن طريق انتخاب مجالس للقرى والمناطق والمحافظات، تعمل تحت إشراف وزارة الإدارة المحلية ورعايتها.
ويعتبر فقهاء القانون، أن قيام الشعب بانتخاب هذه المجالس، مشاركة فعليه وجوهرية في ممارسة الحياة الديمقراطية وترسيخ دعائمها.
وفي البلاد ذات النظام المتعدد الأحزاب، تعتبر هذه الانتخابات المحلية سبراً لآفاق الانتخابات العامة، لاختيار النواب والشيوخ وتحديد الحزب الأكثر شعبية لتولي مقاليد الحكم..
وتختلف النظرة إليها في "الجمهوريات الوراثية".. التي تعتمد حزباً واحداً كأداة، و"أحزاب" ليس لها من وجود إلا على الورق، كواجهة.. وتكون قسمة الغنائم، بين الفريقين، على أساس القسمة بين السبع وابن آوى.