عام 1960 - الجزء 8: انهيار قمة باريس إثر حادثة طائرة التجسس يو-2
الثلاثاء 17: مؤتمر في باريس للكبار
الحالة السياسية في محنة، بسبب ما يسمونها "الحرب الباردة".. وهي حالة من اللاسلم واللاحرب، من المحتمل في كل لحظة من لحظاتها، أن يندلع صراع مسلح، يشعل الكرة الأرضية، دون أي فرق يذكر بين المحارب والحيادي، من أمثال أمتنا البائسة..
بل ربما كان وضعنا أسوأ، لأن أصحاب الأسلحة ذات الفتك الجماعي الهائل، قادرون على حماية أنفسهم ومواطنيهم نسبياً، بصواريخ مضادة للصواريخ مثلاً.. في حين نحن ليس لنا من حماية إلا الدعوات الصالحات!..
والمعسكران المتناحران، يكادان يختنقان بالمخزون الذي تحتويه ترساناتهما من أسلحة الدمار الشامل: قنابل ذرية وهدروجينية وصواريخ موجهة، وعابرة للقارات، وجرثومية، وليزر.. وغيرها، مما قد يكون في المخازن السرية، ولا يعلم به إلا أصحابه.. وإدارات التجسس..
ومن يدري، فقد كان من المحتمل جداً أن يشتعل فتيل الحرب أيام السويس عام 1956، حين وجه خرشوف إنذاره الرهيب إلى إنكلترا وفرنسا بأن تنسحبا من مصر، وإلا تعرضتا لضربات قاصمة للظهر..
وفي العالم بؤر أخرى متفجرة، ليس أقلها الأردن ولبنان والشرق الأقصى..
وتفادياً من اشتعال عود ثقاب يحرق العالم كله، تداعى قادة المعسكرين المتناحرين إلى عقد مؤتمر فيما بينهم، في باريس.
وقد حضر بالفعل إلى العاصمة الفرنسية خرشوف الزعيم السوفيتي السليط اللسان وأيزنهاور، رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية، وماكميلان رئيس وزراء بريطانيا والجنرال ديغول، رئيس الجمهورية الفرنسية.
وكان مقرراً أن يبحثوا عن وسائل لتنفيس "هذه الحرب الباردة" وإعادة السكينة إلى نفوس البشر، وإشعارهم بأن هذه الأقمار الصناعية التي تمخر عباب الفضاء، وهي تحمل نيران الموت، لن تتساقط على رؤوسهم وهم في غفلة عنها..
وكان الاتحاد السوفيتي أرسل إنذاراً مبطناً إلى زملائه الغربيين، حين أرسل إلى الفضاء سفينة تزن أربعة أطنان ونصفاً، وتدور دورة كاملة حول الكرة الأرضية في 91 دقيقة فقط!..
وفهم الحلفاء الغربيون الرسالة التي وجهت إليهم، وأدركوا جيداً ما تعنيه! غير أن سوء الحظ لعب دوره المخرِّب، في إفشال المؤتمر..
فقد أسقط الروس فوق أراضيهم، طائرة تجسس أمريكية، أقلعت من قاعدة أمريكية في مدينة أضنة التركية، وحطت في مطار بيشاور الباكستاني ومنه أقلعت إلى الشمال، لتطير فوق الاتحاد السوفيتي، حتى تصل إلى النرويج! والغاية من هذه المغامرة، تصوير المنشآت العسكرية، المكشوفة المعروفة، وغير المعروفة في بلاد السوفييت الشاسعة..
وقد تمكنت وسائل الدفاع الجوي السوفيتي من إسقاطها..
واستغل السوفييت المناسبة التعيسة، فأعلن خرشوف إلغاء دعوة رسمية كان وجهها إلى أيزنهاور لزيارة موسكو، وهاجمه هجوماً فظاً، بل بذيئاً بكل مقاييس الدبلوماسية الهادئة، واشترط ثلاثة شروط للذهاب إلى قاعة المؤتمر، هي:
أن تعلن أمريكا عن امتناعها بعد الآن عن إرسال طائرات تجسس أمريكية تجوب أجواء الاتحاد السوفيتي.
أن يقدم الرئيس الأمريكي اعتذاراً رسمياً عن الحادث.
أن يعاقب المسئولين الذين نظموا هذه العملية..
وأعلن أيزنهاور قبوله الشرط الأول فقط.. ولكن خرشوف لم يقبل به، ورفض أن يصافح يد أيزنهاور، وقرر مقاطعة المؤتمر.. ولم تنفع في إثنائه عن قراره، المحاولات المضنية التي بذلها معه ماكميلان وديغول!..
وفشل المؤتمر، الذي كانت البشرية تعلق عليه آمالاً جساماً..
وفي الحال سافر خرشوف إلى ألمانيا الشرقية، وهدد بعقد صلح معها..
وماذا يعني هذا التهديد لو تحقق هذا الصلح وإنه يعني أن العالم سيحبس أنفاسه، خشية وقوع الكارثة العالمية:
فألمانيا الشرقية دولة "مستقلة" تدور في فلك "العالم الثاني" الشيوعي.. ومدينة برلين مقسمة بين الدول الأربع، التي انتصرت على ألمانيا النازية، واحتلت بلادها وقسمتها إلى أربعة قطاعات، أسندت إدارتها إلى الدول الأربع المذكورة: الاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا..
فإذا أعلن خرشوف الصلح مع ألمانيا الشرقية، فإن الدول الثلاث الغربية لن تقبل أبداً بالتعاون مع هذه الدولة.. وبالتالي فإن الاحتكاك سوف يبدأ حول العاصمة برلين الغربية، التي هي تحت الاحتلال الغربي، وهي مطوقة بأراضٍ ألمانية يحتلها الاتحاد السوفيتي من كل جوانبها..
وعندها، إما أن ينسحب الغربيون من برلين الغربية، وهذا لن يفعلوه أبداً، وإما أن يصلوا إليها عن طريق جسر جوي فقط، فيما إذا منعت الدولة الألمانية الشرقية مرور المعدات والقوافل الغربية من أراضيها..
وهنا يكمن خطر الاحتكاك الخطر.. خاصة إذا قرر الحلفاء الغربيون شق طريقهم إلى برلين بالقوة، وهو أمر لا يمكن للاتحاد السوفيتي أن يقبله!..
وفي يوم 19 قدم الاتحاد السوفيتي شكوى ضد أمريكا إلى مجلس الأمن، لانتهاكها أجواءه الشاسعة، بطائرة تجسس!..
الثلاثاء 24
أصدر نائب رئيس الجمهورية، والمشرف على تنظيم الاتحاد القومي، المشير عامر، قراراً رقمه 103 وتاريخه هذا اليوم، بتكوين الاتحاد القومي الفلسطيني في الإقليم الشمالي.
وبذلك يكون للفلسطينيين اتحاد قومي خاص بهم، يمارسون من خلاله النشاط السياسي في سورية، دون أن يصبحوا سوريين، ويتخلوا عن جنسيتهم الفلسطينية، حتى لا تستغل إسرائيل أية فرصة، للقول، بأن الفلسطينيين عرب اندمجوا في بني جلدتهم، وبالتالي لم يعد هناك مبرر للبحث، لا في وطن فلسطيني ولا في عودة اللاجئين..
وكانت سورية، هي الدولة الوحيدة التي أعطت لللاجئين الفلسطينيين جميع الحقوق التي يتمتع بها السوريون، من دخول الوظائف العامة وتملك العقارات وممارسة التجارة..
غير أنها لم تفتح لهم أبواب التجنس على نطاق واسع، حتى لا يذوب الاسم الفلسطيني..
وذلك لإبقائه على الساحة الدولية، من أجل المطالبة بالحقوق العربية المشروعة في فلسطين، وتمشياً مع قرارات الجامعة العربية بعدم منح الجنسية للفلسطينيين اللاجئين في البلاد العربية التي نزحوا إليها..
ولغاية غير "إنسانية"، ومن أجل تخفيف الضغط على إسرائيل، فتحت الولايات المتحدة وكندا بصورة خاصة أبواب الهجرة للفلسطينيين، لامتصاص أعداد كبرى منهم!. ومنحهم الجنسية.
الأربعاء 25: قانون قمع الغش
صدر البارحة قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 158 (نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 31 مايو/أيار) في شأن قمع الغش والتدليس في الإقليم السوري..
ويعتبر صدوره تكميلاً للقانون رقم 123 تاريخ 26 آذار الماضي، من أجل حماية المستهلكين، والحفاظ على سمعة الإنتاج الوطني!..
وقد أوجبت المادة 1 على المنتجين وأصحاب المعامل وناقلي وبائعي المأكولات والمشروبات والمنتوجات (المذكورة في هذا القانون) تسليم عينتين إلى الموظفين المختصين، فور طلبهم، ولهم أن يأخذوهما قسراً إذا رفض المطلوب منه تسليمهما..
وتدمغ العينة بالشمع الأحمر، وينظم محضر بالواقعة.. وتحال إلى وزارة التموين التي تأمر بفحصها..
وقد نصت المواد 10 وما يليها على معاقبة الغشاشين بعقوبات رادعة، هي السجن مدة تتراوح من ثلاثة اشهر إلى سنة وبغرامة تصل إلى ألفي ليرة. (قبل استشراء التضخم المالي)..
ومن الجرائم التي عاقبها هذا القانون على سبيل المثال:
خداع المتعاقد معه، أو الشروع في خداعه.
غشه في عدد البضاعة أو مقاسها أو مقدارها أو وزنها...
غشه في ذات البضاعة أو صفاتها الجوهرية أو في العناصر النافعة الداخلة في تركيبها..
غش أغذية الإنسان والحيوان.
غش العقاقير الطبية.
الغش في المحاصيل الزراعية...
ومن أجل إغلاق الباب في وجوه الغشاشين، خرج القانون على القاعدة القانونية المألوفة، وهي أن الأصل براءة الذمة، فافترضت المادة 11 ف1 "العلم بالغش والفساد إذا كان المخالف من المشتغلين بالتجارة"..
ترى لو طبقت أحكام هذا القانون بدقة، كم يبقى خارج السجن من المشتغلين بالمواد الغذائية وبأقوات الناس؟..
السبت 28
وهذا تدبير إنساني حكيم، صدر بالقانون رقم 162 الذي عدل المادة 44 من المرسوم التشريعي رقم 85 لعام 1949 الناظم لضريبة الدخل.
وتنص هذه المادة قبل تعديلها على إعفاء 100 ليرة سورية من ضريبة الرواتب والأجور، لمن كان دخله الصافي الشهري 200 ليرة سورية..
وهؤلاء الموظفون يشكلون شريحة كبيرة من جهاز الدولة.
وقد رفع التعديل الجديد مبلغ الإعفاء إلى 150 ليرة..
وفي نيتنا أن نعوض ما سوف تخسره الدولة، عن طريق تحسين جباية هذه الضريبة، التي لا تعود على الخزينة بمردود عادل..
غير أن التدبير، في ذاته، عادلٌ لأنه في صالح صغار الموظفين.. ومن في حكمهم..
الاثنين 30: انقلاب عسكري في تركيا
في هذه الفترة وقع انقلاب عسكري في تركيا، تزعمه الجنرال غورسيل!.. والجمهورية العربية حساسة جداً لما يجري داخل حدود هذه الجارة، التي تقف بعناد وصلابة في صف الغربيين الذين يخاصموننا!..
وكانت نظرة الغربيين إلى سورية، يوم كانت دولة، أنها دولة تنحدر بسرعة نحو الشيوعية.. وأنها تعاديهم، لأنها رفضت وضع طوق حلف بغداد في عنقها..
وكثيراً ما حشدت تركيا قواتها على حدودنا لتهديدنا..
وكان الاتحاد السوفيتي يهب دوماً لنصرتنا، ويكبح من جماحها.. وليست كراهيتنا لتركيا عنصرية، ولكنها سياسة قومية، لأنها تناصر إسرائيل في العلن أحياناً وفي السر دوماً.. إرضاء لحلفائها في حلفي بغداد والأطلسي...
ورحنا نتساءل: أمن تغيير في السياسة التركية، بعد الانقلاب، حيال إسرائيل؟ والإطاحة بعدنان مندريس رئيس الوزراء، الذي يناصبنا العداء؟
ولم يتأخر الجواب، فقد أعلن غورسيل أن انقلابه يقوم على مبدأين:
الأول: تعهد بالوفاء المطلق لحلف الأطلسي.. وهذا يعني استمرار الجدل مع الاتحاد السوفيتي وأصدقائه..
والثاني: عدم السماح لأحد باستغلال العواطف الدينية..
وهذا أسوأ من سابقه، لأنه يخرج العلاقة التركية الإسرائيلية من حيز الدين الإسلامي، إلى علاقة سياسية تقوم على تبادل المنافع.. وإذاً فليس من تبدل في سياسة الأتراك تجاهنا.
وقد زار دمشق، قادماً من تركيا عن طريق بيروت رئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو ومعه ابنته أنديرا، التي تزوجت من هندي اسمه غاندي وحملت اسمه. وهو من غير أسرة الزعيم القتيل غاندي الذي حارب الإنكليز بعنزة ومغزل صوف. وأصبحت بعد موت أبيها رئيسة لوزراء الهند، واغتالها أحد أعوانها دون أن يعلن أحد عن سبب الجريمة...
واستقبلناه على الحدود السورية اللبنانية..
وأشهد أن الاستقبال كان باهتاً، مع أن نهرو أحد أقطاب مؤتمر باندونغ الذي أقام دول الحياد الايجابي، ونحن منها..
وكان يركب معي في سيارتي عبد الحميد السراج وسفير الهند، وهو مسلم.. وقد تحدث هذا السفير عن عبد الكريم قاسم، فقال: إنه غشهم وخدعهم، على الرغم من أنه كان يحمل معه المصحف باستمرار.
وفي حفل العشاء الذي أقامه له رئيس الجمهورية في حديقة القصر، خطب نهرو بالإنكليزية عن قضايا الشرق، فكان على درجة عالية من التمكن من هذه اللغة.. وأما الجانب السياسي من الخطاب فقد كان "متوازناً" بين العرب وإسرائيل، لذلك لم يلق منا قبولاً...
وفي حفلة العشاء التي أقمتها لوفد اقتصادي سوفيتي، في نادي الشرق، همس القنصل السوفيتي العام في أذني تعليقاً على انقلاب تركيا:
"إن الوضع الجديد في تركيا لن يكون أسوأ مما كان بالنسبة لدولتنا".
وهمست في أذنه "وكذلك بالنسبة لنا أيضاً"..
السبت 4 حزيران 1960
اليوم عيد الأضحى المبارك، وهو يوافق العاشر من ذي الحجة 1379، وقد قضيت أيامه الأربعة في دمشق..
ولم يكن عيداً بهيجاً للناس، بسبب سوء المواسم الزراعية، التي قللت كثيراً من السيولة النقدية في أيدي الناس، وأضعفت حركة الأسواق التجارية!..
وكان من المؤكد أن تكون الحالة أسوأ بكثير، لو لم تخفف الدولة الأعباء عن المواطنين، بتخفيف عديد من الضرائب والرسوم، ولو لم تفتح خزائنها لتشغيل أعداد متزايدة من العمال في فتح طرق وأعمال حكومية، وتقديم مساعدات للمناطق المتضررة..
وسوء الحالة الاقتصادية يحاصرني أنا شخصياً.. فطلبات التوظيف لدى الدولة لا تنقطع، وتزداد يوماً عن يوم..
وأنا لا أستطيع أن "أفتح يدي" فأبعثر مال الدولة لأن في ذلك إفلاساً محققاً يضربها وإذلالاً للعملة الوطنية..