عام 1960 - الجزء 10: تأسيس مجمع اللغة العربية الموحد
الأحد 26 حزيران: إنشاء مجمع موحد للغة العربية
صدر قرار جمهوري رقمه 1144 وتاريخه 12 أيار 1960 (نشر في الجريدة الرسمية في عددها المؤرخ في 26 حزيران) يتضمن دمج المجمعين في مجمع واحد..
فقد كان في مصر مجمع للغة العربية، وكان في سورية "المجمع العلمي العربي"،
وكان المجمع السوري أنشئ "بالكتاب" رقم 5698/2347 تاريخ 8-6-1919 للعناية باللغة العربية ونشرها، في عهد أول حكومة عربية أنشئت في دمشق، بعد انفصال البلاد العربية عن السلطنة العثمانية..
وكان فيصل بن الحسين، الملك الذي ارتضته البلاد والتفت حوله..
وقد أنشئ المجمع بمسعى شخصي من أول رئيس له، المرحوم محمد كرد علي وعين معه في السنة الأولى من إنشاء المجمع ثلاثة عشر عضواً بينهم السياسي اللامع وأستاذنا في معهد الحقوق، فارس الخوري.
وظل الأستاذ محمد كرد علي رئيساً للمجمع حتى توفاه الله يوم 2 نيسان 1953.
وحين تحققت الوحدة بين مصر وسورية، تقرر إنشاء مجمع موحد، يضم مجمعي مصر وسورية، وصدر الصك الجمهوري عام 1960، وأصبح أعضاء المجمعين أعضاءً حكماً في المجمع الموحد.
وبعد أن وقع الانفصال، انفصل المجمع السوري، وظل يحمل اسم:
"مجمع اللغة العربية"
ويتألف المجمع حالياً من 20 عضواً عاملاً، ينتخبهم زملاؤهم بالاقتراع السري، ويصدر باعتماد الانتخاب مرسوم جمهوري يتضمن تعيين العضو العامل.
وهذا العدد ثابت لا تجوز زيادته.
وللمجمع أعضاء مراسلون، ينتخبون من قبل الأعضاء العاملين في اقتراع سري، ويصدر بتسميتهم قرار من وزير التعليم العالي..
ومن الجائز أن يكونوا من السوريين أو العلماء العرب أو الأجانب، ممن يهتمون بالثقافة العربية.. وبين الأعضاء المراسلين، سوريون وعرب وفرنسيون وروس، وإسبان وإيطاليون..
وقد أكرمني هذا الصرح الشامخ فانتخبني عضواً عاملاً للكرسي الذي شغر بوفاة المرحوم الدكتور شكري فيصل، في الجلسة المجمعية التي عقدها يوم 24-11-1990.
وصدر المرسوم الجمهوري بتسميتي عضواً فيه، برقم 205 وتاريخ 14-5-1991، وجرى لي الاستقبال التقليدي في المكتبة الظاهرية بدمشق في 16 تشرين الأول 1991.
ورحب بي الرئيس الدكتور شاكر الفحام..
و"استقبلني" بخطاب حلو الدكتور إحسان النص.
وألقيت خطاباً مطولاً توجهت فيه بالشكر إلى الذين انتخبوني، ودرست الآثار الأدبية لسلفي شكري فيصل..
وبذلك أصبح لي الحق في المشاركة في جلسات المجمع وجلسات لجانه، وأصبح ترتيبي "الستين" في "سجل الخالدين".. ولا خلود إلا لله سبحانه.. وكان من حقي أن يكون ترتيبي السادس والثلاثين، لو كنت قبلت ذلك.
فقد زارني رئيس المجمع الأمير مصطفى الشهابي ونائب الرئيس الشاعر المشهور خليل مردم بك وأمين المجمع الأمير جعفر الحسني الجزائري، في مكتبي بوزارة المعارف عام 1951 وعرضوا عليَّ أن ينتخبوني عضواً عاملاً.. ولم أجد من اللائق أن يتم هذا الانتخاب وأنا في كرسي الوزارة، فاستمهلتهم حتى تستقيل وزارتنا التي كان يرأسها المرحوم حسن الحكيم. ولكن الشيشكلي أطاح بها واعتقلنا ونامت فكرة العضوية.
ومن أجل إعطاء فكرة عن مهمة المجمع، أنقل بعض فقرات المادة الثانية من قرار إنشائه.
أغراض المجمع
المحافظة على سلامة اللغة العربية والحرص على وفائها بمطالب العلوم والفنون في تقدمها وملائمتها لحاجات الحياة في العصر الحاضر.
توحيد المصطلحات في اللغة العربية.
الدراسات العربية وإحياء تراث العرب في العلوم والفنون والآداب وعلاقة ذلك بتاريخ العرب وآثارهم وحضارتهم وصلتها بالحضارات وأثرها فيها وتأثرها بها.
بحث كل ما له شأن في تقدم اللغة العربية وما يعهد إلى المجمع في بحثه من دراسات ومشروعات..
وللمجمع مجلة تصدر كل ثلاثة اشهر، ينشر فيها ما يكتبه أعضاؤه، أو غير أعضائه..
والمجمع عضو في اتحاد المجامع اللغوية العربية منذ صدور المرسوم التشريعي رقم 88 تاريخ 2-10-1971.
الخميس 30 حزيران: إلى القاهرة
سهرنا مع بعض الأصدقاء.. وأوينا إلى السرير حول الساعة الواحدة ليلاً.. ولم نكد نغمض العين، حتى دق جرس الباب..
كانت قريبةً لنا، قدمت من روسيا، حيث كانت تدرس في جامعة موسكو..
وما هي إلا ساعة أو بعض الساعة، حتى دق جرس الهاتف..
برقية مستعجلة من القيسوني (الوزير المركزي) يطلب مني أن أحضر صباحاً، لاجتماع يعقد مع المشير عبد الحكيم عامر في مكتبه بالقاهرة..
وركبت طائرةً الساعة العاشرة والنصف صباحاً.. وتوجهت إلى وزارة الخزانة.. وكان القيسوني في انتظاري..
وتباحثنا في بعض المسائل المؤجلة لدراسة أوسع، في الميزانية العامة والميزانية الإنمائية..
وقد أصبحت الميزانيتان جاهزتين لعرضهما على الرئيس، وأخذ موافقته لاصدارهما بقرار منه..
لا أعرف حقاً، إن كان الدكتور عبد المنعم القيسوني، أحد باشوات مصر القديمة ضل طريقه إلى الاشتراكية، أم أنه "شعبي" ركبه شيطان الغرور؟..
كان يريد أن يلقي محاضرة بالإسكندرية، فاستدعى في حضوري مدير مكتبه، وكلفه بأن يسافر إلى الميناء الشمالي، ويدرس وضع القاعة، ومكان جلوسه، قبل أن يرتقي درجات المنبر، وأين يقف المصورون، لالتقاط صوره، وتسجيل محاضرته.. والفندق الذي سينزل فيه، واتجاه الغرفة التي يجب أن تكون مطلة على البحر.. ونوع الطعام الذي سيقدمه له.. وأمره بأن يأخذ معه مجموعة من الموظفين، ليكونوا في استقباله والإشراف على تنظيم الحفل..
ورجل في هذا التعقيد، لا يستغرب منه أن يترك الصحفيين ينتظروننا نحواً من أربع ساعات، لأننا أبلغناهم بأننا سنعقد "مؤتمراً صحفياً" عن الحالة المالية!..
وحين وصلنا، لم يصافح أحداً منهم، ولكنه وزَّع عليهم ابتساماته الحلوة...
وهذا وضع غير مألوف في "الإقليم الشمالي " ولا نعرفه!..
الأحد 3: اعتماد الميزانيتين
وقع الرئيس على الميزانيتين، العادية والإنمائية، كما عرضناهما عليه... فبالنسبة للميزانية العادية لعام 1960/1961 ألاحظ ما يلي:
بلغت تقديرات إيراداتها 512.225.000 ليرة سورية.
خفضنا ضريبة تعداد المواشي 9 ملايين ليرة، فأصبح 3 ملايين ليرة بدلاً من 12 مليون، تقديرات العام الماضي.. وسبب هذا التخفيض، موت أعداد كبرى منها، جوعاً وظمأً بسبب الجفاف المستحكم..
خفضنا إيرادات الجمارك 13 مليوناً، لأننا خفضناها على جميع المواد الاستهلاكية الغذائية، لجعل أسعارها رخيصة في متناول الطبقات الفقيرة.
حافظنا على تقدير إيراد التبغ والتنباك على ما كان عليه في الأعوام السابقة، وهو 32 مليون ليرة..
والسبب في ذلك أن المدمنين على التدخين، لن يخففوا استهلاكهم، وبعض الناس يفضلون الدخان مع الأسف على الضروريات..
خفضنا إيرادات البدل النقدي من 12 مليون في العام الماضي إلى مليون واحد فقط.
والرغبة من هذا التخفيض، المساواة بين الأغنياء القادرين على دفع البدل عن أولادهم حتى لا يتجندوا في القوات المسلحة لأداء خدمتهم العسكرية، وبين الفقراء الذين لا يجدون البدل النقدي "لتخليص" أبنائهم من هذا الواجب، الذي قال الدستور عنه "إنه مقدس"...
والذي أود أن أضيفه هو أن العجز كان كبيراً.. ولم يكن مرغوباً أن نفرض ضرائب جديدة.. لذلك قرر الرئيس أن "يمنح" الإقليم الشمالي من ميزانية الإقليم الجنوبي إعانة قدرها 22.225.000 ليرة!
أما بالنسبة للميزانية الإنمائية للعام نفسه، فقد بلغت أرقامها:
254.000.000 ليرة سورية.
وفيما يلي أبرز البنود التي تصرف عليها:
المشروعات الصناعية 33 مليون
النقل والمواصلات 63 مليون
مشروعات الري واستصلاح الأراضي 65 مليون
التربية والتعليم 20 مليون
المشروعات الصحية 6 ملايين
المشروعات الزراعية 16 مليون
الشئون الاجتماعية 5 ملايين
المرافق العامة والسياحة 16 مليون
المشروعات البلدية 18 مليون
ومن المشاريع التي كنا نعلِّق آمالاً جساماً على إنجازها:
مشروعات البترول، وقد خصص لها 25.650.000 ليرة
والسكك الحديدية 40.000.000 ليرة
والري والكهرباء 79.000.000 ليرة
والذي أريد أن أسجله، للذين كانوا يشيعون آناء الليل وأطراف النهار، أن مصر "نهبت" الإقليم الشمالي، هو أن هذه الميزانية الإنمائية "منحت" من عبد الناصر، مبلغ 30 مليون ليرة تحت اسم "مساهمة الإقليم الجنوبي"..
وبذلك تكون إعانة الإقليم الجنوبي "لشقيقه" الإقليم الشمالي 30 + 22.225 مليون، فيكون المجموع 52.225.000 مليون ليرة..
وبقي علينا أن نبحث عن تسهيلات ائتمانية من الخارج لمشاريع الميزانية الإنمائية، قدرت بـ94 مليون ليرة.. وكان أقرب جيب نضع يدنا فيه، دول المعسكر الشرقي.. لأن المعسكر الغربي، لم يكن راضياً أصلاً عن هذه الوحدة..
الأحد 3 تموز
بعد أن وقع الرئيس على الميزانية العادية والميزانية الإنمائية، قال لي إنه يريد أن يجتمع بي، الساعة 8.30 ليلاً في منزله بمنشية البكري.... وهو البيت المتواضع فعلاً، الذي كان يسكنه منذ أن كان ضابطاً في الجيش، واشتراه بما استدانه من صندوق الضباط الخاص، وما اقتصده من مرتبه على مدى سنوات طويلة..
وكان واقفاً في حديقة المنزل في انتظاري، وعلى وجهه الضحوك ابتسامته المعهودة الحلوة.
وتشعبت بنا سبل الحديث على مدى ساعتين كاملتين.. وكان كلما أشعل لنفسه لفافة تبغ، أشعل لي واحدة أيضاً.
بدأت بشكره على ما قدمه من لقمة الإقليم الجنوبي، وهو فعلاً في حاجة إليها، إلى إقليمنا الذي امتحنه الله بالجدب خلال أعوام، وردَّ بتواضع، بأن هذا واجب الأخ على أخيه، فالإقليمان، أصبحا دولة واحدة، ولا يصح أن يكون أحدهما "مترفاً" والآخر "محتاجاً".. وأضاف: الحمد لله، ففي الإقليم الجنوبي هذا العام فائض يبلغ سبعين مليون جنيه، رحَّلناه إلى الميزانية الإنمائية، لنعوِّض سنوات العجز...
وفيما يلي، موجز أمين للحديث:
1"- القرض الأمريكي
قال: اقترضنا من أمريكا مبلغ 36.50 مليون جنيه، ثمن كميات من قمحها الفائض في مخازنها، على أن نسدد ثمنه بالعملة المحلية (المصرية والسورية) لكي تنفق منه السفارة الأمريكية على حاجاتها المحلية...
وسوف توقع أنت على الاتفاقية، بالنسبة لما يخص الإقليم الشمالي.. ولكننا لن ندفع أي مبلغ أو بضاعة لسداد القرض.. وفعلاً أكلنا القمح ولم أوقع على العقد.. ولم تطالبني به السفارة الأمريكية.. لذلك لم ندفع ثمن هذه المواد.. بل إن بعض المؤسسات الخيرية الأمريكية الخاصة "تبرعت" لنا بكميات كبرى من الحليب المجفف والبيض المسحوق والزبدة.. وكان على الصناديق التي تحملها جملة: هدية من الشعب الأمريكي الصديق إلى شعب الجمهورية العربية المتحدة الصديق..
وحين عدت، وعرضت الموضوع على مجلس الوزراء السوري، طالب عبد الحميد السراج بأن تزال هذه الجملة عن الصناديق.. حتى لا تكون دعاية لأمريكا.. ولكني رفضت ذلك، خشية أن تتوقف الشحنات أولاً، ولأن إزالتها نكران للجميل.. فإما أن نأخذ وإما أن نترك..
وأصررت على أن يقرر المجلس تفويضي بالتوقيع على الاتفاقية المذكورة، التي لم أوقعها، تحسباً للمستقبل، خشية أن يقال إني تصرفت تصرفاً منفرداً على مسئوليتي الشخصية، أو ينكر البعض علمهم بها، أو يتناساها!.. واستجاب المجلس إلى طلبي، فقرر قبول المعونة.. وجاءت في أحسن أوقاتها.
2"- المحكومون السياسيون السوريون
أثرت موضوع هؤلاء المحكومين، من الوزراء والنواب السوريين، الذين حكمت عليهم محكمة عفيف البزري، بجناية العمل مع المخابرات العراقية، لقلب نظام الحكم في سورية، قبل قيام الوحدة، وهي المؤامرة المعروفة بالمؤامرة العراقية، وصدر الحكم عليهم في نهايتها بالإعدام بتاريخ 27 شباط 1957..
ولم ينفذ حكم الإعدام بأحد، بسبب تدخل الرئيس عبد الناصر شخصياً.. وتقرر إبدال هذه الأحكام إلى الأشغال الشاقة المؤبدة[1]..
وكان بين هؤلاء المحكومين الدكتور عدنان الأتاسي، ابن رئيس الجمهورية السابق هاشم الأتاسي، الذي نكن له ولجهاده أكبر تقدير، والدكتور سامي كبارة والنائب عادل العجلاني، والنائب صبحي العمري وبعض الضباط..
وسألني الرئيس عن انطباعاتي عن هذه المحاكمة.. فأجبته بكل أمانة الأستاذ وواجبه العلمي، بأنها لم تكن محاكمة عادلة، إذ قبلت محامين عن الادعاء الشخصي، دون أن يوجد مدع شخصي أصلاً.. وحتى لو وجد فإن القانون يمنع وجودهم أمام محكمة استثنائية.. كذلك فإن المتهمين حرموا من حق الدفاع عن أنفسهم... فأنا شخصياً لم أقبل الدفاع عن هايل السرور (نائب عشيرة المساعيد) لأن جوقة من هتافي المخابرات وقفت على باب المحكمة لتشتم المحامين الذين "يغامرون" بقبول الدفاع عن أحد من المتهمين..
وقد أهان رئيس المحكمة عفيف البزري، الأستاذ أحمد قنبر، الذي جيء به كشاهد لأنه نظر في ساعته، بعد أن تعب من الوقوف على رجليه طويلاً وهو يرد على استجواب القضاة والنيابة..
وأضفت ومع كل ذلك، فإن فرحة الإفراج عنهم، ستجتذب قلوب ذويهم، وتجبر كسرها..
وقال الرئيس: إنه اتفق مع عبد الحكيم وعبد الحميد السراج على الإفراج عنهم بعد أعياد الوحدة (23 تموز) ونقلهم إلى القاهرة، حيث يتم الإفراج عنهم "لأسباب صحية"..
وشكرت له هذه اللفتة الإنسانية..
3"- العلاقة مع العراق:
سألت الرئيس: هل من تحسن في علاقاتنا مع عبد الكريم قاسم؟ فقال: أبداً. إن العراق أصبح تحت الحكم الشيوعي وأصبح قاسم واجهةً لهذا المذهب، ولأعوانه الشيوعيين.. وهو يعتقد أن العراقيين يترقبون فرجاً يأتيهم من جهة ما.. وأطلعني على عدد من جريدة تنطق باسم قاسم في العراق، يتضمن مقالاً وقعه كاتبه باسم "ذي النون" وصف الشيوعيين فيه بأنهم "عملاء".. واستغربنا كيف مرت هذه الجملة على الرقيب الذي لا يرحم!.. واستطرد الرئيس فقال: صدقني أنه لولا قيام الوحدة، لكانت سورية معرَّضة إلى أهوال الشيوعيين وفظائعهم.. وهذه أحداث العراق شاهدة على دمويتهم!..
---
الحواشي:
[1] راجع تفاصيل هذه المؤامرة في كتابنا "رشدي الكيخيا" ص342 من المخطوط.