عام 1961 - الجزء 7: شعر بدوي الجبل والاعتداء الذي أودى بحياته

اقرأ بالإنكليزية

الخميس 25 أيار

صادفت أيام عيد الأضحى الرابع والعشرين حتى الثامن والعشرين من أيار.. وكانت ظروفي عادية، أقوم بأعمال الوزارة، وأقرأ في كتب القانون أو الأدب، حين تسنح لي فرصة أخلد فيها إلى نفسي..

وأخذت ديوان بدوي الجبل، زميلنا في الوزارة قبل الوحدة وفي مجلس النواب، وقرأت له قصيدته العصماء في "الكعبة الزهراء"، واخترت منها هذه الأبيات المؤثرة:

بنورٍ على أم القُرى وبطيب

غسلتُ فؤادي من أسى ولهيب

لثمت الثرى سبعاً وكحلت مقلتي

بحسن كأسرار السماء مهيب

وأمسكتُ قلبي لا يطير إلى (منى)

بأعبائه من لهفة ووجيب

فيا مهجتي: وادي الأمين محمدٍ

خصيبُ الهدى، والزرعُ غير خصيب

ويا مهجتي: بين الحطيم وزَمزمٍ

تركتُ دموعي شافعاً لذنوبي..

مواكب كالأمواج عجَّ دعاؤها

ونار الضحى حمراء ذات شُبْوب

تلاقوا عليها من غني ومُعْدِمٍ

ومن صبية زغب الجناح وشيب

أناخوا الذنوب المثقلات لواغباً

بأفيح -من عفو الإله- رحيب

ولو أن عندي للشباب بقية

خففت إليها فوق ظهر نجيب

هتكتُ حجابَ الصمت بيني وبينها

(بشبابة) سكرى الحنين خلوبِ..

وحين سألته ذات يوم، إن كان حج إلى بيت الله ووصف مشهد الحجيج بهذه الدقة، فأبدى أسفه على أن الزمان لم يتح له أن يتمتع بهذا النسك، ولكنه سمع من الحجاج، ورآهم يطوفون بعين خياله..

وحين حججت بعد سنين، تذكرتُ هذه الأبيات الرائعة وأنا في أحضان (منى)، التي خشي أن يطير قلبه إليها..

وللبدوي شعر وطني رائع.. ومن غرر قصائده "شماتته بالجبار" الفرنسي الذي كان يحتل بلادنا، وسقط عام 1940 تحت ضربات الجحافل الألمانية، فقال في هذه الإمبراطورية المهزومة:

يا سامر الحي هل تعنيك شكوانا

رق الحديد وما رقوا لبلوانا

خلِّ العتاب دموعاً لا غناء بها

وعاتب القوم أشلاء ونيرانا

آمنت بالحقد يذكي من عزائمنا

وأبعد الله إشفاقاً وتحنانا

ثاراتُ يعرب ظمأى في مراقدها

تجاوزتها سقاة الحي نسيانا

لا خالدُ الفتح يغزو الروم منتصراً

ولا المثنى على رايات شيبانا

قل للأُلىَ استعبدوا الدنيا لسيفهم

من قسَّم الناس أحراراً وعبدانا

إني لأشمت بالجبار يصرعه

طاغٍ ويرهقه ظلماً وطغياناً

سمعت باريس تشكو زهو فاتحها

هلاَّ تذكرت يا باريسُ شكوانا

والخيل في المسجد المحزون جائلةٌ

على المصلين أشياخاً وفتيانا

عشرين عاماً شربنا الكأس مترعة

من الأسى فتملي صرفها الآنا..

وكنت يومها في باريس، ورأيت فجيعة الشعب الفرنسي بهزيمته المنكرة، وعيشه تحت سنابك خيول هتلر نحواً من خمس سنوات..

وكنا نشارك البدوي شماتته بالذين أذلوا كرامة بلادنا!.

وللبدوي فيَّ بضعة أبيات ارتجلها ونحن جلوس في مقاعد الحكومة أثناء إحدى جلسات مجلس النواب عام 1955، وقد قرأ لي بعضاً من "أشعاري"..

قال يرحمه الله:

هذا قريضي لو تلوه بموسم

طرب الحجيج وزغردت عرفات

أدى الصلاة به "ابن حومد" مؤمناً

فقريضه للكافرين صلاة

شعر عليه من فتاه وضاءة

ومن البيان العبقري شياة

الفقه والأدب الرفيع المنتقى

وشمائل مزهوة وصفات

خُلَق عليه من السُّلاف عذوبة

ومن الجمال وسامة وحياة

ولم نكن على وفاقٍ في ميدان السياسة على دوام، ولكنا أصبحنا صديقين حميمين.

وقد زرته، بعد أن انهال عليه مجرم ضرباً بسلسلة حديدية وهو في شيخوخته الضعيفة، يتمشى في الشارع..

وكان هذا الاعتداء الآثم، كفراً بالعبقرية، انتهى به إلى مثواه الأخير..

وسبب الاعتداء قصيدته التي يقول فيها:

أغرورٌ على الغرار؟ لقد ذاب حياءً من الغرور الغرور

لم يُعانِ الوغى "لواء" ولا عانى "فريق"ٌ أهوالها و"مشير"

نحن موتى، وشر ما ابتدع الطغيان موتى، على الدروب تسير

اشتراكية؟ وكنزٌ من الدر

وزهوٌ ومنبرً وسرير

اشتراكية؟ تعاليمها الإثراء

والظلم والخنا والفجور

كل وغد، مصعَّر الخد لا سابور في زهوه ولا أزد شير!..

عبرةٌ للطغاة مصرعَ طاغ

وانتقام من عادل لا يجور

وقد أهدى إليَّ ديوانه، وامسك بالقلم بصعوبة ويده ترتجف.. رحمه الله وأجزل ثوابه..

الخميس 1 حزيران

دعانا قنصل الهند العام، السيد سفراني إلى حفل عشاء، أقامه على شرف السيد همايون كبير، وزير العلاقات الثقافية الخارجية في حكومة الهند الفيدرالية، والسيد عظيم حسين، سفيرها في القاهرة العاصمة الجديدة..

وتناولنا طعاماً هندياً كثير التوابل، لم نألفه من قبل..

وساعد هذا الطعام على "إغلاق" الشهية، حرارة الطقس..

ولكن الشهية إلى الأحاديث السياسية، كانت "مفتوحة"..

وكان الحديث عن عدم الانحياز.. وهذا موضوع علكناه كثيراً حتى مججناه..

غير أن الحديث عن كشمير كان أكثر جذباً وأشد حدة..

فمقاطعة كشمير ذات غالبية مطلقة إسلامية.. ولكن حاكمها هندوسي.. وهي مسقط رأس زعيم الهند جواهر لال نهرو، الهندوسي..

وحين قررت بريطانيا منح الهند الاستقلال، أعطت الخيار لحكام الولايات (وليس للشعب) باللحاق بالهند أو بالباكستان فاختار مهراجا كشمير الالتحاق بالهند، ضارباً عرض الحائط بإرادة شعبها المسلم..

ومن يومها والقلاقل لا تهدأ..

وقد سبق لي أن أبرقت، ذات يوم، مع بعض النواب، إلى حكومة باكستان أؤيدها باستعادة شطر بلادها المغتصب..

واختارت حكومة الهند ممثليها - في الغالب - من مواطنيها المسلمين للبلاد الإسلامية..

وقد أسرَّ لنا الوزير همايون، بأنه يوجد في الهند خمسة وأربعون مليون مسلم، منهم أربعة ملايين في كشمير، مع العلم أن نفوس كشمير خمسة ملايين، منهم المليون الخامس تحت الحكم الباكستاني.. كما قال.

وهو يعتقد أن حل قضية كشمير عسير جداً، وأحد أسباب هذا العسر، عدم وجود حكومة باكستانية قوية تستطيع المفاوضة على حل جذري..

وهو يرى أن عدم وجود نظام برلماني سليم في باكستان يضعف كثيراً من قوة حكومتها..

وفي قناعته، أنه لو فتحت الحدود بين جزأي كشمير، لانتقل إلى القطاع الهندي أكثر من نصف مسلمي باكستان..

ولما انتقل من المسلمين الهنود إلى باكستان أكثر من خمسين ألفاً..

وأدرك الأستاذ نهاد القاسم على الفور، أن سيادة الوزير الهندي من جماعة أبو الكلام آزاد..

الذي سبق لنا أن سمعنا منه مثل هذه الآراء في زيارة سابقة له إلى دمشق... وهم من أنصار وحدة القارة الهندية وضد قيام دولة باكستان المسلمة!..

ومن عجب أن سيادة الوزير كان ينطلق من فكرة حبه لوطنه ودينه!..

الاثنين 5: على مائدة رشدي الكيخيا بحلب

اجتمع أحد كبار موظفي المالية بتجار حلب، وقال لهم، بأنهم لا يدفعون للدولة ما يترتب عليهم حيالها من حقوق، بصورة أمينة، وأنهم يتلاعبون بدفاترهم التجارية، ويهربون الأموال إلى الخارج..

ويعملون بقروض يستلفونها من المصارف..

لذلك لا بد من محاسبتهم محاسبة عسيرة..

فأحدث فيهم ذعراً، جاءتني أصداؤه..

وما قاله الموظف حق، وليس فيه تجن على الواقع والحقيقة..

غير أن الظروف الاقتصادية الحساسة التي تنيخ بكلكلها على البلاد، لا تسمح بمثل هذا التصريح، الذي ضخِّم وزيد عليه ما لم يقله الموظف..

وبما أن حلب هي مركز الثقل التجاري والصناعي في البلاد، وترفد ميزانية الدولة بنسبة كبيرة، حتى أن بعض الخبراء الماليين قدروا هذه النسبة بستين في المئة (قبل الوحدة)، وأن كل اضطراب اقتصادي فيها سيكون له أثر سيء على الأوضاع المالية، رأيت أن أقوم بنفسي بالاجتماع إلى تجارها بدعوة مني في مكتب مدير المالية الإقليمي.. وتوجهت إلى حلب مسرعاً...

وحين جلست أتحدث إليهم، كانوا في غاية الحذر والارتياب.. ولكن حين طمأنتهم بأنني لن أخرج عن القوانين النافذة، التي يعرفونها جيداً، ولا عن التعامل الذي درجنا عليه، عاد الاطمئنان إلى النفوس إلى حد كبير...

أقول إلى حد كبير، لأني أعرف أنهم يحسبونني على الاتجاه اليساري، الذي لا يكنون له وداً ولا يثقون به..

وكانت هذه السفرة مناسبة روتينية، تفقدت خلالها دوائر المالية في المحافظات التي تقع على طريق سفري إلى حلب حمص وحماة، وجعلت عودتي عن طريق إدلب واللاذقية..

وفي حلب، دعاني رشدي الكيخيا إلى عشاء أقامه في ناد جديد لم أسمع به من قبل، هو "نادى الموغامبو".. وحضر الحفل أقطاب حزب الشعب "السابق"..

وتحدثنا في الأوضاع العامة..

وشعرت أنهم يعيشون في أجواء قاتمة عن إشاعات يروجها دعاة السوء ضد الوحدة..

وكان بينها أكاذيب لا أساس لها من الصحة..

وبينها وقائع شوه تفسيرها بنية سيئة..

وكانت مناسبة لي لأبدد كثيراً من المفتريات التي تقلق الناس..

وسألني رشدي الكيخيا: لماذا لا تكذبون الإشاعات المختلقة؟ وقلت له: من فطرة الناس أن ينشروا أنباء الفساد، ولو كانت مختلقة.. وقل أن يتناقلوا أنباء الأعمال الصالحة.. كقاعدة عامة..

ثم إن أنباء الإشاعات لا تصلنا في الوقت المناسب.. أو لا نسمع بها بالمرة..

ومن عادة المراجعين، أن يهتموا بإنجاز مصالحهم،... وهم يخشون الخوض فيما يخرج عن إطارها، حتى لا يغضبوا صاحب القرار فيتضررون..

وهذه عادة ألفناها..

ولقد كنت أسمع دوماً المديح والإطناب، والاستمساك بالوحدة و"الموت في سبيلها" و"في سبيل القضية"..

ولكن قليلين يفتحون لنا قلوبهم بالحق..

فنسعى إلى توضيح ما هو في نطاق اختصاصنا، ببلاغ أو تصريح صحفي.. وقد أشعروني جميعاً بأن الوحدة قدر أمتنا، ولا حياة لها بدونها،.. وإذا وقعت فيها بعض الأخطاء التطبيقية، فإنها يجب أن تصحح، ولكن في إطار الوحدة..

وارتحت جداً مما سمعت..

وارتحت أكثر من اتجاهات أصحابي القدامى، في إخلاصهم لوطنهم ورئيسه.. وما أوسع الشقة بين موقف البعثيين، الذين قادوا البلاد إلى الاتحاد ثم الوحدة، غير أنهم ما لبثوا أن انقلبوا عليها، وبين موقف "الشعبين" الذين رفعوا شعار الاتحاد، وصوتوا له، فلما ارتفعت راية الوحدة، التفوا حولها وصوتوا لها بالإجماع، ولم ينالوا شيئاً من "ثمراتها"..

وظلوا على ولائهم لها، على الرغم من أنف التقارير المغرضة التي كانت ترفع للرئيس عنهم.. وعني كما علمت فيما بعد!..

فنحن في حلب، لا نبيع أمة بعاصمة..

الاثنين 12

وصلتني برقية من رئاسة الجمهورية، تدعوني إلى القاهرة لمناقشة بعض القضايا المالية، ومنها التصويت على ميزانية الإقليم الشمالي في مجلس الأمة..

وصعدنا إلى الطائرة السورية.. وراحت تتهاوى على المدرج حتى وصلت إلى نهايته، وتوقفت، لماذا يا جماعة الخير؟.. وجاءنا المذيع اللطيف، بابتسامته الرقيقة، يطلب إلينا أن ننزل من الطائرة، ونعاون في دفعها لعلها تتمكن من الطيران..

ونزلنا فعلاً، ودفعناها بضع مئات من الأمتار.. ولكنها رفضت أن تستجيب لتوسلاتنا..

وقالوا ارجعوا إلى قاعة الركاب فرجعنا..

وبقينا نراوح جيئة وذهاباً فيها..

وفي كل نصف ساعة، تجيئنا البشرى، بأننا على وشك الإقلاع..

وأقلعنا.. وتوقفت بنا "الراحلة الهرمة" في بيروت.. طويلاً.. ومع ذلك، فقد أوصلتنا إلى القاهرة، متأخرين نحواً من ست ساعات..

ومازحني القيسوني قائلاً: غاغارين أسرع منك فهو يطوف حول الكرة الأرضية في ساعة ونصف الساعة!..

ووصلت "الهلتون" حيث حجزت لي غرفة، في الساعة الثانية صباحاً، منهكاً مرهقاً:

أين الشباب وأية سلكا

بل أين يطلب، ضل أو هلكا

لا تعجبي يا سَلْم من رجل

ضحك المشيب برأسه فبكى

ومع ذلك، فنحن محظوظون، فقد وصلنا الدار سالمين..

ومن غريب الصدف، أن طائرة هولندية، تابعة لشركة K.L.M المعروفة ارتطمت بتل قريب من المطار، هذا الصباح، فاشتعلت فيها النيران، ومات جميع ركابها محترقين بألسنة اللهب!..

كذلك فإن طائرة روسية "غرزت" دواليبها في الرمال، ظهر اليوم، فتعطل المدرج وتوقف الطيران..

وقد علمت أن قائد طائرتنا شاهد النيران تأكل كل الطائرة الهولندية وركابها، فأصابه انهيار عصبي، وقرر التخلي هن هذه "المهنة"..

وفي الصباح توجهت إلى مجلس الأمة، لمناقشة ميزانيات إقليمنا الشمالي في اللجنة المالية، ثم لإقرارها من قبل مجلس الأمة..

في اللجنة المالية، استقبلت الميزانية بالثناء والتقدير

ولم أكن أتوقع لها أية مقاومة، ولست أدري لماذا يقاومها نائب وهي محكمة التناسق، سليمة الأرقام، صحيحة الاتجاهات..

وإذا نطقت الأرقام الفصيحة، فإن الحجة تكون دامغة.

وإذا صحت المقدمات، صحت بالتالي النتائج.

كذلك لم تعترضني في اللجنة المالية، وثلثاها مصريون وثلثها سوريون، أية عقبات حين شرحت لأعضائها دواعي قانونين، اقترحتهما بالاتفاق مع الرئيس والقيسوني:

الأول: يتضمن إقراض مؤسسة التبغ والتنباك السورية مبلغ 30 مليون ليرة سورية ليكون لها رأس مال دائم تشتري به وتبيع..

ومعلوم أن هذه الإدارة، موروثة من عهد الانتداب الفرنسي، واستمرت بعده.

وكانت وزارة المالية تقرضها قروضاً موسمية، لتدفع لمزارعي الدخان أثمان الأوراق التي تشتريها منهم، ثم تصنعها سكاير جاهزة تعرضها للبيع لاستعمال المواطنين، ومن أثمان المبيع، تدفع نفقات تشغيل الإدارة ورواتب الموظفين وتسدد للدولة القروض التي استلفتها..

وكان يحدث أحياناً ألا تجد "مديرية الخزينة" أموالاً سائلة في صندوقها لتقرضها في الوقت المناسب لإدارة التبغ والتنباك، فلا تجد هذه أمامها إلا التسويف والمماطلة في دفع حقوق المزارعين الدائنين..

فإذا أصبح لها رأس مال دائم، انتهت عمليات الاقتراض والتسديد..

لذلك كان لا بد من استصدار قانون يجيز لوزارة المالية أن تضع في التداول أوراقاً مالية، دون رصيد من ذهب، تحدد فئاتها وأوراقها بقرار من وزير المالية..

والعملية في جوهرها عملية تضخمية، لا ريب فيها، ولكن الدولة كانت في حاجة إليها، لتسهيل أعمال إدارةٍ ذات أهمية كبرى في اقتصاد الدولة، ولتستطيع وزارة المالية أن تتوسع في تغطية أبواب ميزانيات الوزارات، لكي تستطيع أن تعمل، وهي واقفة على أرض صلبة، في ظروفنا الصعبة..

والثاني، يتضمن تخصيص رأس مال دائم لإدارة الجمارك بقيمة 15 مليون ليرة لنفس الأسباب السابقة..

ولم يجد أحد من النواب ما يقوله في هذين القانونين، حين عرضهما رئيس المجلس، أنور السادات للمناقشة، ثم للتصويت..

ولكن بعض ممثلي الأمة، طرحوا عليَّ أسئلة عن الوضع المالي بصورة عامة..

وأجبتهم، بما لي من خبرة برلمانية سابقة.. ومعرفة تامة بالوضع المالي ومداخيله ونفقاته..

ومع ذلك فقد تجنبت الخوض كثيراً في موضوع ميزانية القوات المسلحة (الجيش الأول)، لأنني كنت أخصص لها مبلغاً مقطوعاً، ثم لا أعود أعرف عنه شيئاً..

إلا مرة واحدة، حضرت فيها مناقشة ميزانية وزارة الدفاع، أو على الأصح مناقشة بعض أبوابها.. حين أخذني المشير عامر من يدي، ودخلنا قاعة الاجتماع في بناء القيادة المشتركة..

وكانت هذه السابقة بالنسبة لي حادثة مذهلة..

لأنه "سمح لوزير المالية أن يطلع على بنود ميزانية كان الإطلاع عليها "ممنوعاً"..

وكان التعاون بين السلطتين التنفيذية (التي مثلتها في هذه المناقشة) والتشريعية جيداً، وقد امتدحتني بعض الجرائد على إيضاحاتي ومما قالته جريدة الوحدة يوم 13 حزيران 1961:

"إن جلسة مناقشة الميزانية كانت أمس من الجلسات الهامة والموفقة..

وإلى الدكتور عبد الوهاب حومد يرجع فضل كبير في رفعها إلى هذا المستوى.."

وقد أخبرني بعض الأصدقاء، أن بعض النواب السوريين، يزورون تواقيعهم لكي يحصلوا على تعويض الجلسات.. وهم، لذلك، يقدمون الرشاوي والهدايا لبعض موظفي المجلس الإداريين، ليضعوا لهم تواقيع تثبت حضورهم الجلسة، في حين أنهم غائبون عنها يسترخون في بلدهم!..

وماذا يستطيع أن يفعل رئيس المجلس؟ وهل يمكن أن يكون له مئات العيون ليرصد كل نائب في مسلكه في المجلس وفي البيت المفروش الذي استأجره؟..

ألم يقل لنا الشاعر الحكيم؟

لا ترعوي الأنفس عن غيها

ما لم يكن منها لها زاجر