بين يدي هذه المذكرات - الجزء 17: نقد رسالة أكرم الحوراني في الوحدة العربية وانقسام حزب البعث ثلاث فرق
الأربعاء 29
وجه إليّ الدكتور القدسي دعوة إلى تناول العشاء على مائدته، مع أعضاء «لجنة الشؤون العربية».. وبما أنني استقلت من عضويتها ببرقية أرسلتها إلى رئيس مجلس الوزراء، فإني لم أرَ سبباً لقبول هذا العشاء الذي فقد مبرره ومعناه، لذلك اتصلت بالمراسم، وأبلغت المسؤول اعتذاري عن عدم استطاعتي تلبية دعوة الرئيس..
وعلمت أن الذين حضروا الدعوة تسعة أشخاص، هم الأساتذة أسعد الكوراني (الذي نجح في الانتخابات عن حلب) وأسعد هارون وأكرم الحوراني وأمين النفوري والدكتور جميل صليبا (أستاذ الفلسفة الكبير والمشهود له بالكفاءة والتواضع) وهاني السباعي وسعيد الغزي وعبد الكريم الفرحان وفرحان الجندلي..
وكنا في جلسة أخوية مع رشاد برمدا، وقد استولت عليه عصبية مفاجئة دون أي استفزاز من أحد، فراح يندّد بسياسة الرئيس عبد الناصر تجاه الوضع السوري، واستعمل جملة غير لائقة، حين قال: «لو قلعت عيناه فلن يرى سورية». واستغربنا منه هذه الحدة، التي لم نعتدها منه. ونبهناه إلى أنه رئيس عربي كان إلى شهر رئيسنا، وأنه هو الذي وقع على مرسوم تعيينه - الأستاذ برمدا - رئيساً لهيئة قضايا الحكومة.. ثم إنه حتى الأمس كان يكيل له المديح في إثر المديح!.
الخميس 30: رأي أكرم الحوراني في الوحدة
اشتريت مع الجرائد اليوم، دراسة عنوانها «رأي الأستاذ أكرم الحوراني في الوحدة العربية» مؤرخة في 20 مايس 1962، وقيمتها 25 قرشاً سورياً، وهي مؤلفة من 20 صفحة من القطع الصغير.
ويبدو أن أحد الصحفيين هو الذي صاغها، لأنها أتت على شكل سؤال وجواب.. وفيها آراء غير مفهومة، كقوله:
«إذا كان العلّم الواحد والنشيد الوطني الواحد وشعار الدولة الواحد والرئيس الواحد والحكومة الواحدة، كلها مظاهر وأدلة على قيام الدولة السياسية الموحدة، إلا أن هذا لا يعني بحال من الأحوال أننا إذا وحدنا العلم والنشيد والشعار وأقمنا الرئيس الواحد والحكومة الواحدة نكون قد وصلنا إلى الوحدة السياسية المرجوة لأمتنا وأقمنا الدولة العربية الموحدة».
إذن.. مم تتألف الدولة السياسية؟.. إن أي أقطار تنضم تحت علم واحد ونشيد واحد وشعار واحد وحكومة واحدة ورئيس واحد، هي بالقطع دولة واحدة موحدة.
ويرى الأستاذ الحوراني أن الإرادة الحرة الواحدة وتأمين المصلحة المشتركة والمتكافئة بين مختلف الأقطار العربية، شرط أساسي لقيام وحدة صحيحة.
وهو يعترف بأن الدعوة التحررية البناءة وجدت صداها الأول والأقوى في بلاد الشام وأن «الانفعال بهذه الدعوة ما زال أعمق في نفس الفرد العربي في بلاد الشام».
وبعد ذلك يدخل في «عالم الأحلام».. لأنه «يصر على أن تحضير مشروع لتوحيد الأمة العربية في كيان سياسي لا يجوز أن تنفرد به سورية وحدها كما لا يصح أن ينفرد به أي بلد عربي آخر.. والطريق إلى تحقيق الوحدة العربية أن تكون جميع البلاد العربية ممثلة بحركاتها الطليعية ونخبتها الفكرية.. ومتى تبلورت هذه الدراسات في مناهج واضحة ومشاريع مدروسة طرح ذلك كله على الأمة العربية في جميع أقطارها للمناقشة الحرة.. وبعد ذلك يأتي المؤتمر العام للاجتماع لاستعراض هذه المناقشات فإذا أقرّها، أصبحت دستوراً للوحدة العربية الشاملة».
ثم ينتقل إلى الهجوم على عبد الناصر ويتهمه بأنه «زّيَّف شعار الوحدة العربية، وشعار الاشتراكية كما يزيف شعار الديمقراطية، وأنه يحلم بإقامة إمبراطورية يحكمها حكماً فردياً لا يستند إلى الشعب ومنظماته وإرادته الحرّة..».
وينهي «دراسته» بالقول إن «الطريق الصحيحة للوحدة العربية إنما تقوم على أساس التحرر من كل نفوذ استعماري، والإيمان بالديمقراطية السياسية والاجتماعية.. وأن من واجب الطليعة العربية أن تهدم الطغيان والرجعية.. وأن على شعبنا العربي اليوم أن يسير في الاتجاه الصحيح لبناء الوحدة العربية ويناضل في سبيلها».
ومن المؤكّد أن الأستاذ الحوراني، يكره الوحدة السياسية، على طريقة بسمارك الذي وحّد ألمانيا وبالقوة، وغاريبالدي الذي فعل الشيء نفسه في إيطاليا خلال القرن التاسع عشر.
ولكن الذي حدث في وحدة مصر وسورية، والتي كان للأستاذ الحوراني دور شكلي بارز فيها، وهو ما اعترف به أثناء الانفصال، لأن الضباط هم الذين دفعوا مجلس النواب والحكومة، وعلى رأسها الرئيس القوتلي، إلى الهرولة إلى مصر لطلب موافقة عبد الناصر على هذه الوحدة. الذي حدث هو أن وحدة قامت، وكان هذا كسباً عظيماً تحقق للأمة العربية.
ومن أسف أن البعثيين استقالوا في منتصف الطريق، لأن عبد الناصر رفض أن يمكنهم من حكم سورية، كما طلبوا منه ذلك ولم يبقوا على الحياد، بل انضم كثير منهم إلى المجموعة المناوئة للوحدة المذكورة، والتي تدعمها وتمولها القوى الاستعمارية والأنظمة العربية الرجعية.
وتمكن خصوم الوحدة من القضاء عليها، وهي في «عز شبابها»، فقصفوها كما يقصف الغصن الأخضر، وقبروها وهي لا تزال صبية، غضة الإهاب.
وقد يقبل من مخلص عاقل أن يتذرع بالتريث «للدراسات العلمية» من أجل إقامة وحدة «سليمة»، أما وإن هذه الوحدة قد قامت، فإن السعي للقضاء عليها والمشاركة هذا السعي، هو الجرم الذي لا يطاله غفران ولا عفو، لا من الله ولا من العباد..
ولا يجوز لباحث وطني أن يغمض عينيه عن التطورات التي عرفتها هذه السنوات الثلاثون الأخيرة على مستوى العالم.
فقد انتصبت فيه قوى عملاقة، ذات إمكانيات عسكرية هائلة، وأسواق اقتصادية واسعة، ربما كانت قادرة على الاكتفاء الذاتي، بسبب تقدمها العلمي والتكنلوجي، وإمكاناتها الاقتصادية والعسكرية الفائقة.. كالولايات المتحدة الأمريكية (التي اندمجت في سوق اقتصادية ضخمة مع كندا والمكسيك) والاتحاد السوفيتي الذي ناء تحت نفقاته العسكرية فتصدع وتهاوى، ولكن روسيا التي قامت على أنقاضه، لا تزال قوة عسكرية مخيفة، والصين التي تؤلف قوة نووية مرعبة وسوقاً اقتصادية تضم أكثر من مليار إنسان، واليابان معجزة القرن العشرين الاقتصادية والتكنولوجية.
أما أوروبا، وهي مهد الحضارة والصناعة والاقتصاد المزدهر، فقد تخلت عن مفاهيم السيادة القديمة، وتناست أحقادها ودماءها، وراحت تتجمع في «اتحاد أوروبي» هو في تنامٍ مستمر، قد يضم جميع الدول الأوروبية، الغربية والشرقية، من أجل تكوين كيان ذي صفة وحدوية، تتوحد فيه الاقتصاديات وتنطلق منه البضائع المصنعة لتزاحم البضائع الراقية في السوق الدولية.. وقد أدركت أن بقاء دولها، وهي من أرقى دول العالم تقدماً وثراء، لا تستطيع العيش في مصطرع التكتلات الاقتصادية (والسياسية) العالمية، ولم تجد أي حل لبقائها على مستواها الاقتصادي الرفيع وتأمين سلامتها القومية والسياسية، إلا بالسعي لإقامة هذا الاتحاد الذي تنعم في ظله.. وقد قسّم الحلفاء المنتصرون في أعقاب الحرب العالمية الثانية عام 1945 ألمانيا المنهزمة إلى قسمين، قسم شرقي ظلله جناح الاتحاد السوفيتي، فتخلف، وقسم تعهده الغربيون بالرعاية، فانتعش، وأصبحت ألمانيا الغربية عملاقاً اقتصادياً عالمياً، وذات عملة أقوى من الذهب. وحين سمحت الظروف الدولية للألمان، بأن يوحدوا أنفسهم، أقدموا على ذلك بحماسة، وهم يعرفون العبء الثقيل الذي سيتحمله الألمان الغربيون من جراء هذا التوحيد.. ولو فكروا بالمصلحة المادية وحدها، لما تحققت لهم وحدة أبداً في مستقبل منظور.
وكل منصف يعرف أن مستقبل الأمة العربية مرهون بتوحدها، وهي ذات مئتي مليون إنسان، لا أمل لهم في عيش كريم، إلا إذا شكلوا سوقاً واحدة، وتبنوا فلسفة قومية واحدة.
وإذا كان البترول نعمة على الدول البترولية، فإنه في الوقت نفسه نقمة عليهم.. لأن الدول الكبرى ذات المطامع في البترول، هي التي تتحكم في مصائرها وثرواتها.. ولو أدركت هذه الدول حقيقة مصالحها، لما ضيقت أبخرة النفط صدورها، ولما تركت الجشع والمتعة المالية وإشباع الغرائز تُفقدُها البصر والبصيرة.
وقد قرأت مؤخراً في بعض المجلات، أن رقم أعمال شركة نستلة السويسرية، التي تصنع الشوكولا وحليب الأطفال، أربى في العام الماضي على 32 مليار دولار، وهو رقم يناهز أو يفوق ما تدره آبار البترول على الدول النفطية مجتمعة.
ولم أتحدث عن الخطر الصهيوني، لأن كل عربي وكل مسلم يعرف مآسيه وأخطاره.. ولن يقلل من هذه الأخطار، معاهدات الصلح التي انجرت إليها مصر والأردن والفلسطينيون.. ويتراكض المهرولون إلى عقدها، حتى لا تفوتهم «الفرص» لإرضاء السادة الأميركان.. ولن يفت في أعضاد القوميين العرب، هذا الخدر الذي أصاب مفهوم القومية العربية..
وقد أصبح مؤكداً، أن حزب البعث العربي الاشتراكي يعاني من انشقاقات كبرى. وهو الآن ثلاث مجموعات متضاربة:
أكرم الحوراني وجماعته (القطريون) وهم يؤيدون الانفصال ويناصبون عبد الناصر العداء، (رحم الله أكرم الحوراني).
وجماعة عفلق والبيطار (القوميون)، وهم يحنون إلى الوحدة ويذيعون البيان تلو البيان، مطالبين بوحدة مدروسة مع مصر.. (ورحم اللّه عفلق والبيطار).
والمنشقون عن الكتلتين، الذين يطالبون بوحدة كالوحدة التي كانت بين مصر وسورية، ويحددون «وحدويتهم» بضرورة إعادة الوحدة السابقة.
وقد حدثني أخ من «البيطاريين» بأن القيادة القومية البعثية اجتمعت منذ أيام في حمص، دون أن يكون فيها ممثلون بعثيون سوريون، وطلبت إلى الحوراني وجماعته العدول النهائي عن تأييد الانفصال. ولكنه وجماعته رفضوا، فقررت هذه القيادة فصلهم. وعلى رأس المفصولين: أكرم الحوراني وخليل كلاس وعبد الغني كلاس وعبد الغني قنوت ووهيب الغانم وعبد الفتاح الزلط ورياض المالكي.
غير أن هذا الجناح القطري رفض الاعتراف بشرعية فصله، بل وبشرعية المؤتمر الخامس من أساسه، وعقد «مؤتمراً قطرياً» أذاع في 25 حزيران 1962، بياناً اعتبر نفسه حزب البعث.
ودعم التنظيم البعثي العسكري هذا الجناح[1].
الأربعاء 6 حزيران
ألقى الدكتور بشير العظمة، بيان الحكومة الجديدة، الموجه إلى الشعب.. وقد تضمّن البيان ثلاثة مبادئ:
الأول: «إن الاتجاه التقدمي الاشتراكي لا بد أن يوجه سياسة البلاد الاجتماعية والاقتصادية وأن البلاد لا تقبل أي رجعة إلى الوراء، ولا بد أن تكون الخطة التي ترسمها الدولة خطة تؤدي إلى السير نحو الاشتراكية بخطوات أكيدة، آخذة بعين الاعتبار واقع البلاد الاقتصادي وضرورات تشجيع رأس المال الوطني».
وبرت الحكومة بما وعدت في هذا المبدأ..
فقد أممت الشركة الخماسية، وأصدرت قانوناً بتنظيم المصارف، وأعادت النظر في التعديلات التي أدخلها الانفصاليون على قانون الإصلاح الزراعي، ونظمت توزيع الأرباح على العمال في الشركات المؤممة.
وكانت تدابير متواضعة، وقفت في منتصف الطريق بين تدابير الوحدة الجذرية، والاتجاه الرأسمالي المتطرف في عهد حكومة الانفصال الأولى.
والمبدأ الثاني: يقوم على أساس أن «البلاد، قررت انتاج سياسة قومية، وحدوية وهي جادة في طريق تحقيقها، مؤمنة بأن هذه الوحدة لا تأخذ كامل مداها ولا تعطي ثمراتها المرجوة، إلا إذا جاءت وفق أسس مدروسة سليمة.
(وهذا هو التعبير المفضل لدى الأستاذ صلاح البيطار وإخوانه).
لقد أدركت الحكومة وأدرك معها الشعب، أن في البلاد ثلاثة خيارات أساسية، فيما يتصل بالوحدة:
التيار الأول: هو التيار الانفصالي، الذي يحاول تكريس الانفصال، متخذاً من الأخطاء التي وقعت في عهد الوحدة ذرائع ومبررات لضرب مبدأ الوحدة نفسه أو التشكيك فيه. ويقف وراء هذا التيار قوى تستهدف التمكين للاستعمار والصهيونية.
والتيار الثاني، هو الذي يطالب بوحدة فورية لا تمهد لها دراسة ولا تحميها أسس. ومثل هذا التيار لا يريد أن يفيد من تجربة الوحدة الماضية وأخطائها. «وهو تيار لا يقل في خطره على الوحدة من التيار السابق».
أما التيار الثالث، فهو التيار الذي انتهت إليه البلاد في كثرتها الغالبة، وهو الذي تأخذ به الحكومة، بكل عزم وتصميم، إيماناً منها بأنه الحل الواقعي الحقيقي للموقف القادر وحده على أن يمكّن سورية من القيام بدورها في الوحدة.. لهذا فهو يعتبر أن المهمة الملقاة على عاتق البلاد، فيما يتعلق بالوحدة، هي مهمة بذل الجهود من أجل وضع الأسس الكفيلة بضمان الوحدة وتكوينها تكويناً يمكنها من البقاء والاتساع. وهذا هو الخط الذي تسير عليه الحكومة.
وتؤمن جمهرة الشعب بأن الوحدة هي طريق النجاة والقوة للأمة العربية، غير أنها تؤمن في الوقت نفسه أن كل ارتماء في وحدة غير مدروسة لا يخدم أغراض الوحدة، بل يخدم أغراض الانفصال.
وترى الحكومة إعادة البحث في الوحدة مع مصر ضرورة قومية ومطلباً واقعياً تمليه ظروف البلاد العربية القائمة، ولا بد أن يكون البدء بهذه الوحدة مع مصر هو الخطوة الأولى مع سائر الأقطار العربية.
ورغم جو التشكيك بنوايا الحكومة من التيارين الانفصالي والمطالب بالوحدة الفورية، عمدت الحكومة بعد دراسة طويلة إلى تسمية أعضاء هذه اللجنة (وهي اللجنة التي تضم أكثرية انفصالية كبرى) دون استشارتهم قبل تسميتهم اختصاراً للوقت، وقناعة منها بأن المدعوين لا بد أن يتحملوا مسؤولياتهم القومية في هذه المرحلة الدقيقة.
وأملنا أن تنضم إلى هذه الوحدة الجديدة (المشكلة من مصر وسورية) دولة «العراق الشقيق، بحيث يتكون اتحاد عربي قوي.. يكون بمثابة العمود الفقري للوحدة العربية الشاملة..».
ولم تنسَ الحكومة الكريمة أن تزف إلى المواطنين بشرى وضع دستور جديد وقانون حديث للانتخابات..
ووعدت المواطنين بأن تنفذ هذه المبادئ خلال ستة أشهر.. لا أكثر.
وفي ختام بيانه هاجم الرئيس «المحاولة التي تستهدف إعادة المجلس النيابي السابق» الذي اعتبر منحلاً بتقديم أكثر أعضائه استقالتهم، وإنه لمن «واجب الحكومة أن تذكر القائمين بهذه المحاولة بأخطار عملهم هذا، وأن تحملهم المسئولية كاملة». وهو في هذه الفقرة الأخيرة يشير إلى العريضة التي تقدم بها النواب المستقيلون إلى رئيس الجمهورية، وعَرَّضُوا فيها بالجيش الذي يرفض عودتهم، وطالبوا بإعادة مجلسهم المنحل.
ويبدو لي أن الحكومة تسعى إلى كسب الوقت أكثر مدة ممكنة، وتمييع مسألة الوحدة. وليس عندنا ذرة من إيمان بوحدوية رئيس الجمهورية وأنصاره ووحدوية رئيس الحكومة نفسه وأكثرية أعضاء حكومته.
---
الحواشي:
[1] الدكتورة نجاح محمد، الحركة القومية العربية في سورية ص465. والدكتور جورج حيدر، الفكر السياسي المعاصر في سورية، طبعة 2، 1993، ص146.