عام 1963 - الجزء 6: صمت الرئيس القدسي حين طالبه الضباط بتكليف حومد رئاسة الحكومة
السبت 23
كان لي اليوم حديث مطوّل مع الأستاذ صلاح البيطار في بيته..
الأستاذ متضايق، لأنه لا يزال «يلملم شتات حزبه الذي تمزق»، وأصبح ثلاثة أحزاب:
حزبه «الوحدوي الصافي» الذي شكّله بعد ندمه على توقيعه عريضة الانفصال وتوبته النصوح من فيروس الانفصالية.. وتبنّي «الوحدة المدروسة».. والجماعة الغارقة في الضلالة مع أكرم الحوراني، وجماعة «الوحدويين الاشتراكيين» الذين يطالبون بعودة الوحدة، كما كانت. وسوف تكشف الأيام أن بعض هؤلاء الأخيرين، ساروا مع «التيار القادم» واندمجوا فيه، ونسوا الوحدة المدروسة والوحدة الاندماجية.
وحدّثني الأستاذ صلاح، بأنه فعلاً رفض دعوة الدكتور القدسي إلى مقابلته.. وأضاف بأن ضابطاً، هو العميد عدنان عقيل، زاره مؤخراً، وقال له إن هناك مجموعة من الضباط يريدون إقامة اتّحاد مع العراق، ضد الجمهورية العربية المتّحدة.. ولكن الأستاذ سّفه الفكرة، وقال لمحاوره إن العراقيين لن يقبلوا البحث فيها، وأنّه نفسه، تحدّث معهم، حين كان في بغداد في إمكانية إقامة وحدة ثنائية، إلا أنهم رفضوها، وقالوا إنهم يرفضون رفضاً قاطعاً سياسة المحاور العربيّة.
وقال الأستاذ صلاح، إن الوضع السوري أصبح في ورطة لا يعرف أين يتجه فيها، وهو يبحث عن مخرج من ورطته، ولكن لا يعرف طريقاً توصله إلى سلامة.
واستشهد على قوله هذا، بالخطَابين اللذين ألقاهما قائد الجيش، وعرض فيهما الوحدة أو الاتحاد مع العراق، ولكن أحداً من العراقيين لم يقبل أن يرد عليه.
وقال إنه علمَ أن قيادة الجيش السوري قد تعرضت إلى تبديلات جذرية. وأبعد منها «عتاة الانفصاليين الشوام»، وسوف تعلن عما قريب توجهها الجديد.
الأحد 24 شباط وأول عيد الفطر المبارك..
التقيت في بيت الأستاذ الفتيح بقريبه العقيد عبد الله الشيخ عطية.
وقد سمي بالضابط الشريف، لأنه كشف مؤامرة كان أديب الشيشكلي يعدّها لعودته، بعد إخراجه في الخمسينات من سورية.
وكان العقيد عبد الله ملحقاً عسكرياً في بغداد.. ونقل مؤخراً إلى أنقرة.
وقد زار المنطقة الشمالية الكردية.. وهاله ما سمعه. وتحدث أمامنا، بأنه أرسل تقريراً إلى رؤسائه، يؤكد فيه أنه علم بأن الأستاذ رشاد برمدا (وهو كردي الأصل) على صلة بالأكراد العراقيين، وأنه معتمدهم في سورية.
وأضاف العقيد، بأنه ضمّ مجموعة من الوثائق إلى تقريره، وأكد بأنه سيتابع إثارة هذا الموضوع على أعلى المستويات.
وللأمانة، فأنا لا أرى هذا القول مبرأ من الخفة والطيش، فرشاد رفيق دراستي فى المدرسة الثانوية.. ثم رافقته سنين طويلة في العمل السياسي، وكنا على أحسن ما تكون عليه علاقات المودة، فلم أشعر، في يوم من لأيام، أن له أي ميل نحو إقامة دولة كردية أو أي كيان مشابه.
وناقشت العقيد في موضوعية تقريره، غير أنه ظلّ جازماً في رأيه.. وقال: هذه خطاباته وتصريحاته بين أيديكم، إنه ينضح حقداً على عبد الناصر، لمجرد أنه يتزعم إقامة الدولة العربية الكبرى.
وكان الأستاذ علي بوظو اتهم هو أيضاً، بهذه التهمة الظالمة، لإلحاق الأذى بسمعته.. وظلت مجرد تهمة، لا يدعمها أي دليل حسي.
وما أظلم التهم التي تنطلق من إشاعات، تتلقفها أحقاد دفينة، فتشوِّه سمعة الأبرياء، لمجرد الانتقام من ضحايا بريئة وتسويد صفحاتهم الناصعة.
ومن بيت عبد الصمد اتجهنا إلى بيت نهاد القاسم لنتحادث في الأوضاع العامة.. وقد أخبرنا «أبو عمر» - القاسم أن اتصالات سرية أجريت معه، وهي لا تخرج عن أحاديث الانقلابات التي أصبحت بضاعة رائجة في السوق السياسية.
وقد استقر رأينا نحن الثلاثة على أن الوضع أصبح لا يتحمل ركلة من رجل.. وأنه في حكم الساقط، يترنح بين الحياة والموت.
ولكننا لن نشارك أبداً في مجزرة، يكون ضحيتها ناظم القدسي وخالد العظم ورشاد برمدا وآخرين غيرهم، يمقتهم الشعب..
وانتهينا إلى أن الحل الأفضل، إرغام رئيس الجمهورية على تعليق الدستور وإعلان الأحكام العرفية وإسناد رئاسة الوزارة إلى واحد منا، ثم إذاعة بيان رسمي يوضّح للشعب الاتجاه الجديد، ويصارحه بأن الحكومة الجديدة تسعى إلى إقامة اتحاد فدرالي مع مصر، وليس وحدة اندماجية، لم تكن مجردة من العيوب.. وتساءل واحد منا: ماذا لو رفض القدسي هذا العرض عليه؟
وأجيب بأن القدسي لا يقبل أي حل عن طريقنا، وهو الطريق المضمون، إلا إذا أقنع به، بشيء من التهديد الجديّ.
وقررنا أن نجمع قيادتينا المعلنة والسرية، وعددهما عشرة أشخاص، بعد انتهاء أيام العيد، لنتخذ ما نراه مناسباً من خطوات.
ولكن الجو تكهرب في المساء.. فقد أذاع راديو صوت العرب من القاهرة، أن لدى السلطات المصرية وثائق هامة عن مؤتمر الرطبة، وهو المؤتمر الذي عقد بين الرئيس القدسي والزعيم عبد الكريم قاسم.. ولم تعرف ملابساته وما جرى فيه. ولكن بعد أن أطيح بعبد الكريم قاسم، واستولى الوحدويون على الحكم في العراق، أصبحت هذه الوثائق السرية تحت أيديهم.. ومن المؤكد أنهم أرسلوا صوراً عنها إلى الرئيس عبد الناصر ووعد صوت العرب بإذاعة هذه الوثائق في الوقت المناسب.. وَنَقل عن مسؤول أيضاً - في آخر النشرة الإخبارية - ضرورة عدم مساومة الانفصاليين على «أنصاف حلول» بصورة من الصور.
الاثنين 25: تغيير في اتجاه القدسي
كان الزعيم العشائري العراقي أحمد العجيل الياور، لاجئاً في سورية، أيام حكم عبد الكريم قاسم في العراق، فلمّا وقع الانفصال في سورية، نقم على الانفصاليين وغادر سورية إلى ألمانيا. وقد مرّ بدمشق الآن، وهو في طريق العودة إلى بلده.
وقد اجتمع به عبد الصمد الفتيح، فأخبره العجيل بما يلي:
قال إنه زار رئيس الجمهورية السورية هذا المساء.
وسأله الرئيس: وأنت في طريق عودتك إلى العراق، كيف ترى أن نتصرف لتحسين علاقاتنا مع القادة العراقيين؟
فأجابه العجيل: لا أظن أن أي تقدم يمكن أن يتحقق مع الثوار التقدميين الجدد، ومن حولك هذه الوجوه المقيتة من الوزراء والأعوان.
وقال القدسي: وماذا ترى، وأنا مقيد بنصوص الدستور، التي تلزمنا بدعوة مجلس النواب، فيما إذا استقال رئيس الوزراء المريض، خالد العظم؟
قال العجيل: أنا رجل عراقي، ولا يحق لي التدخل في دستوركم.. ولكن الذي أحب أن أعرفه، لأنقله إلى قادة العراق، هو هل أنكم مستعدون إلى تغيير الوجوه الشوهاء التي تحيط بكم؟
فقال القدسي، بلغة الحزم والجزم: «نعم، أنا مستعد، بلّغ إخوانك ذلك، وأنا مستعد إلى تغيير وزرائي جميعاً».
وتساءلنا: وماذا يستطيع أن يفعل، وليس في يده من الأمر، إلا مضغ الكلام؟.. والتسلي بالأوهام؟
وبرغم هذه القناعة، رأينا أن نراقب الجو الجديد..
وقال عبد الصمد لأحمد العجيل: إذا أقدم قادة العراق الجدد على إغلاق الحدود السورية العراقية شهرين فقط، فإن النظام السوري سيسقط دون إطلاق رصاصة واحدة.. ووعد العجيل أن يقنع عبد السلام عارف بهذه الرغبة.
ومن المؤكد أن الرئيس إذا كان مخلصاً فى اتجاهه هذا، وكان يملك إمكانية تنفيذه، فإنه يكون قد حل مشكلة الانفصال، وحفظ لنفسه مكاناً في التاريخ السياسي المعاصر.. ولو كان من قبيل «مرغماً أخاك لا بطل».
ولكن كيف يأمل أن يحقق «رغباته الجديدة»، وهو لا يستطيع أن يقاوم الضباط الناقمين إلا بضباط موالين.. وهذا هو مصدر الحريق. الذي يهدد بإحراق الأخضر واليابس!.
وفي هذا المستنقع الآسن، يحتاج الربان إلى جرأة وحزم! والرئيس القدسي رجل مسالم جداً، خاصة وأنه يدرك أنه لم يعد في يديه شيء من الأمر.
وكتب الفريق زهر الدين في مذكراته، أنه تسلم رسائل من «الضباط الأحرار» ومنهم انفصاليون بدؤوا يشعرون بالقلق واستشهد بواحدة منها: « وسبق أن بيّنا لكم أننا لا نرغب التفرقة وسفك الدماء إلا مرغمين رجاؤنا أن تقرروا (عودة النحلاوي وضباطه) وألا تجبرونا على اتّباع طرق لا نرغبها.. وإلا..[1]
كما كتب: «كانت شعبة المخابرات العسكرية شبه مشلولة.. وكثيراً ما كانت تنقل إليّ معلومات معكوسة، أي أنها تلبس الصديق ثوب العدو، وتلبس العدو ثوب الصديق، حتى بتّ لا أعرف صديقي من عدوي.. وما يقال عن المخابرات العسكرية، يقال عن المخابرات المدنية، أي قيادة الأمن الداخلي.. كانت شعبة المخابرات تأتيني وتقول مثلاً إن موفق عصاصة (ضابط دمشقي) سيقوم بانقلاب وأن هيثم مهايني (كذلك) سيقصف القيادة من الجو.. ثم تأتي في اليوم التالي وتقول إن زياد الحريري سيقوم بحركة عصيان، وأن اللواء المدرع بقيادة محمود عودة سيقوم بهجوم خاطف على دمشق، وحيدر الكزبري سيقوم بحركة، بالاتفاق مع الملك حسين..»[2].
وهكذا كان الحال في أوساط الحكم والقوات المسلحة، قَلِقاً مشوّشاً «لا يعرفون فيه رؤؤسهم من أرجلهم».
ومع ذلك، فحتى ننهي أيام العيد، نقرر الاتجاه الذي تشير إليه بوصلة الأحداث العامة.
الجمعة ١ آذار
الأستاذ زهدي الجاسر، الذي كان يحرر مع الأستاذ أحمد قنبر جريدة «النذير» الحلبية، والذي أصبح في أيام الوحدة مديراً لشركة الزيوت المساهمة بحلب، زارني هذا اليوم على غير انتظار.
فهو رجل لا يخفي انفصاليته، وهو مع العهد، ثم هو وثيق الاتصال بالأستاذ أحمد قنبر، وزير الداخلية السابق، وبالرئيس ناظم القدسي.
وكانت ملامح الاضطراب بادية على وجهه وفي اختياره لألفاظه.
قال: إن «الناصريين» يمارسون في حلب «إرهاباً فطيعاً»، وفي رأيه أنهم يقبضون، من عبد الناصر»..وهو خائف من المستقبل.
وسألني: أعندك حل لأزمة الحكم؟
وسألته: وهل الحكم في أزمة؟
وضحك ضحكة صفراء.. وقال: هل تعتقد أن تشكيلات الضباط الأخيرة، التي أجرتها القيادة العسكرية، تستطيع أن تكون منطلقاً لحل سياسي؟
قلت له: بصراحة، لا أعتقد ذلك.. لأنهم جميعاً من «طينة واحدة».
قال: وما هو المخرج لديكم من هذا البحران المنذر بكل الاحتمالات؟
قلت له: لديّ حل لا بد وأنكم سوف تستغربون صدوره مني.. وسأل بلهفة عن هذا الحل.. قلت له: أبلغ الدكتور القدسي، بأنه إذا استطاع إقناع رشدي الكيخيا بتشكيل وزارة جديدة، لا يكون فيها أحد من الوزراء الحاليين، فإننا سنقبل، وإن فضل عدم اشتراكنا في الحكم، فإننا لن نطالب بشيء، وسنظّل على تأييدنا له.
ونحن لا نقبل بأي رئيس للوزراء غيره. ولكننا نشترط ثلاثة شروط عامة، هي:
1 - إن يعد الكيخيا بالسعي إلى إقامة وحدة ثلاثية بين سورية ومصر والعراق.. ونكتفي، حين الضرورة بوحدة ثنائية تقام بين سورية ومصر.
2 - عدم التعاون إطلاقاً مع رجال العهد الانفصالي، من الذين تلوثوا، وهم معروفون منه، وإبعاد سلطة الرأسماليين المحتكرين عن مؤسسات الحكم.
3 - اتجاه اشتراكي معتدل.. وحتى لا تعترض القضايا الاقتصادية مسار العمل السياسي، فإننا نقبل بالتعهّد بالحفاظ على قانون الدخل العام.. وهو قانون مطبّق في أشد البلاد الرأسمالية الرجعية، وتحرراً اقتصادياً.
وذكرته بكلمة عبد الناصر، فى خطابه الأخير، بأن «الاشتراكية تأتي في المرحلة التالية».
وسألني: هل يمكن إقناع عبد الناصر بتوجيه دعوة إلى رشدي الكيخيا إلى القاهرة؟.
وسألته بدوري، إذا لم يستلم رشدي دفة الحكم، فبأي صفة سيدعوه عبد الناصر؟.
وأسف الجاسر على ناظم القدسي، وشبهه بالفأر الذي يحاول النجاة بنفسه من سفينة تغرق بين تلاطم الأمواج العاتية.
ووعد بأن يعود إلى زيارتي في الغد لعله يأتيني بجواب مطمئن، ومن المؤكد أنه سوف ينقل حديثي إلى الرئيس القدسي..
السبت 2 آذار
أبلغنا العقيد السعيد.. بواسطة قريبه صديقنا الدكتور عابدين حمادة، أن ثلاثين ضابطاً اجتمعوا إلى رئيس الجمهورية، بناء على طلبهم، وحدثوه حديثاً صريحاً جداً، فقالوا له إن الحالة العامة تردت إلى درجة لا يستطيع أي عاقل الصبر على استمرارها والتنبؤ بعواقبها. وأنهم لم يعودوا يقبلون بهذا الوضع، الذي يمكن أن يكون شرارة تهدد باشتعال حريق مدمّر.
وسألهم الرئيس وماذا تقترحون عليّ لإصلاح الأوضاع العامة؟ فقال المتحدّث باسمهم، نريد الخلاص من هذه الحكومة ومن أكثر وزرائها، المدموغين بالانفصالية الخيانية.. وسموا له رئيس الوزراء وبعض وزرائه.
فقال لهم الرئيس: أنا لا أناقشكم في حسن الوضع أو سوئه.. فأنا أعرف أن البلاد قلقة، والمؤامرات التي تحاك في الظلام ضد النظام، كثيرة، ومتشعبة المصادر والاتجاهات ولكني أحب أن أقول لكم بصراحة واضحة، بأنني أطلب إليكم أن تتفقوا على رئيس للوزراء تقبلونه، وأنا أكلفه بتشكيل الوزارة، حتى ولو كان ابن غوريون..
وردوا عليه، بأن الأكثرية في البلاد تريد أن يشكل الحكومة الدكتور عبد الوهاب حومد، وفينا من يرشح لهذه المهمة الأستاذ صلاح البيطار.. والخير أن تتم الاستجابة بسرعة لأن الضباط الجدد سوف يتسلمون مهام وظائفهم الرئيسية الجديدة خلال أقل من عشرة أيام. ومن الخير أن تكون الأوضاع العامة قد استقرت على حال مقبولة من الشعب والجيش.
وسكت الرئيس، عندما سمع باسمي.. فأطرق طويلاً، ولم يقل شيئاً.. ومنذ أن شكلنا حزب الشعب، وهو يجاملني مجرد مجاملة. وقد لا تكون آرائي السياسية تعجبه، وكذلك آرائي الاجتماعية. فنحن من منبتين مختلفين، وكلّ منّا متمسك بجذوره وقناعاته. وكنّا في حزب الشعب، هو يمثّل جناحه اليميني، وأنا أمثل الجناح اليساري.. ولم يكن أحدنا يجهل تفكير الآخر ولا رواسخه السياسية والاقتصادية.
ولم يحدث مرة، ونحن من مؤسسي حزب الشعب وخضنا المعارك الانتخابية عدّة مرات معاً، وفي قائمة واحدة، أن اختارني وزيراً في إحدى المرات العديدة، التي شكل فيها الوزارة، باسم حزب الشعب.
لذلك استبعد جداً أن يقبل بتكليفي بتشكيل الوزارة، ما دام قادراً على المعارضة.
لأنه يعرف أني «ناصري» وأنني «اشتراكي».
ولا أدري إن كان يحفظ بيت أبي فراس الحمداني، الذي يقول فيه:
وقال أصيحابي الفرار أو الردى
فقلت هما أمران أحلاهما مر
---
الحواشي:
[1] ص383
[2] ص344