عام 1963 - الجزء 5: عرض سرّي بتولي المؤلف رئاسة الحكومة عبر مبعوث زياد الحريري
الأحد 17: رسول من قائد الجيش
أرسل الفريق زهر الدين رسولاً سرياً إلى أخينا راتب الحسامي، لينقل إلينا أنباء هامّة.. واجتمع الفريق عبد الكريم وراتب، في بيت الأول، وجلسا معاً جلسة طويلة، استمرت حتى ساعة متأخرة من الليل..
وأخبرنا راتب بما يلي:
1 - أبلغ قائد الجيش قائمة طلبات باسم الجيش إلى الدكتور ناظم القدسي لإعادة البلاد إلى الطريق الوحدوي «السليم». وقال له، إن الجيش مصر على تنفيذها..
2 - قال هذا القائد لراتب، إنه يعلم أن ثمانين في المئة من ضباط الجيش وحدويون.. وأنه قرر العمل على تحقيق رغباتهم الحقة.. ورغبات الشعب الأكيدة في العمل للوحدة.
3 - إنه يرجونا «نحن الناصريين» أن نحكّم العقل ونراعي مصلحة الوطن، في عدم السعي وراء انقلابات عسكرية.. لأن البلاد ستغرق في الدم، وستحدث مجازر وتصفيات مخيفة.. وأضاف أنه سوف يظل على صلة بنا، للبحث عن مخرج للأزمة، غير الانقلاب العسكري، لأن النظام الذي سيأتي في أعقاب انقلاب، سيحتاج إلى اعترافات دولية ومتاعب ومطامع، لها أول وليس لها آخر..
4 - استعمل الفريق ألفاظاً غير كريمة في حق خالد العظم وأكرم الحوراني.. وقال إن يوم حسابهما لا بد أن يأتي قريباً..
5 - أصر على أن تكون الوحدة المقبلة وحدة شعبين وليس استسلاماً..
وأكّد له راتب بأننا نحن «وحدويون.. وحدويون فقط».. وكلمة «الناصريّة» ليست عبادة فرد.. وإنما مجرد شعار اختاره لنا خصومنا.. ومع ذلك فنحن نؤيّد زعامة عبد الناصر، لأننا نثق به وبتجرّده ونظافته، وإخلاصه.. ونحن نتكلّم عنه بمعرفة وثقة.
كأعظم قائد عربي معاصر، تضع الأمة فيه آمالها..
وقد تحدث زهر الدين في مذكراته عن خطة وحدوية وضعها ووزعها على«ضباطه»، لمناقشتها غايتها «استعادة توجيه البلد نحو الطريق الوحدوي الاشتراكي..
وإطلاع رئيس الجمهوريّة على القرار الذي سيتخذه مجلس الدفاع ثم المباشرة بالتنفيذ بدون تردد» (ص400).
ويضيف الفريق (ص402) أن لجنة الضباط انقسمت كالمعتاد إلى قسمين:
القسم الوحدوي والتقدمي الذي وافق على الخطة موافقة كلية..
والقسم الثاني، الذي تزعّمه اللواء نامق كمال.. فقد نادى بضرورة التريّث، وقال بأن لديه خطة أخرى لخّصها شفوياً بقوله: أرى من الضرورة العمل للوحدة بخطوات متتالية أي السعي من أجل وحدة اقتصادية ثم وحدة ثقافية، ثم وحدة مالية ثم وحدة عسكرية إلخ..
وتقرر إعادة بحث الخطة يوم 9 آذار.. (ص402).
إلا أن العهد أُطيح به يوم 8 آذار.. غير مأسوف عليه.
والذي يسترعي الانتباه أن الضباط كانوا يريدون اطلاع الدكتور القدسي، مجرد اطلاع، وليس إبداء رغبة، أو تقديم قرار يتخذ في حضوره، للحفاظ على كرامته.
وللأمانة التاريخية، فإننا لم نكن مرتاحين إلى ما قاله لنا زهر الدين.. لأننا كنا نشعر أنه يريد أن يفهمنا بأنه يعمل للوحدة، لنكون شهوداً له ذات يوم، على وحدويته، وفي الوقت نفسه يناور بين الوحدويين والانفصاليين.
ومع ذلك، فقد أصبح البرهان القاطع في متناول أيدينا، على أن عهد الدكتور القدسي يلفظ أنفاسه.. وأن ركائزه سيتناثرون عمّا قريب كأوراق الخريف في يوم عاصف.
وأخبرنا الأستاذ صلاح البيطار، اليوم، بأن رئيس الجمهورية استدعاه لمقابلته، كما استدعى ميشيل عفلق، لعلّه يعرف منهما ماذا وجدا في العراق، إلا أنهما رفضا تلبية دعوته.. وعاد رسوله، أمين عام القصر الأستاذ رياض الميداني، يجرّ أذيال الخيبة.
مسكين هذا الرئيس!.. لو كان سمع نصيحة رشدي الكيخيا له بعدم قبوله هذه الرئاسة الخادعة.. إذن لوفر على نفسه هذه «الصدمات» غير الكريمة.
الاثنين 18: رسول من عبد الناصر
حضر من القاهرة السياسي المعروف ونقيب المحامين العرب، الأستاذ شفيق ارشيدات الوحدوي الاتجاه، والمناوئ البارز لحكم الملك حسين. وقد طلب أن نجتمع إليه، وبعد مباسطة عامة أخبرنا أنه ينقل إلينا رسالة من عبد الناصر، بتكليف شخصي منه.
وفيما يلي مجملها:
أ - لم يعد الرئيس عبد الناصر قانعاً بعودة الوحدة الاندماجية كما كانت.
ب - المهم بالنسبة له، قيام حكومة وطنية تتبنى الاتجاهات الوحدوية، وتبعد عن الساحة العناصر التي تناوئ الوحدة.
ج - أصبح مُفَضّلاً للعمل الوحدوي، أن نتبنى صراحة المحافظة على الكيانات السياسية الإقليمية الراهنة. وهذا يعني العودة إلى إقامة اتحادات وليس وحدات..
د - الغرب والشرق سيقاومان معاً إقامة أي وحدة.. ولكنهما لن يقاوما الثورات التحررية.
هـ - إنّ الاشتراكيّة تستطيع أن تنتظر، ولا مانع من أن تأتي في المرحلة الثانية.
ومن المؤكد أن البند (ج) يزيل مخاوف الإقليميين، ويعود بنا إلى الاتحاد الذي تقرر عام 1958، ثم انقلب - دون سبب معقول - إلى وحدة اندماجية. أيّدناها لأننا لا نكرهها كمبدأ قومي، وإنّما كنا نعتبرها سابقة لأوانها، بعد انقطاع بين الإقليمين دام قروناً.
الثلاثاء 19: اجتماع سري مع رسول العقيد زياد الحريري
اليوم هو الخامس والعشرون من شهر رمضان.
وفي هذا الشهر الكريم تقيد الشياطين، ويُمنع الهجر في القول والأذى بالجوارح..
ولكنّنا، كما في كل شهر، لم تحمنا حرمة الصوم من بذاءات الانفصاليين وأذاهم.
ونقرأ قوله تعالى: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} (سورة إبراهيم: الآية 12).
وفيما كنا نتهيأ للجلوس على مائدة الإفطار، اتصل بي صديقي الأستاذ درويش العلواني وأصر على دعوتي إلى تناول العشاء على مائدته.
واستغربت هذه الدعوة المتأخرة.
ودرويش رفيق دراستنا في فرانسا، غير أنه فضل أن يدرس تخصصه في الجغرافيا بجامعة غرنوبل، وقد زرته في «بلده» كما زارني مراراً في باريس.
وبعد عودتنا، ظلت صلاتنا جيدة جداً.. فأنا أكنّ له احتراماً خاصّاً لتمسكه بعقيدته الوحدوية التي لم يحد عنها.
وحين رفع أكرم الحوراني راية الانفصال، وكان درويش من محازبيه، انفصل عنه وسار معنا على نفس الدرب الطاهر الشريف.
لذلك حين دعاني بهذا الإصرار، قدّرت أن لديه ما يريد أن يقوله لي في حضور شخص ثالث.
وصدق حدسي، فقد كان عنده شخص مدني لا أعرفه من قبل.
وقدمه إليّ على أنه صهره.. زوج أخته.. وسمّاه لي: النقيب عارف الجاجة. وتناولنا العشاء نحن الثلاثة ثمّ انتقلنا إلى غرفة جانبية.
وأخذ النقيب الكلام.. فتكلم بثقة ورباطة جأش يحسد عليهما..
قال إنه رئيس أركان اللواء الذي يقوده العقيد زياد الحريري في الجبهة السورية في مواجهة إسرائيل. وأنّ عدداً من الضبّاط الوحدويين - وكرر استعمال هذا التعبير - شكلوا لجنة عسكرية منهم، أعدت عدتها لقلب نظام الانفصال المجرم (وهذا تعبيره أيضاً)..
وقد أصبحت الاستعدادات تامة.. ولكن ساعة الصفر للتحرك لم تحدد.. ولكنها قريبة.
قرر«زياد» أن يضرب ضربته التي أعدّ لها العدة من عهد بعيد، والآن حان وقت الحساب مع الأوغاد الخونة.
وقد أرسلني إليك في مهمة سرّية، هي أنه يريد منك أن توافق على تشكيل الوزارة، ونحن لا نريد إلا وزارة الدفاع.. وباقي الوزارات تختار لها من تشاء. ولكن العقيد يوصي خيراً بالدكتور عبد الحليم سويدان.
وأرجو أن أنقل إليه موافقتك، حتى يذيع البيان، مع نجاح العملية الانقلابية.. وعن الخطوات التالية، قال:
بعد تشكيل الحكومة، تبدأ المفاوضات مع الرئيس جمال عبد الناصر، ومع العراق، من أجل إقامة وحدة ثلاثية، تتفقون عليها شكلاً ومضموناً.
ثم يطرح الاتفاق، على الاستفتاء الشعبي في الأقاليم الثلاثة، لكي يظفر بالشرعية الشعبية.
وكنت أسمع وأنا لا أكاد أصدق ما أسمع.. فهذه أوّل مرّة يفاتحني انقلابيون، بمؤامرة انقلابية، قبل تنفيذها. وأعترف أن المفاجأة أذهلتني.
ولكني أمام عرض خطير، كان عليّ أن أجيب عليه. ويقيناً إن المسؤولية التي ستترتب على نجاح الانقلاب ستكون جسيمة، وهي ستكون أكثر جسامة فيما لو فشل الانقلابيون في حركتهم.. واستجمعت قواي، وقلت له:
1 - أنا أرى أن سورية نزفت كثيراً من الدماء، وأصبحت سمعتها في الحضيض لكثرة انقلاباتها.
فإذا كان لديكم قوة ساحقة، فلماذا لا تضغطون على الدكتور القدسي ولو بالتهديد، ليشكل حكومة برئاسة وحدوي، يعمل على تحقيق وحدة تفاوضية دون حاجة إلى انقلاب.. لأن الانقلاب سيحتاج إلى اعترافات دولية، وقد تترتب عليه نتائج لا يمكن التنبؤ بها، باعتباره مغامرة على كل حال.. ومن الجائز حمله على إرسال خالد العظم، المريض، إلى مستشفى في تشيكوسلوفاكيا للعلاج، وإسناد نيابة الرئاسة إلى وحدوي معروف وإخراج الوزراء الانفصاليين، ثم التوجه إلى عبد الناصر لمفاوضته على الوحدة.
2 - وقلت: إذا سفك دم واحد من إخواني «السابقين» - وقد فهم من هذا القول أنني أقصد ناظم القدسي، وبعض وزرائه - فإنني سأكون في حل من كل ارتباط معكم.
3 - يجب أن يكون «للأربعة الناصريين» (نهاد القاسم، علي بوظو، عبد الصمد الفتيح وراتب الحسامي) الدور الرئيسي في تسيير دفة الحكم، إلى حين إقرار الوحدة القادمة، لأن وجودهم في الحكم، ضمانة للاتجاه الوحدوي.
4 - وقد يكون مرجحاً عدم تشكيل حكومة، والاكتفاء برئاسة قائد الانقلاب، أو من يختاره رئيساً للأمناء العامين (معاوني الوزير) لمدة انتقالية، حتى إذا استقرت الأمور، شكلت حكومة مؤقتة، تكون مهمتها الإشراف على إجراء انتخابات عامة، أو الاتجاه إلى التفاوض مع مصر (وربما العراق) على وحدة ثلاثية.. وتكلم النقيب فأبدى عدداً من الاعتراضات، قائلاً إنهم أحكموا الخطة وأن انقلابهم ناجح ولكن لا يجوز ترك أي هامش للفشل.. لذلك فإنهم يبحثون عن وضع، إذا أقيم فور الانقلاب، يكون مطمئناً للشعب، ومتكامل الحلقات.
عندها عرضت عليه أن يعرضوا رئاسة الوزراء على رشدي الكيخيا، الذي اعتزل السياسة، ويلحوا عليه بقبول المهمّة، لأنها عملية إنقاذ للوطن.. ورشدي معروف بوحدويته، وقد رفض أن يوقع عريضة الانفصال ورفض مرتين رئاسة الجمهورية لعدم اطمئنانه إلى العسكر.. ووجوده على رأس الحكومة يطمئننا جميعاً، وينشر السكينة في نفوس قطاع واسع من المواطنين اليمينيين، الذين يعتبرونه منهم. وهو ليس منهم بالقطع، لأنه منا نحن.. وعندها يكون السير نحو الوحدة مقبولاً من جميع شرائح البلاد الاجتماعية والسياسية.
وتواعدنا، على أن ينقل إلى «جماعته» ما سمعه مني.
وقد أخبرني الأستاذ درويش فيما بعد أنهم لم يكونوا ممتنين.. من إجابتي.
وخاصة من ترشيحي للأستاذ رشدي الكيخيا.. الذي يعتبرونه رجعياً.
ولكني كنت أعني ما أقول.. والحذر في مثل هذه المستنقعات واجب.
وفي قرارة نفسي أيضاً، كنت أعرف أن الوضع القائم لا يذهب إلا بانقلاب عسكري، ولكني في قرارة نفسي أيضاً، أنفر من الانقلابات، لأنها مذلة للشعب وقتل للحياة السياسية وتمزيق لصفوف الجيش وإبعاده عن مهمّته الأصلية.. ولذلك لم يلقَ عرض الحريري عليّ، أيّ صدى مستحب.. وأذكر أن ضباط اللواء الخامس القوي في حمص، وهم وحدويون على رأسهم الفريق محمد الصوفي كانوا يعدّون لانقلاب آخر!.. ومن يدري فقد يكون ضباط ثالثون ينظمون انقلاباً ثالثاً.
الخميس 21
نشرت عدة صحف نص البرقية التي أرسلناها إلى عبد السلام عارف.. ولاحظت أن الرئيس العراقي لم يحفل بالمسؤولين السوريين، كما حفل بنا.. فقد امتنع عن الرد على برقيات بعض المسؤولين السوريين.. وذكرت أن بين الذين امتنع عن الرد عليهم وزير الخارجية أسعد محاسن، أحد «أبطال شتورا!».
وعلى النّطاق المحلي، صدرت عدة مراسيم جمهورية تتضمن قبول استقالة بعض الوزراء وإسناد وكالات وزاراتهم إلى الوزراء الذين لم يستقيلوا!.
فقد تضمن المرسوم رقم 16251 تاريخ /2/1963 قبول استقالة السادة رشاد برمدا وخليل كلاس وعبد الحليم قدور وأمين النفوري ونبيل الطويل وعمر عودة الخطيب.
وبموجب مراسيم أخرى صادرة بهذا التاريخ، أسندت وزارة الصحة إلى الدكتور فرحان الجندلي، وزير الشؤون البلدية والقروية، وأسندت وزارة العمل إلى الأستاذ جورج خوري، وزير الصناعة، وأسندت وزارة الإصلاح الزراعي إلى المهندس صبحي كحالة وزير المواصلات، وأسندت وزارة التربية والتعليم وكالة إلى وزير الداخلية اللواء عزيز عبد الكريم، وأسندت وزارة المالية وكالة إلى الدكتور عزت طرابلسي وزير الاقتصاد، كما أسندت وزارة التموين وكالة إلى وزير الزراعة الأستاذ مظهر العظمة.
ولم يتأخر رد الإخوان المسلمين على استقالات وزرائهم (وقل إقالاتهم) فقد تهجم الأستاذ على الطنطاوي، والد زوجة الأستاذ عصام العطار، والمعروف بحدّة لسانه، على الحكومة، في خطبة الجمعة أيضاً على الحكومة المذكورة.. وقيل إن قائد قوى الأمن الداخلي، أحضر الاثنين، ووجه إليهما تحذيراً قوياً.
وهكذا تكون الحكومة فقدت عناصرها القوية، فتضعضعت حالها.
وأما من بقي فيها، فيصح وصفهم بالتكنوقراطيين.. الذين ليس لهم لون سياسي يعرفون به.. ولو أصبح أكثرهم من «أصحاب الوزارتين» أو أكثر.
الجمعة 22: عيد الوحدة
لو كانت الوحدة على «قيد الحياة»، لكان اليوم عيد ميلادها الخامس.. ولكنها هصرت في ريعان شبابها.
وفي ظلمات هذا الصباح، نقلت إلينا الإذاعات سفر وفد عراقي من العهد الجديد إلى القاهرة، لمشاركتها في «عيد الوحدة» المصرية السورية.
وكان على رأس الوفد، علي صالح السعدي، نائب رئيس مجلس الوزراء.
وألقى السعدي خطاباً سمعناه، كان من أشد ما قيل في التهجم على الانفصاليين والصحف المأجورة.. وأنذرهم بقرب نهايتهم.. وطالب بتعاون لا حدود له مع القاهرة على جميع الأصعدة.
وألقى الرئيس عبد الناصر خطاباً رائعاً، ذكّر به العالم العربي، بما تحقق من انتصارات قومية في اليمن والجزائر وبغداد.. دون أن يشير إلى ما للقاهرة من فضل كبير في تحقيق هذه الانتصارات.
وجاءتنا قياسات ميازين حرارة جماعة الحكم في دمشق. قالت إن حرارتهم ارتفعت إلى ما فوق الأربعين.. وأن ضغط الدم قرب من الخط الأحمر.
وليس من شك في أن لدى بعض الأشخاص حاسة شم مدهشة. لأنهم يتحسسون بأنفهم ما قد يأتي به الغد.
وصديقي.. واحد منهم!. فكان كلما صادفني عرضاً، كان يتعمد الإساءة إلى الرئيس عبد الناصر.. وإلى مخابراته.. وعدم تصفيته لإسرائيل.
وترنّحت إلى أنفه روائح انهيار العهد المتداعي، وخشي خطوب الغد.. فقال في نفسه: الآن، الآن وليس غداً.
والتقيت به في الطريق، «وهات يا عواطف».. لقد تحول «صديقي» من عدو لدود للوحدة وبانيها، إلى «وحدوي»، يبشرني بأن «المخشخش استوى» وأن «نهاية الانفصال أصبحت على رمية حجر».
وتذكرت ما قاله لي مرة حكيم يماثله في تلوّنه: «فلسفتنا التي نرضع شعارها، هي أننا أولاد اليوم، لا نسأل ماذا كنا البارحة.. ولا ماذا سنكون في الغد». وهو يريد أن يبشر بأقبح ما تعلمه الانتهازية لأصحابها، من سرعة التكيف مع الحدث، فور وقوعه.
و«حمرة في الوجه ولا غصة في الحلق».
و«ألف قلبة ولا غلبة».
و«من يأخذ أمي أناديه يا عمي».
و«اليد التي لا تستطيع عضّها، قبّلها وادْعُ عليها بالكسر».