مشروع الوحدة الموضوع أُقر بالإجماع - الجزء 3: إنذار زياد الحريري للبعثيين وطرده من سورية
3 - ولا نكتمكم بأن نقاط استفهام كبرى أخذت ترتسم في أذهاننا وأذهان الشعب حول حقيقة الرغبات التي تستهدفها سياسة التسريح والنقل، بسبب الميول الوحدوية بعد أن تقرر في القاهرة يوم 17 نيسان 1963 إقامة وحدة ثلاثية بين الجمهورية العربية المتحدة التي كرمنا جهادها وبطولاتها فأخذنا لاتحادنا الجديد اسمها وعلمها بإضافة نجمة ثالثة، وبين الجمهورية العراقية والجمهورية السورية في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى التضامن ورصّ الصفوف لتقف البلاد متماسكة متعاونة في وجه مؤامرات الاستعمار وأعوانه في الخارج ودسائس الانفصالية وآثامها في الداخل، ولن يكون لهذه البلاد المستقبل الذي تصبو إليه ما لم تكن جميع قواها، وفي مقدمتها قواتها المسلحة، متراصة كالطود لحماية حدودها وضمان أهداف الشعب، وما لم تكن قواها الوحدوية خاصة متماسكة - متعاونة - لتحقيق الوحدة على الشكل الذي تقررت فيه، في اتفاق القاهرة.
وأخشى ما نخشاه، أن يتصدّع صف القوى العاملة لخير هذا الوطن ووحدة العرب، فتتسلل من صدوعه رؤوس الفتنة وعناصر التخريب.
4 - وأخيراً، فإننا على الرغم من انسحابنا من الحكم، نظل على عقيدتنا الراسخة، وحدويين ومؤيدين لكل حكم وحدوي، ولذلك فإننا سنظل خارج الحكم على لقاء تام معكم في الطريق إلى الوحدة، ونأمل، وأنتم تنفردون في الحكم، وتحملون مسؤولياته الثقيلة، أن يظل الحكم الجديد، وفيّاً لمبادئ الثورة، يوم اندلاعها، في الوحدة والحرية والاشتراكية، وأن يعمل في إخلاص، على أن تتاح للشعب المشاركة الصحيحة في بناء مستقبله وألا يتورط في طريق النزق وضيق الصدر فليس أخطر منهما على الحاكم والمحكوم.
ونحب أن نذكركم بأننا نلحّ على ضرورة احترام الإنسان المواطن فلا يضار إلا بسبب ارتكابه فعلاً يحرمه القانون ولا يصاب برزقه إلا إذا أتى ما يتنافى مع شرف الوظيفة وكرامة الوطن، كما أننا نطالب بتوفير الطمأنينة للمواطن ليعرب عن رأيه في حدود القانون وبضمان عدالة شريفة لا تتجنى على أحد وتحترم فيها القواعد القانونية المقررة وفي مقدمتها إتباع أساليب التحقيق التي يقرها القانون دون سواها وتمكين كل إنسان من حق الدفاع عن نفسه وعدم أخذ البريء بجريرة المذنب لأنه لا يجوز أن تزرُ وازرة وزر أخرى.
ونحب أن تنظروا إلى هذه المذكرة على أنها صادرة من قلب إخوان لكم، كل ما يهمهم، هو سلامة الوطن وتحقيق الوحدة التي وقّعتم صكها راضين مرضيين وعدم نسيانكم المبادئ الديمقراطية التي كنتم تنادون بها حينما كنتم في صفوف الشعب.
فليس أضر بالحاكم من ضعف الذاكرة.
والسلام عليكم ورحمة اللّه.
دمشق 6 أيار 1963
عبد الوهاب حومد
نهاد القاسم
وأثبت الأستاذ البيطار مرة ثانية أن شهيّته للحكم أقوى من تحقيق فلسفته في الوحدة. وتسببت استقالة «الخمسة الناصريين» من الوزارة، والثلاثة البعثيين، كما أكده لي الدكتور الدروبي، فيما بعد، في حمل الأستاذ البيطار على تقديم استقالة وزارته (الأولى)، وصدر المرسوم رقم 285 وتاريخ «أيار 1963 بقبول هذه الاستقالة».
وهكذا، لم يعد «للناصريين» صلة بالعهد الجديد، الذي أخذت كفة البعثيين ترجح فيه على كفة زياد الحريري، رئيس الأركان العامة، وصاحب الانقلاب الذي لم يعد له دور مؤثر.
وكلف الدكتور سامي الجندي بتشكيل حكومة جديدة، ولكنه قدم اعتذاره في اليوم التالي، دون أن تشهد «وزارته» نور الصباح.
غير أنه أخذ وزيراً في الوزارة البيطارية الجديدة.. التي شكلت يوم 13 أيار، وكتب باتريك سيل، الصحفي البريطاني المعروف، في كتابه الجديد «الأسد»، عن الصراع بين الوحدويين والبعثيين ما يلي[1]:
«كانت القوة الناصرية تقوم على بضع عشرات من الضباط وثلاث مجموعات سياسية مدنية، كان أهمها حركة القوميين العرب، بقيادة هاني الهندي وجهاد ضاحي، وحركة الوحدويين الاشتراكيين بقيادة سامي صوفان، وهي مجموعة غير متماسكة من البعثيين المثقفين السابقين، الذين انشقوا عن الحزب في أعقاب أول انشقاق حدث بينه وبين عبد الناصر عام 1959».
والتجمع الثاني، كان «الجبهة العربية المتحدة» التي يقودها نهاد القاسم وعبد الوهاب حومد. وهما ناصريان بكل معنى الكلمة.
ووجد (البعثيون) في أعمال الاهتياج التي عمد إليها مؤيدو عبد الناصر نذير خطر، فقاموا بعمل ما يمكن أن يوصف بأنه انقلاب آخر، فما بين 28 نيسان و2 أيار 1963 قاموا بتسريح أكثر من خمسين ضابطاً من الموالين لمصر، مما حدا بالناصريين البارزين، وزير الدفاع الفريق محمد الصوفي ونائب رئيس الأركان اللواء راشد القطيني إلى الاستقالة من مجلس الثورة احتجاجاً. ولحق بهما خمسة من الوزراء الناصريين، ومن ثم نظم الناصريون اضطرابات واسعة النطاق في دمشق وحلب يومي 8و9 أيار. وهنا طلبت اللجنة العسكرية من وزير الداخلية أمين الحافظ، أن يقمع الاضطرابات ويعيد النظام. فكان أن قتل خمسون شخصاً بالرصاص، وأصبحت المسألة بالنسبة للبعثيين هي أن يكونوا إما قاتلين وإما مقتولين».
وقد أذاعت قيادة الثورة بياناً في 19 أيار، عن «قصة الثورة» جاء فيه أن اتفاقاً كان قد عقد بين الفريق الصوفي (الذي كان قائداً للواء المدرع الخامس في حمص) واللواء راشد قطيني (مدير الاستخبارات العسكرية) من جهة وبين اللواء زياد الحريري على القيام بانقلاب، حددوا تاريخه 7 آذار 1963، غير أن الصوفي والقطيني تملصا من الاتفاق، وطلبا تأجيل العملية «لأنها لم تعد سرية..» ولكن الحريري وصحبه من ضباط الجبهة، لم يتراجعوا ونفذوا الانقلاب، صبيحة الثامن من آذار.
ولم يشأ الحريري وصحبه أن يستأثروا بالسلطة، فطلبوا إلى رفقائهم الوحدويين أن يشاركوهم في حمل أعباء المسؤولية في العهد الجديد.. «غير أن هؤلاء حاولوا الاستئثار بالسلطة»، كما جاء في البيان.. و«أنهم متآمرون على الثورة».
وللواء القطيني - الذي اجتمعت به مراراً - رأي آخر، شرحه في مذكرة مفصلة كتبها عن انقلاب ٨ آذار، وسلمني إياها. وسيرد ذكرها فيما بعد.
وبرغم القطيعة التي وقعت بيننا وبين النظام الجديد، فقد اجتمع الوحدويون من القوى الثلاث، واتفقوا على مذكرة جديدة، قدموها إلى المجلس الوطني لقيادة الثورة بتاريخ 21 أيار 1963، قالوا فيها، إن حزب البعث خرج على ميثاق 17 نيسان، بلجوئه إلى قمع كل تحرك وحدوي، وفتح أبواب المعتقلات واستعمال وسائل العنف، ضد من يقع في أيدي قوى الأمن.. وأكدت المذكرة على أن «الوحدويين يضعون المصلحة العليا القومية فوق جميع الاعتبارات لأنهم تيقّنوا أن براثن الإمبريالية لم تضعف وأن شراسة الرجعية لم تخف.. وطالبت المذكرة بإعادة توحيد القوى الوحدوية، على أساس تقاسم مسؤوليات الحكم مناصفة، نصف للبعث ونصف للقوى الوحدوية الثلاث.. غير أن هذه المذكرة لم تقابل بالقبول، وإنما قوبلت بالشدة وكم الأفواه الوحدوية[2].
وفور تقديم المذكرة، التي حملها راتب الحسامي وهاني الهندي وحسن هلال ممثلين للقوى الثلاث، ألقي القبض على هؤلاء الثلاثة.. عوضاً عن الحوار الهادئ.
وإذن فإن الرغبة في أي تقارب، لم تعد واردة على فكر البعثيين.
ونظراً لمعرفتي الشخصيّة بوزير الداخلية، فقد كلّفني الإخوان بمقابلته لمعرفة أسباب هذا الاعتقال، والإلحاح عليه للإفراج عنهم.
واستقبلني في مكتبه، وأعربت له عن استيائنا من موقفه المتشدّد ضد حاملي مذكّرة وافقت عليها ثلاث مجمموعات سياسيّة، جريمتها أنها تعمل كما يعلن الحكم عن نفسه، لوحدة عربيّة وضع البعث توقيعه على ميثاقيها!.
ورد عليّ بقوله: إن التحرك ضد الحكومة، أخذ يتوسّع، وأنها قررت الوقوف في وجهه بحزم.. فأكدت له أننا سنبقى على مبادئنا، ولكن لن نخرج على قواعد الحوار والقانونية. وطلبت منه أن يفرج عن المعتقلين الوحدويين، فقال: هذا ليس من اختصاصي، وإنما هو من اختصاص رئيس المجلس الوطني لقيادة الثورة، الفريق لؤي الأتاسي.. ونصحني بأن يطلب لي موعداً لمقابلته ونجتمع نحن الاثنين عنده. وتحدد لنا الموعد في الحال، فطلب وزير الداخلية أن يذهب كل واحد منا لوحده.. وبعد دقائق، كنا نتحدث في الوضع العام، والإفراج عن المعتقلين الثلاثة.
وقد كان الفريق في حالة هياج، لم أدرك لها سبباً معقولاً.
وكان يتحدث وكأن «العهد عهده» شخصياً، وكأننا لم نشترك معاً قبل شهر تقريباً في التحرك الوحدوي وسياسة الدولة.. فماذا حرك فيه هذا الانفعال العصبي وهو يعلم وأنا أعلم، أنه يقف على رمل يتموج تحت قدميه، لأنه سيظل في نظر الحزب، في أحسن الفرضيات «ناصرياً آبقاً تخلّى عن إخوانه.
ومع ذلك حصلت على موافقته بالإفراج عن إخواني. وبر بوعده فأمر بأن يعودوا إلى عالم الحرية.
وفي يوم 25 حزيران جاء دور زياد الحريري نفسه. «فقد تهوّر بمغادرة القطر يوم 23 حزيران إلى الجزائر على رأس وفد عسكري.. واستغلّت اللجنة العسكرية غيابه فقامت بتطهير ونقل 25 ضابطاً من أبرز مؤيديه، وعرضت على الحريري نفسه، كمكافأة ترضية له، وظيفة ملحق عسكري في واشنطن. ولكنه اختار التخلي عن السياسة والتقاعد في باريس»[3].
وشكل الحزبيون البعثيون الحرس القومي «لحماية الثورة».. وقد انضم الأستاذ البيطار إلى عضويته، فأصبح «حارساً وطنياً» وقد وصلتنا في معتقل المزة، جريدة البعث وعلى صفحتها الأولى صورته الحلوة وهو يحمل على كتفه بندقية رشاشة، لا أدري إن كان بصره الكليل قادراً على أن يفرّق بينها وبين عصا موسى!.
وروى الدكتور زعبوب قصّة إقصاء الحريري بصورة أخرى، فقال: سافر في 25 حزيران إلى الجزائر وفد برئاسة البيطار وعفلق والعيسمي وكان فيه زياد الحريري».
واستسنحت السلطة فرصة غيابه فسرحت عشرة ضباط ونقلت 20 إلى السفارات، وطلبت إليه عدم العودة إلى دمشق، والسفر مباشرة إلى الولايات المتحدة، كملحق عسكري.. غير أن القوات الموالية له اعتصمت في ثكناتها.. فعاد.. ومن مقره وجه إنذاراً إلى المجلس الوطني بتاريخ 2 تموز طلب فيه:
1 - إقالة لوي الأتاسي، رئيس المجلس الوطني، وأمين الحافظ وزير الداخلية.
2 - الإفراج عن المعتقلين السياسيين.
3 - إقامة جبهة وطنية تضم كل الاتجاهات.
ومعنى هذا الإنذار، أن الصدام بين شركاء الحكم، أصبح حاسماً، ولا بد فيه من القضاء على أحد فريقيه.
ولكن اعتصامه في إحدى الثكنات الموالية له، لم يحمه من مواجهة مصيره المحتوم، فأخرج من البلاد في 7 تموز وعزل من منصبه، ووصل إلى بيروت، ومنها اتجه إلى باريس، حيث صرح أنه جاءها «لأسباب صحية»[4].
وقد ذكر الدكتور سامي الجندي في كتابه «أن الحريري سافر إلى باريس يوم 8 حزيران»..
وهذا خطأ مطبعي، على ما يبدو[5].
«وبقي في مركز السلطة آخر الباقين المستقلين اللواء المهذب لؤي الأتاسي رئيس المجلس الوطني لقيادة الثورة والقائد العام للقوات المسلحة»، حسب تعبير الأستاذ باتريك سيل[6].
وفي أجواء هذه الأحداث الحالكة المتلاحقة، جاءتني صحفية[7] من جريدة الأوريان اللبنانية، تستطلع ما عندي من أخبار حول موضوع الوحدة، وقد نشرت الحديث في جريدتها يوم 28 حزيران 1963.
وفيما يلي، لُمع من هذه المقابلة التي تعبر عن رأي «هذا الرجل السياسي، والعضو الموجه السابق لحزب الشعب السوري ووزير المالية في عهد الوحدة المصرية السورية، وأحد قادة الاتجاه الناصري المتشدد.. كما قالت الصحفية في تقديمها للمقابلة..
والدكتور حومد مؤمن إيماناً مطلقاً بوحدة العرب، وقد كافح في سبيلها بكل قواه، خلال الثمانية عشر شهراً من عهد الانفصال.. وأكثر من ذلك أن إيمانه بانتصار هذا الاتحاد، راسخ، على الرغم من الصعوبات التي تعترض اليوم مسيرته..» كما قالت الصحفية في تقديمها للمقابلة».
وقلت لها:
«إني أعتقد أن، غالبية الشعب السوري وحدوية.. وقد أعرب عن تمسكه بالوحدة منذ أن صوت عليها عام 1958 تحت رئاسة الرئيس عبد الناصر..
وقناعتي أن هذا الشعب لا يزال يطالب بوحدة الإقليمين مصر وسورية.. ولم يكن لشعبنا يد في فصم عرى الوحدة، أيام الانفصال، لأن هذا الانفصال من عمل القوى الإمبريالية وبعض الفئات المستغلة الرجعية الفاسدة.
وكنت في ذلك اليوم المشؤوم في القاهرة.. وهناك، وهنا، كنت أسمع أصواتاً عالية تقول إنّ الانفصال إنما حدث ضد منطوق التاريخ والواقع.. وكنت سعيداً باشتراكي في حكومة 9 آذار، لأن اتفاقاً أبرم في تلك الليلة لإقامة اتحاد ثلاثي يضم سورية ومصر والعراق وأود أن أعترف بأنني، على الرغم من اشتراكي في الحكومة، لم أكن متفائلاً..
وقد لاحظت منذ بداية المسيرة، أن حزب البعث يتخذ إجراءاته لإبعاد بعض القوى الوحدوية عن السلطة».
وتوصل إلى فرض أكثريته الحزبية، في وقت ليس لمثل هذه الأكثرية الحزبية أي معنى أو لزوم.
ولهذا السبب اشترطت عدم البقاء في الحكم إلا شهراً واحداً، لأنني لم أكن أستطيع أن أرفض الدعوات الملحّة من أجل مشاركتي في الحكومة، في الظروف الحساسة التي أعقبت القضاء على الانفصال، ومجاراة لقرار القوى الوحدوية في المساهمة في التجربة الجديدة.
ولكن حين وجدنا أن قيادة البعث بدأت تعمل للانفراد بالحكم، قدمت استقالتي أنا وزميلي نهاد القاسم من الحكومة، بعد خمسة عشر يوماً من تشكيل تلك الحكومة.
---
الحواشي:
[1] نشرته في لندن دار الساقي، علم 1988، خصصه المؤلّف لدراسة حياة الرئيس حافظ الأسد، منذ النشأة حتى تاريخ صدور الكتاب. ويقع هذا الكتاب الفخم في 832 صفحة من القطع الكبير. وهو يتألف من قسمين، الأول وعنوانه الزعيم الثوري، والثاني وعنوانه الزعيم. والمقطع المستشهد به موجود في الصفحة 136 وما يليها.
[2] عن تفصيل أكثر لمضمون هذه المذكّرة، انظر: الدكتور زعبوب، الميثاق الوطني، ص117، وما يليها.
[3] عن باتريك سيل، المرجع السابق، ص141.
[4] في كتابه المشار إليه، ص119.. وما يليها.
[5] في كتابه (البعث) ص130.
[6] المرجع السابق، ص142.
[7] هي ثريا الحياني، ابنة المدير العام السابق لإدارة البرق والبريد والهاتف الأستاذ توفيق الحياني.