وراء القضبان - الجزء 8: الليلة التي صدرت فيها أحكام الإعدام عن المحكمة
9 - ليلة صدور الأحكام
انتهت محاكمة عدد من المجرمين الناصريين، وأعلن الضللي رفع الجلسة إلى يوم حدده لإصدار الأحكام.
وكان المتهمون البارزون الذين جرت محاكمتهم تسعة.. منهم سنة يحاكمون بصورة وجاهية، وثلاثة يحاكمون بالصورة الغيابية لأنهم «فارون من وجه العدالة»..
وكان المتهم الرئيسي اللواء راشد القطيني، قرأ علي دفاعه الذي سيلقيه في ضحى الغد أمام المجلس العرفي بنفسه. لأن المحكمة ترفض قبول محامين للدفاع عن المتهمين.. وقد استوقفني فيه جملة هذا نصها تقريباً.
«واتفقنا مع عدد من المدنيين على احتلال مبنى الأركان والإذاعة».. وهذه الفقرة تترك مجالاً واسعاً للتساؤلات.
فالمدنيون القياديون هم نحن، ونحن لم يكن لنا علم بأي اتفاق أو تنفيذ.. في هذه العملية كلها.
ونبهته إلى ما قد تثيره هذه الكلمة «المدنيين» من متاعب.. لأشخاص أبرياء.. وقدر وجهة نظري، فأضاف كلمة الفلسطينيين إلى المدنيين.. لأن الاتفاق جرى معهم، وشاركوا في الهجوم الفعلي المسلح على الأهداف «الاستراتيجية» التي كانوا يريدون احتلالها.
وقد أعجبتني قوة أعصاب أبي ماهر (راشد القطيني). الذي كان يواجه شبح الموت بجرأة نادرة، وقد قضينا السهرة، ونحن نمازح إخواننا الذين ستصدر الأحكام عليهم في الغد.. وكانوا، حقاً، غير مبالين بها.
إلا واحداً من أصحاب الرتب الرفيعة جداً.
فقد كان في حالة نفسية مقلقة.. وكان يردد القول في عصبية واضحة، إعدام طيب إعدام.. وبعد؟ أنا حاضر أنا حاضر!
وشرحت لهم، موقف التشريعات الجنائية في مواجهة الإجرام السياسي.. وأكدت لهم أن الذين أعدموا، أصبحوا بين يدي الله وفي ذمة التاريخ.. أما الذين كتبت لهم السلامة، أنتم ونحن، فلن يصيبنا إلا بضع سنوات من السجن.. وبعدها، سوف تهدأ الأعصاب، وتزول الأحقاد، وقد يحل محلها الوئام والتواد.. وقد أيدت قولي بما عرفته بلادنا من تقلبات سياسية وعسكرية.
فمن ضربته يد القدر في ساعة الهجمة، فالله ولي أمره.. وهذا قدره.. وأما من تأخر وقت حسابهم.. فإنهم «لا خوف عليهم ولا هم يحزنون».
وشعرت كأن النفوس هدأت، خاصة حين قلت لصاحبنا القلق: غدا سيصدر عليك الحكم بالإعدام، وسوف لن ينفذ، وما هي إلا دورة زمن صغيرة، إلا وتكون شاباً رشيق الحركة، تتبختر في شوارع بلدك، وتنعم بمتعة السباحة في بحرها الأزرق.. ووقفنا في الصباح لنودعهم ونشد من أزرهم.
وعادوا عند الظهيرة، ومع كل واحد «كتابه بيمينه».
1. العقيد جاسم علوان (وكان معتقلاً في مكان آخر): إعدام «عملاً بأحكام الفقرة ج من المادة 7 والفقرة د من المادة 5 من المرسوم التشريعي رقم ٢١ تاريخ ٢٤ نيسان١٩٦٣».
2 - المقدم محمد نبهان (جارنا في الغرفة المظلمة): إعدام
3 - رائف المعري (وكان معتقلاً في مكان أخر): إعدام
4 - اللواء نور الله الحاج إبراهيم أشغال شاقة مؤبدة.
ه - اللواء راشد القطيني أشغال شاقة مؤبدة
6 - الفريق محمد الصوفي أشغال شاقة مؤبدة.
كما حكم المجلس بالإعدام غياباً على الدكتور ذوقان قرقوط والعقيد ممدوح الحبال، لأنهما تمكنا من الهرب.
ولم ينفذ حكم الإعدام، كما توقعت، كما لم تطل مدة سجن أي واحد منهم أكثر من سنة وبعض السنة.. وعادوا جميعاً إلى الحرية، ومنهم من قضى نحبه بأجله. ومنهم من ينتظر.
ذلك أن شعبنا يكره الدم.. فإذا سفكه في ساعة الغضب، فإنه ينفر منه حين تهدأ النفس. وتلك نعمة من نعم الله، وقد تكون سبباً في كثرة الانقلابات ومحاولات الانقلابات التي وقعت جهرة أو سراً خلال الأربع عشرة سنة التي بدأت بانقلاب حسني الزعيم عام ١٩٤٩ وانتهت بأحداث ۱۸ تموز ١٩٦٣ التي أتحدث عنها.. غير أن ما وقع من عنف في الحركة الأخيرة لم تعرف البلاد له مثيلاً من قبل.
٢٢ تشرين الثاني ١٩٦٣
هذا يوم لا يمكن أن ينسى تاريخه بين أيام المعتقل.
كنا تناولنا طعام الغداء في غرفتنا، وجلسنا على أسرتنا الحديدية، التي تئن كلما تحركنا فوقها، مما أصابها من الشيخوخة والصدا. «نستشرق» كعادتنا احتمالات المستقبل الغامض.. وكان جهاز الراديو الصغير، إلى جانبي على السرير، وفجأة قطع البث وأعلن المذيع - ولا أعرف من أي إذاعة - نبأ مذهلاً، جاء فيه:
جاءنا الآن الخبر التالي: اغتيل منذ دقائق الرئيس جون كنيدي، فيما كان في موكبه إلى اجتماع عام في مدينة دالاس.
وتبين أن الذي قتله يدعى «لي هارفي أوزويلد»..
ولكن لماذا؟
واليوم يكون قد مضى على ارتكاب هذه الجريمة ثلاثة وثلاثون سنة (وأنا أكتب هذه السطور). ولكن، حتى الآن، لم يكتشف أحد أسرار هذا الاغتيال على الرغم من تشكل عدة لجان للتحقيق فيها.
ومن حيث المبدأ، فإن الرئيس كنيدي، هو أول رئيس جمهورية من اتباع المذهب الكاثوليكي، في دولة غالبيتها الساحقة من البروتستانت.
ثم إنه أراد أن يجدد في سياسة أمريكا، التي كانت تنهك نفسها وتنهك الآخرين، في سعيها لتطويق الاتحاد السوفيتي، ومنظومته الشيوعية بأحلاف عسكرية وإرهاقه في سباق تسلح ليس فيه من منتصر.. فقد كان لدى كل من العسكرين المتشاحنين مخزون من أسلحة الدمار الشامل يكفي لإبادة الإنسانية عدة مرات.
وقد اتجه كنيدي إلى ترطيب الجو الدولي، فعقد مع الاتحاد السوفيتي معاهدة لحظر التجارب النووية، ودعا إلى التعايش السلمي، كما أنه صرح باتجاهه إلى إلغاء التمييز العنصري داخل بلاده، ورفع شعار احترام حقوق الإنسان.
وأطلق القاتل عليه ثلاث رصاصات أصابته إحداها في ظهره.. وأصابت الأخرى دماغه وقال بعض الشهود، بل هما رصاصتان اثنان.. وصرح بعضهم للجنة (وارين ١٩٦٣) إنما هي ست رصاصات، ولكن لم يعثر إلا على ثلاث خرطوشات فارغة.
وكانت إلى جانبه زوجته.. التي تزوجت فيما بعد الملياردير اليوناني المتصابي أوناسيس.
وفي التحقيق أنكر أوزويلد ارتكابه الجريمة. ولكنه اعترف بأنه عاش مدة في روسيا (العدوة) وأنه معجب بزعيم كوبا (الشيوعي) الدكتور فيديل كاسترو.
وكان إنفاقه يفوق كثيراً دخله، مما يؤكد أنه كان يتلقى دعماً مالياً من جهة مجهولة.
وحين فشلت إدارة المخابرات المركزية الأمريكية في العملية التي بعثت بها الكوبيين اللاجئين إلى أمريكا، وهزموا في «خليج الخنازير» نيسان (١٩٦١)»، طلبت إدارة المخابرات أن يقوم الجيش الأمريكي نفسه بغزو كوبا.
غير أن الرئيس كنيدي رفض هذا الطلب وأقال أحد كبراء موظفي المخابرات آلن دالاس شقيق وزير الخارجية.
وقد يكون رفضه أحنق إدارة المخابرات المركزية التي قبعت تلعق جراح هزيمتها.. ووقف كنيدي في وجه خروشوف الذي نصب صواريخه في كوبا ووجهها صوب أمريكا. وفرض الحصار على كوبا بأسطول أميركي ضخم، وأنذر غريمه الروسي بأن يختار بين تلك الصواريخ الروسية ونقلها أو المصادمة، فاختار خروشوف المسالمة.. ونقل الصواريخ الروسية.. الأمر الذي أحنق الكوبيين واليساريين معاً.. ومنهم أوزويلد الذي أصبح سكرتير اللجنة التي شكلها اليساريون «لمناصرة كوبا»..
والذي حدث أن شخصاً اسمه ، جاك روبي، ترصد قاتل كينيدي، فيما كان ينقل إلى التحقيق، واغتاله، ربما لكي يموت الدليل الحي، ولا يبقى من يعترف بأسباب القتل.
وقد صرح القاتل روبي لإحدى محطات التلفزيون بأن «أسرار مقتل الرئيس كنيدي ستندثر إلى الأبد.. ولن يستطيع أحد أن يعرف لماذا اغتيل، ومن هم الذين دبروا قتله».
وبقيت أصابع الاتهام - في بعض الآراء - متجهة إلى المخابرات الأمريكية.. تماماً. كأصابع الاتهام، في محاولة اغتيال بابا روما، من قبل التركي محمد علي أغجا. في ساحة القديس بطرس في روما يوم الأربعاء ۱۳ أيار ۱۹۸۱.
ولم يعرف أحد ما دار بين البابا وبين الذي حاول قتله، في اجتماع سري عقد بينهما وراء جدران السجن!.
يقول علماء الإجرام إن ١٥٪ من الجرائم تصل أنباؤها إلى الأجهزة القضائية فقط.. وهاتان جريمتان ضخمتان، صَمَّتْ أنباؤها آذان العالم.
وبقيت أسرار ارتكابهما في ملفات لا يطلع عليه إلا مديروهما إن كانوا أبقوا على تلك الأسرار «للتاريخ» أو أتلفوها و«صَفّوا» أشخاصها، حتى لا يبقى أثر من ثعلبة.
٢٥ كانون الأول ١٩٦٣: يوم الفرج والإفراج
تناولنا عشاءنا في غرفتنا.. وقررنا أن نسهر مع ناظم بك، في غرفته، وهي غرفة يشاركه فيها الفريق زهر الدين وفيما كنا نتحدث في كل شيء وفي اللاشيء، سمعنا صرير باب الجناح.. وقلنا في سرنا عسى خيراً.
وقال المساعد الذي أدى التحية بأدب: أستاذ حومد اجمع إغراضك! وتعبير أجمع أغراضك ذات معنيين:
الإفراج والعودة إلى أحضان الحرية، وهي أمنية الأماني، أو ركوب سيارة الجيب والصعود إلى سجن المزة.. لتبدل في آراء القيادة، لا تستطيع التكهن به.
وحملت حقيبتي، وودعت الرئيس والفريق وإخواننا الذين كانت أبواب غرفهم مفتوحة.. كما ودعت «العسكر» الذين كانوا يسهرون على راحتنا.. وانطلقت بنا الجيب تنهب الوديان وتخترق الهضاب، في ظلمة ليل بهيم.. ووقفت أمام باب السجن.. وقادوني إلى ساحة جانبية، وجدت فيها عدداً من المعتقلين أمام إحدى الغرف.
وتبادلنا التحيات والتساؤلات.
غير أنه لم يكن أحد منهم على علم بشيء.
وفتح باب الغرفة، وأشار إلينا ضابط صغير بالدخول.
في صدر هذه الغرفة كان يجلس ضابط، كبير، كنت رأيته من قبل، وجالسته في غرفتي، وجرى بيننا نقاش حاد، تحول إلى مشادة بينه وبين الأستاذ نهاد القاسم.. هو العقيد أحمد سويداني.. آمر الشرطة العسكرية.
وبدأ الكلام بتوجيه «النصح» إلينا، ونحن وقوف وهو جالس، وفينا من كانت سنه تزيد عن سن أبيه.
ولم يحاول تقنيع التهديد بالمجاملات الكلامية..
وكان محور نصيحته، أن هذه تجربة مرت حتى الآن بسلام.. والذي لم يتعظ من دروسها، فسوف يعود إلى هنا دون أي أمل في العودة إلى أهله بعد ذلك.
ومن المؤكد أنه خجل من نفسه.. فنهض من كرسيه وجاء إلينا يصافحنا مودعاً، وآملاً أن يكون لقاؤنا القادم في ساحة من التعاون المثمر.. تحت قيادة حزبه الذي ينوي أن يسير بالبلاد، وفق دستوره.
وبشرنا بأنه تقرر الإفراج عنا.
فقد صدر مرسوم تشريعي بالعفو العام عن الذين بقوا أحياء من عملية تموز، ولم يدانوا بحكم قضائي، وكنت واحداً منهم.
وقد افتقدت صديقي نهاد القاسم، لأني لم أجده بين الذين أفرج عنهم.. والظاهر أن العقيد سويداني لم ينس له «جرأته» عليه، فأبقاه في ضيافته.. ولم يفرج عنه إلا بعد شهر آخر.
وحين حملت حقيبتي، كانت أفرغ من فؤاد أم موسى، إن كانت لتبدي به.
فقد كان «الحرس» يأخذون ما فيها من كتب وملابس، مستفيدين من فرصة وجودنا مع مدير الشرطة العسكرية سويداني، ونحن نستمع إلى نصائحه الغالية.
وتوجهت إلى خارج السجن.
كانت سيارة عسكرية من حاملات الجنود تقف في انتظارنا. وفيما كنت أهم بتسلق سلمها، تقدم مني شخصان في تهذيب بالغ، ورجواني أن أركب معهما في سيارتهما الصغيرة.. وحاولت أن أعتذر، غير أنهما أخبراني أنهما محققان من القضاء العسكري، وأنهما «يدينان لي» بثقافتهما القانونية، وألحا عليّ برجاء مرافقتهما، فأنا أحد أساتذتهما على كل حال.
وفي السيارة سألتهما: وماذا وجدتما في الأوراق ما من شأنه أن يدينني؟
فأسرا لي، بأن الذي تسبب في اعتقالي، ليس مشاركتي، من قريب أو بعيد، في العملية العسكرية، وإنما هو تقديم استقالتي من حكومة 9 آذار، وإذاعة نصها في الإذاعة المصرية مرات عديدة.. فكانت إسهاماً في التحريض على حكم الحزب..
وحين دققت جرس بيتي، وفتحته لي ابنتي، شعرت كأن باباً من أبواب الجنة قد فتح.. وأحسست وأنا أضم هذه الشابة وأخاها الذي أصبح في العاشرة من عمره، وأمهما، بأنني عدت إلى إنسانيتي وإلى الحياة.. وشعرت وكأن أغلال العبودية قد تساقطت.
وتساقطت معها ما حملته خلال هذه الشهور الخمسة من أحقاد على الذين غدروا بنا واعتقلونا.
واستقبلت أصدقائي، وأقاربي.. «وكأننا - يا حلو - لا رحنا ولا جينا».
وحين أفرج عن الأستاذ القاسم بعد شهر تقريباً، أصبح «الخماسي» رباعياً لأن الأستاذ علي بوظو، أخذ طريق القاهرة، وأصبح فيها لاجئاً سياسياً.
ولم تنقطع اتصالاتنا بعضنا ببعض، ولكنها خفت فقد شعرنا بما يشعر به أصحابنا من خوف على أنفسهم.
وأدركنا أن سطوة الحكم شديدة الوطأة، وأنها تسعى إلى أن تؤدب عبد الناصر بنا.. فقررنا «تبريد» حرارتنا.. وعدم حمل الناس على المكروه.. وعلى العمل في حدود ما تسمح به الأوضاع.. ولم يكن هذا القرار مدعاة فخر لنا، ولكنه كان «أضعف الإيمان».
وقد خفنا فعلاً أن ترتفع درجة حماسة بعض مؤيدينا، فتمتد إليهم أيدي أجهزة أمين الحافظ، ويأتينا أولادهم، يطلبون منا «مساعدتهم» لأن «معيلهم اعتقل، وأنهم لا يملكون ما يدفعون به غائلة الحاجة».. ولم يكن فينا من كان قادراً مادياً، على هذه «الأريحية». ولم نكن من الذين يمدون أيديهم، لنقبض كغيرنا، سبعين أو ثمانين ألف جنيه من عبد الناصر، قبل أن يناصبوه العداء.
لذلك، عزمنا على أن نسير «سير الأضعف». واعتبرنا ذلك تقيداً منا بمبدأ الشرف وعدم التلوث بالمال الأجنبي.. بما فيه أموال «المخابرات المصرية».
ولماذا لا أقولها بصراحة؟
إن «النظام» البعثي يحكم بالجيش.. وقد رفع شعار «جيش العقيدة» فوق راياته! وصحفه تحمل علينا، وتعددت في أعمدتها أو صافنا: عملاء، ذيليون، انبطاحيون.. ونحن لا نحب، ولا نستطيع أن نقاوم القوات المسلحة وأجهزة الأمن المتشعبة، ولم يكن هذا هدفنا في الأصل، لأن مبدأنا كان يقوم على حماية الجيش بإبعاده عن السياسة، وقد تعلمنا من تجارب الماضي، أن لا شيء يفسد السلاح كالسياسة، لأنها تحرفه عن الغاية من إنشائه، وهو الدفاع عن الوطن، وليس خوض الدعايات الحزبية.
كذلك كنا على ثقة، بأن الأقوى هو الذي يحكم.. وهذا ما دفع ثمنه أكرم الحوراني وغيره من الساسة المتعسكرين غالباً فحين سقط ضباطه، أو تخلوا عنه، أطلق ساقيه للريح، ليعيش لاجئاً في رحاب العراقيين.. ثم الأردنيين.. حيث وافته منيته على ترابهم، بعد غربة استمرت أكثر من ثلث قرن.. وقد سامحه الملك حسين وأمنه، ونسي ما كان يكيله له من شتائم ويتهمه به من خيانات، على مدى عقود عديدة من السنين.
وقرأت نبأ موته على أوراق علقت بدمشق يوم الأحد 25 شباط 1996 (6شوال 1416) وأذاعت النبأ إذاعة لندن وإذاعة الشرق.
وحزنت عليه، لما كان بيننا من ود قديم، قضى عليه عداؤه للوحدة.. ومهما قيل فيه، فإنه صاحب مبدأ اشتراكي، عمل في استماتة على تحرير الفلاحين، وناصر العمال بكل قواه.. ولولا تغلغله في الجيش، لكان من أفضل زعماء البلاد.
وكثيراً ما سألتُ نفسي: ما هو موقع أمين الحافظ بين الكتلة التي تمسك، بزمام الأمور؟ اللواء صلاح جديد، واللواء محمد عمران، والضابط سليم حاطوم واللواء فهد الشاعر!.
وبسبب معرفتي به، وما كنت أسمعه من أوساطهم، كنت أشعر بالقلق على المستقبل.. فقد أصبحت سورية معزولة عن الأمة العربية تقريباً.. وانتشرت الوصولية في أوساط المثقفين.. حتى أن قريباً لنا من حملة دكتوراه ألمانيا الشرقية، وهو اقتصادي يدرك الحالة المتردية في البلد، لم يجد ما يتقرب به إلى الحكام المتشنجين إلا أن يجعل عنواناً لمقال كبير في جريدة الحزب «مزيداً من شد الأحزمة على البطون». وحين سأله أخي الدكتور أسعد، وهل بقي في البطون شيء تشد عليه الأحزمة، أجابه، وعيناه منكسرتان.. «هذا هو سبيل الوصول»..