الفصل الثاني: نشأة رشدي الكيخيا: الأسرة والتعليم والشخصية

اقرأ بالإنكليزية

كان الطابع الاجتماعي الغالب في حلب، أن أهلها طبقتان:

طبقة شعبية، هي الغالبة عددًا وإنتاجًا، تعمل في الصناعة والتجارة والزراعة، وطبقة الأعيان، وهم أبناء العائلات الوجيهة، التي كانت تعتمد في حياتها اليومية على ما تدرُّه «أملاكها» الزراعية من محصول متنوِّع، وبخاصة القمح والزيتون.

وكان أبناء هذه الطبقة على اتصال مباشر بالسلطات الرسمية. لأنهم كانوا يحتلون في جهاز الدولة مناصب مؤثرة، سواء أكانت الوظائف رفيعة أو بسيطة.. فهي في جميع الحالات تمنح أصحابها المرتب المجزي والوجاهة.

وكانت دراسة هؤلاء الموظفين قليلة الزاد في الأغلب من الحالات.. وقليلون جدًّا منهم مَن كانوا يحملون شهادة عليا. ويذهب خيالي إلى أساتذتنا في «المكتب السلطاني»، الذي كان يجمع خيرة المثقِّفين والمُثَقَّفين أيضًا.

فقد كان مديرنا توفيق الجابري عليه رحمة الله واحدًا من القلائل الذين درسوا في «كلية الإدارة الملكية في إسطنبول» وأسندت إليه إدارة المكتب.

وأودُّ أن أستطرد قليلًا، لكي أسأل الله له الرحمة لأياديه البيضاء على جيلنا بكامله الذي درس أو تخرَّج من مكتبه هذا.

فقد كان صاحب هيبة وقدر، وكان ذا شعور بكرامته وثقل مسؤولياته. وكان يقف في وجه الموظفين الفرنسيين من جماعة الانتداب الحاكم لكي يحمي الروح العربية الوطنية في مؤسسته، ويحمي طلابها الذين كانوا يخرجون في مظاهرات حاشدة، تأييدًا لرجال الكتلة الوطنية.

ومن أحشاء واحدة من هذه العائلات الطيِّبة وُلد رشدي الكيخيا عام 1899 ميلادية على ما هو مسجّل في القيود الرسمية، أو 1900 على ما يقول أصحابه، ونشأ في إطار من قواعد تهذيبها وتعليمها وتقاليدها. وقد داهمته الحرب العظمى الأولى وهو في الرابعة عشرة من عمره فاضطربت دراسته[1].

وقد عمل في الزراعة، لكنه كان إلى جانب عمله فيها غير منقطع عن الدراسة، وكان يقرأ كل ما تقع عليه يده من الكتب، فكوَّن لنفسه ثقافة جيدة[2].

وفي موضوع نشأة رشدي الكيخيا أستعين بما قاله رفيق حداثته السيد توفيق الميسر. فقد قال ما يلي:

«تعرَّفت على المرحوم سنة 1910.

وكان في العاشرة من عمره آنذاك تقريبًا.

كنا جيرانًا في حي الفرافرة[3]، وكان والدي صديقًا لوالده السيد عبد القادر. وفي تلك السنة أرسلنا أهلنا إلى بيروت للدراسة في «الكلية الإسلامية» كطلاب داخليين. وكان صاحب هذه المدرسة الشيخ أحمد عباس الأزهري. وكانت تعرف أيضًا باسم «مدرسة الشيخ عباس». وكان موقعها في محلة برج أبو حيدر. وكانت هذه المدرسة محطّ أنظار الميسورين من أبناء البلاد العربية، لشهرتها وسمعة صاحبها. لذلك كان طلابها خليطًا من أبناء تلك البلاد، حتى قيل فيها إنها كانت التربة الصالحة لأول بذرة في حقل الوحدة العربية الإسلامية. وقد أصبح كثير من خريجيها من كبار رجال المجتمع والسياسة في المنطقة.

وفي عام 1912 قصف الإيطاليون بيروت بقنابل أسطولهم فعدنا إلى بلدنا حلب. وهناك انتسبنا معًا إلى مدرسة أنشأها الألمان في حيّ الجديدة. وكذلك كان طلابها من أبناء الأسر الغنية. وكان عبد العزيز الحلاج واحدًا من رفقائنا[4].

صورة رشدي الكيخيا أثناء التلمذة
صورة رشدي الكيخيا أثناء التلمذة
أحمد أفندي الكيخيا (جده) حين كان عضوًا في مجلس إدارة الولاية
أحمد أفندي الكيخيا (جده) حين كان عضوًا في مجلس إدارة الولاية

وكنا بعد دراستنا نمارس هوايتنا في بعض الألعاب في «قناق» الكيخيا (المنزل الكبير)، وكان يلعب معنا بعض أبناء عائلة السياف. ولم يكن مسموحًا لنا الاتصال بغير هؤلاء من أبناء الحيّ.

وقد كان رشدي الكيخيا خاضعًا لتربية منزلية صارمة وخاصة من قبل والدته حليمة ابنة عم والده، التي كانت تسهر عليه وتشرف على علاقاته بأقرانه من الأولاد. وقد يكون لهذه الشدّة في الرقابة أثر في حرمانه من أن يكون له أية هواية في صغره. وحتى حين نما وأصبح يافعًا بقي شبه معزول عن الناس ما عدا هذه القلة من أبناء جيرانه، لذلك كَوَّنَ لنفسه صورة عن العالم الخارجي وناسه تختلف تمامًا عما صادفه بعد أن دخل الحياة العملية. وكان جدّه لأبيه أحمد أفندي من وجهاء حلب البارزين ومن أهل الثراء فيها، وكانت داره في الفرافرة فخمة وواسعة. فكان يستقبل فيها ضيوفه من أصدقائه، كما كان يستقبل فيها القادمين إلى حلب أو المارين بها من كبار رجال الدولة العثمانية، خاصة وأنه كان عضوًا في مجلس الأعيان العثماني في إسطنبول».

وقد ترجم له صاحب المنجد في تراجم الأعلام كما يلي:

«كتخدا كلمة فارسية معناها السيد، وتحوَّلت بعد ذلك إلى الكيخيا وتعني باللغة التركية القيِّم. وقد وُلد أحمد كتخدا في حلب عام 1838 وتوفي عام 1919. وكان عضوًا في مجلس إدارة الولاية وأحد المدافعين عن حقوق العدل ضد الوالي جمال باشا».

وتوسَّع الشيخ راغب الطباخ في ترجمة عائلة الكيخيا في كتابه «أعلام النبلاء في تاريخ حلب الشهباء». ويؤخذ من هذه الترجمة أن أحمد أفندي هذا أنجب أربعة أولاد هم محمد وعارف وعبد القادر والد رشدي وشقيقه نديم أما الرابع فمات صغيرًا.

وكان أحمد أفندي على جانب من الثراء، إلا أنه بدَّد ثروته النقدية في إنفاق غير عادي، وغرق في ديون ثقيلة ساهمت في ثقلها أخته أسوم (أسماء)، فاضطر عبد القادر بعد موت أبيه أن يبيع قسمًا من أملاك التركة العقارية لتسديد ديون والده. وبعد أن أصبحت ذمة الأسرة بريئة تمامًا من كل دين، غادر عبد القادر (والد رشدي) حلب نهائيًّا، لأسباب عائلية وصحية، وسكن في مدينة صيدا (اللبنانية) حتى وافاه أجله فيها». (انتهى كلام الطبّاخ).

وحلَّ الشقيق نديم محل أبيه في إدارة ملكيته الخاصة وملكية أخيه رشدي الذي كان يشعر في أعماق نفسه بأن القدر يهيِّئه للقيام بدور أساسي في حياة بلاده، غير الإشراف على قطف الزيتون وعصره ومحاسبة الفلاحين.. المرابعين.

المرحوم عبد القادر الكيخيا والد الزعيم رشدي أرسلها إلى ولديه نديم ورشدي تهنئة بالعيد من صيدا، حيث أوصى ببناء جامع الكيخيا قبيل وفاته عام 1342هـ - 7 ذي الحجة.المرحوم عبد القادر الكيخيا والد الزعيم رشدي أرسلها إلى ولديه نديم ورشدي تهنئة بالعيد من صيدا، حيث أوصى ببناء جامع الكيخيا قبيل وفاته عام 1342هـ - 7 ذي الحجة.
المرحوم عبد القادر الكيخيا والد الزعيم رشدي أرسلها إلى ولديه نديم ورشدي تهنئة بالعيد من صيدا، حيث أوصى ببناء جامع الكيخيا قبيل وفاته عام 1342هـ - 7 ذي الحجة.

وقد كان نديم برًّا بنفسه وبأخيه، فأقبل على العمل بهمة قعساء ونمَّى ملكيته وملكية أخيه المشاعة بينهما، واستعمل فائض الغلة في توسيعها، حتى أصبحت مرموقة حقًّا، فأغنت رشدي عن ممارسة أي عمل تجاري أو صناعي أو وظيفي. وكان هذا مسلكًا مغايرًا للمألوف لأن أبناء الطبقة التي ينتمي إليها، كانوا يسعون إلى الحصول على وظيفة في جهاز الحكومة، لأن لها راتبًا شهريًّا مقرّرًا، ولأنها تريق على شاغليها وجاهة إضافية يتمتَّعون بها حين يقف المراجعون من أبناء الشعب أمامهم وفي يدهم أوراقهم يعرضونها عليهم لتوقيعها بنوع من الرجاء، أو وهم يعرضون عليهم شكاواهم وحاجاتهم فيتواضعون لهم بسماعها منهم.. وكان الأميون في جهاز الدولة كثيرين. وقد استغلوا جهل الشعب الذي كانت الدولة نفسها تسهر على استمراره لتوطيد وجاهاتهم.

فلما تعلَّم أبناء الشعب وعادوا من الجامعات الأجنبية، كان القطار قد سبق فلسفة الاستثمار العائلي. وكانت تلك شائبة قبيحة لم تلطّخ جبهة رشدي الكيخيا. فقد نأى بنفسه مع أخيه عن مزالق الطمع وتزاحم المصالح، وقنعا طيلة حياتهما بما استقرَّ في نفسهما بأن الوجاهة الحقيقية ليست في جاه السلطة وإنما في إقامة علاقات حسنة مع الناس.

ولم يتزوَّج رشدي.. وظلَّ عزبًا إلى أن اختاره الله إلى جواره فسعى إليه متحلِّلًا من متاعب الأسرة وهمومها ومشاكلها.

ولقد علمت أنه خطب فتاة من عائلة المدرس الحلبية، فوقفت أمه في طريق زواجه منها وحالت دون إتمامه. وبعد ذلك خطب فتاة من عائلة الجابري، فتعثَّرت الخطوبة ربما بسبب جفاء قديم بين الأسرتين.. والظاهر أنه اتخذ منذ تلك الحادثة قرارًا نهائيًّا بالبقاء عزبًا طيلة حياته.. وبرَّ لنفسه بما وعدها به.

ولقد خالطته سنين طوالًا، فلم أشهد عليه شائبة تشوب سلوكه.

وهذا ما يجمع عليه جميع أصدقائه ورفقائه في العمل السياسي أو بعيدًا عن هذا العمل. فلم نرَه مرة يعاقر الخمرة، بل كان يكرهها وينفر منها.

ولم نسمع عنه أنه لعب الميسر.. حتى الدخان ما كان يتعاطاه إلا لمامًا و«تنفيخًا» ليس إلا.. إما مجاملة لزائر أو دفعًا لملل.. لكنه ما كان يضيق ذرعًا بمَن يتناول شرابًا أو يدخِّن لفافة تبغ.. وخاصة في المناسبات الرسمية التي كان شديد العزوف عنها، كحفلات السفارات الأجنبية أو الحفلات التي تقيمها الحكومة السورية.. فقد كان رحمه الله متدينًا حقًّا، إلا أنه لم يكن متعصِّبًا. وكنا نعلم أنه كان ينفر من المقامرين من أصحابه ولو تستَّروا، ولا يثق بذمتهم وأمانتهم. ولقد حال ذلك دون تولِّي واحد من صحبه وزارة حساسة، لأنه عرف بأنه يقامر.. وكان على حق في كرهه المقامر، لأنه إذا خسر فإنه لا يؤتمن على كرامته وسمعته، ومن باب أولى كرامة الدولة وأموالها.

وتقتضيني الأمانة أن أتحفَّظ بعض التحفُّظ، لأن المرحوم كان شديد الكتمان لأسراره في علاقاته الخاصة والعامة. وإنما لشدّة اتصالنا به، في نهار أو ليل كنا مجمعين على أنه ليس له حياة خاصة، بالمعنى المتداول في هذه الأيام. على أنه إذا كانت له مثل هذه الحياة الخاصة، فإنها كانت في غاية الستر، لا يعلمها إلا الله وهو. لكن على حدِّ ما علمنا وما سمعنا، فإنه كان عفيف القصد ظاهر الأمانة، نقيّ السلوك، ولم يدمغه أحد بانحراف سلوكي، وفي يده دليل يمكن أن يرقى إلى درجة القرينة المألوفة في علاقات الناس.

وما أحلى مجلسه وأصفى نفسه وأعف لسانه؟.. وقد كنت أؤم مجلسه في مقرِّ الحزب، في دمشق أو حلب، أو في بهو فندق «الأوريان بالاس» في دمشق أو في مقهى السبيل في حلب أو سيرًا على الأقدام للنزهة وممارسة الرياضة، لأننا لم نكن نمارس أي نوع من أنواع الرياضة غير المشي لنؤدِّي فيه حقوق أجسامنا علينا.

وكان من عادته أبدًا، أن ينهض واقفًا لاستقبال أي زائر إلى حلقته، ويجلسه في صدر المجلس ويطلب له ما يشتهي أن يشرب.. ويظلُّ هو دائمًا في مكان الصدارة قبلة للأعين والأفئدة، لا يخفض من قدره موقع جلسته. وتذكر كتب التراث أن الإمام أحمد ابن حنبل دخل ذات يوم على جمع من أصحابه، وجلس في أدنى المجلس، فارتاعوا وراحوا يناشدونه أن يجلس في صدارة الحفل فقال لهم: حيث أكون فهو الصدر.

ويحلو مجلسه إذا كان منشرحًا، فقد كانت عيناه تلمعان ببريق يريح النفس ويعكس صفاء طيبته، وكانت الابتسامة لا تفارق شفتيه. وفي مثل هذه (الحال) كما يقول المتصوفة كانت يده تمتدُّ إلى علبة الدخان لتنتزع واحدة منها يشعلها لنفسه ويأخذ بتنفيخها.. وإن كان المجلس مجلس جد، فإن الوقار الذي لا حدود له كان يجلل الجلساء.. فيقطعون ما بينهم وبين أي بحث آخر كل صلة.. وينصرفون كل الانصراف إلى معالجة الموضوع المطروح على المناقشة.

وكان له مجلس كل صباح في بيته في الفرافرة، يستقبل فيه كل مَن يرغب في زيارته. وكان عدد زائريه كبيرًا في العادة من أهل حلب ومن غيرها.

وإلى جانب هذا المجلس المنزلي كان يجلس صيفًا في شرفة فندق بارون، وكان أرقى فنادق حلب في تلك الأيام، كما كان يجلس شتاءً في فندق رمسيس.

وكان هذان المجلسان ضيقين ومخصصين للخاصة من أصحابه الذين كان يأنس إليهم.

وكان رحمه الله ولوعًا بمعرفة أخبار أصحابه، لا فضولًا منه أو تطفُّلًا، وإنما لكي يعرف أقدارهم ويضع النقاط على الحروف حين الحاجة. ولم يكن يتردَّد في وضع إصبعه على مكمن الداء إذا وجد في أحدهم «دملًا» يحتاج إلى مبضع.

وقد ظلَّ وفيًّا للجلسات الصباحية، حتى وهو في منفاه في بيروت أو ليماصول (قبرص)، بعد أن غادر البلاد عام 1967.

وفي جلسات مكتب الحزب بخاصة حين كنا نناقش القضايا السياسية المحلية والدولية، كان من عادته أن يلتزم الصمت ويسمع إلى كل متكلِّم يودُّ أن يدلي بدلوه.. مهما تشعَّبت به سبل الحديث.. وإني أعترف بأنني كثيرًا ما ضقت ذرعًا ببعض المناقشات والاستطرادات وخاصة مناقشات أولئك المتقعرين الذين يظنون أنهم يملكون أسرار الغيب، ومفاتيح حلول المعضلات، لكنهم لا يقدِّمون شيئًا مفيدًا دومًا.. أما هو فكان ثابت الجنان، مسترخي القسمات يستمع بكل جوارحه، أو يبدو عليه ذلك، ويبقى معلّق البصر بالمتكلِّم، منصتًا إليه في أدب واهتمام ظاهر، كأنّه يتعلَّم منه أشياء جديدة يجهلها.. فإذا أخذ الكلام في نهاية المطاف، لخَّص الآراء المتباينة وعرض رأيه.. وكثيرًا ما يكون قوله فصل الخطاب.. لكن إذا ظلَّ بين الأعضاء خلاف، فإنه كان يطرح الموضوع المختلف حوله على التصويت.. ويكون جانب الأكثرية هو الجانب الذي يتقرَّر.. وأول مَن يخضع له الرئيس نفسه.. وكان الحق في إبداء الرأي والدفاع عنه لا يخضعان إلى قيود.. ذلك أننا كنا بفطرتنا ديمقراطيين، نكره التسلُّط ونستمسك بحرية الرأي وكان هو من ذلك في المقدمة.

وعلى سبيل المثال، فقد طرحت على مجلس النواب مسألة حق المرأة في ترشيح نفسها إلى مقاعد النيابة. وكان معروفًا عني أنني من المدافعين بحرارة عن هذا الحق. لكن حين تناقشنا في الموضوع في مكتب الحزب، كان رأي الأكثرية أن الوقت لا يزال مبكرًا.. وأن دولًا متقدِّمة في تلك الأيام مثل سويسرا، ما كانت تقرُّ للمرأة بهذا الحق. وتقرَّر التصويت في مجلس النواب ضد هذا الاقتراح.. ووقفت بالطبع مع حزبي.. وأنا في وضع نفسي لا أُحسد عليه، وهاجمتني الصحف «التقدمية» في اليوم التالي.. وكانت على حق فيما لامتني عليه.

وقد تمَّ تصحيح هذه الغلطة فيما بعد، وفتحت أبواب المجلس النيابي للمرأة مع إعلان الوحدة بين سورية ومصر.

وكان رشدي معدودًا من الذين حباهم الله جمالًا في خَلْقِه. وكان أنيق الملبس حلو القامة. لكن الذي خصَّه الله به من دون كثير من الناس، تهذيبه الجمّ وشمائله الحلوة ولسانه العف.. وأشهد أنني لم أسمعه مرة يغتاب إنسانًا، أو يذكر غائبًا بلفظ فج أو سمج، حتى أخصامه كانوا يتمتَّعون بهذه الحصانة. فقد كنا ننظر إلى بعض السياسيين نظرة ينقصها الاحترام، ولا نجد فيهم ما يبرِّر أن نثق فيهم.. وكان رشدي يكتفي بأن يضع في طريق هؤلاء الناس «قشرة موز» فينزلقون على وجوههم.. وإذا احتاج الأمر إلى أكثر من ذلك، فإنه كان يقف وقفة رجل لا يداور ولا يناور.. فإذا وُجِّهت إليه مراجل غضب الذين أسقطهم في حلبة الوصول إلى السلطة، فإنه كان يقابلهم بكبرياء وهدوء نفس، وما كان ينزل إلى مستواهم أبدًا. فلم يحدث مرة أن نزل بالمناقشات السياسية إلى مستوى المهاترات الشخصية. ويأخذ هذا القول مداه الواسع في لجّة الانقسامات العميقة بين التيارات السياسية في تلك الأيام من جرّاء الحرب الباردة على مسرح السياسة الدولية.

وأودُّ أن أنبِّه إلى أنني أكتب هذا الكتاب عام 2001 عن أحداث عامة بدأت منذ أكثر من خمسين سنة. فقد ظهر الانقسام حول موضوع السياسة الخارجية والمذاهب الاقتصادية منذ أن تكون في العالم معسكران متناحران، معسكر يرفع شعار الديمقراطية وتقوده الولايات المتحدة ومعها الدول الاستعمارية العريقة في فن استغلال الشعوب، ومعسكر الاشتراكية الذي يقوده الاتحاد السوفياتي. وقد قامت بين المعسكرين حروب ساخنة دامية في عديد من البلاد مثل كوريا وفيتنام وأفغانستان، كما أنهما كانا يخوضان غمار «حرب باردة» هدفها إخافة الخصم وجمع الأنصار وإقامة الأحلاف العسكرية. وكانت أميركا بخاصة تعمل على تطويق عدوها الاتحاد السوفياتي بحزام طويل من الأحلاف، بدءًا من حلف شمال الأطلسي ومرورًا بحلف بغداد وانتهاء بالطوق الحديدي الذي يضمُّ دول جنوب شرق آسيا.. وكانت تستعمل في ذلك كل وسائل الإغراء والترهيب على أساس قاعدة «مَن ليس معنا فهو علينا». فإذا تعذَّر عليها إخضاع دولة إلى مشيئتها، لأنها ترفع شعار الحياد بين المعسكرين، خاصة إذا كانت الدولة واقعة في إطار السلسلة الجهنمية، فإنها هي وحلفاؤها حتى العرب منهم - كانوا يخلقون لها شتّى المتاعب، من ضغط اقتصادي وحرمان من التسلح إلى استعمال القوة المسلحة.

وفي بلادنا جرت منازلات داخلية عنيفة بين أنصار اليمين الذين تدعمهم أميركا وبين أنصار اليسار المتطرِّف الذين كانوا يحظون بدعم الاتحاد السوفياتي. وكان المتشدِّدون من كل من طرفيّ المواجهة يعتبرون خصومهم «خونة» و«عملاء» و«أذنابًا» و«انبطاحيين».

لكن كان بين هذين الفريقين كثرة كاثرة لم تكن تؤمن بجدوى هذا التناحر وتعتبره خطرًا وضارًّا بالمصالح القومية.. وكانت تريد أن تبقى البلاد حقًّا وصدقًا بعيدة عن تأثير النفوذ الأجنبي وأن تكون ذات علاقات متوازنة مع مختلف الاتجاهات الخارجية. وكان موقع سياسة حزب الشعب مع هذا الوسط الواسع.

لكن ذلك لم يكن متاحًا له دومًا، لأن قوة ضاغطة من أوساط القوات المسلحة كانت تتغلَّب في صراع يجري تحت السطح، وأحيانًا على السطح، فتميل الكفّة ويقلق الميزان. وبالتأكيد فقد كانت سلسلة الانقلابات التي وقعت عندنا مظهرًا من مظاهر هذا الصراع ذي الجذور الأجنبية. الذي كثيرًا ما دعم بتحرُّكات خارجية، من أمثلتها الحشود التركية على الحدود السورية والعدوان الثلاثي على مصر، والحروب العربية العربية..

وكان موقع أميركا باستمرار على الخط الأول من حروبنا مع إسرائيل، فقد كانت تمدّها بالمال والسلاح وحتى بالرجال، ثم تدفعها في «حملة تأديبية» لتفرض سياستها على المنطقة.

وكانت دول غربية عديدة تقف إلى جانبها في العلن أو السر وأي قراءة لهذه الفصول لا تأخذ في الحسبان الأجواء التي رافقت أحداثها تظلُّ قراءة مبتورة الأطراف ولا تقدِّم الصورة الحقيقية لمواقف الرجولة الهادئة.

ويبقى عليّ أن أردَّ على سؤال لا يخلو من حساسية، كثيرًا ما وُجِّه إليّ قديمًا وحديثًا، وهو: كيف تزعَّم رشدي الكيخيا هذا الحزب الكبير وبين أعضائه عدد من أساتذة الجامعة، ومن حملة أرقى الشهادات من أعرق الجامعات، وهو لا يحمل أي مؤهل علمي؟.. وكان جوابي، أن ظروف نشأته وحالة البلاد الثقافية في فترة حداثته وشبابه لم تكن مواتية له. فقد كان في تقدير أهله أنه «آغا» بالولادة، وأن له من ثرائه وجاهه ما يغنيه عن الدراسة والشهادة.. لكنه حين أخذ يهتمُّ بالسياسة فتح عينيه على الحياة وراح يتعلَّم منها ويعلِّم نفسه.. فهو إذن أحد خريجيها اللامعين.. فقد أحاط إحاطة جيدة بالتيارات الاقتصادية السائدة آنذاك، وخبر خفايا السياسة الدولية.. وعرف بصدق أين تكون مصلحة بلده، فوقف حيث يجب أن يقف. زعيمًا معتدلًا، ثاقب البصر، نافذ البصيرة. وكان له أمثال بين زعماء تلك الأيام يأتي في مقدمتهم أستاذنا الجليل ورئيس المجلس النيابي وممثلنا اللامع في هيئة الأمم المتحدة فارس الخوري. فقد كان هو أيضًا من الجماعة التي علمت نفسها بنفسها والتي يسمِّيها الفرنسيون AUTODIDACTES ومن هؤلاء اللامعين، الذين لم يدرسوا دراسة جامعية وكان لهم دور مرموق في سياسة بلادهم، ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا وبنيامين فرانكلين الأميركي[5] وجون ميجر رئيس وزراء بريطانيا المحافظ في التسعينيات. وغالبية القادة الكبار في العالم الاشتراكي الذي تفكَّك الآن.

وليس سرًّا أنه كان في حزب الشعب جناحان يتفقان على أمور ويختلفان على أمور.. وهذه طبيعة الأحزاب التي لا تضع الثورة والانقلاب في برامجها.. والمدهش أن كلا الجناحين كان يعتبر رشدي الكيخيا منه.. فقد كان بيضة القبان يقف دومًا حيث يتحقَّق التوازن والحلول الصحيحة.

ومنذ أيام زارني في بيتي الدكتور شاكر الفحام رئيس مجمع اللغة العربية الذي كرَّمني بانتخابي عضوًا فيه، وهو أحد الأعضاء البارزين في حزب البعث العربي الاشتراكي وكان يرافقه الصديق الدكتور عبد الحليم سويدان عضو المجمع[6]، وتحدَّثنا عن اجتماع حمص الذي تمَّ في أعقاب الانقلاب على أديب الشيشكلي عام 1954. وكان مما قاله الدكتور الفحام: حضرت ذلك الاجتماع ممثلًا لحزب البعث، بسبب وجود قادة الحزب آنذاك في المنفى واستمعت إلى ممثلي الأحزاب ورجال السياسة الحاضرين في مسألة انتشال البلاد من واقعها.. ولقد استرعى انتباهي سرعة تقلُّب الآراء والرجوع عن رأي أبداه صاحبه منذ لحظة.. حتى لم أعد أعرف ماذا يريد المتكلِّم. إلا رشدي الكيخيا.. فقد كان قليل الكلام، إلا أن فكرته كانت واضحة على قلبه ولسانه.. وما قاله ظلَّ رأيه إلى نهاية الجلسة.

وكان لقوله وزن واضح في سير المناقشات.. لقد كان زعيمًا حقًّا. وهذه شهادة مثقف كبير في رجل لا يحمل أي مؤهل جامعي، ويصحُّ أن يعدَّ من الخصوم السياسيين.

وعلى المستوى الإنساني، فإن رشدي الكيخيا كان حساسًا في مشاعره الديمقراطية.

فما أن أطيح بالزعيم حسني الزعيم وتولَّى وزارة الداخلية حتى كانت بادرته الأولى، فتح أبواب سجن المزّة للذين اعتقلهم عهد الزعيم من دون وجه مشروع.

وكان في مقدمة المفرج عنهم النائب فيصل العسلي، الذي تهجَّم على حسني الزعيم في مجلس النواب، وقال القائلون إنه قدَّم له بهذا الهجوم ذريعة للقيام بانقلابه.

وحمد له صنيعه كل الذي ألهبت ظهورهم سياط «عزة أفندي» مدير السجن الشهير في قسوته.

وتبقى لي كلمة في وفائه رحمه الله. فقد كان برًّا بإخوانه وذويه. ومن مظاهر ذلك البر، رعايته الكاملة لمربية شاخت في كنفه، فلم يرسلها إلى ذويها، بل أبقاها تحت رعايته، وأمَّن لها الإقامة المريحة في غرفة خاصة استأجرها لها في مستشفى خاص، ولم ينقطع عنها. فلما غادر حلب إلى بيروت نقلها معه، ووضعها في غرفة خاصة في مستشفى المقاصد الإسلامية، حتى وافاها قضاء الله بعد عشر سنوات، فانتقلت إلى الدار الآخرة معزّزة، تنعم بدفء زياراته اليومية ورعايته التامة.

الحواشي:

[1] عن دراسة الأستاذ أسعد الكوراني المخطوطة في 30 صفحة عنوانها (رشدي الكيخيا 1899-1988) والأستاذ الكوراني معروف بمكانته القانونية الرفيعة وأمانته في كتابته.

[2] المرجع السابق نفسه.

[3] كان حيّ الفرافرة الحيّ الرئيسي في مدينة حلب. ويقع إلى شمال قلعتها الشهيرة. وهو مؤلَّف من مجموعة من الأزقّة الضيقة. وأكثر دور هذا الحي تتقلَّب في الثراء والوجاهة. وكل دار وحدة سكنية مستقلة، لأن ملكية الطوابق لم تكن معروفة. والأصل أنه كان في كل دار صحن واسع في وسطه بركة ماء ذات نوافير جذّابة، يخرج منها الماء على أشكال متنوّعة، ومنها تسقى الحدائق المنزلية ذات الرياحين والورود البديعة وأشجار الكباد والنارنج.

[4] أصبح نائب جبل سمعان (ضاحية حلب)، وهو أحد البارزين في حزب الشعب، عرف بأدبه الجم وصلاته الواسعة مع الطبقات الشعبية.

[5] توفي عام 1790 في ولاية فيلادلفيا. وقد قام بدور رئيسي في تحقيق استقلال بلاده عن بريطانيا التي كانت تستعمرها. وكان من أبرز السياسيين الذي أسهموا في صياغة بيان استقلال الولايات المتحدة والدستور الأميركي.

[6] تمَّت هذه الزيارة يوم 10 تموز 1991.