الفصل الثامن، الجزء 8: ماء الفرات إلى حلب

اقرأ بالإنكليزية

الفرع الخامس
ماء الفرات إلى حلب

كانت حلب تستقي من ماء قناة حيلان ونهر قويق. وقد حوَّلت تركيا هذا النهر الذي ينبع من جوار عينتاب إلى مزارعها، ولم تعد تتركه إلا شتاء حين لا تكون محتاجة إليه. ونهر قويق كان دومًا نهرًا قليل المياه صيفًا. وحين أخذت المياه السطحية بالجفاف، أخذت مياه قناة حيلان تخفُّ على الأهلين.

علاوة على ذلك فقد أصبح عدد سكان حلب يتزايد، حتى أربى على ربع مليون نسمة في منتصف الأربعينيات. وأذكر أنني شاركت في إحصاء جرى عام 1947، كمراقب من الجامعة، فأظهرت نتائجه أن عدد سكان حلب /265000/ شخص في حين أن عدد سكان مدينة دمشق كان /264000/. ولم يرضَ رئيس الجمهورية آنذاك بنشر وقائع الإحصاء لأنه كان سيخفض عدد النواب المسلمين في هاتين المدينتين تخفيضًا يزيد عن نصف عددهم، ويجعلهم أقل عددًا من نواب الأقليات المذهبية التي كانت كل طائفة منها تتمتَّع بعدد محدّد من نوابها، بصرف النظر عن عدد أفراد الطائفة[1].

وقد ألغي هذا الشذوذ فيما بعد.

وحين اشتدَّت وطأة الظمأ على المدينة، جرى البحث عن أيسر الطرق لإرواء أهلها، واستقرَّ الرأي على جرِّ ماء نهر الفرات إليها. ولست في صدد عرض المساعي التي بذلت في هذا السبيل، إلا أن كل نواب المدينة على اختلاف اتجاهاتهم شاركوا فيها. وساعدهم النواب الآخرون، نظرًا للوضع المتفاقم في هذه المدينة التي بدأت تظمأ.

ومن هذه المساعي التي آتت أكلها، اقتراح تقدَّم به أربعة من نواب حلب هم رشدي الكيخيا وناظم القدسي ولطيف غنيمة وعبد الرحمن الكيالي برصد مبلغ 25 مليون ليرة لتنفيذ جرِّ الماء من نهر الفرات. وقد وافقت لجنة الموازنة بتاريخ 19/5/1947 على تخصيص 20 مليونًا، يبدأ سدادها للدولة بعد البدء باستثمار المشروع، أي بعد وصول الماء إلى البيوت.

وقد شرح وزير الأشغال العامة الدكتور عدنان الأتاسي في المجلس النيابي الموضوع كما يلي:

«إن الحكومة عهدت في العام الماضي إلى مكتب فني أجنبي[2]. بدراسة المشاريع الاقتصادية المختلفة في البلاد ومنها قضية إرواء مدينة حلب. وبالنسبة إلى موضوع جرِّ ماء الفرات إلى حلب، تضمَّن التقرير مسألتين مستقلة إحداهما عن الأخرى: الأولى قضية الماء اللازم للشرب. والثانية قضية إرواء منطقة زراعية حول المدينة.

ويذكر التقرير أن جرَّ ماء الشرب يتكلَّف 20 مليون ليرة، وأن تكلفة ريِّ الأراضي التي تبلغ مساحتها تسعة آلاف هكتار لإنشاء مزارع مسقية ومشجّرة تناهز 30 مليونًا على أساس أن كلفة ري الهكتار الواحد تبلغ 500 ليرة سورية». وهي عملية ليست مجزية اقتصاديًّا، كما يقول الوزير.

وقد تقرَّر السير في مشروع جرِّ ماء الفرات للشرب فقط. وتقتضي العملية رفع ماء الفرات بالمحركات إلى ارتفاع 95 مترًا، ثم دفعه آليًّا في قناة طولها تسعون كيلومترًا.

وقبل الكيخيا بمشروع الشرب، لكنه ظلَّ متمسِّكًا بمشروع إنشاء غوطة خضراء حول حلب. وهذا ما قاله في ردِّه على بعض النواب الذين انتقدوا مسألة الري، بحجّة ارتفاع تكاليفها[3].

وكان المبلغ المرصد كافيًا لحفر قناة تكفي لاستجرار 50 ألف متر مكعب يوميًّا من ماء الفرات، في وقت كان استهلاك المدينة فيه لا يزيد عن 13500 متر مكعب يوميًّا.. لذلك فإن المشروع كان موضوعًا ليكفي المدينة حتى 20 أو 30 عامًا.. وقد توسَّعت اليوم أحياء المدينة، وازداد عدد سكانها كثيرًا وبلغ ما يصل إلى حلب عام 1998 ما يزيد على 207 ألف متر مكعب يوميًّا[4]، ويجري العمل الآن في القناة الرابعة، وعندها سيكون مجموع ما يصل حلب من الماء يوميًّا 400 ألف متر مكعب.

ومن حقِّ هؤلاء النواب الذين ساندوا المشروع، ممَّن ذكرت وغيرهم ممَّن لم أذكر، أن أستمطر على أرواح مَن مات منهم رحمة الله، وأتمنَّى حياة طيِّبة لمَن هم على قيد الحياة، لأن الخدمة التي قدَّموها لهذه المدينة الغالية لا تُقدَّر بمال.

ولم أكن واحدًا منهم، لأنني جئت إلى المجلس النيابي بعد عدة أشهر من إقرار المشروع. غير أنه كان لي بعض الدور في هذا الموضوع.

فقد أبرمت اتفاقًا مع شركة مياه وحافلات حلب الأجنبية بتاريخ 26 نيسان 1956 حين كنت وزيرًا للمالية، بالاستناد إلى قانون التأميم رقم 85 تاريخ 21 كانون الثاني 1956 لإنهاء امتيازها وجعل المؤسسة وطنية، كما أنني عملت على إقراض المؤسسة مبلغ 11 مليون ليرة من أجل تغطية خسارتها. فقد كانت تبيع المتر المكعب من الماء للمواطنين بمبلغ 30 قرشًا في حين أن كلفته عليها 55 قرشًا[5].

وقد تراكمت على المؤسسة فوائد ضخمة قاربت الثلاثة ملايين ليرة.. وشاءت الأقدار أن ألغيها في أثناء دولة الوحدة عام 1959 بفضل موافقة الرئيس جمال عبد الناصر، على مرسوم تشريعي يعفي مؤسسات المياه من فوائد قروضها بناء على اقتراحي الشخصي، على الرغم من معارضة بعض الوزراء الشديدة، لاعتبارات إقليمية غير كريمة.

الحواشي:

[1] يقول الأستاذ بشير زهدي في كتابه «دمشق» إن عدد سكان هذه المدينة كان 178000 عام 1924 و230000 عام 1931، عن كتاب الأستاذ مطيع المرابط: النور والنار في مكتب عنبر، دار الفكر، دمشق 1991، ص49.

[2] مكتب ألكسندر غيب Gibb البريطاني.

[3] انظر: محضر جلسة النواب بتاريخ 21 أيار 1947، ص401.

[4] المجموعة الإحصائية التي يصدرها المكتب المركزي للإحصاء عام 1998.

[5] لمَن يشاء التوسُّع: مراجعة خطابي في مجلس النواب ونص الاتفاق في محضر الجلسة المؤرخة في 4 تموز 1956، ص675.