الفصل العاشر، الجزء 1: انقلاب حسني الزعيم في 30 آذار 1949

اقرأ بالإنكليزية

لا أشعر بحرج عظيم يخالج نفسي كحرجي الآن وأنا أحاول أن أكتب عن الانقلابات العسكرية التي شهدت أحداثها، واحدًا إثر واحد. وكثيرًا ما تناقشت في شأنها مع السياسيين وغير السياسيين، من الذين كانوا في صميمها أو على حوافها لعلِّي أصل إلى شبه قناعة. لكن كل واحد يتحدَّث عن نوع «من الانطباعات» الشخصية ويستنتج ما شاء له خياله أن يستنتج.. حتى الذين اطّلعوا على مشهد من مشاهد التمثيليات الفاجعة، لا يعرفون ماذا جرى في المشاهد الأخرى.. ومن الأمثلة على ذلك، أن ضابطًا صغيرًا تحدَّث أمامي بأنه هو الذي أطلق النار على حسني الزعيم ومحسن البرازي.. لكن ضابطًا آخر تحدَّث عن الموضوع نفسه بصورة مغايرة تمامًا، وفي حضوري أيضًا.

وظنِّي أنه لو تكلَّم بطل الانقلاب نفسه عن دوافعه، فإنه سيقول إنما اندفع وراء عمليته، من أجل الصالح العام والحفاظ على وحدة الوطن وكيانه المعرّض للتمزُّق.. مجرّد دوافع وطنية بريئة ليس لأي أجنبي علاقة بها.. وهو لا ينسى في الغالب أن يصبَّ جام غضبه على «المتآمرين من العسكريين الدكتاتوريين ومحترفي السياسة من المدنيين الذين نهبوا خيرات الوطن وحرموا منها الطبقات المحرومة صاحبة الحق الشرعي فيها».. والكتّاب الأجانب الذين يقولون إنهم كانوا على علم مسبق بالانقلابات يختلفون في أقوالهم، بعضهم مع بعض.. مع أنهم يعملون في مرفق واحد (سفارة، أو وزارة خارجية) لدولة واحدة.. أو لعدة دول متعاونة!

ولا يتأخَّر كتّابنا وبحّاثونا عن تلقُّف «وثائق الخارجية السرية» الأجنبية التي أُفرج عنها، كأنّها حقائق لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.. ذلك أن برقيات «السفراء» الأجانب، تحمل انطباعات واستنتاجات مرسليها، سواء مما يسمعون من أقوال المقرّبين من الانقلابيين أو من عملاء مخابراتهم التي يلتقطونها من فتات الأحاديث.

لكني لا أستبعد أبدًا أن يكون بعض الانقلابيين المؤثّرين من الضالعين مع المخابرات الأجنبية في تخطيط وتنفيذ عملياتهم المشؤومة.. لكني لا أملك الدليل على ذلك فلم يكن لي أي دور في أي انقلاب قبل تنفيذه، ولم أتصل مرة ما، بأجنبي أو ديبلوماسي، من أجل مثل هذه العمليات المؤذية.

ولقد قرأت كثيرًا مما كتب عن تاريخ هذه الفترة. لكن هنالك كتابات أخرى أسمع عنها من دون أن أطَّلع عليها.. لذلك سوف يكون لمشاهداتي الشخصية وما استخلصته من الأحداث، اعتبار أساسي في كتابة هذا الفصل، لأنني لا أثق بما كتبه في موضوعه كثير من الباحثين العرب والأجانب. ومع ذلك فهناك كتابات جديرة بالاحترام، لحيادها وموضوعيتها، إلا أنها ليست القاعدة العامة[1].

ويتضمَّن هذا الفصل ثلاثة فروع:

انقلاب حسني الزعيم
انقلاب سامي الحناوي
انقلاب أديب الشيشكلي

الفرع الأول
انقلاب حسني الزعيم

لكي أدلّ على غموض الدوافع الانقلابية، أنقل هنا نماذج مما قيل في هذا الانقلاب، لأضع الإصبع على مكامن جراح الحقيقة في قضايا تجري وراء الستار. ومع ذلك فإن من المقبول عقلًا أن نحاول الكشف عن الذين يمسكون بالخيوط المؤثّرة، استنادًا إلى بعض القرائن. وأبادر فأعترف أنها قرائن تقبل الإثبات المعاكس، لأن القرائن القاطعة لا تصل إلى أيدينا، وتظلُّ حتى إشعار آخر من أمور الغيب أو أسرار المخابرات الأجنبية أو حبيسة في صدور أصحابها انتقلت معهم إلى عالم الأبدية.

فقد كتب مايلز كوبلاند الأميركي، في كتابه «لعبة الأمم» عن انقلاب حسني الزعيم ما يلي:

«.. كان الوضع - في سورية - يتَّجه نحو انفجار سياسي بدأت معالمه تلوح في الأفق، لإصرار القوتلي وأعوانه على مواقفهم ورفضهم القيام بأي خطوات تحريرية. لكن كييلي (رئيس البعثة في دمشق آنذاك) قبل مرغمًا بأن الإطاحة بالنظام القائم على أيدي رجال الجيش سيفسح المجال أمام العناصر الصالحة في المجتمع لتتقدَّم الصفوف وتضطلع بأعباء الحكم، بعدما منعتها نزعة العنف في نظام حكم القوتلي من القيام بدورها الفعّال في الحكم والمجتمع..

وكان انقلاب حسني الزعيم يوم 30 آذار 1949 من إعدادنا وتخطيطنا. فقد قام فريق العمل السياسي، بإدارة الميجر «ميد» بإنشاء علاقات صداقة منتظمة مع حسني الزعيم الذي كان رئيسًا لأركان الجيش.. ومن خلال هذه الصداقة أوحى الميجر ميد «لحسني الزعيم بفكرة القيام بانقلاب عسكري، اضطلعنا نحن بمهمة وضع كامل خطته وإثبات كافة التفصيلات المعقّدة.. وقد أخذت الألسن تتناقل بأن حسني الزعيم ليس أكثر من مجرّد صبي من صبيان الأميركان»[2].

وكتب جوردون هـ. توري في كتابه «السياسة السورية والعسكريون» ما يلي:

«إن انقلاب حسني الزعيم، بحسب قول أحد المشتركين فيه، جرى التفكير فيه يوم أن هاجم فيصل العسلي الجيش في جلسة مغلقة عقدها مجلس النواب. فجمع الزعيم، وكان قائدًا للجيش، عددًا من كبار الضباط في مقرِّ قيادته في القنيطرة وبحث معهم موضوع اقتراح تقديم مذكرة احتجاج إلى الرئيس القوتلي. فوضعت هذه المذكرة وحملها العقيد بهيج كلاس إلى رئيس الجمهورية. ومع أن الرسالة تتضمَّن إنذارًا نهائيًّا، إلا أن القوتلي ألمح إلى أن الضباط يتصرَّفون مثل مخاتير القرى في تقديم العرائض. فنصح الكلاس الرئيس أن يولي المذكرة أهمية كبرى ثم عاد إلى القنيطرة.. وبعد ذلك قابل حسني الزعيم والكلاس الرئيس القوتلي، ويبدو أنه لم يرَ أن الوضع بلغ من الدقة حدًّا يتطلَّب اتخاذ إجراء ضد الساخطين..

وقد اعتقل بعض الضباط بتهمة الفساد والرشوة..

وفي التاسع والعشرين من آذار وضع الزعيم اللمسات الأخيرة على خطة الانقلاب، ووصل إلى دمشق في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل وأصدر أوامره في الحال باعتقال رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ومديري الشرطة والدرك»[3].

وكتب الأستاذ نذير فنصة، الصحفي وعديل حسني الزعيم في كتابه «أيام حسني الزعيم» ما يلي:

«مرة جاءني الزعيم إلى منزلي مبكرًا.. قال لي: سنسهر الليلة عندك، فجهِّز لنا بعض المأكولات والمشروبات، كان هذا في 24 آذار 1949. عند المساء بدأ الضباط يتوافدون إلى منزلي.. كان عددهم 14 تقريبًا، وكانوا جميعًا في اللباس المدني.. واكتمل الشمل بحضور حسني الزعيم.. وأذكر من الضباط الذين حضروا سامي الحناوي وإحسان مردم وإبراهيم الحسيني ومحمد نصار والعقيد محمود بنيان. بدأ الجميع بالشرب حتى حسني الزعيم الذي لا يشرب لإصابته بداء السكري، شرب تلك الليلة.

وفهمت من أحاديثهم الأولى أن شرارة الانقلاب تنطلق من الهجوم المستمر في مجلس النواب من قبل فيصل العسلي.

وكان قائد الجيش حسني الزعيم غاضبًا، وكان الهياج ظاهرًا أو مكبوتًا في وجوه الضباط الآخرين.. وبدا من حديث الزعيم.. أنه فاتح ضباطًا آخرين في اجتماع عقده في القنيطرة بفكرة الانقلاب. لكن هؤلاء وجدوا أنه من ضرورات الحرص على الوطن في تلك الفترة الحرجة من المواجهة مع العدو الصهيوني، أن تطوى فكرة الانقلاب. وبدلًا من الانقلاب، توصَّل الزعيم وكبار ضباطه في اجتماع القنيطرة إلى اقتراح وضع مذكرة تكون بمثابة إنذار إلى السياسيين..

وتمَّ إعداد المذكرة ونقلها الزعيم إلى الرئيس القوتلي في بيته.. وسلَّمه إياها بحضور وزير الدفاع ورئيس مجلس الوزراء خالد العظم[4].. وبدلًا من أن يقولا بأنهما سوف يهتمَّان بما ورد في المذكرة، قالا: أهكذا أصبح الجيش؟ هل أصبح الضباط يشتغلون مثل المخاتير ويحرِّرون المحاضر؟ كان الزعيم والضباط في منزلي يتبارون في الكشف عن الإهمال الذي كان الجيش السوري ضحيّة له.. وفي الساعة الأولى بعد منتصف الليل بدا من الجلسة أن الانقلاب واقع لا محالة. فطلب مني الزعيم أن أحضر القرآن الكريم فأحضرته، فتولَّى الضباط واحدًا إثر الآخر القسم على الكتاب الكريم بأنه سيحفظ السر: سر هذا الاجتماع وسر القرار بالانقلاب الذي موعده في 29 آذار 1949»[5].

وكتب خالد العظم في مذكراته ما يلي:

«قال لي الرئيس شكري القوتلي: تعالَ معي نحضر تجربة الأسلحة والذخائر التي اشتريناها حديثًا، فامتطينا سيارته وذهبنا إلى سهل المزة، حيث كان حسني الزعيم القائد العام في انتظارنا ومعه لفيف من الضباط..

وبدأ الجنود عملية التجارب من ثلاثة مدافع ضد الطائرات، لكنا لاحظنا أنها غير ناجحة، إذ إن كثيرًا من الطلقات لم يكن يخرج من فوّهة المدفع. وكانت وزارة الدفاع اشترت هذه المدافع والذخائر من الشركة المعروفة باسم «الخماسية الصغرى» المؤلفة من فائز المالكي ورفيق رضا سعيد، وإبراهيم مردم، وعادل الحنبلي وخالد الأيوبي[6].

وذهبنا إلى مستودعات الجيش، ومعنا حسني الزعيم ومرافقوه، وهناك دخلنا أحد العنابر، وبدأ الرئيس يتجوَّل بين أكياس وصناديق عديدة ويسأل عن محتوياتها ويتظاهر بالارتياح.. حتى وصلنا إلى مجموعة من التنكات المعبّأة سمنًا، فطلب فتح إحداها ففُتحت، وإذ بنا نشاهد لون السمن أقرب من السواد. وطلب الرئيس مقلاة ووابور كاز.. ووضعت قطعة من السمن في المقلاة فوق النار.. وما كادت تحمَّى حتى تصاعدت منها رائحة كريهة حتى إننا اضطررنا إلى سدِّ أنوفنا.. وطلب الرئيس أن تحمل تنكة سمن إلى سيارته ليأخذها معه لفحصها..

وذهبت رأسًا إلى وزارة الدفاع، وتبعني حسني الزعيم، فسألته مَن الذي يعقد هذه الصفقات، فقال: لجنة مبايعات على رأسها العقيد بستاني. أمرت بتحليل السمن في المخبر.. وجاءت النتائج أن ثمّة مواد غريبة وضارّة بالصحة. فأمرت حسني الزعيم بإحالة البستاني إلى المحكمة فانزعج الزعيم كثيرًا.

وفي جلسة مجلس النواب المعقودة في 17 آذار 1949 شنَّ النائب فيصل العسلي حملة عنيفة على حسني الزعيم، واتهمه بالخيانة والتآمر مع الملك عبد الله..

وقد عاد الرئيس القوتلي مرة ثانية إلى الثكنة.. فشاهد الجنود يمسحون الصدأ عن الخراطيش، فسأل أحد الضباط: هل هذه الذخائر من مخلّفات الجيش الفرنسي، فقيل له: كلا، إنها مشتريات جديدة.. فما كان منه إلا أن نادى أحد العقداء وصفعه على وجهه.. وقد أثبت التحقيق أن هذه الذخائر كانت مخبّأة تحت الأرض في إيطاليا، فاستوردتها الشركة بأثمان بخسة وسلَّمتها إلى وزارة الدفاع.. وشعر حسني الزعيم بسوء العاقبة إذا استمرَّت الحكومة في التحقيق.. وتراءت أمامه ذكريات الأيام العصيبة التي عاشها مسرحًا من الجيش، ملاحقًا أمام المحاكم، فقيرًا معدمًا يلتجئ إلى لعب القمار ليكسب عيشه..

وقد تمكَّن من إغراء بعض الضباط.. وإلى جانب ذلك كان بعض النواب الناقمين على شكري القوتلي وعلى رأسهم أكرم الحوراني، الذي كانت له صلات عديدة بكثير من الضباط.. يقومون بمساعٍ لدى الضباط..

ولا أستبعد وجود أيدٍ أجنبية سعت إلى قلب الأوضاع في سورية..»[7].

ويقول الدكتور ناظم القدسي في مذكراته المسجلة على أشرطة كاسيت ما يلي: «تعرَّفت عام 1947 على حسني الزعيم وكان قائدًا عسكريًّا لمنطقة دير الزور عن طريق عديله ابن عمي ماجد، وعرض عليّ أن يقوم بانقلاب، فقلت له هذا خطر عليك ويستطيع الطيران أن يبيدك.. ومن يومها أدركت أن الأمور تدبَّر من قبل أميركا».

وإذن فليس في أيدينا وثائق قاطعة تظهر الأيدي التي لعبت الدور الحاسم في تهيئة انقلاب حسني الزعيم.

حتى الوثائق التي سمحت وزارة الخارجية البريطانية بنشرها بعد مرور 30 سنة على وقوع الانقلاب، لا تلقي نورًا كشافًا على الأسرار[8].

فالبرقية السرية التي أرسلتها السفارة البريطانية من دمشق إلى وزارة الخارجية برقم 122 تاريخ 31 آذار 1949 تقول: «نجح الانقلاب الذي قاده حسني الزعيم وهدفه الأساسي الإطاحة بشكري القوتلي. ولم يلقَ الانقلاب حتى الآن تأييدًا من الشخصيات السياسية باستثناء الأمير عادل أرسلان..».

وفي البرقية الثانية رقم 257 بتاريخ 1 نيسان ما يلي: «أخبرنا دي مارجيري مدير قسم أفريقيا والشرق الأوسط أن معلومات ضئيلة وصلت سرًّا إلى الحكومة الفرنسية عن أسباب الانقلاب. وقد قام أعضاء البعثة الفرنسية بمقابلة الزعيم، وقد بدا متعبًا ومثبط العزيمة ولم يقدر على إعطاء أي رواية واضحة. والانطباع السائد لدى وزارة الخارجية الفرنسية أن الانقلاب ربما كان طموحًا عسكريًّا على الطريقة التقليدية في أميركا الجنوبية».

وجاء في البرقية رقم 376 تاريخ 6 نيسان 1949 ما يلي:

«إن الخارجية الفرنسية تستعدُّ للاعتراف المبكِّر بالنظام السوري الجديد، لكنها تفضِّل أن يتمَّ ذلك بالاتفاق مع الحكومتين الأميركية والبريطانية.

وحسني الزعيم يسعى إلى إرضاء الغرب، ولذلك فإنه يخطِّط لوضع 2000 شيوعي في سجن تدمر..».

وفي الوثيقة رقم 159 تاريخ 7 نيسان:

«أكَّد حسني الزعيم أن الانقلاب حال دون ثورة دموية شعبية وأن الانقلاب تمَّ لتحقيق آمال الشعب..».

وفي الوثيقة رقم 214: قابل سامي كبارة السيد ونداس (رجل المخابرات البريطاني) وأبلغه أنه إذا لم تحصل حكومة الزعيم على مساعدة فورية فإن النظام الجديد سينهار.. وإذا اعترفت حكومة بريطانيا بنظام حسني الزعيم فيجب أن تطلب إليه تسليم الحكم إلى الشعب.

وقد كتبت جريدة برافدا السوفياتية في 11 نيسان 1949: «إن هذا الانقلاب يمثِّل الصراع بين القوى الإمبريالية في الشرق الأدنى، كما يعكس مخططات هذه القوى العدائية ضد الاتحاد السوفياتي.

وأن البريطانيين نظَّموا هذا الانقلاب ضمن خططهم لإقامة الهلال الخصيب. والدليل على ذلك، وصول بولوك مدير الاستخبارات البريطانية إلى دمشق، وتأييد الأحزاب الرجعية لذلك الانقلاب»[9].

وفي هذا الخليط من الآراء تبقى الحقيقة لغزًا لا يزال يحتاج إلى كشف. وأنا الذي عايشت ذلك الحدث الخطير، والأحداث التي تلته، كان لي رأي شخصي استخلصته من استقراء الوقائع، وهو أنني لا أبرِّئ جميع رجال الانقلابات من اتصالات خارجية. وإذا كانت الشهادة الإجماعية، بأن الحناوي فوق هذه الاتهامات بسبب بساطته وربما سذاجته السياسية، وطهارته، فإن الذين وضعوه واجهة لانقلاب دبَّروه، ليسوا فوق مستوى الشبهات. لكني لا أستبعد الاعتبارات الشخصية من الحركات الانقلابية أيضًا.

وإني مقتنع أن هذه السلسلة من الانقلابات المأساوية، أوصلت سورية داخليًّا إلى شلل سياسي وتمزُّق وتوقُّف عن التطوُّر، وخارجيًّا إلى فقدان كل احترام وقدرة على العمل القومي بسبب تأرجح الانقلابيين بين مصر والعراق والسعودية، وبين الفرنسيين والإنكليز والأميركيين، ثم بين المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي.

وسوف أتحدَّث عن موقف رشدي الكيخيا وحزب الشعب من انقلاب حسني الزعيم معتمدًا في ذلك على ذاكرتي وعلى بعض أوراق احتفظت بها لنفسي.

وقد بدأ الجو العام بالاكفهرار، حين أرغم رئيس الوزراء جميل مردم على تقديم استقالة حكومته في أعقاب مظاهرات شعبية عارمة ضدها، بسبب مسؤولياتها في موضوع ضياع فلسطين، واتهام بعض وزرائها بالفساد.

ومن أجل ذرِّ الرماد في العيون وامتصاص النقمة الشعبية، كلَّف الرئيس القوتلي الرئيس هاشم الأتاسي بتشكيل وزارة جديدة، فقبل التكليف. لكن الرئاسة وضعت في طريقه كل العقبات. فلم يجد أمامه سوى الاعتذار والعودة إلى حمص.

وقد فتح هذا الاعتذار الطريق أمام تكليف خالد العظم بتشكيل الحكومة، وهو ما كان القوتلي يخطِّط له، فشكَّلها في 16 كانون الأول 1948.

ولست أنكر أننا لم نكن مرتاحين لهذه الوزارة، لأن رئيسها كان سفيرًا لسورية في باريس، ولأن أكثر أعضائها من خارج مجلس النواب، إذ لم يكن فيها إلا نائبان اثنان فقط، هما محمد العايش (للزراعة) وأحمد الرفاعي (للعدالة)[10].

وقد أبرمت هذه الحكومة اتفاقًا مع فرنسا بتاريخ 7 شباط 1949 لإنهاء المشاكل المالية معها. ولم يكن لأحد اعتراض جدِّي على هذا الاتفاق الفنِّي. كما أبرمت في 16 شباط 1949 اتفاقية مع شركة النفط الأميركية بشأن مدِّ أنابيب عبر سورية من حقول النفط السعودية إلى البحر الأبيض المتوسط. وقد وقَّع على المرسوم المتضمن تصديق الاتفاقية شكري القوتلي وجميع وزرائه وأحيلت إلى مجلس النواب للموافقة عليها.

وكانت هذه الاتفاقية موضع جدل ومعارضة من النواب المعارضين. وقد عقدت لمعارضتها سلسلة اجتماعات في طول البلاد وعرضها، وقامت مظاهرات صاخبة قادها الطلاب في المدن الكبرى.

وكان مرتكز المعارضة موقف أميركا الظالم من قضية فلسطين.. فقد كان الجرح في قلب كل عربي ما زال داميًا.. ولم يكن أحد مستعدًّا أن يغتفر لأميركا جريمتها في تأييد تقسيم فلسطين، ومبادرتها في الدقائق الأولى من قرار الأمم المتحدة بالتقسيم إلى الاعتراف بإسرائيل، واستقالتها بالضغط والتهديد على بعض الدول الفقيرة لتصوِّت إلى جانب هذا التقسيم المشؤوم.

كما أن النواب المتحرِّرين رأوا أن هذه الاتفاقية مجحفة جدًّا بحقوق سورية، لأنها لا تحقِّق لها إلا فتات الموائد. فقد تضمَّنت منح سورية 20 ألف جنيه إسترليني سنويًّا مقابل إعفاء الشركة من كل ضريبة أو رسم، وأن يكون لها الأولوية في الموانئ السورية والحق في إنشاء طرق وسكك حديدية. يضاف إلى المبلغ المقطوع نسبة مئوية تتقاضاها سورية على أساس كميات النفط المارّة بها في الأنابيب، على ألَّا تتجاوز في حدِّها الأقصى 13 مليون إسترلينية، إذا بلغت كمية النفط المار بالأنابيب 6 ملايين طن أو أكثر. وهذه فرضية بعيدة التحقيق عمليًّا.

لذلك لم يكتب لها أن ترى النور عن طريق مجلس النواب، وظلَّت نائمة حتى جاء انقلاب حسني الزعيم.

علاوة على ذلك كان رشدي الكيخيا يرى أن هناك خطرًا جسيمًا، يجثم على حدودنا الجنوبية، لذلك يجب التخلِّي عن العنعنات الإقليمية ومواجهة الحقائق بصراحة وصرامة.. وكانت قناعته قائمة على أن الأحداث أثبتت أن سورية أصبحت في وضع حرج تجاه عدو مستعدّ ومجهَّز، وأنها لم تعد قادرة وهي منفردة على الدفاع عن نفسها أو تحرير فلسطين كما هو واجبها القومي. لكنه كان أيضًا ضد سياسة المحاور العربية.. لذلك كان لا يريد أن يجنِّد نفسه وحزبه في معسكر العاملين على محاصرة مصر وإبعادها عن الشرق العربي. كان داعيه عربيًّا، يحرِّكه المبدأ وحده، لأنه كان من دون طموحات شخصية في مناصب الدولة أو في أموالها..

وهكذا كانت البلاد تعيش في حالة من توتُّر الأعصاب من دون أن تعرف ماذا يخبِّئه الغد. لكن ما يخبِّئه الغد لم يتأخَّر.

الحواشي:

[1] من هذه المؤلفات مذكرات الأستاذ راشد الكيلاني، الطبعة الثانية، 1997، وقد كتبت له مقدّمتها.

[2] The Game of Nations المنشور في لندن عام 1969 وترجمه إلى العربية مروان خير، بيروت، ص49.

[3] ترجمة محمود فلاحة، دار الجماهير، الطبعة الثانية، 1969، ص132.

[4] انظر: نص المذكرة في مذكرات العظم، ج2، ص186.

[5] أيام حسني الزعيم، 137 يومًا هزَّت سورية، دار الآفاق الجديدة في بيروت، الطبعة الثانية، 1983، ص22.

[6] من المعروف أن الشركة الخماسية «الكبرى» هي شركة الغزل والنسيج الدمشقية التي شكَّلها: أنور الدسوقي وعادل الخجا وعبد الهادي الرباط وعبد الحميد دياب وأنور القطب.
وقد لعبت هذه الشركة دورًا سيئًا في الانتخابات النيابية ودعمت بعض المرشحين وخاصة الدكتور مأمون الكزبري، الأمر الذي أخرجها من دائرة الاقتصاد إلى المعارك السياسية فتمَّ تأميمها.. فيما بعد..
وقد دعي إلى هذه المناورة بعض أعضاء مجلس النواب، كان بينهم رشدي الكيخيا ومؤلف هذا الكتاب.

[7] المذكرات، ج2، ص186.

[8] نشرت بعض الوثائق مجلة الوطن العربي التي تصدر في باريس في عددها الصادر بتاريخ 24-30 تشرين الثاني 1980، ص35-38.

[9] من الكتابات التي عرضت لأحداث تلك الفترة من تاريخ سورية السياسي مجموعة من المقالات عددها 18 مقالة نشرت في جريدة السياسة الكويتية عام 1989، وهي من إعداد «مركز المعلومات والدراسات في هذه الجريدة». وقراءتها لا تخلو من فائدة.

[10] كان الدكتور محسن البرازي (وزير المعارف) وحسن جبارة (وزير المالية) وعادل العظمة (وزير الداخلية) ومجد الدين الجابري (وزير الأشغال العامة الذي سقط في انتخابات حلب عام 1947) وحنين صحناوي (وزير الاقتصاد) من غير النواب.