الفصل العاشر، الجزء 2: عهد الزعيم: القوانين والدستور والسقوط

اقرأ بالإنكليزية

فقد أقلقني طارق على باب بيتي ما بين فجر الثلاثين من آذار 1949 وصباحه.. وكنت مستيقظًا أتهيَّأ للذهاب إلى كلية الحقوق لإلقاء محاضرتي على طلبتها في مادتيّ الحقوق الجزائية العامة وأصول المحاكمات الجزائية.. وساورني كثير من القلق. ترى مَن يكون الطارق في هذه الساعة المبكِّرة؟.. وفتحت الباب، فإذا بي أمام ثلاثة أشخاص يرتدون الثياب المدنية، لا أعرف أحدًا منهم، فحيُّوني بأدب وقال قائلهم: نحن من أعوان السلطة ونرجوك ألَّا تقلق.. فقد قام قائد الجيش حسني الزعيم بانقلاب عسكري واعتقل رئيس الجمهورية والحكومة.. وهو ينتظرك في مديرية الشرطة.. واستمعت إلى هذا الكلام وأنا لا أكاد أصدِّق، بل أظنُّ أنني لم أفهم الكلام.. إلا بعد أن أدخلتهم حتى أرتدي ملابسي. وفي غرفة الضيوف استعدتهم ما قالوا. عندها توضَّحت الصورة في ذهني إلى حدٍّ ما.. وقد طلبوا مني أن أدلَّهم على بيت الدكتور الدواليبي القريب من بيتي فقلت لهم، بل أنا ذاهب معكم إليه.. حتى لا يقلق كما قلقت. وقد تعلَّل الدواليبي بمرضه، وقال لهم إنه سيلحق بهم. لكنه جاء متأخرًا.. وفي الطريق شاهدت شقيقًا ضابطًا للدكتور الدواليبي كان على ظهر دبابته، فحيَّاني بإشارة النصر وتابع سيره.. وكانت الجماهير بدأت تخرج من بيوتها.. وانعقدت حلقات الرقص والبهجة لهذا «الحدث» غير المألوف في حياتنا السياسية.

واتجهوا بي إلى مديرية الشرطة.. وحين دخلت مبنى الشرطة وجدت ضابطًا ضخم الجثة واقفًا خلف مكتب متواضع، فقدَّرت أنه حسني الزعيم صاحب الانقلاب، لأنني لم أرَه من قبل. وقد رحَّب بي وبادرني بقوله: الآن انتهى دوري وجاء دوركم. لقد خلَّصتكم من هؤلاء (...) وعاد إلى تلفونه يصدر الأوامر ويعود فيحدِّث الموجودين.. وقد كان متماسكًا، مترابط الجأش، ولم يكن منهكًا أو متخاذلًا كما زعم البعض.. وحول مكتبه كان عدد من السياسيين وقوفًا يتبادلون أطراف الأحاديث. وبعد قليل حضر الدكتور ناظم القدسي والدكتور معروف الدواليبي والأمير عادل أرسلان.. وكان هناك أيضًا وهبي الحريري وصبري العسلي.. ولم يكن رشدي الكيخيا بين الحاضرين لأنه كان في حلب. ويذكر نذير فنصة أن الزعيم اتصل به هاتفيًّا، لكنه اعتذر عن التعاون مع الانقلاب[1]. وكذلك كان موقف الأستاذ أحمد قنبر.

وحدَّثني الأستاذ عبد القادر الأسود، أن رشدي الكيخيا زاره صباح الانقلاب في بيته في حلب وكان رئيسًا لمحكمة الاستئناف فيها، واستشاره في موضوع التعاون مع حسني الزعيم فنصحه بالقبول، لأن عهد القوتلي لم يكن محبوبًا وأن الناس كانت فرحة لسقوطه.. لكن الكيخيا كان حريصًا على احترام الدستور.. فاتخذ قراره بالابتعاد عن الاتصال بحسني الزعيم[2].

وقد اختارني حسني الزعيم «رسولًا» شخصيًّا إلى فارس الخوري لعلّه يحضر ويقبل بالتعاون معه. وذهبت إلى بيت أستاذنا في المهاجرين، فأدخلتني عليه أم سهيل، وكان متمدِّدًا في سريره، فشرحت له الموضوع وقلت له إن وجوده إلى جانب عسكري متهوِّر قد يخفِّف من طيشه وأخطائه.. غير أنه اعتذر بكبر سنِّه ومرضه وتمثَّل بنصف بيت من الشعر هو:

ولو ترك القطا ليلًا لناما

لكنه حضر واتصل بالزعيم وزار القوتلي في سجنه.. (كما يذكر عادل أرسلان في مذكراته)[3].

وقد قرَّر عدد كبير من نواب حزب الشعب ونواب آخرون من مختلف الاتجاهات وأنا منهم، التعاون مع الزعيم والقبول بما وقع، باعتبار أن الانقلاب وقع وأصبح أمرًا يجب التعامل معه، خشية أن تكون له ذيول أكثر فداحة.. وكان مجموع النواب الذين رضوا بالأمر الواقع 76 نائبًا.

وقد وعد الزعيم علنًا بأنه لا مطمع له في الحكم، وأنه سوف يعيد الحياة النيابية السليمة ويقطع دابر الفساد ويعمل على وضع دستور متطوِّر ويسلِّم مقاليد الحكم إلى الشعب الذي سوف يختار نوابه بحرية تامة.

ولم يخطر في بال أحد أن يفكِّر في مقاومة الانقلاب مقاومة جادّة.. وحتى في حال وجود مثل هذا التفكير في رأس أحد، فإن المقاومة غير ممكنة عمليًّا، لأنها تعني محاربة جيش البلاد، وهو أقوى من كل مقاوم مدني. ثم إن هذا الجيش كان - أو المفروض فيه ذلك - واقفًا في مواجهة العدو الصهيوني.

وكانت بلادنا ومعها الدول العربية المحيطة بإسرائيل تجرجر من هدنة إلى هدنة وهي متسربلة بأثواب المذلّة والخزي.

وأعترف أن هواي أصلًا لم يكن مع هؤلاء الساسة القدماء الذين كانوا عاجزين عن تطوير أنفسهم ومسايرة روح العصر، فلم أحزن على سقوط نظامهم.

وكان أكرم الحوراني وعلي بوظو وهو من إخواننا الشعبيين قد أصبحا وثيقي الصلة بصاحب الانقلاب - ولم يكن الدكتور معروف الدواليبي بعيدًا عنه أيضًا - ولم يضن عليه ببعض نصائحه لئلاّ تنزلق أقدامه أكثر مما انزلقت.

وقد كتبت بيدي بيانًا عن محاربة الإقطاع وتوزيع الأراضي على الفلاحين ووافق عليه الزعيم، وأذيع في الحال من محطة الإذاعة.. وقد أعطى هذا البيان للانقلاب وجهًا تقدميًّا.. لكن الزعيم عدل عنه بعد أيام، حين توافد عليه أصحاب الأراضي ورجال الإقطاع.

ولا بدّ من أن يرد على البال سؤال هو: طالما أنني لم أجتمع بحسني الزعيم من قبل، فكيف استدعاني صبيحة الانقلاب وأذاع بيانًا كتبته باسمه؟ والجواب كما علمته فيما بعد، أن عيونه الذين كانوا في جلسة مجلس النواب يوم الحملة عليه، نقلوا له موقفي المتشدِّد ضد أخذ صلاحيات نقل الضباط من قائد الجيش - كما كان الوضع - وإعطائها إلى وزير الدفاع، كما تطلب الحكومة. وكنت أنا أعارض المشروع لا حبًّا بحسني الزعيم لكن دفاعًا عن اختصاص قائد الجيش.. ولم ينسَ لي الزعيم هذا الموقف غير المحسوب.

وقد ذكر الأمير عادل أرسلان في مذكراته أنه على أثر تصريح حسني الزعيم في مديرية الشرطة بأن مهمّته تنتهي عندما يؤلِّف المجلس حكومة «انتقلنا نتذاكر الموقف، فقال أكثر النواب الذين كانوا معنا وهم ناظم القدسي وأكرم الحوراني ومعروف الدواليبي وأحمد قنبر ومحمد سراج وعبد الوهاب حومد وسامي كبارة وغيرهم. أن الموقف يقضي بأن أتولَّى رئاسة الوزارة»[4]، أي يتولاَّها الأمير عادل.

وقد خامرت حسني الزعيم فكرة حلِّ المجلس لكن عددًا من النواب نصحوه بعدم الإقدام على هذه الخطوة.. لكنه هدَّد النواب بأن الجيش سوف يتولَّى مقاليد الحكم إذا لم يتعاونوا معه.

وفكَّر النواب بالاجتماع في مجلس النواب، إلا أن الجنود أغلقوا أبوابه ومنعوا دخول النواب إليه، فانتقلوا إلى بهو فندق الأوريان بالاس وهو الفندق الذي ينزل فيه الأمير عادل ورشدي الكيخيا وناظم القدسي (يوم 31 آذار 1949).

وقد أكَّد لي الأستاذ قنبر أنه لم يكن حاضرًا في هذا الاجتماع.

وكان نواب حزب الشعب ميالين إلى التعاون مع الانقلاب ولو مرحليًّا.. فكان رأي نسيب البكري وفيضي الأتاسي والدواليبي وأنا أن تتشكَّل حكومة مدنية، وخالف ناظم القدسي.. لكن موقفه اتسم بالتردُّد.

وقد جرى التصويت على تشكيل حكومة مدنية تأخذ على عاتقها إنقاذ الوضع، فوافق عليها 76 نائبًا، وعارضها خمسة نواب.. وتمَّ الاتفاق على تفويض السادة فارس الخوري ومصطفى برمدا والأمير عادل بمفاوضة الجيش لإيجاد مخرج للأزمة.

وكانت أفكار الجميع متجهة إلى الاستيثاق من عدم حلِّ المجلس، لأن حلَّه يعني انتهاء كل مظهر من مظاهر الحكم المدني واستيلاء الجيش على السلطة نهائيًّا.

ويذكر الأمير عادل في مذكراته أيضًا أنه تمَّ الاتفاق مع حسني الزعيم يوم 1 نيسان 1949 (ثالث أيام الانقلاب) على تشكيل الحكومة بعد أن أبلغه حزب الشعب أنه وافق على ترشيح ثلاثة من أعضائه للاشتراك في الوزارة، وهم معروف الدواليبي وشاكر العاص وفيضي الأتاسي.. فأبلغ هذا القرار إلى حسني الزعيم، وتباحث مع الأمير عادل في تشكيل الوزارة، وتمَّ الاتفاق بينهما على أن تكون الرئاسة والدفاع والداخلية للزعيم، ونيابة الرئاسة ووزارة العدل للأمير عادل، والخارجية لفيضي الأتاسي والمالية لحسن جبارة والاقتصاد لشاكر العاص والأشغال العامة لمعروف الدواليبي والمعارف لأكرم الحوراني.

وقد أصدر القائد العام للجيش والقوى المسلحة المرسوم التشريعي رقم 1 بتاريخ 2 نيسان 1949 الذي خوَّل به نفسه «السلطة التشريعية والتنفيذية ريثما تعود الحياة النيابية.

ويتولَّى الأمناء العامون إدارة شؤون الوزارات والإدارات العامة التابعة لوزاراتهم.

وأصدر المرسوم التشريعي رقم 2 خوَّل به القيادة «حق إلغاء امتياز الجرائد اليومية والمجلات والنشرات الموقوتة.

وفي 2 نيسان صدر المرسوم رقم 2 (تاريخ 1 نيسان) القاضي بحلِّ مجلس النواب».

وقد أصدر حزب البعث بيانًا أيَّد فيه الانقلاب واعتبره نقطة انطلاق جوهرية نحو الحياة المنتجة القوية[5]، كما أيَّده الحزب الوطني أيضًا.

وأيَّده كثير من غير السياسيين كان في مقدّمتهم الأستاذ محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي.

وأقرَّ مجلس حزب الشعب الذي انعقد في حمص مبدأ التعاون مع حسني الزعيم. لكن الكيخيا عارض بشدّة هذا الاتجاه، فاحترم الحاضرون رأيه[6].

لكن عندما فوجئنا بالقرار الذي اتخذه الزعيم بحلِّ مجلس النواب وحلِّ الأحزاب توقَّف كل بحث[7].

ورغم ذلك كُلِّف الزعيم فيضي الأتاسي بتشكيل وزارة.. إلا أنه لم يصل إلى نتيجة.

وأخيرًا شكَّل الزعيم وزارة يوم 17 نيسان برئاسته. وكان الأمير عادل نائبًا للرئيس ووزيرًا للخارجية فيها. ودخل في الوزارة نقيب المحامين الأستاذ أسعد الكوراني وزيرًا للعدل وفيضي الأتاسي (من حزب الشعب)، إلا أنه رفض الدخول في الوزارة، لأنه أعطي وزارة المعارف بدلًا من حقيبة الخارجية التي وُعِد بها، ودخل بدلًا عنه الأستاذ الشاعر خليل مردم بك، أما الوزراء الآخرون فهم حسن جبارة ونوري الأيبش وفتح الله الصقال.

وإلى الأستاذ أسعد الكوراني يعود الفضل الكبير بصورة خاصة في العمل على إصدار القوانين العصرية، وفي مقدّمتها القانون المدني وقانون التجارة وقانون العقوبات (الذي اختارني رئيسًا للجنة التي وضعته) وقانون حل الأوقاف الذرية وقانون إلغاء التولية في الأوقاف الخيرية وإناطتها بمديرية الأوقاف. ويجب عليّ أن أقول إننا أخذنا قانون العقوبات عن قانون العقوبات اللبناني، كما نقل القانونان المدني والتجاري عن التشريع المصري، كسبًا للوقت، ورغبة في توحيد التشريع في العالم العربي.. أما قانون أصول المحاكمات الجزائية فقد تمَّ وضعه في عهد الحناوي.. من قبل لجنة كنت على رأسها.. وبذلك أصبح لسورية تشريع متطوِّر وعصري.. صحيح أن المستوى القانوني للقضاة في تلك الأيام لم يكن على مستوى التشريع الحديث، إلا أن هذه القوانين استمرَّت ولا تزال موجودة.. وقد تعامل معها أجيال من القضاة.

ولقد أتيح لي أن وقفت في وجه الذين حاولوا إلغاءها، وخاصة القانون المدني، في فترة الجمعية التأسيسية، وحافظت عليها وصنتها من خلال المنصب الجديد الذي تولَّيته في مجلس النواب، وهو منصب «رئيس لجنة قوانين الدولة» التي كانت مهمتها التوفيق بين التشريع الراهن آنذاك ودستور 1950 الجديد.

وشكَّلت الحكومة الانقلابية لجنة لإصلاح الجامعة كنت أحد أعضائها. وقد قرَّرت إخراج بعض الأساتذة من وظائفهم، ومنهم عميد كلية الحقوق، لكنه قدَّم استقالته قبل صدور مرسوم التسريح بناء على نصيحتي له. وحين سلّم رئيس اللجنة الدكتور حسني سبح قائمة المقترح تسريحهم إلى الزعيم شكره عليها وأقرَّها[8].

غير أن الزعيم سارع إلى «مكافأة» الدكتور سبح، فقرَّر إحالته على التقاعد، وبذلك أخرجه نهائيًّا من الجامعة بعد أسبوع واحد من تسريح الأساتذة الآخرين[9].

وأسند الزعيم رئاسة الجامعة إلى الدكتور قسطنطين زريق.

والدكتور زريق كان نائب رئيس الجامعة الأميركية، ومن كبار المثقفين العرب والقوميين اللامعين.. وقد يكون اختياره هو الحسنة الثانية لعهد حسني الزعيم بعد حسنة إصدار القوانين العصرية.

وقد تعاونت مع الدكتور زريق أجدى تعاون حينما أصبحت وزيرًا للمعارف بعد سنة.. وقد أوصاني به الرئيس هاشم الأتاسي حين قلَّدني هذه الوزارة. وقد أوصيت مدير مكتبي أن يدخله عليّ حين يأتي، من دون استئذان. وما زلت أحتفظ منه بأجمل الذكريات.

كذلك شكَّلت حكومة الزعيم لجنة من الخبراء برئاسة الوزير الكوراني لوضع دستور جديد للبلاد بالمرسوم رقم 50 تاريخ 2 نيسان 1949. وقد اختارني عضوًا فيها. وكان الأعضاء الآخرون السادة حسن الزين وعبد الجواد السرميني وجورج جبارة وهم من القضاة الكبار، والدكتور سامي الميداني عميد كلية الحقوق والدكتور يوسف عبجي. وتمَّ وضع مشروع هذا الدستور على أسس عصرية تقدمية. وهو يتألَّف من 125 مادة إلا أنه ضاع في متاهات الانقلابات اللاحقة[10].

وقد اعتمد هذا المشروع على أربعة مبادئ أساسية هي:

1. اعتبار النظام البرلماني أفضل الأنظمة السياسية، لأنه يفسح للأمة مراقبة السلطة التنفيذية.

2. تنظيم الحياة الاقتصادية على أسس العدالة الاجتماعية وحماية الملكية الخاصة وحق الضمان الاجتماعي.

3. التوسُّع في نصوص الدستور في مسائل الحرية الشخصية وضمان حرية الدين والمسكن والفكر والتعليم.

4. رفض مبدأ الطائفية الذي كان متّبعًا في سورية، من أجل الحفاظ على المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات.

وقد وجَّه وزير العدل رسالة إلى الزعيم، أرفقها بالمشروع المذكور، قال فيها: «وقد تمَّ وضع هذا المشروع تلبية للرغبة الكريمة التي أبداها فخامة الرئيس المعظم، حبًّا منه في إعادة الحياة الدستورية. وإن مبادئه تتصل بروح الانقلاب الذي تمَّ في الثلاثين من آذار».

وكان مقدَّرًا لهذا المشروع أن يحلَّ محل دستور 1930 الذي شوَّهه المفوض السامي الفرنسي بتعديل عدة مواد منه وإضافة المادة 16 إليه.. وقد أجرى الزعيم استفتاء في 25 حزيران 1949، وأصبح بمقتضاه رئيسًا للجمهورية.

وفي الحال عُيِّن الدكتور محسن البرازي رئيسًا للوزارة، فشكَّل وزارة من غير رجال السياسة يوم 26 حزيران وكان من وزرائها الأمير مصطفى الشهابي وخليل مردم بك وحسن جبارة وفتح الله الصقال.

وقد أصدر الزعيم المرسوم التشريعي رقم 140 بتاريخ 30 حزيران 1949 مكَّن به شركة التابلاين الأميركية من ممارسة نشاطها من دون أي تعديل للاتفاقية. وكذلك أقرَّ اتفاقية شركة نفط العراق.. ومن المؤكَّد أن مقاومة النواب لاتفاقية التابلاين الأميركية كانت أحد أسباب انقلاب الزعيم. وقد كتب الأستاذ فتح الله الصقال في مذكراته عن هذه الاتفاقية (وكان وزيرًا للأشغال العامة في حكومة الزعيم) أنه قدَّم تقريرًا لحسني الزعيم يظهر له فيه الضرر الذي سيلحق بالبلاد من جرّاء التصديق عليها. ومما جاء فيه أنه «يتضح من مطالعة مشروع الاتفاق المتقدِّم الذكر أن هناك دولة (يقصد شركة البترول الأميركية) ستحلُّ محل الدولة (يقصد الدولة السورية).

وهذا موقف طيِّب (إن صحَّ) من الأستاذ الصقال.

لكن زميلًا له في الوزارة، هو أسعد الكوراني ينفي أي علم له بهذا التقرير، ويؤكِّد أن حسن جبارة (وزير المالية) عرض حاجة البلاد الملحّة إلى العملة الأجنبية وطالب بإلحاح بتصديق الاتفاقية، فأقرَّها الوزراء بالإجماع، بمَن فيهم فتح الله الصقال نفسه.

وتجدر الإشارة إلى موقف حسن جبارة بصورة خاصة. فقد كان وزيرًا للمالية في وزارة العظم التي وقع عليها الانقلاب، وكان هو الذي فاوض على هذه الاتفاقية وأقرَّها. فلما وقع الانقلاب جاء وزيرًا للمالية وأوصى مجلس وزراء الزعيم بالموافقة عليها، مع علمه الأكيد أن البلاد لم تكن راضية عنها.

وقد ارتكب الزعيم خطيئة فادحة بتسليمه أنطون سعادة يوم 7 تموز إلى الحكومة اللبنانية، فأعدمته في اليوم التالي.. لأن اللاجئ السياسي لا يسلّم.. وخاصة أن الزعيم وعده بشرفه العسكري أنه سيحميه، وأنه أهداه مسدسًا فضيًّا، كما قيل..

ويذكر الأمير عادل في مذكراته أن الزعيم تحدَّث في مجلس الوزراء يوم 26 أيار فقال إن اليهود يريدون التفاهم معنا بسبب ضغط الرئيس ترومان الأميركي والرئيس الفرنسي شومان، وأنه قبل أن يأتي شرتوك وهو (موشي شاريت وزير خارجية إسرائيل) بطائرة إلى القنيطرة. «وسوف أذهب إلى هناك للاجتماع معه.. وقد حاولت ثنيه عن رأيه هذا، لأن بلادنا لا تعترف بإسرائيل».

وعاود الحديث عن الموضوع نفسه يوم 31 أيار[11].. لكن المقابلة لم تتم.. ويذكر الأمير عادل أن الوزير الصقال كان يشجِّع الزعيم على مقابلة الإسرائيليين «باعتبارهم حكومة واقع وأنه لا يوجد مانع يمنع التحاور معهم».

وتجدر الإشارة إلى أنني وكثير من النواب كنت أريد عدم توسيع الفتق الذي أحدثه الانقلاب في البلاد، وأردت أن أساهم في تطوير البلد عن طريق تعديل القوانين أو إصدار دستور جديد للبلاد.

غير أن أوضاع الانقلاب ما لبثت أن تردَّت، فعزمت على قصر نشاطي على عملي الجامعي.. بقدر الإمكان.. وحاول الزعيم «إغرائي» فعرض عليّ منصبين، الواحد بعد الآخر:

الأول، منصب السفير في بغداد. وقد استدعاني ذات مساء إلى بيته وحدَّثني بالمنصب المذكور، وأنه يريد مني أن «أدبِّر انقلابًا» يطيح بالعرش العراقي ويؤمِّن القبض على عبد الإله «لكي أعلِّقه من رقبته في ساحة المرجة» كما قال.. وقلت له إنني لا أعرف بغداد ولا خبرة لي بالانقلابات.. لكنه أصرَّ على رأيه فاستمهلته أيامًا حتى أرى ماذا سأفعل.. وجاءني «الفرج» حين فرض على رشدي وناظم الإقامة الجبرية في منزليهما.. فاستسنحت المناسبة، واعتذرت عن عدم قبول المنصب..

وقد شعرت يومها أنني أمام رجلٍ لا يدرك لأقواله معنى.

ويومها أكَّد لي أنه لا يملك إلا ستة آلاف ليرة سورية. فإن «تبيَّن بعد موتي أنني أملك أكثر من ذلك، فيكون المال الزائد سرقة من مال الدولة». ولم يترام إلى مسامعي أنه دخل في صفقات مشبوهة.

وذات يوم عاد فاستدعاني إلى مكتبه في رئاسة الأركان وسألني عن قراري. وحرت في أمري، فالرجل لم ينسَ الموضوع.. وفجأة نهض وراح يزرع الغرفة.. ويتحدَّث بأنه ملَّ هذا العمل وأنه يريد العودة إلى الجيش.

وكلَّفني أن أسافر إلى حلب لأعرض على رشدي الكيخيا وناظم القدسي القدوم إلى دمشق للتباحث معه في موضوع تسليمهما مقاليد الحكم.

وأحبُّ أن أذكر أن رشدي الكيخيا كان زارني مرتين في يوم واحد في حلب، وطلب إليّ أن أظلَّ على اتصال بحسني الزعيم حتى لا ينفرد به أصحاب الغايات من الوصوليين على حدِّ تعبيره.. واستمهلته لقضاء مدة العيد بين أهلي فيها.. وها هي المناسبة قد جاءت من تلقاء نفسها.

وفعلًا عدت إلى حلب، وأبلغت رشدي الكيخيا وناظم القدسي في حديقة منزل الأخير في الجميلية رسالة الزعيم.. ووافقا على المجيء إلى دمشق.

وعدت إلى الزعيم أبلغه قرارهما فأبدى انشراحًا واضحًا، وقال غدًا أرسل إليهما عقيدًا ليصطحبهما كمرافق إلى دمشق.

لكن القدر كان أسرع منه، فوقع الانقلاب عليه في نفس الليلة.

أما المنصب الثاني، فهو منصب رئيس بعثة الأرجنتين.. وقد عرض في نفس اليوم على عمر أبو ريشة منصب وزير مفوض في البرازيل وعلى أكرم الحوراني منصب وزير مفوض في جنيف.

وقبل أبو ريشة الوظيفة لكنها بدّلت من البرازيل إلى الأرجنتين[12]، ورفضها أكرم الحوراني واعتذرت عن عدم قبولها.. وكنا التقينا نحن الثلاثة في بهو القصر الجمهوري، واستقبلنا الزعيم كلًّا على انفراد.

وقد تراجع البعثيون عن تأييد عهد الزعيم حين أخذت كفّة الدكتاتورية تميل بشدّة في حكمه.. وانفضَّ عنه الذين كانوا يأملون فيه خيرًا.. فاعتقل عددًا من الشيوعيين تقرُّبًا إلى دول الغرب كما اعتقل الأستاذ ميشيل عفلق وبعض إخوانه.

وقد وجَّه إليه عفلق من سجنه بتاريخ 1 حزيران 1949 رسالة استعطاف قال فيها: «لقد اخترت أن أنسحب نهائيًّا من كل عمل سياسي، بعد أن انتبهت بمناسبة سجني إلى أخطاء فيَّ أورثتني إياها سنين طويلة من النضال القومي ضد الاستعمار والعهد السابق..»[13].

وقيل يومها إن الأستاذ عفلق أُخضع إلى تعذيب شديد مع أصحابه، فاضطرَّ إلى كتابة هذه الرسالة.. وينفي آخرون هذا القول.

وعن جماعة شكري القوتلي وأعوانه، يقول الأمير عادل:

«ولم يستقل سوري واحد بسبب هذا الانقلاب. والجواسيس الذين كانوا في خدمة شكري القوتلي، تطوَّعوا الآن لخدمة الذي اعتقله»[14].

أما على المستوى العالمي، فقد تشكَّل في هذه المرحلة من تاريخنا القاتم وتمزَّقنا، حلف الأطلسي، الذي تمَّ التوقيع عليه يوم 4 نيسان 1949 ودخل مرحلة التنفيذ يوم 24 آب من العام نفسه.

وهو يدعى بالإنكليزية N. A. T. O.
وبالفرنسية O. T. A. N.

وضمَّ في بداية تشكيله مجموعة ميثاق بروكسل الذي تأسَّس في 17 آذار 1948 من الدول الخمس: بلجيكا وهولندا واللوكسمبورغ وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وكندا والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا وتركيا واليونان.. وتوسَّع فيما بعد. وهو يسعى الآن إلى ضمِّ كل الدول التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفياتي (السابق) أو في تحالف وثيق معه[15].

وهو بالقطع أقوى وأعظم تجمُّع عسكري في التاريخ، خاصة بعد تفكُّك الاتحاد السوفياتي.

وتعتبر أميركا عموده الفقري.

الحواشي:

[1] المرجع السابق، ص34.

[2] مقابلة مع القاضي الأسود في بيته مساء 2 تموز 1991.

[3] مذكراته، ص805.

[4] مذكرات الأمير عادل، تحقيق الدكتور يوسف إيبش، بيروت 1983، ج2، ص805.

[5] نذير فنصة، المرجع السابق، ص52.

[6] من دراسة للأستاذ زكريا قاطرجي، محامي الكيخيا وأحد أعضاء مكتب الحزب البارزين في حلب، سُلِّمت إليّ بخط يده.

[7] الأمير عادل أرسلان، المذكرات، ج2، ص816.

[8] المرسوم رقم 258 تاريخ 25/4/1949، الجريدة الرسمية، 1949، ص1091.

[9] المرسوم رقم 374 تاريخ 2/5/1949.

[10] يراجع ما كتبه عن هذا الدستور جوردون توري، المرجع السابق، ص141.

[11] مذكرات الأمير عادل، ص839 و841.

[12] وحين قام الشيشكلي بانقلابه، مدحه أبو ريشة وذمَّ رجال السياسة فقال له:
يا قائد الأبطال، جرح العلى
على الجباه السمر لم يضمد
كانت لنا راياتنا، فانطوت
على أكفِّ الساسة الأعبد
وهكذا كان شأنه!..

[13] نص المذكرة في الملحق رقم 5.

[14] المذكرات، ص807 وما يليها.

[15] الدكتور نور الدين حاطوم، قضايا عصرنا، دار الفكر، 1972، ص633.