الفصل العاشر، الجزء 6: مئة يوم في معتقل الشيشكلي

اقرأ بالإنكليزية

وقد قرع زوار الفجر باب بيتي بدمشق الساعة الواحدة والنصف من صباح 29 تشرين الثاني 1951. وحين دخلوا قطعوا كل اتصال هاتفي. وأذكر أن الضابط الذي كان يقودهم وهو سامي جمعة تصرَّف معي تصرُّفًا مهذبًا جدًّا فقد سمح لي بارتداء ملابسي في حضور جنوده، ثم أدخلوني سيارة عسكرية مغلقة، كان في زاويتها شخص لم أتبينه في بادئ الأمر لكن عرفت بعد قليل، أنه النائب الشعبي وزميلي في كلية الحقوق رزق الله أنطاكي.. واقتادتنا السيارة في هذه الليلة الباردة جدًّا إلى مقر الشرطة العسكرية بدمشق[1]. وكنت أسمع من خلال فتحة السيارة نباحًا مخفوتًا ومتقطعًا لكلاب شاردة آذاها الصقيع.

وكانت تقف أمام بيتي أيضًا سيارة دبلوماسية تراقب سير الانقلاب.. وعرفت فيما بعد أنها سيارة تابعة للسفارة الفرنسية. وهناك عرفت أن الشيشكلي انقض على الحكم المدني واعتقل عددًا كبيرًا من الساسة بينهم أعضاء الحكومة. وكان الدكتور العجلاني في البيجامة عاري القدمين.. لأنهم اقتلعوه من فراشه.

وفي الصباح نقلونا إلى نادي ضباط الطيران قبالة سجن المزة.. وكان عدد المعتقلين كبيرًا. منهم رشدي الكيخيا وناظم القدسي وأحمد قنبر ومعروف الدواليبي وعلي بوظو وشاكر العاص ومحمد الشواف وهاني السباعي وعبد الله التامر ورزق الله الأنطاكي وعبد اللطيف سباهي وعبد العزيز الحلاج وأنا من حزب الشعب. وعارف الطرقجي من «المتدينين» وزكي الخطيب وعبد الرحمن العظم وحسني البرازي من المستقلين.

وكان الطعام يأتينا من خارج المعتقل.. قالوا من نادي الشرق لصداقة تربط صاحبه برجال الحكومة.. وكانت الفواكه تأتي أكداسًا من وجيه دمشقي اسمه أحمد إيلوش.. وقد تمَّ اعتقاله «لأنه تحدى السلطة».

ولم يطل بنا المقام هنا غير أسبوعين.. بعدها نقلونا إلى جناح في المستشفى العسكري بالمزة.

وقد أعطينا غرفة لكل معتقلين اثنين.. وكان الدكتور أنطاكي رفيق غرفتي. وأبو كريم من أحلى الناس شمائل وخفّة روح.. لكن مشكلتنا معًا أنه كان يفضل النوم مبكرًا والاستيقاظ باكرًا وكنت على خلافه.. أنام متأخرًا، واستيقظ متأخرًا. كان ذلك مزعجًا لكلينا.. ونظرًا لأنه كان ضخم الجثة فقد كان شخيره يقلق كل معتقلي الغرف المجاورة.. وقد عجزنا عن إيجاد حل لهذه المشكلة الإنسانية.

وكان في المعتقل جهاز راديو يسمعوننا منه أخبار دمشق فقط.. لذلك كنا نجهل كل شيء يجري في الدنيا. ما عدا بعض الأخبار التي تأتينا على شكل قصاصات ورقية أو أنباء شفهية إلى رشدي الكيخيا أو عبد الرحمن العظم أو غيرهما.. وكنا نتناقلها بسرعة البرق، لأن اتصالنا بعضنا ببعض لم يكن ممنوعًا.. ونبدأ بتحليلها لاستشفاف مستقبلنا و«مستقبل العالم» من خلالها.

وقد زارنا الشيشكلي مرتين، وتحدَّث إلينا وتحدَّثنا إليه.. وكان لطيفًا في أحاديثه. واعتذر عن اعتقالنا بأنه كان لضرورات أمنية.. وأوصى ضابط الحرس بالسهر على راحتنا.

وفي إحدى الأمسيات اختلى بي الضابط شحادة عبد الحق، الذي كان أحد أعمدة العهد على ما علمنا ولمح إلي أن الشيشكلي يرغب في الإفراج عني. لكن يحسن بي أن أكتب إليه ورقة تتضمَّن طلبًا بالإفراج.. وقد أجبته بأنني ما رجوته ليأتي بي إلى هنا، لذلك لا يليق بي أن أرجوه ليخرجني منها.

وفي هذا المعتقل كانت الحياة تجري بصورة رتيبة. وكثيرًا ما كانت مملة جدًّا.. لكن شعورًا دائمًا بالإحباط والقهر ما كان يفارقنا، هو أننا لا نملك حق التصرُّف بتوجيه إرادتنا.. وكل مَن يقول «إنه ينام على جنب واحد» في السجن، هو شخص إما فاقد للإحساس بالكرامة، وإما أنه مزاود.. فالمعتقل، مهما يكن «مريحًا» يظلُّ المكان الذي لا يتمتَّع فيه المرء بإنسانيته وشعوره بأنه حي.

وقديمًا قال هوغو عن السجن، إنه ذو رائحة عفنة.. وقد لاحظنا أن أكثر الأوقات التي تضيق فيها نفوسنا هي التي تمتدُّ بين الخامسة والسابعة مساء.. وقد يكون السبب هو الطعام الذي يقدَّم لنا ظهرًا وأكثره من النشويات وتحوَّل قسم منه إلى غازات تضغط على القلب والرئتين... لكن قد يكون السبب هو انقضاء النهار من دون أن يصلنا جديد من «الدنيا».

وقد سمح لي ضابط الحرس بأن أحضر بعض الكتب من مكتبتي. وكانت لفتة كريمة منه، لأنني أغرقت وقتي في البحث والكتابة.. وألفت جزًا من كتابي أصول المحاكمات الجزائية، وكان زميلي في الغرفة الأستاذ أنطاكي يؤلف كتابه أصول المحاكمات المدنية.

ولم تكن حياتنا في هذا «القبر» كما كان يسميه بعضنا تخلو من طرائف كنا نضحك لها، كما يضحك الأطفال.. ولو أن أحدًا منا سجلها ثم كتبها لكانت كتابًا من أحلى طرائف الأدب.

فقد كان حسني البرازي يسخر من الضابط المناوب، ويرفع إصبعه طالبًا الإذن بالذهاب إلى بيت الخلاء بقوله «دستور». وهو تعبير كنا نستعمله حين كنا صغارًا في المدرسة الابتدائية، إرثًا من العهد العثماني.. وتجاوز الحد مرة فتهكم على ابن عمته الشيشكلي أمام الضابط المناوب. وكانت «المكافأة» عاجلة من «ابن العمة، لابن الخال»: خمسة عشر يومًا في سجن انفرادي.. لكنه استغلها لتخفيف وزنه، متظاهرًا بالإضراب عن الطعام.. وحين عاد إلينا عاد من دون «كرش».. يرشِّح نفسه «لبناء أسرة جديدة».

ولم ينسَ «مطارداته» لزكي الخطيب في الممشى، فعاد إليها. ولم يعد زكي الخطيب «يجرؤ» على المغامرة بالتنزُّه، خشية يد البرازي الخفيفة «وغير المهذبة».

والنكتة «الحلوة» وقعت مع الدكتور الدواليبي.. فقد تناول الدواليبي ذات مساء «العهد» بشيء من النقد اللاذع.. وانسحب الضابط من الجلسة غاضبًا، وطلب من الأستاذ معروف أن يلزم غرفته. وبما أنه كان يناديني بـ«أستاذنا» لأنه سجل نفسه في كلية الحقوق أيامًا ثم ذهب إلى الكلية العسكرية.. أسرع بعض إخواننا يطلبون مني أن أبادر لاسترضائه خشية أن يلحق بالدواليبي مكروه، في هذه الليالي المثلجة.

وحتى ذلك الوقت لم يكن الدواليبي قد تأقلم مع «ضياع رئاسة الوزارة» منه. وفعلًا ظلَّ يعتبر نفسه رئيسًا شرعيًّا طيلة عهد الشيشكلي بحجّة أنه قدَّم استقالته إلى رئيس الجمهورية. غير أن الرئيس استقال قبل أن يقبلها. وحين أطيح بعهد الشيشكلي، وعاد الأتاسي إلى رئاسة الدولة أصدر مرسومًا بقبول استقالة الدواليبي، خاصة وأن مجلس النواب أصدر قانونًا ينص على اعتبار عهد الشيشكلي عهدًا غير شرعي.

ودخلت على الضابط، فإذا به يكتب تقريرًا فعلًا.. وكانت الليلة شديدة البرودة.. ولو اتخذ تدبيرًا بحق الأستاذ، فربما تأثرت صحته..

ورحت أباسط «تلميذي».. حتى قبل «شفاعتي» وطوى التقرير. ووجدت الفرصة مناسبة لمزحة.. ففي الصباح دخلت على الأستاذ الدواليبي وقلت له: الضابط يأمر ألَّا تخرج من الغرفة.. وذهبت إلى الضابط وأفهمته أن الأستاذ متعب.. ورجوته أن يرسل له الفطور إلى سريره.. وحين دخل الجندي بصينية الفطور عليه، سمعنا صياح الأستاذ الدواليبي الذي ينطلق في غضب شديد يرافقه كلام لم نتبيَّنه. وخفت العواقب.. فنهضت مسرعًا إليه.. أرجوه الهدوء.. وأن القضية مجرّد مزحة. وكان واقفًا على السرير. يهتز في عصبية واضحة.. وسأل الضابط عن سبب الصياح، فقلت له: نحن المعلمين نصاب أحيانًا بأزمة أعصاب لا نعرف لها تبريرًا.. وقد تكون من «مستلزمات» المهنة، وهذا ما قاله الجاحظ في كتابه عن إخواننا المعلمين..

ولولا دماثة هذا الضابط، لكنا «رحنا في داهية».. في ثنايا الثلج الذي كان يندف من وراء النوافذ.

وأرجو ألا يحكم أحد على «سلوكنا» هذا، وهو جالس وراء مكتب وثير وأمام مدفأة منعشة.. فالحكم على التصرُّفات يجب أن يستمدَّ من ظروفها المحيطة بها.

وما زلت أرى إلى اليوم هذا الضابط الباسل.. فقد أصبح من ألمع الضباط المختصين بفنهم العسكري.. ثم طالته يد السياسة، فأخرج مع كثيرين من زملائه.. من الجيش إلى السلك الدبلوماسي.. فخسرهم الجيش ولم تربحهم الدبلوماسية.

وسألته مرة: لماذا «تركت الجيش»؟.. فابتسم وقال: بالسياسة.. وفهمت مقصده: فالذي يريد الوصول إلى السلطة «يركب» ظهر أعوان له طامعين مثله. فإذا استقام له الأمر.. عضهم.. وعندها يسهل على غيره أن يعضه ويستفرد به.. وهذا هو حكم الطبع. وتلك كانت مأساتنا. فقد أصبحت الانقلابات «طبعًا» في ضباطنا. وكانوا «الأبطال» وكانوا «الضحايا» أيضًا..

قال صاحب كليلة ودمنة إن عقربًا توسَّل إلى الضفدعة لتنقله سباحة إلى الشاطئ الآخر من النهر، فتردَّدت الضفدعة خوفًا من غدر العقرب.. فطمأنها بأنه لا يمكن أن يغدر بها لأنه سيموت هو أيضًا.. فلما توسطا النهر، لدغها فأحست بالسم يسري في عروقها وأخذت تنهار في الماء.. وسألته: لماذا قتلتني وقتلت نفسك؟.. قال لها وهو يغرق: الطبع يا ضفدعة.. الطبع.

وكم كان حلوًا على قلبي لو كنت أسمح لنفسي بعرض ذكريات تلك الأيام المئة التي قضيناها في «ضيافة» الشيشكلي. لكن المناسبة لا تتسع للذكريات «الأدبية». ومن حسن الحظ أن الفن الأدبي لم يحرم من مؤلف غاص في أحداث التاريخ وجالس الأدباء الذين زجوا في السجون، ونظموا فيها قصائد حلوة، اختار لنا جانبًا منها، الأستاذ عبد العزيز الخلفي الذي سمى كتابه «أدباء السجون»[2]. وأهداه «إلى باعث الأناشيد القومية في رومياته إلى سجين الروم وعنوان الوفاء في تضحياته، إلى خلاصة الفاتحين وعبقري بني حمدان الأمير أبي فراس الحمداني».

وفيما يلي طرف مما اختاره المؤلف المذكور، أنقله رغبة في تغيير «المزاج» السياسي وتلطيف «الأجواء» الجادة..

قال الشاعر علي بن الجهم:

قالوا حبست فقلت ليس بضائري
حبسي وأي مهند لم يغمد؟
والشمس لولا أنها محجوبة
عن ناظريك لما أضاء الفرقد
والحبس إن لم تغشه لدنيئة
في الدهر نعم المنزل المتودد
بيت يجدّد للكريم كرامة
ويزار فيه ولا يزور ويحمد

وقال أبو محجن الثقفي:

كفى حزنًا أن ترتدي الخيل بالقنا
وأترك مشدودًا على وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد وأغلقت
مصاريع من دوني تصم المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وإخوة
وقد تركوني واحدًا لا أخا ليا

وقال أبو فراس الحمداني في السجن قصيدته الرائعة حين سمع حمامة تنوح على شجرة واقفة أمام شباك محبسه في بلاد الروم:

أقول وقد ناحت بقربي حمامةٌ
أيا جارتا هل تعلمين بحالي
أيضحك مأسورٌ وتبكي طليقةٌ
ويسكت محزون ويندب سالي
لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة
لكن دمعي في الحوادث غالي

ومن أحلى ما قيل وراء القضبان، قول المعتمد بن عباد ملك إشبيلية الذي أسره يوسف بن تاشفين وسجنه مع بناته في سجن أغمات ومات فيه سنة 488هـ، وذلك في يوم عيد:

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة
يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
يطأن في الطين والأقدام حافية
كأنها لم تطأ مسكًا وكافورا
من بات بعدك في ملك يسر به
فإنما بات بالأحلام مغرورا

حتى أنا «نظَّمت الشعر» في المعتقل.. لكنه كان من «الشعر» الفكاهي للممازحة.. وقتل رتابة الوقت، الذي كان يمرُّ بتثاقل شديد. ولا ضرورة لنقده من حيث قوافيه وفنونه.. فأنا لا أجهل عيوبه.. لكني أحببت أن أنقله كما قلته وعلى «علاّته».. من باب الذكرى والعبرة.

وكان هاني السباعي يطمح إلى تسنم سدة الوزارة. فلما ظفر بها ظهرًا في وزارة الدواليبي انتزعها منه الانقلاب في الليل، وأصابه في المعتقل برد شديد فكان من نصيبه هذان البيتان:

وهانئ ضاع منه المجد في غسقٍ
وكان وَزَّره في الظهر «معروف»
وأورثته الدواهي «المغص» له
«الدساتير» مستور ومكشوف

وكان الأستاذ الدواليبي صرَّح للصحفيين بتصريحه المشهور بأن الخطر على العرب يأتي من الصهيونية وليس من الشيوعية، وقد أثبتت الأيام بعد نظره. وها نحن نشهد انحلال الأنظمة الشيوعية في مهدها. لكن خطر الصهيونية لا يزال في تفاقم على العروبة والإسلام، فذكرته بما يلي:

والشيخ في ثوبه القاني وعمته
لينين بالعطر والديباج ملفوف
عدت عليه الليالي وهي لابسة
ثوبًا من الغدر ما أخفاه تزييف

وقد حبا الله ناظم القدسي ذكاءً وقّادًا ودماثة أخلاق أخّاذة.

لكن في مسلكه السياسي يلتزم جانب الحذر حتى لا يقع في الخطأ.

والحذر يوصل أحيانًا إلى التردُّد في المواقف الحاسمة. لذلك باسطته بهذين البيتين:

وناظم ليس فينا من يماثله
باللّين مؤتزر بالخير مشغوفُ
يضيق أن يستبين الدهر موقعهُ
والحل وجهان: مرفوضٌ ومألوفُ

وكان أحمد قنبر قليل الكلام ميالًا إلى الانزواء. وكان يضايقه كثيرًا أن الدستور الذي كنا نعلِّق عليه الآمال في دفع عجلة الدولة إلى الأمام، لم يعد أكثر من ممسحة للأقدام فقلت فيه:

ودع أبا الهول في صمت يلوذ به
فما تهدهده تلك الأراجيف
لو أنصف الدهر ما ضاع النهى
لكنها الشام، والدنيا تصاريف

ويمتاز شاكر العاص بتفكيره العميق وهدوء أعصابه.. إلا أنه إذا ما استفز ثار كالبركان فقلت فيه:

وخل ثورة هذا العاص نائمة
فإن صحت غضبت عرب غطاريف

ويعرف عن فيضي الأتاسي تمكُّنه المدهش من اللغتين العربية والفرنسية، مفردات ونطقًا، مع أنه غير مختص في الآداب العربية، وأنه لم يدرس في جامعة فرنسية... وكان يحب أن يتحدَّث معي بالفرنسية. وكنت أحس بأنه أقدر مني في كلتيهما.. وذكر لنا زميله في الغرفة، أنه حلم ذات ليلة وراح يتحدَّث في النوم بصوت عال عن الأدب مع الفيلسوف روسو ويعاتب رئيس وزارتنا حسن الحكيم على استقالته التي تسبَّب هو بها، رحمه الله فقلت:

أنعم بفيضي إذا ما زاره سحر!
روسو وطارحه الأشعار بوبوف
رمى «الحكيم» بسهم من بلاغته
كما رمى قلب ذاك الليث مقذوف

لكن الوزارة «طارت» وفتحت أبواب المجهول على مصراعيها.

وأهدى سفير عربي مسبحة من حبات الخشب إلى علي بوظو، فكان الإخوان يمازحونه عنها بأنه «قبض».. ولم يعرف عنه أنه من «القابضين» على الرغم من أنه يحب الحياة الحلوة.

وسبحة من أراك البيد قاتمة
تهدي لبوظو ووجه الخير مكسوف

ولم أنسَ «المعلم» رشدي من هذه الممازحة فذكرته بالخير بهذين البيتين:

وممسك كل خيط في أصابعه
رشدي، وفي كفه ذئب وخاروف
أبو المكارم لا تغريه مغرية
بالزهد معتصم، بالنبل موصوف

وذكرت صحبة المعتقل ولياليه التي كانت تحلو أحيانًا:

صحابة كانت الدنيا وبهجتها
في غابة، خيرها مطل وتسويف

وفي هذا البيت إشارة إلى الضابطين المكلفين بحراستنا، فقد كانا يأتياننا كل صباح بخبر بهيج، إلا أن ما يقولانه كان يتبخَّر مع تبخُّر أشعة الشمس أثناء انزلاقها وراء الهضبة التي كانت جاثمة على الجانب الغربي من المعتقل.

وكان رشدي رحمه الله يستعيدني قراءة هذه الممازحة.. وكان يضحك بملء فمه..

وكان رفيقي في الغرفة الدكتور رزق الله الأنطاكي، أستاذ أصول المحاكمات المدنية في كلية الحقوق، وكان رحمه الله من أكثر الناس عذوبة في التنكيت وأظرفهم. وقد استولى عليه «السيد اوي» ذات مساء، فأشهدني على أنه إذا أفرج عنه هذا الأسبوع، فإنه سوف «يختتن» كما يختتن المسلمون.. لكن القدر رفق به، فلم يظفر بهذه «النعمة»..

وقد أفرج عني الشيشكلي بعد ثلاثة أشهر وبضعة أيام، ورافقني أحد الضباط إلى مكتبه في رئاسة الأركان، فاستقبلني بحفاوة وراح يعتذر عما لحق بنا من حجز لحريتنا وعلل ذلك بضرورات كانت تفرضها الظروف عليه.

وبعد ذلك راح يفرج تباعًا عن المعتقلين، ويختار الليل لمقابلتهم في مكتبه في الأركان العامة (وكانت في بوابة الصالحية)، وبعد أن يعتذر له، يوصلهم أحد الضباط إلى بيوتهم.

وبعد أيام من الإفراج عني سرحني من الجامعة مع الأساتذة معروف الدواليبي ورزق الله الأنطاكي ومنير العجلاني «لأننا امتنعنا عن أداء اليمين التي فرضها على الموظفين بعدم ممارسة أي نشاط سياسي وتحريم الانتساب إلى الأحزاب السياسية».

وقرَّرت أن أمارس مهنة المحاماة جديًّا.. فانتقلت بالأسرة إلى حلب.. وافتتحت مكتبًا للمحاماة فيها.. وبسبب قلة القضايا التي كانت تدخل إلى المكتب، كان لدي متسع كبير من الوقت، كنت أقضيه في صحبة المرحوم رشدي.. فقد كان يزورني في مكتبي أو أزوره في بيته. أو نجتمع في مقهى السبيل.. وكنا نقطع الطريق إلى السبيل في الغالب سيرًا على الأقدام، في بعض الأمسيات الحلبية الجميلة.

وقد كان عدد من أعضاء الحزب يجتمعون في بيت أحدنا.. الأستاذ حميد حميد باشا وعبد اللطيف سباهي والدكتور مصطفى عيسى ومصطفى العطار.. وكان الدكتور القدسي يجتمع معنا بين الحين والآخر.. لكنه فاجأنا ذات يوم بأنه لم يعد راغبًا في بذل أي نشاط سياسي، وأنه لا يريد أن «يورطنا في شيء لا يريده لنفسه لذلك فإنه سوف ينقطع عن رؤيتنا.. وانقطع فعلًا.. طيلة حكم الشيشكلي تقريبًا.. غير أنه حضر مؤتمر حمص. كذلك انقطع أحمد قنبر من دون أن يعلن عن شيء.. وغادر الدكتور الدواليبي البلاد إلى المجهول، واتخذ من بيروت مقرًّا له.. ومن هناك كان يعمل على «إسقاط النظام». ونسب إليه وإلى الجماعة التي كان يعمل معها أنهم خططوا لغزو سورية بقوات سورية عراقية.. على أن يبدأ هذا الغزو باحتلال أحد المواقع في شرقي سورية من قبل قوة معارضة للنظام.. ثم تستنجد بالقوات السورية «المعسكرة» في أرض عراقية.. كنوع من غطاء شرعي للعملية.. لكن الغزو وقع من الداخل.. إنما بعد سنوات..

وقد انتقد الدواليبي بعد ذلك على «اتصالاته» بالساسة والعسكريين العراقيين.. وكان يدافع عن نفسه بان تلك الاتصالات كانت ظرفًا طارئًا أملته المقتضيات السياسية للخلاص من الدكتاتورية..

وكانت لنا في هذا الموضوع نظرة مخالفة.

وتجدر الإشارة إلى أن الدكتور فاضل الجمالي كتب رسالة نشرت بتاريخ 29 آذار 1985 تحدَّث فيها عن مؤازرة العراق للساسة السوريين اللاجئين أيام الشيشكلي إلى لبنان.

وجاء في هذه الرسالة أن الدكتور الدواليبي زار بغداد سرًّا عام 1953 واجتمع إليه كرئيس للوزراء، فاقترح عليه الدواليبي أن تضع الحكومة العراقية عددًا من الجنود العراقيين تحت تصرُّفه لكي يدخل بهم سورية فاتحًا لكنا «لم نرغب في زج الجيش العراقي في القضية، تجنبًا للمضاعفات الدولية وحقنًا للدماء». وغادرنا الأستاذ معروف إلى لبنان.. «وكلفنا صالح جبر بالسفر إلى بيروت ليكون على اتصال بإخواننا الساسة السوريين، ويقدِّم لهم العون المادي والأدبي الذي يطلبونه من العراق»[3].

لكن الدواليبي ينفي بشدة قصة سفره إلى العراق.

الحواشي:

[1] كان هذا المقر بناء قديمًا، يقع في الزاوية الجنوبية الغربية من ساحة مديرية الجامعة حاليًّا. وقد هدم وقام مكانه بناء عصري لدار التوليد.

[2] دار الكاتب العربي، دون تاريخ. ولكن بعض الأدباء الذين ذكر أسماءهم، لا يزالون بيننا، مثل الشاعر سليمان العيسى الذي نظم قصيدته في «النظارة».

[3] من مقال الأستاذ غسان الإمام في جريدة الشرق الأوسط التي تصدر في لندن، عدد 29/1/1994.