الفصل العاشر، الجزء 5: التأميم وتعاقب الوزارات وانقلاب 1951
وهذا ما نصَّت عليه المادة 164 من الدستور.
ووجد المتربصون بالحياة المدنية فرصتهم الثمينة في هذا التحويل للاصطياد في المياه الآسنة، والنفخ في بوق عدم شرعية المجلس الجديد، على أساس أن الجمعية التأسيسية انتخبت لوضع دستور.. ويجب أن تنتهي مهمتها فور إقرار هذا الدستور.
ومن الضروري أن نشير إلى أنه لا شيء في الدستور يمنع من تحويل الجمعية التأسيسية إلى مجلس نيابي، طالما أن التحويل يحافظ على المدة الدستورية وهي أربع سنوات، تبدأ منذ انتخاب الجمعية التأسيسية.
وتوجد أمثلة في الفقه الدستوري المقارن على مثل هذا التحويل.
وعلاوة على الناحية النظرية، فإن وضع البلاد في أعقاب ثلاثة انقلابات خلال سنة أو أقل.. والدماء التي تنزف من جراحها.. لم تكن تسمح أبدًا بالدعوة إلى انتخابات جديدة.. سوف تعود في الغالب بنفس الوجوه، إلا إذا لجأت السلطات العامة إلى التزوير..
ويقول فقهاء القانون الدستوري أنه يوجد نوعان من الجمعيات النيابية التأسيسية:
النوع الأول: الجمعية التأسيسية المخصصة، وهي التي أعلن في الدعوة إلى انتخابها عن الغاية منها، وبصورة خاصة سن دستور للبلاد. فهي خصّصت بهذا العمل، فإذا قامت به انتهت مهمتها حكمًا. ويجب العمل على إيجاد الهيئة البديلة، وطالما أنها مخصصة بموضوع انتخابها، فإنها لا يحق لها أن تمارس عملًا تشريعيًّا كسن القوانين، أو عمل رقابة على الحكومة، كالتصويت بالثقة لها، وتقديم أسئلة وتوجيه استجوابات.
والنوع الثاني: الجمعية النيابية التأسيسية العامة، وهي التي لم تحدّد لها مهمة قاصرة على وضع الدستور أو حصر أعمالها بأعمال مذكورة في مرسوم الدعوة إلى انتخابها.
وعلى هذا فإن سلطتها غير محدّدة. فلها أن تضع الدستور، ولها أن تمنح الحكومة ثقتها أو تحجبها، ولها أن تحاسب الوزراء، ويحق لكل هيئة أو عضو فيها توجيه الأسئلة والاستجوابات بحسب قواعد النظام الداخلي.
وقد عرف التشريع المقارن أمثلة كثيرة من هذه الجمعيات النيابية التأسيسية، وبعضها أساء فعلًا ممارسة السلطة أو أفرط فيها. ومن هذه الجمعيات السيئة السمعة، الجمعية التأسيسية الفرنسية عام 1789 والجمعية التأسيسية الفرنسية عام 1848.
أما الجمعية التأسيسية السورية لعام 1950، فإنها لم تكن جمعية تأسيسية مخصصة بوضع الدستور، بل كانت مهمتها عامة. وضعت الدستور، وشكلت الحكومات وحاسبت الوزراء، وسنَّت القوانين. وإذن فهي جمعية تأسيسية لوضع الدستور، ومجلس نواب لممارسة الأعمال النيابية الكاملة، ومنها مراقبة أعمال الحكومة. فإذا تحوَّلت إلى مجلس نيابي فإنما هي تقوم بعمل فوضها الشعب به إلى جانب وضع الدستور، وهو وضع لا غبار عليه من الناحية الدستورية[1].
وبعد تحويل الجمعية التأسيسية إلى مجلس نواب تمَّ انتخاب هاشم الأتاسي رئيسًا للجمهورية بناء على أحكام الدستور الجديد، فقدَّم الدكتور القدسي استقالة وزارته، وكلَّفه الرئيس بتشكيلها من جديد، وصدرت مراسيمها يوم 8 أيلول 1950 من الوزراء السابقين، وأضيف إليهم حسن الحكيم وهاني السباعي وأحمد قنبر وعلي بوظو.
وقد فوجئت هذه الوزارة باعتقال نائب دمشق الدكتور منير العجلاني من قبل النائب العام العسكري، بتهمة التآمر على سلامة الدولة. وقد سبق له أن اعتقل مدة شهر بتهمة اشتراكه باغتيال العقيد محمد ناصر آمر القوى الجوية يوم 31 تموز 1950، ثم أفرج عنه لعدم ثبوت أية علاقة له بالموضوع.
وكان الرأي العام يعتبر أن هذا الاغتيال إنما وقع بقصد خلخلة الوضع في البلاد، والتخلص من ضابط ما كان يريد زج الجيش في السياسة ومتاهاتها.
وقد لوحق المقدم إبراهيم الحسيني والملازم عبد الغني قنوت بتهمة اغتيال العقيد ناصر، وحوكما أمام محكمة عسكرية يرأسها القاضي إسماعيل قولي.. وصدر الحكم ببراءتهما يوم 7/12/1950.
وقد أصبح عبد الغني قنوت وزيرًا في حكومة الوحدة. وسألته ذات مرة عن قصة مقتل محمد ناصر، فنفى بقوة أية علاقة له بالموضوع.
وكان اعتقال الدكتور العجلاني للمرة الثانية، امتحانًا جديدًا لقوة الحكم المدني. فقد سافر العجلاني إلى الأردن في زيارة خاصة. وحين عاد منها، قبض عليه القضاء العسكري بزعم أنه كان في حالة جريمة مشهودة، وأن المجلس النيابي لم يكن في حالة انعقاد. لذلك فإن توقيفه لا يحتاج إلى رفع الحصانة عنه، وبذلك بدأت معركة مكشوفة بين المدنيين والحكم العسكري.
وقد وجه الدكتور العجلاني رسالة إلى مجلس النواب جاء فيها: «لقد أوقفت من قبل الشرطة العسكرية صباح يوم الأربعاء الماضي بطريقة غير مألوفة. وبعد أن حقق النائب العام معي وطال التحقيق في مركز الشرطة العسكرية ساقوني إلى سجن المزة حيث استؤنف التحقيق معي من غير أن أبلغ أية مذكرة توقيف.. بتهمة التآمر على سلامة الدولة. وتلك مؤامرة مدبرة من بعض الموظفين في المكتب الثاني (المخابرات العامة) ضدي وضد مواقفي في الدفاع عن ضرورة تغيير الاتجاه السياسي في بلادنا، إلى التقارب مع العراق والأردن، مستغلين زيارتي إلى عمان لتراكيب أقرب من الخيال. فإذا تفضلتم بمقابلتي أو انتخبتم لجنة تحقيق فإني أحرص أن يكون الدكتور عبد الوهاب حومد أحد أعضائها..». يوم السبت 20 أيلول 1950.
وقام النواب في المجلس يتساءلون عن السبب والمقصد من هذا التوقيف، في عدة جلسات عقدت لهذا الموضوع بالذات، بعد أن أصبح للبلاد دستور ورئيس جمهورية تمَّ انتخابه فور إعلان الدستور في 5 أيلول 1950، هو فخامة الرئيس هاشم الأتاسي[2].
وقد دافع الدكتور القدسي عن القضاء العسكري حرصًا على استقلاله، ولم يكن دفاعه هذا ليتسم بالإنصاف. وطال الجدل وتكلَّم الدكتور معروف الدواليبي مطولًا، كما تكلَّم النائب حسني البرازي، وتكلَّمت أنا، وقد أثنيت على الدكتور العجلاني، كما أثنى عليه الدكتور الدواليبي واقترحت تشكيل لجنة دستورية من قبل المجلس تدرس الموضوع من ناحيته الدستورية والموضوعية وترفع إليه تقريرها، فوافق المجلس بالإجماع، وتمَّ تشكيل اللجنة كما يلي:
عبد الوهاب حومد، محمد الجيرودي، رئيف الملقي، عبد السلام حيدر، فيضي الأتاسي، عبد الرحمن العظم، جلال السيد، جميل عبد الله، محمد المبارك، إحسان الحصني، عصام المحايري، أي أن اللجنة المذكورة ضمَّت جميع الاتجاهات في المجلس.
وقد انتدبتني اللجنة لكي أقابل الدكتور العجلاني في سجن المزة. فذهبت إليه بمفردي، وطلبت من مدير السجن أن أختلي به بوصفي محققًا والتحقيق سري، فأصرَّ على الجلوس معنا، فقلت له إذا أصررت على رأيك، فإني سوف أمتنع عن متابعة مهمتي وأرفع الأمر إلى رئاسة المجلس.. فخرج قليلًا ليتصل برؤسائه. وعاد ليعلمني بأنه منسحب من المقابلة.
وجلست مع زميلي الأستاذ الجامعي وتباسطنا في القول، وسألته عن التهمة وأجابني بما رآه دفاعًا.. وودعته بالقبلات، لأنني وجدت التهمة من أساسها كلامًا فارغًا.. وأن النيابة العامة العسكرية «جعلت من الحبة قبة» ثم طلبت عقد جلسة سرية، فوافق المجلس.. واجتمعنا في اللجنة الخاصة.. وعرضت على الأعضاء ملاحظاتي، ووضعنا تقريرًا بإجماع آرائنا يتضمَّن مسألتين:
الأولى: أن التوقيف دستوري من حيث الشكل، لأن النائب لا يتمتَّع بالحصانة في حالة الجرم المشهود، كما أنه لا يتمتَّع بها في غير فترات اجتماع المجلس. ويجب إعلام المجلس بذلك على الفور (المادة 45 من الدستور).
الثانية: ضرورة الإفراج عن العجلاني، لأن التهمة الموجهة إليه تفتقر إلى أدلة.. والأدلة المقدمة ضده، هي مداهمته في بيت في حي الجسر الأبيض ليلًا مع ابن شقيقته ودلال العقارات وأحد الصحفيين الصغار.
وقد ثبت عليه أنه دفع خمس ليرات ذهبية للصحفي. لكن هل يعني هذا الدفع أنه في سبيل التآمر على سلامة الدولة؟ لا ريب أن الذي «يتآمر» من أجل خمس ليرات لا يكون من الناس المحترمين الذين يستطيعون التأثير في مجرى الأحداث العامة.
وشراح قانون العقوبات يعرفون المؤامرة تعريفًا لا يمكن أن يقع تحت طائلته اجتماع قريبين ودلال عقارات، من دون أي دليل آخر.
وشرحت لأعضاء المجلس في الجلسة السرية رأيي من الناحية الدستورية (والقانونية أيضًا) كما تطرقت إلى «التهم» من الناحية الموضوعية، واقترحت أن يتخذ المجلس قرارًا بالإفراج عنه.. فاتخذ القرار.. وتمَّ الإفراج عن «المتهم» وعاد إلى عمله النيابي وانطفأت القضية.. لا تهمة ولا محاكمة ولا إدانة ولا براءة ولا ما يحزنون.
وليس عندي ذرة من شك في أن توقيفه كان عملًا عدوانيًّا ضد الحكم المدني، يقع في سلسلة الاستفزازات التي انتهت إلى استيلاء الشيشكلي على الحكم بعد انقلابه على السلطة الدستورية المدنية.
وتكهرب الجو العام في هذه الأيام، حين أطلقت النار على أديب الشيشكلي في ضاحية دمر، فجر الحادي والعشرين من تشرين الأول 1950.
غير أنه لم يصب بأذى، وتمَّ القبض على الفاعلين، فتبين أنهم مصريان لاجئان إلى سورية (حسين توفيق الإرهابي المعروف وعبد القادر عامر) وعراقي (عباس الخرسان وهو طالب في كلية الحقوق بدمشق) وفلسطيني (زهير يوسف).
وقد قامت حكومة الدكتور القدسي بإنجاز عمل كبير هو تأميم مؤسسات الكهرباء والحافلات والمياه. فقد تقدَّمت إلى مجلس النواب بمشروع قانون بتاريخ 16/9/1951 بشأن هذا التأميم. وكان الوزير المحرك لهذا القانون أحمد قنبر، وزير الأشغال العامة الذي تدخل هذه المؤسسات تحت إشراف وزارته[3].
وقد دعا رئيس الوزراء أعضاء الحكومة إلى اجتماع طارئ في دار الحكومة يوم 25 كانون الأول 1951 (وهو عطلة عيد الميلاد)، وأعرب عن بهجته بتقديم مشروع قانون التأميم المذكور، وسأل الوزراء: هل لديكم اقتراحات من هذا النوع؟ فأجابه الأستاذ أحمد قنبر، نعم لدي خمس مفاجآت أودُّ الفصل فيها، إنقاذًا لمصلحة الدولة المنهوبة، وحفاظًا على ما تبقَّى من كرامة في نفوس بعض الموظفين.
وبعد أن شرح رأيه في خمسة رسوم مطبقة، أفسدت الموظفين والمواطنين، طلب إلغاءها واستبدال ضريبة أخرى بها، هذه الرسوم هي:
1. رسم الدخولية، الذي يفرض حزامًا على المدن، يقوم على حراسته موظفون يجبون الرسوم للبلدية، وتبدأ المساومات وإبرام الصفقات على حساب خزينة الدولة، فتمر سيارات السمسم على اعتبار أنها بصل.. لكيلا تدفع الرسوم الصحيحة.. مقابل رشوات مخلة.
2. رسم القبان، فقد كانت البلديات تطرح تلزيم هذا الرسم في مطلع كل عام للمزايدة. وكان الذين يتعاملون بما يسمونه «مال القبان» ملزمون بتأدية رسم «الوزن الإجباري». وكان التعامل مهينًا لصاحب البضاعة وللملتزم على حد سواء.
3. رسم الباج، والباج كلمة فرنسية أصلها Péage وهو رسم يفرض على بيع الحيوانات. وتعرضه البلديات كل عام في زاد علني ليتعهَّده مَن يدفع أكثر. وكان فرضه وتحصيله مزعجين جدًّا.
4. الكيل، وهو يشبه رسم القبان.
5. رسم الإنتاج الزراعي، ويجبى بنفس الأسلوب والطريقة التي يجبى بها رسم الدخولية. لكنه يجبى لمصلحة وزارة المالية.
وقد وافق مجلس الوزراء على هذا الإلغاء، ووضعت مشاريع القوانين الضرورية لإلغاء هذه الرسوم وإنقاذ كرامات المواطنين، وحماية مال الدولة.
وحين طرح موضوع تأميم الشركات الأجنبية المذكورة على مجلس النواب تحرَّكت النخوة القومية في كل رأس، وكانت جلسة 22 كانون الثاني 1951 جلسة تاريخية، وقد تكلَّم في هذه الجلسة النائب الشعبي الدكتور محمد العاشوري فقال: «بعد أن تحرَّرت البلاد من الاستعمار السياسي أصبح الخلاص من الشركات الأجنبية حلمًا يراود خيالات كل شخص من السوريين.. وهذا المشروع المقدم من الحكومة من شأنه أن يحرر البلاد من الاستعمار الاقتصادي».
وأيَّد المشرع حسن الحكيم من حيث المبدأ، لكنه طالب بإرجائه إلى دورة قادمة «لأن الموضوع خطير وخطير جدًّا يحتاج إلى الكثير من الدرس والتمحيص..» كما يقال!
وشكَّك حسني البرازي في إمكانية نجاحه من الناحية «الفنية والمالية». لكن الكثرة الساحقة من النواب أيَّدته..
فقد أيَّده عبد اللطيف السباهي (نائب شعبي عن حلب)، وقال: «إنه لمَن نافلة القول التأكيد على ضرورة الخلاص من الاستعمار الاقتصادي كما تخلصنا من الاستعمار السياسي. والدستور الذي أقررناه تقدمي يهدف إلى إقامة اشتراكية من جملة أهدافها تأميم الشركات الأجنبية والوطنية.. وأودُّ أن أؤكِّد للمتشككين أن 99% من العمال والموظفين الفنيين في شركتي دمشق وحلب هم من السوريين..».
وتكلَّمت أنا فقلت:
«إن هذا المشروع هو إعراب عن رغبة ملحة في نفس الشعب السوري، وأننا في إقدامنا على هذه الخطوة الجريئة إنما ننفذ نصًّا في دستورنا الجديد، ونريد أن نرسلها أمنية غالية وفكرة مجيدة تنتقل بالعدوى لتحرير بقية الشعوب العربية.
وفكرة التأميم ليست قاصرة على البلاد الشيوعية، فقد نفذت إلى البلاد الرأسمالية نفسها، وخاصة منذ الحرب العالمية الثانية.. وطبقتها إنكلترا.. وتبعتها فرنسا. ونحن نريد أن تكون وسائل الإنتاج ملكًا للشعب وفي يده».
وتكلَّم صاحب المشروع الأستاذ أحمد قنبر وزير الأشغال العامة فشكر النواب على تأييدهم للمشروع، وقال:
«إن الماء والهواء والنور لا يجوز بحال من الأحوال أن تكون موضع استثمار واستغلال.. لأنه لا يمكن أن يستغني عنها كائن حي.. وقدرت الحكومة أنه من الناحية الاقتصادية يجب أن تؤمم العناصر الضرورية للحياة.. ونحن قد كفلنا حقوق المالكين الأجانب. وإني أصرِّح باسم الحكومة بأن هذه المشاريع المؤممة ليست لها أية صفة سياسية.. بل هي مشاريع استثمار تجارية فقط»[4].
وكان رشدي الكيخيا يدير جلسة المجلس بكفاءته المعهودة. لذلك لم يتكلَّم. غير أنه كان يعتمد إعطاء الكلام للنواب المعروفين بتقدميتهم، من دون أن يطلبوه.. وهذه خطة درج عليها منذ توليه سدّة الرئاسة، لأنه كان يعرف كل نائب واتجاهاته، سواء أكان شعبيًّا أم من خارج حزب الشعب.
وقد أقرَّ مجلس النواب مشاريع القوانين، وبذلك تخلَّصت البلاد من استغلال الشركات الأجنبية وجشعها وتدخلها في سياسة البلاد.
وسوف يعود الأستاذ أحمد قنبر مجدّدًا بعد أربع سنوات إلى الوزارة ويعمل بكل إخلاصه على تأميم «مواعين أبو هاني» في مرفأ اللاذقية.
وبعد ذلك أمَّمت الحكومة إدارة حصر التبغ والتنباك (الريجي) بمسعى مباشر من قبل النائب الشعبي وزير المالية شاكر العاص.
وقد عمَّت البهجة البلاد لحدوث هذه التأميمات. غير أن المتضرِّرين الأجانب لم يكونوا نائمين فلم يستسلموا للأمر الواقع.
فقد حضر في هذه الأثناء من فرنسا المسيو بويسون المدير العام للمصرف السوري الذي كان يقوم بوظيفة التمويل والإصدار معًا، وراح يقوم باتصالات واسعة في مختلف المحافل المالية والسياسية. وكانت دعايته قائمة على أن شركته أجنبية غير خاضعة لإشراف الدولة السورية، وبالتالي فلا يجوز تأميمها من جانب واحد، ولا بدّ من إجراء مفاوضات بين الفريقين الفرنسي (المالك) والسوري (الذي يريد أن يمتلك)..
كذلك حضر من باريس المدير العام لشركة كهرباء حلب (المؤممة) وحضر من بروكسل المدير العام لشركة كهرباء دمشق (المؤممة) في الوقت نفسه، وانضما إلى المسيو بويسون من أجل زعزعة موقف الحكومة وحملها على التراجع عن التأميم. لكنهم جميعًا اصطدموا بجدار منيع من الرفض، على الرغم من كل ما أشيع عن «إكراميات» و«أعطيات».
وبعد أن اطمأنَّ رئيس الوزارة الدكتور القدسي إلى نجاح عمليات التأميم سافر إلى القاهرة، حيث قدَّم مذكرته الشهيرة إلى الجامعة العربية من أجل إقامة اتحاد عربي[5]. وقد ردَّت مصر والسعودية على مشروع القدسي بمشروعهما المشترك المعروف. فلما عاد إلى دمشق، استقبله بعض النواب الذين يعملون مع ضباط الانقلاب بهجوم قبيح... من دون أن يعرف أحد له سببًا ظاهرًا. لكن البواعث الخفية لم تكن مستورة عن الأعين البصيرة. والمعروف عن القدسي أنه طيب، ومسالم ولا يحب المواجهة، فرأى أن خير ما يعمله هو أن يطرح الثقة بحكومته... وثارت ثائرة النواب الناقمين، لأنهم لا يستطيعون أن يصوتوا ضد الحكومة ويسقطوه لأنها تقدَّمت بمشروعها القومي الذي اتخذ أبعادًا إيجابية في كل المحافل السياسية، خشية أن يتعرَّضوا لفضيحة كبرى.. لذلك عملوا بكل قواهم على أن يسحب الدكتور القدسي قراره بطرح الثقة فاستجاب لهذه الرغبة.. غير أن الضغط النفسي على رئيس الوزراء بقي مستمرًا. وخشي أن يكون سببًا في انقلاب جديد، فقدَّم استقالة حكومته يوم 27 آذار 1951 فجيء بخالد العظم إلى رئاسة الوزارة في نفس اليوم للمرة الثانية في هذه الفترة القلقة.
ومن ذكرياتي الشخصية عن هذه الوزارة أن الشيشكلي أتى بخالد العظم وفرضه على النواب بالتهديد والوعيد، وقد كنت جالسًا مرة في مقهى الروضة الواقع في مواجهة مجلس النواب، وكان الجالسون بين مدخن للنرجيلة أو لاعب بالنرد، وإذا بهدوء عميق يلف المقهى من أدناه إلى أقصاه. فنظرت فإذا بضابط يقف في الباب وفي يده ورقة كان يقرأ منها أسماء النواب حتى بلغ عدد الأسماء ثلاثة عشر، وأفهمهم بأنهم مطلوبون في الحال إلى الأركان. فنهض من كان حاضرًا منهم ومشى على استحياء، يجر خلفه ذيل عباءته إلى «الباص العسكري» الواقف على محاذاة رصيف المقهى.. وعادوا في المساء على «قناعة تامة بأن وزارة العظم تستأهل الثقة بها»!
وتجدر الإشارة إلى أن قانون التأميم نفذ يوم 5 آذار 1951. وعلى هذا فتكون الحكومة قد استقالت بعد تنفيذ التأميم بثلاثة أسابيع فقط. وقد ترامى إلى مسامعي في تلك الأيام حديث يستحقُّ أن يروى، خلاصته أن ستة عقداء من الجيش ذهبوا إلى رئيس الوزارة الدكتور القدسي، وذلك قبل أن تستحكم جذور الشيشكلي في الجيش، وقالوا له: نحن قادرون على اقتلاعه حتى من دون إراقة قطرة من دم. لكنا نريد غطاء شرعيًّا لعملنا، هو أن يصدر عن الحكومة مرسوم بتسريحه.. ويقال إن الدكتور القدسي ألقى فيهم موعظة مطولة هي أنه يريد للجيش أن يكون موحدًا وأنه لن يقدم على عمل من شأنه أن يتسبَّب في تمزيق وحدته والعدو قابع على الحدود، يعد علينا حركاتنا وسكناتنا.. وخرج الضباط يجرون أذيال الخيبة. ثم استفرد بهم الشيشكلي وبعثرهم تحت كل كوكب.. وبذلك ضاعت فرصة ثمينة على البلاد.. وقد كتب راشد كيلاني في مذكراته عما تمَّ بعد ذلك فقال:
«سلم الشيشكلي قيادات الجيش إلى أعوانه من الضباط الشباب.. لكن خطيئته الكبرى هي تركه هؤلاء الضباط يتدخلون في العمل السياسي بل وينغمسون فيه إلى أخمص أقدامهم»[6].
ولم يطل العهد بخالد العظم، فأرغم على تقديم استقالته. وبذلك عادت أزمة تشكيل حكومة يرضى عنها الانقلابيون إلى الظهور.. وهنا اتجهت الأنظار إلى رجل حيادي غير حزبي هو الأستاذ حسن الحكيم. فكلفه رئيس الجمهورية بتشكيل حكومة جديدة، فوافق على أن تطلق يده في اختيار الوزراء. وكان له ما أراد، وشكل حكومته يوم 19 آب 1951.
وقد دخلت الوزارة لأول مرة فيها، ووسدت إليَّ مهام وزارة المعارف. وأريد أن أستسنح هذه المناسبة لأشيد بموقف الرئيس الأتاسي الحازم والعادل حين توزيع الحقائب الوزارية.
فقد أثنى علي في جلسة مجلس الوزراء الأولى التي تمَّ فيها توزيع الحقائب الوزارية. ونعتني بأني ابن المعارف، وأستاذ في الجامعة، لذلك فإنني خير من يتولاها.. وهنا اعترض الأستاذ محمد المبارك، وقال: «نحن» نريد المعارف، ليس اعتراضًا على الأستاذ حومد لكن لتحقيق مثلنا في الحكم.. وانفجر الرئيس في وجهه، وقال له: أنتم متهمون في حيادكم، والأستاذ حومد معروف باعتداله وتمسُّكه بالدين.. ولذلك سوف يتولَّى المعارف من أجل صالح الأجيال.
وانسحب المبارك، ثم استرضي وتمَّ تشكيل الوزارة كما أرادها الرئيس. وفي مدة هذه الوزارة أرسلت أكثر من مئتي موفد إلى الجامعات الأجنبية.
وقد جرت المسابقات في مراكز المحافظات، وتمَّ اختيار الموفدين من كل محافظة بحسب عدد سكانها، وكان هذا الإجراء رحمة لكل مَن ليس له مَن «يحميه» إلا كفاءته. وأخذا بيد أبناء المحافظات إلى الدراسات العليا.
وإذا كانت الأمانة تقتضي نسبة الفضل إلى ذويه، فإن رشدي الكيخيا كان أثار موضوع البعثات العلمية وطالب بحصرها بالمسابقات العامة، وتقسيمها على المحافظات في جلسة 7 كانون الثاني 1948 أثناء مناقشة للميزانية العامة. فقد انتقد سلوك وزارة المعارف التي لجأت في العام الماضي إلى إيفاد بعثة بالانتقاء من بين المحظوظين، ولاحظ بمرارة:
«بأننا رأينا بأن البعثة التي أرسلت في العام الماضي إلى أوربا لم يكن فيها سوى بضعة طلاب من أبناء المحافظات. أما الكثرة الكاثرة فكانت من دمشق. ومثل هذا التصرُّف يخلق تباينًا كبيرًا بين أبناء الوطن الواحد: هنا نسبة كبيرة من حملة الشهادات العليا، وهناك مستوى متدن من المدرسين والأساتذة. لذلك فنحن نحرص على أن يكون المستوى الثقافي في العهد الاستقلالي واحدًا في جميع أرجاء الوطن، ونطالب بقوة من وزير المعارف أن يعمد في المستقبل إلى طريقة المسابقة وتوزيع الكراسي على المحافظات، وبهذا يتحقَّق العدل والإنصاف بين الجميع».
وقد أيَّده في هذه المطالبة الحقة أحمد قنبر وانتقد بشدة «الوساطات والقرابات والصداقات» التي يتمُّ على أساسها الإيفاد.
ومن أسف أن وزير المعارف منير العجلاني وجد في هذه المطالبة التي ظفرت بموافقة كبرى في أوساط النواب نوعًا من «الحديث الإقليمي. غير أن الكيخيا ردَّ عليه مؤكِّدًا أنه «لا يثير موضوع البعثات من وجهة نظر محلية أو إقليمية، لكن لكي يشعر كل إنسان في هذا الوطن بالمساواة التامة مع سائر المواطنين»[7].
وفي هذه الجلسة طالب نائب دمشق ورئيس حزب الشعب نسيب البكري أن يحاط المجلس علمًا بأوجه صرف الإعانة التي تقدِّمها الدولة إلى جامعة دمشق «لأنها أموال تقتطع من الضرائب التي يدفعها الشعب».
وكان زملائي في هذه الوزارة:
فيضي الأتاسي (خارجية) وفتح الله أسيون (من حلب للصحة) وشاكر العاص (للاقتصاد الوطني) والزعيم فوزي سلو (للدفاع الوطني) ورشاد برمدا (للداخلية) وحامد الخوجة (للأشغال العامة) وعبد العزيز حسن بك (للعدل).
وقد كنا نعمل في انسجام تام.. لكن كنا شاعرين بأن الوضع العام في غاية القلق. لذلك لم نكن نلامس السياسة الخارجية إلا بحذر تام، خشية الاصطدام بالزعيم سلو الذي كان لا يهتم إلا بسلامة الانقلاب.
وقد توفي بعض زملائي في الوزارة رحمة الله عليهم، وما زلت أرى إلى اليوم بعض مَن بقي منهم على قيد الحياة.
وقد فوجئت حكومتنا بإضراب قام به مدرسون في ثانويات دمشق بحجّة قلّة رواتبهم. ولم يكن في مقدور الدولة أن تدفع لموظفيها مرتبات أكثر مما تدفع، إلا إذا فرضت ضرائب جديدة، ولم يكن ذلك سهلًا في تلك الظروف الصعبة، التي كان من الواجب فيها إعطاء الأولوية إلى إعادة تسليح الجيش الذي تضعضع في حرب فلسطين.
وتذاكرت الحكومة في موضوع هذا الإضراب، وبذلت من جهتي كل ما لدي من طاقة لإقناع المدرسين المضربين للتخلِّي عن الإضراب، باعتباري زميلًا لهم في المهنة ووزيرهم في نفس الوقت. لكن كل المساعي ذهبت أدراج الرياح.
وتجاه هذا العناد غير البريء أصدر مجلس النواب القانون رقم 137 تاريخ 8/10/1951.
وتنصُّ المادة 1 على «حق مجلس الوزراء بتسريح كل موظف أو مستخدم ينقطع عن عمله بقصد الإضراب الكلي أو الجزئي».
ونصَّت المادة 2 و3 على جواز إملاء الشواغر من دون مسابقة، وعدم جواز إعادة المضربين إلى الوظيفة في أي دائرة من دوائر الدولة.
وعاد المدرسون المضربون إلى أعمالهم في الحال وانطفأت نيران الفتنة.
وقد استقالت حكومتنا إثر خلاف حاد بين رئيس الوزراء حسن الحكيم وبين فيضي الأتاسي وزير الخارجية إثر إلقائه خطابًا في مجلس النواب، هاجم فيه الأحلاف العسكرية الغربية بشدة.
ولا بأس من وقفة عند هذه الاستقالة للكشف عن دوافعها وإبراز موقف حزب الشعب من مسألة الأحلاف.
فقد دعا رئيس الوزراء الحكومة إلى عقد اجتماع وزاري مستعجل في صباح 23 تشرين الأول 1951 على غير العادة. وحضر وزير الخارجية متأخرًا واعتذر بأنه كان مع سفير غربي، وكانت في يده بعض الأوراق المتفرّقة.. وقال إنه يود أن يلقي كلمة في مجلس النواب هذا المساء.. فخشي رئيس الوزراء أن تكون الكلمة في السياسة الدولية، وسأله هل هي مكتوبة؟ فقال الوزير.. عندي بعض رؤوس أقلام.
وكان رئيس الوزراء هاشمي الهوى، ميالًا إلى المعسكر الغربي.. ولم يكن يخفي هذين الميلين.. وحدثني مرة قائلًا إنه فعلًا قانع باتجاهه نحو آل البيت أي الهاشميين، لكنه لا يتبنَّى الاتجاه الغربي عن قناعة، وإنما خشية من أذى الدول الكبرى.. أي أنه ميل سياسي.. أساسه الخوف من نقمة هذه الدول المستعمرة.
وكانت جلسة مجلس النواب ستعقد في ذات المساء بناء على قرار من حزب الشعب لمناقشة الحكومة في سياستها الخارجية.
وكان الداعي إلى طلب عقد هذه الجلسة أن القائم بأعمال السفارة الأميركية بدمشق ووزير فرنسا المفوض زارا يوم 13/10/1951 وزير الخارجية بناء على طلب من حكومتيهما، وأبلغاه أن الدول الغربية ترى أن الدفاع عن أمن الشرق الأوسط حيوي جدًّا لأمن العالم الحر. وهذا الدفاع لا يمكن أن يستقيم أمره إلا بمشاركة دول الشرق الأوسط نفسها والدول الغربية. لذلك قرَّرت هذه الدول إنشاء قيادة حليفة من أجل الدفاع عن هذه المنطقة، وأن أميركا وبريطانيا وفرنسا على استعداد للاشتراك فيها. وبعد أيام زاره وزير تركيا المفوض وأبلغه نفس المعلومات. وكان مقر الحلف المذكور بغداد، لهذا سمِّي باسم «حلف بغداد».
وقد انضمَّت إليه إيران (في عهد الشاه الذي خلع)[8]، وباكستان. ولم تطلب هذه الدول من سورية جوابًا. غير أن الأحزاب السياسية عمومًا كانت ترفض فكرة الانضمام إلى الأحلاف الدولية. وكان هذا هو بالقطع موقف حزب الشعب. «وحين عرض الموضوع على مجلس الوزراء لم يتخذ فيه قرارًا كما يقول الرئيس الحكيم في مذكراته.. ذلك أن الدول الغربية لم تفعل أكثر من تسليمنا المذكرة التي سلمتها إلى الحكومة المصرية في هذا الموضوع من دون أن تطلب عليها جوابًا»[9].
وحين تباحث مجلس الوزراء في أمر هذه المذكرات لم يتخذ بشأنها أي قرار. لكن كان معروفًا أن البلاد لا ترضى الانضمام إلى الأحلاف.
وقد عقد مجلس النواب جلسة بناء على طلب نواب حزب الشعب لسماع بيان من الحكومة حول السياسة الخارجية.. وألقى وزير الخارجية بيانًا مطولًا هاجم فيه الدفاع المشترك واستنكره.. وهنا ثار رئيس الوزراء وأصدر أمرًا بقطع إذاعة الخطاب من الإذاعة.. وطلب الكلام وأعلن على الملأ: «أن هذا البيان لا يعبر عن رأي الحكومة». وفي الحال أعلن عن استقالة الحكومة «لأنني لم أشهد من أحد من أعضاء حزب الشعب استنكارًا لما حدث. وفي هذا ما فيه من معنى، لذلك قدَّمت استقالتي»[10].
والحقيقة أنه لم يكن في الأمر معان.. كل ما في الأمر أننا فعلًا ضد الأحلاف الخارجية.
وإلى موقف مماثل عن وقوف حزب الشعب ضد الأحلاف يشير الدكتور معروف الدواليبي في حديث له إلى جريدة الأيام بعد عدة سنوات قائلًا:
«لقد رفضت مشروع الدفاع المشترك عام 1951 وكلفت وزير الخارجية بإعلان قرار الحزب في مجلس النواب.. وقد وقع الانقلاب على حكومتنا بسبب شجبها الأحلاف العسكرية»[11].
وقدَّم حسن الحكيم استقالة الحكومة رسميًّا وقبلت فورًا وشكل معروف الدواليبي «وزارة حرب» - كما سمّوها - يوم 28 تشرين الثاني 1951 واحتفظ لنفسه بوزارة الدفاع أيضًا. ودخل فيها أحمد قنبر وزيرًا للداخلية.. وكان الإعلان عن هذه الحكومة الشرارة التي أشعلت النار في معسكر الشيشكلي، لأن أحدًا لم يأخذ رأيه في تشكيلها. وحين ذهب الشيشكلي إلى رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي ليعلمه بعدم رضاه عن هذه الحكومة، أغلظ له الرئيس القول على ما يقال. وقد حدثني من سمع المناقشة أن الرئيس قال له: أخرج فأنا لا أهين هذه الشيبة من أجل ابن حسن آغا. فخرج من عنده وفي نفسه أمر..
وقد كتبت جريدة السياسة الكويتية في دراستها عن الانقلابات العسكرية السورية ما يلي[12]:
«والدواليبي مرشح جيد لعدة أسباب، فهو أحد أعضاء حزب الشعب لكنه لا يميل إلى الهاشميين. وهذا ما ضمن له رأي المسلمين المحافظين. وقد نادى بالإصلاح الزراعي وتوسيع التسهيلات التربوية وإعادة توزيع الثروة. وهذا ما جعله في طليعة التقدميين. وقد تبنَّى الحياد، وهو من أوائل الذين طالبوا بإقامة ميثاق عدم اعتداء مع روسيا وشراء السلاح من الشرق لكسر احتكار السلاح الغربي.. وقد وصفته الصحافة الأميركية بأنه أكبر زعيم عربي معاد للأميركان.. وفي داخل البلد عارض تدخل الجيش في السياسة. وعلى هذا الأساس فقد أمسك زمام وزارة الدفاع بنفسه، وأعطى حزب الشعب حصة الأسد في المراكز الوزارية الأخرى[13].
وحذر الشيشكلي الدواليبي بأن القائمة الوزارية التي قدَّمها ليست مقبولة.. لكن الدواليبي لم يرضَ بأي تسوية، وهكذا تمرَّد الشيشكلي واعتقل جميع أعضاء الوزارة الجديدة وأعضاء حزب الشعب النشيطين ونوابه في البرلمان».
وانقضَّ الشيشكلي على الحكم المدني ليلًا، لأنه شعر أنه سوف يجرّد من كل شيء لو تمكَّنت الحكومة من أسباب الحياة إلى الصباح.
وهكذا لم تدم وزارة هذا المقاتل العنيد، الذي أراد أن يبعد الجيش عن السياسة إلا أقل من 24 ساعة.
ومما تجدر الإشارة إليه أن تكليف الدواليبي برئاسة الحكومة كان من جهة تشريفًا للطبقة الشعبية التي انطلقنا من أحشائها. لكنه كان يعني أيضًا انتهاء احتكار الرئاسات من قبل أبناء العائلات القديمة.
الحواشي:
[1] للتوسُّع انظر: الدكتور محسن خليل، القانون الدستوري والنظم السياسية، القاهرة 1987، وكتاب الأستاذ Burdeau وعنوانه Droit Constitutionnel، الطبعة 20، باريس 1984.
[2] جلسات 1 تشرين الأول 1950، ص43 وما يليها من محاضر مجلس النواب؛ و1 تشرين الأول 1950، ص57 وما يليها؛ و2 تشرين الأول 1950، ص69 و3 تشرين الأول 1950، ص88؛ وجلسة 23 تشرين الأول 1950.
[3] نص المشروع في محاضر مذكرات مجلس النواب، جلسة 22 كانون الثاني 1951، ص1282 وما يليها.
[4] المناقشات المطوّلة والمثمرة في محضر جلسة 22 كانون الثاني 1951، ص1282. وما يليها، وجلسة 29 كانون الثاني 1951، ص1416 وما يليها.
[5] انظر: النص الكامل للمشروع من الملحق رقم 6.
[6] المذكرات، ص118.
[7] انظر: تفاصيل المناقشات في الجلسة المذكورة، وخاصة الصفحات 580-587 في مذكرات مجلس النواب لعام 1948.
[8] انتهى عهد الشاه باستيلاء آية الله الخميني وجماعة رجال الدين على الحكم في إيران، واضطر الشاه إلى مغادرة البلاد مطرودًا هاربًا في 26/1/1979. وقد تخلَّى عنه حلفاؤه، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، فلم تقبله لاجئًا لديها، وظلَّ يتنقَّل من بلد إلى بلد مكرهًا محرومًا من الاستقرار، حتى آواه أنور السادات في مصر حيث مات يوم 27 تموز 1980 وكانت حياته ووفاته عبرة لمَن يريد أن يعتبر.
انظر كتاب وليم شوكروس «رحلة الشاه الأخيرة»، ترجمة دار الأهالي، دمشق 1992.
[9] راجع نص المذكرة الغربية المتضمنة بنود الدفاع المشترك في كتاب حسن الحكيم «خبراتي في الحكم»، ص145.
[10] المذكرات، ج2، ص66.
[11] جريدة الأيام الدمشقية عدد 24 أيلول 1957.
ومع ذلك فإني أودُّ أن ألاحظ أن وزارة الدكتور الدواليبي الأولى، لم تعش إلا أقل من 24 ساعة، ولم تصل إلى مجلس النواب.
[12] عدد 15/10/1989.
[13] في هذه الوزارة من الشعبيين إضافة إلى رئيسها الدواليبي: هاني السباعي وأحمد قنبر وشاكر العاص وعلي بوظو ومحمد الشواف وجورج شاهين ومحمد المبارك عن الإخوان المسلمين وعبد الرحمن العظم ومنير العجلاني عن المستقلين.