الفصل الحادي عشر، الجزء 1: عودة الشرعية بعد سقوط الشيشكلي
حضر من دمشق إلى حمص رئيس الأركان العامة الزعيم شوكت شقير، واتجه فور وصوله إلى بيت الرئيس الأتاسي. وكنا جميعنا هناك.. وكانت الردهة الواسعة تغص بمن فيها لكثرتهم.. وهناك أبصرت الدكتور الدواليبي القادم من بيروت، بعد طول افتراق وناظم القدسي الذي اعتزل السياسة وأحمد قنبر، ومجموعة الأصحاب القدامى.
وأخذ الكلام رئيس الأركان في حضورنا فقال: إن الجيش قرَّر اعتزال كل عمل سياسي، لأن السياسة فرقته ولم تعد على نظامه بالخير، وإنه يضع مقدرات البلاد بين أيدي زعمائها لكي يتصرَّفوا بما يفرضه عليهم شعورهم بالمسؤولية. والجيش منذ هذه اللحظة يضع نفسه في مكانه الطبيعي، وهو الدفاع عن البلاد ويمتثل لأمر السلطة المدنية ويخضع لقرارات القادة السياسيين.
وتكلَّم الرئيس الأتاسي مقدرًا للجيش والقوات المسلحة شعورها بالمسؤولية وقال إن الضباط والأفراد فيها هم فلذات أكبادنا وعماد الدفاع عن سلامة الوطن وكرامته، وأنه يسجل قول رئيس الأركان كوعد من الجيش بالتزام حدوده المشروعة ولا يتعداها.
وعلى الأثر قام عدد من كبار الساسة منهم رشدي الكيخيا وناظم القدسي وصبري العسلي وميشيل عفلق وأكرم الحوراني وعدنان الأتاسي، ابن صاحب الدار، يتقدَّمهم الرئيس الأتاسي واختلوا في غرفة جانبية، من دون أن يكون رئيس الأركان معهم.. وبقوا فترة تزيد عن الساعتين.
فماذا تمَّ في هذه الخلوة التاريخية؟
لقد تحدَّث الرئيس إلى المجتمعين بعد انفضاض الجلسة السرية، وقال إن القادة اتفقوا في خلوتهم على مسائل يريدون موافقتكم عليها وهي:
1. عودة الحياة الدستورية إلى ما كانت عليه قبل قيام أديب الشيشكلي بانقلابه الثاني على الحكم المدني يوم 29 تشرين الثاني 1951، وهذا يعني:
أ. عودة رئيس الجمهورية إلى منصبه لإكمال مدة رئاسته.
ب. عودة المجلس النيابي إلى ممارسة صلاحياته، من دون أن يكون لأعضائه حق في تقاضي أية مرتبات عن المدة السابقة.
2. اعتبار عهد الشيشكلي اغتصابًا للسلطة غير مشروع، وبالتالي محاكمته ومحاكمة الذين ساهموا معه في إقامة ذلك العهد واستمراره.
3. التأكيد على وجوب بقاء الجيش بعيدًا عن التيارات السياسية، لكي يعد نفسه لواجباته في الدفاع عن الوطن.
ووافق المجتمعون على هذه المقررات بالتصفيق والهتاف.. وحظي الزعيم شقير بقدر كبير من الملاطفة والمجاملة.. لأنه عاد قائدًا لجيش الشعب كله، لا جيش ضابط انقلابي متمرد كان يستخدمه مع حفنة من الانتهازيين في مآرب خسيسة هي شهوة الحكم والتمتع بخيراته.
ويتحدَّث الدكتور ناظم القدسي في مذكراته عن ذلك اليوم «الحمصي» كما يلي: «في حمص نشطت المناورات بين السياسيين. وقد اقترحت أن يتولَّى رشدي الكيخيا رئاسة الوزارة فوافق جميع الحاضرين.
وحسبت أن القرار حسم المحادثات. غير أنه تبين أن عدنان الأتاسي كان اتفق سرًّا مع صبري العسلي على أن يتولَّى هذا الأخير رئاسة الحكومة.. وطلب الكيخيا ساعات قليلة ليذهب إلى حلب لإحضار ملابسه ورؤية أهله إذ كان حضر إلى حمص رأسًا من سجن المزة.. وحين عاد من حلب كان عدنان تمكَّن من إقناع والده بتكليف صبري العسلي بتشكيل الحكومة، فكلفه بهذه المهمة.. وحين عرف رشدي بما تمَّ في غيابه، نزل عن كاهله عبء ثقيل، ما كان يريده أصلًا.. لكنه قبل به لأن الظرف لم يكن يسمح له بالاعتذار عنه».. وكان تكليف العسلي مفاجأة كبرى، لأن اسمه لم يكن مطروحًا. ولقد كان الدكتور القدسي على حق، فقد خيم علينا جميعًا جو من الوجوم والدهشة:
أولًا، لأن تكليف العسلي بتشكيل الوزارة جاء بعد عرض المهمة على رشدي الكيخيا وقبولها.. فكان العدول عنه عملًا غير كريم في حق رجل لم يطلب شيئًا لنفسه.
وثانيًا، لأن العسلي نفسه كان غير مرغوب فيه شخصيًّا لاعتبارات لا تخدم سمعة الحكم..
وتحدَّث الأستاذ العسلي نفسه عن تلك «الخلوة» في مجلس النواب أثناء مناقشة بيان حكومته في جلسة 17 آذار 1954 كما يلي:
«حضر هذه الخلوة التي عقدت برئاسة فخامة هاشم الأتاسي رؤساء الأحزاب الثلاثة: رشدي الكيخيا ممثلًا حزب الشعب وصبري العسلي ممثلًا الحزب الوطني وميشيل عفلق ممثلًا حزب البعث العربي الاشتراكي.. ودام الاجتماع ثلاث ساعات. وقد قرّ رأينا على تشكيل حكومة قومية من الأحزاب الثلاثة، يضاف إليها بعض المستقلين. وقد وافق حزب الشعب والحزب الوطني على الاشتراك في الوزارة. لكن ميشيل عفلق اعتذر عن عدم الاشتراك فيها باسم حزبه قائلًا: إن أوضاعنا وحالتنا الحزبية الحاضرة وعوامل أخرى تقتضينا ألاَّ نشترك في الوزارة القومية. وأضاف بأن هذا الرأي ليس نهائيًّا لأنه رأيه الشخصي فقط.. وأن حزب البعث سيعقد مؤتمرًا له في حمص، وسوف يتخذ القرار النهائي فيه.. وإنْ كنت أرجح منذ الآن بأن قراره سيكون سلبيًّا. وعندها قال رشدي الكيخيا، في هذه الحال فإنه شخصيًّا لن يشترك في الوزارة التي لم تعد قومية.
وفي منتصف الليل دعاني الرئيس الأتاسي، فذهبت إليه ووجدت عنده أكرم الحوراني وميشيل عفلق وصلاح بيطار وناظم القدسي وفيضي الأتاسي وإحسان الجابري وعفيف الصلح.. وتكلَّم أكرم الحوراني فقال: نحن لا نقبل الاشتراك تحت رئاسة مفروضة علينا.
وسألت ناظم القدسي بوصفه رئيسًا لمجلس النواب: هل يقبل حزب الشعب أن يشترك مع الحزب الوطني في تأليف الوزارة؟.. فاتجه إلى أكرم الحوراني وسأله: ماذا يكون موقفكم من مثل هذه الوزارة؟.. فقال الحوراني: نحن لنا شروط وأخذ بتعدادها.. وكلما ذكر شرطًا أقول له:
على راسي، على راسي.
ثم عاودنا الحديث عن تشكيل وزارة يكون فيها للحزب الوطني ثلاث وزارات ولحزب الشعب ثلاث وزارات وللبعث العربي الاشتراكي ثلاث وزارات، إحداها وزارة دولة. واتفقنا على ذلك.. وذهب البعثيون لمشاورة إخوانهم إلا أنهم عادوا وأخبرونا بأنهم لا يقبلون بوزارتين ذاتي حقيبتين ووزارة دولة.. ولذلك تشكَّلت الوزارة من دونهم. وكان رشدي الكيخيا مشترطًا أنه لا يدخل الوزارة إلا إذا كانت قومية.. لأنه كان يخشى من تشكيل وزارة ائتلافية، أن يترتَّب عليها التمزُّق والتناحر، خاصة وإن البلاد خارجة من انقلاب. وعلى هذا رفض الاشتراك في الوزارة واتجه إلى حلب، غير أن حزبه اشترك في الحكومة الجديدة..».
وشكل صبري العسلي الوزارة في 1 آذار 1954 من الحزب الوطني (هو وفاخر الكيالي وعفيف الصلح وبدوي الجبل)، ومن المستقلين عبد الرحمن العظم ومنير العجلاني وحسن الأطرش، ومن حزب الشعب (فيضي الأتاسي للخارجية ومعروف الدواليبي للدفاع وعلي بوظو للداخلية ورشاد جبري للأشغال العامة). وتلا رئيس الوزراء البيان الوزاري في جلسة 15 آذار 1954.
وقد تلا أحمد قنبر كلمة حزب الشعب في جلسة الثقة بالحكومة التي عقدت في 17 آذار. وقد جاء فيها ما يلي:
«كان لحزب الشعب شرف المساهمة مع رجال البلاد من حزبيين ومستقلين في إعادة الأوضاع الشرعية إلى مستقرها الطبيعي، إلى أن اجتمعت الكلمة وانتهت إلى وضع الميثاق الوطني الذي تمخض عنه مؤتمر حمص..
وحزب الشعب الذي يقدر الظروف العصيبة التي مرّت وتمر بها البلاد، يؤمن بأن المصلحة القومية تفرض ضرورة هذا الائتلاف الحكومي واجتماع الكلمة وتعاون القوى، لتنعم البلاد بالرخاء والاستقرار وتعود القوى الروحية والقيم المعنوية والأخلاقية إلى ما يرجوه المصلحون لأمتنا»[1].
ولدى طرح الثقة بالوزارة على التصويت، نالتها بأكثرية 85 صوتًا من أصل 91 هو عدد النواب المشتركين في الاقتراع.
وقد خصّص مجلس النواب بقية الجلسة التي تلي فيها البيان الوزاري للكشف عن المثالب والانحرافات التي ارتكبت في عهد الشيشكلي، والمطالبة بمعاقبة رجاله.
وقد ركز الخطباء في خطبهم على الذين زينوا للدكتاتور طريق الغواية للانتفاع منه، سواء أكانوا من رجال السياسة أو الاقتصاد أو من كبار الموظفين.
ومن الذين اشتركوا في المناقشة أكرم الحوراني الذي استغرب السكوت عن الذين جلدوا الطلاب وحبسوهم بصورة غير مشروعة.
وقال نحن لسنا من أنصار الانتقام.. ونحن نقدر أن الموظف مجبور، لكن يجب أن يتصرَّف في حدود القانون فقط، وشدَّد على وضع «الذين رفعوا إلى مراكز عليا لأنه لا ينقصهم الترامي على الأقدام ولا ينقصهم النفاق..».
وتحدَّث جلال السيد وهو أحد ثلاثة أسسوا حزب البعث ويمتاز بالصدق وصلابته في عقيدته القومية، فقال:
«إنني أستغرب أن يعزل وزير الداخلية (علي بوظو) سائق سيارة في دير الزور لأنه انتمى إلى حزب الشيشكلي، بينما هناك كبار الموظفين والمحافظين الذين انتسبوا إلى حركة التحرير ولم ينلهم العزل والتسريح..».
وحمل عبد اللطيف سباهي نائب حلب وعضو حزب الشعب على «كبار الموظفين الذين كانوا أداة طيعة للدكتاتور..».
وألقى أحمد قنبر كلمة رصينة مطولة ردَّ فيها على وزير العدل الأستاذ عزة الصقال حول تعريف الجرم المتمادي والجرم الفوري.. وطالب بمعاقبة مغتصبي السلطة وأعوانهم جميعًا من المزورين الذين زينوا للدكتاتور مهزلة الاستفتاء.
وتكلَّمت أنا أيضًا في الموضوع، فطالبت بمعاقبة أركان النظام الذي سقط.
وقد أصدر مجلس النواب القانون رقم 168 تاريخ 12/5/1954 الخاص بمعاقبة مغتصبي السلطة وهذا نصه:
المادة 1: «كل مَن تولَّى مهام رئاسة الجمهورية أو رئاسة مجلس الوزراء أو الوزارة أو النيابة في فترة اغتصاب السلطة الواقعة بين تاريخي 29 تشرين الثاني 1951 و1 آذار 1954، وقبض لقاء ذلك من خزانة الدولة راتبًا أو تعويضًا، يسترد منه ما قبض».
المادة 2: «كل موظف نال زيادة في مرتبه أو رتبته أو درجته بصورة استثنائية، تسترد منه الزيادات وتنزل مرتبته ودرجته».
وإذا كان هذا القانون خاصًا بالمعاقبة الإدارية والمالية، فإن المادة 296 وما يليها من قانون العقوبات تكفلت بالمعاقبة الجزائية، فيما لو أحيل مغتصبو السلطة وأعوانهم إلى القضاء.
ولم يكن في مقدور أحد أن يقف في وجه التيار الجارف.
لكن المتأني، لا بدّ له أن يفكِّر في الموضوع بصورة أكثر هدوءًا.
فالقاعدة الدستورية الراسخة هي أن السلطة تنظم وتمارس في بلد ما، وفق نصوص دستوره. لكن من المحتمل أن يستولي على الحكم أشخاص تسلطوا على الدولة بالقوة وأزاحوا الأوضاع الشرعية.
وبذلك يكونون قد أصبحوا حكومة الأمر الواقع Gouvernement de Fait وقد أطلق هذه التسمية على هكذا حكومة الأديب الفرنسي شاتوبريان في هجائه لبونابرت وآل بوربون على السواء عام 1816.
وهي تسمية جيدة، لأنها فعلًا تسلمت مقاليد الحكم في البلد وراحت تمارس السلطة. لكنه استيلاء خلافًا للدستور. فهي حكومة لا تتمتَّع بالصفة الدستورية، لذلك لا تعتبر حكومة قانونية. إلا أنها أمسكت بزمام السلطة عمليًّا وسلكت في شعبها مسلك الحاكم، فأصبحت صاحبة أمر ونهي.
والأصل في حكومة الأمر الواقع أنها ثورية لأنها تَنْقَضُّ في الظلام ثم تطيح بالنظام الشرعي وتحلُّ محله. لكنها أيضًا حكومة مؤقتة، لأنه لا بدّ لها من وضع إطار دستوري لها تطرحه على الشعب، لتنقلب إلى حكومة دائمة[2] وفي بلادنا أمثلة على ذلك:
فحسني الزعيم أزاح السلطة الشرعية وحل محلها، وعمل على وضع دستور لم يتمكَّن من طرحه على الاستفتاء، لأنه أزيح بانقلاب جديد.. وسامي الحناوي أزاح حكومة واقع، وحل هو محلها كحكومة واقع.. لكن تمَّت المبادرة إلى إجراء انتخاب لجمعية تأسيسية، وهذه الجمعية وضعت دستورًا جديدًا أصبح الحكم بموجبه دستوريًّا ودائمًا.
غير أن الشيشكلي انقلب على العهد وقلبه وأمسك بمقاليد السلطة، فأصبح حكومة واقع. غير أنه تشبَّث بأهداب دستور جديد حكم بموجبه، لكي يكون لحكمه طابع الاستمرار والشرعية.
لكن ضباطًا في حلب، ثاروا عليه واستولوا على السلطة وطردوه من البلاد. وكل حكومة واقع تحكم بموجب قوانين تضعها وفقًا لفلسفتها في الحكم، وتمارس السلطة العامة بالمراسيم والقرارات، فتترتَّب للناس حقوق، كما تترتَّب عليهم بعض الواجبات بمقتضاها.. فليس صحيحًا القول بإلغاء كل ذلك بمادة واحدة.. وإلغاء الحقوق المترتبة عليها للأفراد وللدولة.
ولم يرفض كثيرون من فقهاء الشريعة الإسلامية ما أسموه «أمارة الاستيلاء».
والذي يجب فعله في مثل هذه الحالات:
1. معاقبة الانقلابيين وفق أحكام التشريع العقابي النافذ.
2. إلغاء النصوص التي وضعها الانقلابيون السابقون وفق الأساليب القانونية.
3. إبقاء الحق لكل مَن تضرَّر من إجراء أن يطالب أمام القضاء بإزالة الضرر عنه.
4. إلغاء المكاسب غير المشروعة والاستثنائية التي منحت لأصحاب الزلفى.
ويروى عن الزعيم الفرنسي الثوري روبسبيير أنه قال:
«الحكومة الدستورية ضرورية للمحافظة على بقاء الجمهورية.
أما الحكومة الثورية فهي ضرورية لإقامتها وإنشائها».
لذلك أصدر مجلس النواب السوري، بعد هدوء الأعصاب بفعل الزمن، قانونًا ألغى به هذا القانون. وهذا القانون صادر تحت الرقم 189 بتاريخ 14/2/1956 في مادة وحيدة، هذا نصها:
«يلغى القانون رقم 168 تاريخ 12/5/1954 ويعتبر كأن لم يكن»[3].
وأصدر المجلس أيضًا قانونًا يتضمَّن إعادة الموظفين المسرحين في فترة حكم الشيشكلي «بسبب امتناعهم عن حلف يمين الولاء» (القانون رقم 163 تاريخ 20/4/1954).
وقد اشترط القانون المذكور عدم دفع الرواتب لهؤلاء المسرحين (وأنا واحد منهم) عن المدة التي قضوها خارج الوظيفة، لكن تحسب لهم هذه المدة خدمات فعلية. وهكذا عدت إلى منصبي الأكاديمي، أستاذًا ورئيس قسم القانون الجنائي الذي لم يملأه أحد.
الحواشي:
[1] نص الكلمة في الجلسة، 17 آذار 1954، ص210.
[2] انظر مقال الأستاذ R. Jouve في الأنسكلوبيديا الفرنسية تحت كلمة Gouvermement.
وانظر: محسن خليل القانون الدستوري والنظم السياسية المشار إليه عن طرق نشأة الدساتير. وتراجع المواد 296 وما يليها من قانون العقوبات السوري الخاصة بمعاقبة الجرائم الواقعة على الدستور.
[3] منشور في مجموعة القوانين السورية والنصوص المالية، شباط 1956، ص273.