الفصل الحادي عشر، الجزء 6: قصة مصفاة حمص

اقرأ بالإنكليزية

الفرع الرابع
قصة مصفاة حمص

بدأت قصة إنشاء مصفاة حمص في أيام الحكومة القومية التي شكَّلها صبري العسلي في 14 حزيران 1956 وقدَّمت استقالتها في 31 كانون الأول من العام نفسه، قبل أن تفصل في موضوعها نهائيًّا.

وكان حزب الشعب مشتركًا فيها بثلاثة وزراء: أنا (للمالية) وأحمد قنبر (للداخلية) ورشاد جبري (للزراعة). وكان وزير الأشغال العامة مجد الدين الجابري (من الحزب الوطني)، وصلاح البيطار (بعثي) للخارجية وخليل الكلاس (بعثي) للاقتصاد الوطني.

وقد قُدمت إلى وزارة الأشغال العامة عدة عروض أجنبية لإنشاء المصفاة، بعضها من دول شرقية وبعضها من دول غربية.

وانقسم مجلس الوزراء إلى «معسكرين»:

1. فريق أول يقف إلى جانب العروض الغربية لأنه يراها أفضل من الشرقية من حيث التقنية والخبرة. لكنه في أعماق نفسياته لا يحب الدول الشرقية. وكان من فرسان هذا الفريق مجد الدين الجابري ورشاد جبري، وإلى حدٍّ ما أحمد قنبر.

2. وفريق ثان يقف إلى جانب العروض الشرقية، لأنه نظر إلى المصفاة نظرة سياسية أيضًا. وكان يأخذ على الدول الغربية مواقفها القبيحة ضد العرب، خاصة وإن جرح العدوان الثلاثي على مصر لا يزال داميًا... كذلك فإنه يقف إلى جانبها، لأن تسديد قيمتها يتمّ بالعملة السورية وبتقسيط مريح، علاوة على هذه الحجج، فإنه سبق للعرب أن تعاقدوا مع الدول الغربية على أسلحة يدافعون بها عن أنفسهم، إلا أنهم كانوا يسوِّفون في التسليم.. وأحيانًا ينكلون.. ثم إنها أرخص سعرًا من العروض الغربية. وقد أيَّد الخبير المصري الدكتور رمزي الليثي أخذ المصفاة الشرقية[1].

وكان من أنصار هذا الرأي صلاح البيطار وخليل الكلاس وأنا. ثم انضم إلينا عبد الحسيب رسلان وزير الدفاع بعد شيء من التردُّد.

وبسبب الانقسام في رأي الوزراء الشعبيين الثلاثة، رأينا أن نرجع إلى المكتب التنفيذي للحزب لاتخاذ قرار نلتزم به.

وقد أدلى كل فريق برأيه وحججه.. وطال النقاش، فاقترح رشدي الكيخيا أن يصوت كل وزير بحسب ما يرتاح إليه ضميره.

وهكذا صَوَّتُ إلى جانب المصفاة التشيكية إلا أن مجد الدين الجابري ورشاد جبري أعلنا رفضهما لهذه المصفاة، ولذلك فإنهما يستقيلان من الوزارة. وأعلن أحمد قنبر عن رفضه لها أيضًا، إلا أنه لا يستقيل من الوزارة[2].

وعندها تقدَّم صبري العسلي باستقالة الوزارة في 31/12/1956. وتشكَّلت وزارة جديدة برئاسته، لكن حزب الشعب لم يشارك فيها، لأنه وجد أن الظروف لا تبرِّر مشاركته في حكومة من نفس تركيبة الحكومة السابقة.

وسارعت الحكومة الجديدة فاتخذت القرار النهائي بالموافقة على شراء المصفاة التشيكية. وبذلك تكون قد استبعدت عروض إنكليزية، بسبب اشتراك إنكلترا في العدوان على مصر، كما استبعدت العروض الإيطالية والأميركية للأسباب التي سبقت الإشارة إليها.

وهكذا ظفرت البلاد بمصفاة لعبت دورًا أساسيًّا في دعم الاقتصاد القومي، وما زالت تؤدِّي هذا الدور بكفاءة وانتظام.

وعلى الرغم من عدم دخول حزب الشعب في تشكيلة هذه الوزارة، إلا أنه قرَّر تسهيل حصولها على الثقة، فانسحب من الجلسة عدد من أعضائه حتى لا يحسبوا في عداد الأكثرية، واستنكف الباقون عن التصويت، «ففازت بالثقة» التي كانت ضئيلة حتى تضفي على نفسها طابع الشرعية.

وما زلت أستغرب كيف قبل رجالها من أصحاب الأسماء اللامعة على أنفسهم تقلد منصب وزاري في ظروف كالظروف التي تشكَّلت فيها هذه الوزارة والطريقة التي نالت بها الثقة.

وفي الكلمة التي ألقاها أحمد قنبر باسم حزب الشعب قال ما يلي:

«وحزب الشعب الآن، تقديرًا منه لهذه الأوضاع الخطيرة ورغبة منه في ظهور البلاد في مظهر متماسك، قرَّر الاستنكاف عن التصويت، لأن الحكومة في تشكيلتها وعدم انسجام أعضائها وتنافر مبادئهم غير قادرة على مواجهة المشاكل والصعوبات.. ومن الخطر على هذه الحكومة والتجني على البلاد أن يمنحها ثقته.. لكنه سيقف منها موقف المراقب.. فإن أحسنت صنعًا كان محبذًا ومشجعًا لها. وبهذه الطريقة الفجة «ظفرت حكومة العسلي» بالثقة.

الحواشي:

[1] للاطلاع على تقرير الخبير الليثي ومناقشات النواب، تراجع مذكرات مجلس النواب، جلسة 25 شباط 1957، وجلسة 29 تموز 1957.

[2] انظر خطابه حول هذا الموضوع في جلسة 2 شباط 1957، ص129.