الفصل الحادي عشر، الجزء 9: حرب السويس

اقرأ بالإنكليزية

الفرع السابع
حرب السويس

ذكرت قبلًا أن سورية ومصر وقفتا في وجه الأحلاف الأجنبية واختارتا طريق الحياد بين المعسكرين المتصارعين. وهو حياد إيجابي يختلف عن الحياد السويسري لأنه قاصر فقط على عدم الانضمام إلى أي من الكتلتين الشرقية أو الغربية. لكن المعسكر الشرقي كان يظهر لنا من الود قدرًا لم نحظَ بجزء منه في المعسكر الغربي.

وكان خلافنا مع الغرب أنه يريد دمجنا في أحلاف عسكرية موجهة ضد الاتحاد السوفياتي.. في حين أن مصلحتنا القومية كانت تتمثَّل في إعداد أنفسنا لمقاومة الصهيونية.. التي أصبحت سرطانًا قاتلًا في قلب الوطن العربي، بفضل الدعم الدبلوماسي والعون المالي الأميركي بصورة خاصة.

ورفض الغرب تزويد العرب بالسلاح.. فاشترته سورية ومصر من الشرق عام 1955 وكان نوري السعيد يسبح على جراب حلف بغداد.. الذي رفضه البلدان المتحالفان مصر وسورية. وكان ردُّ الفعل الأول لأميركا على صفقة السلاح التي عقدتها مصر مع الاتحاد السوفياتي أنها قرَّرت سحب الوعد الذي قطعته على نفسها بمساعدة مصر في إنشاء سدها العالي، لتخزين كميات ضخمة وراءه إلى حين الحاجة إليها، ثم لمنع حدوث فيضانات ضارة في سنوات الأمطار الغزيرة.

كذلك ضاق صدر الولايات المتحدة بنظام عبد الناصر حين اعترف بالصين الشعبية في 16 أيار 1956.

وكانت الدول العربية المتحرِّرة، وخاصة مصر وسورية، قد حضرت مؤتمر باندونغ (في إندونيسيا) من 18 إلى 24 نيسان 1955. وفي هذا المؤتمر تقرَّر مبدأ الحياد الإيجابي بين الكتلتين المتناحرتين، حلف الأطلسي والمعسكر الاشتراكي.

وقد تبنَّى هذا المؤتمر عشرة مبادئ، من أهمها:

أ. احترام حقوق الإنسان الأساسية.

ب. احترام سيادة جميع الأمم وسلامة أراضيها.

ج. الاعتراف بالمساواة بين جميع الأجناس.

د. احترام حق كل أمة في الدفاع عن نفسها.

هـ. الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية لبلد آخر.

ز. تجنب الأعمال أو التهديدات العدوانية.

ح. تسوية جميع المنازعات الدولية بالوسائل السلمية.

ودخلت أميركا مع مصر في لعبة التعجيز.. وراحت تشترط كل يوم شرطًا جديدًا. وآخر الشروط التي قُدِّمت إلى مصر، هو حق المصرف الدولي بمراجعة المديونية الخارجية المصرية.. وحين ذهب السفير المصري إلى الخارجية الأميركية ليبلغها بأن مصر وافقت على هذا الشرط، أبلغه المستر جون فوستر دالاس وزير الخارجية بأن الولايات المتحدة سحبت عرضها بالمساهمة في تمويل السد. وصعق السفير وأبرق إلى القاهرة بما تبلغه يوم 19 تموز 1956.

ولم يتأخر ردُّ عبد الناصر على هذا التحدِّي الأميركي.

كنت في تلك الأيام في القاهرة في مهمة رسمية. وقد حضر وفد نيابي سوري يرأسه الدكتور معروف الدواليبي تلبية لدعوة مجلس الأمة المصري. وقد دعينا إلى الإسكندرية للاجتماع في استراحة المعمورة بالرئيس جمال عبد الناصر يوم 26 تموز 1956.

وقد كنت اجتمعت في العام الماضي بالرئيس ناصر في مكتبه في القاهرة، حين ذهبت موفدًا لتمثيل سورية في مجلس الجامعة العربية لقبول دولة السودان عضوًا فيها. وقد حضر وزير الخارجية السوداني مبارك زروق، الذي ظفر بإعجاب الوفود بشاعريته وسعة ثقافته، هذا الاجتماع ممثلًا لبلاده.

وطلبت موعدًا لمقابلة الرئيس لأبلغه رسالة شفهية حملني إياها الرئيس القوتلي.. ذات شقين، الأول: تأكيد وقوف سورية إلى جانب الشقيقة الكبرى ومناهضة الأحلاف، والثاني تسهيل دخول القمر الدين السوري إلى مصر.. وقد كانت منعت دخوله مع أشياء أخرى، بسبب سوء وضعها الاقتصادي.. وقد استجاب عبد الناصر إلى طلب أخيه القوتلي فأعاد فتح أبواب مصر لقمر الدين الغوطتين فعمت البهجة مزارعي المشمش الشامي.

وقد سمعت يومها من عبد الناصر أقسى نوع من النقد ضد نوري السعيد الذي نعته بأنه أسوأ مارق عربي.

وقد تكلَّم في الجلسة التي عقدت في المعمورة مع عبد الناصر رئيس الوفد الدكتور الدواليبي عن العلاقات الحميمة التي تربط بين سورية ومصر واستعرض الأوضاع الدولية في المنطقة.

وذكَّر بتصريحه الشهير بأن عدونا هو الصهيونية وليس الشيوعية، وهو تصريح اتخذ يومها بعدًا دوليًّا.. خاصة لصدوره من رجل في وضع الدواليبي، الديني والقانوني[1]. ثم عرض على الرئيس عبد الناصر باسم الوفد أي نوع من أنواع الاتحاد يناسب الواقع المصري.

طبعًا نحن لم نستغرب عرض الدواليبي، لأن أي واحد منا لو كان في مكانه لما تكلَّم إلا هذه اللغة. فكلنا قوميون عرب، تسري فكرة الوحدة العربية في أجسادنا مع دمنا.. وهذه فرصة لا يصح تفويتها. مع أن الدواليبي لم يكن مسؤولًا يمثل الحكومة.. ولم يكن يحمل تفويضًا رسميًّا.. ومع ذلك حظي بتأييد أعضاء الوفد جميعًا. غير أننا استغربنا موقف عبد الناصر الذي لم يرفض الفكرة من أساسها، لكنه دار حولها ونعتها بأنها خطوة متسرعة.. سوف تثير مخاوف الغرب في وقت لسنا قادرين فيه على حماية أي اتحاد مصري سوري.

واقترح بدلًا عن الاتحاد سلسلة من الإجراءات الاقتصادية والثقافية.. إلى جانب الاتفاق العسكري، حتى يتهيأ التعارف بين أبناء الشعبين بعد تجزئة طويلة فرضتها الظروف الدولية السالفة.

ودعينا إلى تناول طعام الغداء على مائدته.. وبعد ذلك طلب إلينا مرافقته إلى ميدان الإسكندرية، لإلقاء خطاب فيه عن السياسة الدولية.

وما بين المعمورة والإسكندرية وعلى طول المسافة الشاسعة شاهدت حشودًا من الناس لا يحصيهم عدد، كانوا يهتفون للرئيس في موكبه.. وحين جلسنا إلى جانبه في السدة الضخمة المقامة في وسط الميدان، وعرف الشعب بوجود وفد نيابي سوري، قابلنا بالتصفيق والهتاف والتحية الأخوية التي لا توصف حرارتها.

وزاد ترحيب الشعب بنا، حين وقف الرئيس يرحِّب بنا بدوره.. وتحدَّث في السياسة الدولية والمنطقة العربية خاصة.. ثم قذف بقنبلته الضخمة فأعلن تأميم قناة السويس من أجل إرجاعه إلى الذين حفروها بدمائهم وعرقهم، ومن أجل إنشاء السد العالي الذي رفضت الدول الغربية المساهمة فيه.

ويعرف كل مَن يتتبَّع الأحداث أن فرنسا وإنكلترا تآمرتا على مصر مع إسرائيل وشنت عليها الدول الثلاث حربًا ظالمة.. بدأتها إسرائيل بالهجوم على سيناء صباح 29 تشرين الأول 1956. ثم تبعتها إنكلترا وفرنسا يوم 31 بإنزال قواتهما في منطقة القناة. وقد كانت الحكومة السورية مشكلة برئاسة صبري العسلي حين وقوع العدوان، وكنت فيها وزيرًا للمعارف.

وفي 7 تشرين الثاني أدانت الأمم المتحدة العدوان الثلاثي، وأعلن وقف إطلاق النار.

وأخبرنا الدكتور ناظم القدسي (رئيس مجلس النواب) الذي ناب عن الرئيس القوتلي في فترة سفره إلى موسكو يوم 30 تشرين الأول 1956، أي ثاني يوم اندلاع المعارك على القناة، من أجل دعم مصر، أن مجلس الوزراء سيكون في حالة انعقاد دائم. وهكذا اتخذنا «مقر قياداتنا» في القصر الجمهوري لا نبرحه، ليلًا أو نهارًا.

وأذكر للتاريخ أن مجلس الوزراء لم يكن موحد الرأي في موضوع تنفيذ بنود الحلف العسكري مع مصر.. فكان بين الوزراء من يريد «التريث» في زج الجيش السوري في المعركة حتى يتبيَّن تطوُّر الأحداث في جبهة سيناء وعلى المستوى العالمي.

لكن كان بينهم من كان يريد دخول الحرب فورًا، أولًا تشريفًا لتوقيع الدولة السورية على التزامها بنجدة مصر، وثانيًا لأن مصر إذا سقطت فإن الضربة الحقيقية ستكون لسورية، الجارة العدوة لإسرائيل.

وكنت أنا من أصحاب هذا الرأي.. ومتحمسًا له.

وقرَّر مجلس الوزراء دعوة رئيس الأركان العامة إلى الجلسة، فحضر وحضر معه بعض كبار الضباط من قيادته. ووجه الوزراء إليه سؤالًا محدّدًا عن استعدادات الجيش ومدى قدرته على القتال، فأجاب والحزن باد على وجهه، بأننا نستطيع أن نقاوم أربع ساعات فقط. وكدنا نصاب بالإغماء حينما انفجرت فوق رؤوسنا هذه القنبلة. إذن هذا هو الوضع الأليم، الذي وصل إليه الجيش جرّاء تناحر «إقطاعيات أمرائه؟»[2].

وقد أنهى البلبلة وصول السيد محمود رياض سفير مصر إلى القصر الجمهوري ومعه برقية وصلته من مصر، تتضمَّن الطلب إلى الحكومة بعدم تدخل الجيش السوري، لأن مصر قرَّرت الانسحاب من سيناء لعدم قدرتها على محاربة ثلاث دول، لذلك يكون دخول القوات السورية المعركة تضحية لا مردود لها.

ومع ذلك فقد ساهمت سورية في المعركة بنسف محطات شركة النفط العراقي في أراضيها، بالمتفجرات بناء على أوامر شخصية من رئيس المكتب الثاني المقدم عبد الحميد السراج.

وكان عملًا رائعًا من أعمال التضامن مع الشقيقة المعتدى عليها.

وأصيب العالم بذهول حين أذيع النبأ يوم تنفيذ التفجير صبيحة الثالث من شهر تشرين الثاني 1956.

ودعي مجلس الوزراء إلى الانعقاد بسرعة برئاسة الدكتور القدسي نائب رئيس الجمهورية. وكان بين الحضور الوزراء الشعبيون أحمد قنبر ورشاد جبري وأنا. وحضر الاجتماع رئيس الأركان العامة اللواء توفيق نظام الدين والمقدم عبد الحميد السراج. وقد جلسا إلى جانب وزير الدفاع عبد الحسيب رسلان.

وتكلَّم نائب الرئيس القدسي. وكان انفعاله باديًا على قسمات وجهه وفي نبرات صوته. وكان يوجه الحديث إلى السراج.. وليس إلى وزير الدفاع أو رئيس الأركان العامة.

والواقع أن الدكتور القدسي كان يعرف أين مركز الثقل في العملية فاتجه إلى صاحب الأمر الحقيقي في تنفيذها وهو السراج.

وليست الكتابة عن حرب السويس من مواضيع هذا الكتاب، لذلك أجتزئ القول فيها.. فقد قاومت القوات المصرية في مدينة السويس مقاومة باسلة، وأصدر الاتحاد السوفياتي إنذاره المشهور بتاريخ 5 تشرين الثاني 1956 إلى الدول المعتدية، بالتوقف في الحال عن عدوانها على مصر والتعجيل بانسحابها، وعليها أن تعلم أن لندن وباريس ليستا بعيدتين عن متناول الصواريخ السوفياتية.. وأتبعت هذا الإنذار بتحريك قواتها يوم 7 تشرين الثاني في اتجاه الشرق الأوسط.

وقد كتبت جريدة النيويورك تايمز في عددها الصادر في 9 من الشهر نفسه تقول:

«لقد أحدثت هذه التحرُّكات فزعًا شديدًا في البلاد الغربية»[3].

وقد أخبر الزعيم خروتشوف الرئيس عبد الناصر بعد سنتين من هذا العدوان «بأن السوفيات كانوا جادين في توجيه هذا الإنذار»[4].

وكان أيزنهاور معتقدًا بجديته أيضًا.. لذلك تحرَّك بسرعة لإيقاف العدوان. وبالتأكيد فإن أميركا كانت قلقة من انعكاس حرب السويس على مناطق أخرى من العالم. ويؤخذ من محضر مقابلة جرت بين دالاس وزير الخارجية الأميركية والمستر سلوين لويد وزير خارجية بريطانيا يوم 10 كانون الأول 1956. أن دالاس قال للمستر لويد:

«إن ردَّ فعل الولايات المتحدة تجاه تحرُّككم في مصر لم يكن راجعًا إلى أي حب للمصريين. إلا أن الولايات المتحدة لا ترى كيف كان للنظام العالمي أن يستقر لو أنها أغمضت عينيها. فبعد وقوع ما حدث في مصر شرع الرئيس ري وشان كاي شيك في العمل معًا على شهر حرب في آسيا..

وقال دالاس: إنه ليس من سياسة حكومة الولايات المتحدة استرضاء عبد الناصر وهي مستعدّة للضغط عليه..»[5].

وبعد يومين كتب الرئيس أيزنهاور مذكرة إلى وزير خارجيته (بتاريخ 12/12/1956)، جاء فيها:

«يحدوني اعتقاد مستمر بأن من بين الإجراءات التي يتعين علينا اتخاذها أن نقيم غريمًا عربيًّا لناصر. والاختيار الطبيعي وعلى ما يبدو يتمثَّل في الرجل الذي طالما تحدَّثنا أنت وأنا عنه..»[6].

ولم يظهر في الوثيقة من هو الشخص. لكن الواضح أن الدول الغربية ترسم في مطابخ سياستها ما تراه صالحًا لضرب بعضنا ببعض.

والعجيب أننا نستجيب بسهولة للعبة.

ضعف ثقافة؟ أو وصولية؟ أو غرور؟ أو ضعف إيمان؟ ربما كان ذلك. وبكل المقاييس المقبولة يصح القول بأن مصر هي التي انتصرت في حرب السويس. فقد أصبحت قناة السويس. ملكًا خالصًا لها.. ترجع إليها عائدات مرور السفن فيها.

وأجبرت القوات المعتدية على الانسحاب من مصر.

وظفرت مصر بتأييد جماعي من العالم.

وارتفعت هيبة جمال عبد الناصر في العالم العربي.

وأُعيدت شبه جزيرة سيناء إليها.

وسقط رئيس وزراء بريطانيا المستر أنطوني إيدن.

ولحق به رئيس الوزراء الفرنسي غي موليه الاشتراكي.. الذي كان يقول إن النصر في حرب الجزائر يمر عبر القاهرة!

ولا يجوز غمط ما فعلته سورية وقدَّمته من أجل نصرة الجزائر فقد عملت كل ما تستطيع عمله. وكان ما فعلته - على تواضعه - قيامًا بواجبها القومي.

وقد استفادت الثورة الجزائرية من تضعضع الوضع السياسي في فرنسا، فازدادت اتقادًا حتى انتهت إلى انتزاع الاستقلال.. بتضحيات لا يتصوَّرها العقل[7].

الحواشي:

[1] انظر ص251 من هذا الكتاب.

[2] وقد سمعت من موظف كبير في القصر الجمهوري السوري أنه حضر في القاهرة، قبيل حرب السويس، اجتماعًا مع القوتلي وعبد الناصر، صرح فيه رئيس الأركان العامة شوكت شقير، بأن الجيش السوري لا يستطيع أن يصمد أكثر من 24 ساعة فيما إذا نشبت الحرب مع إسرائيل. وأصيب الرئيسان بالذهول أيضًا.
وهذا الموظف الكبير صديق لي، وأنا أراه حتى اليوم، ونتحدَّث عن تلك الذكريات المريرة، إلا أنه لم يسمح لي بذكر اسمه.

[3] عن محمد حسنين هيكل، سنوات الغليان، ص67 وما يليها.

[4] المرجع السابق.

[5] انظر التقرير الذي أرسله سلوين لويد إلى حكومته عن المقابلة بتاريخ 10/12/1956، في كتاب محمد حسنين هيكل: سنوات الغليان، ص781.

[6] عن المرجع السابق، ص824.

[7] من أجل دراسة حرب السويس، تراجع بصورة خاصة المراجع التالية:
محمد حسنين هيكل، قصة السويس، آخر المعارك في عصر العمالقة، بيروت 1983، وكذلك كتابه الآخر «ملفات السويس» 1986، وهو يتضمَّن مجموعة هامة من الوثائق.
موشي دايان، الفاشية، ترجمة جوزيف صغير، دار المسيرة، بيروت. ومما كتبه هذا الإرهابي، أنه كشف الدور القذر الذي لعبته إنكلترا وفرنسا في حرب السويس من أجل القضاء على نظام عبد الناصر بالتحالف مع إسرائيل، وقال: «كنا نتناقش مع الدولتين: لنا دور اللص، ولإنكلترا وفرنسا دور الشرطي ولهما دور الملاك ولنا دور الشيطان»، ص201.
مذكرات إيدن، ترجمة خيري حماد، بيروت القسم الثاني، دون تاريخ.