الفصل الحادي عشر، الجزء 10: أحاديث المؤامرات

اقرأ بالإنكليزية

الفرع الثامن
أحاديث المؤامرات

بعد أن فشلت الدوائر الغربية في جر سورية إلى عربة الأحلاف بدا لها أن تغيير السياسة السورية بعمل يتمُّ في الداخل غير ممكن، لذلك لا بدّ من العمل على إحداث التغيير، بالتحرُّك من الخارج.

وخلافًا لما يزعم الزاعمون، فلم يكن في سورية في تلك الحقبة قوة سياسية يعتد بها تطالب بتغيير اتجاه الدولة من الحياد الإيجابي الذي أقر في مؤتمر باندونغ عام 1955 إلى سياسة الأحلاف الغربية.. وقد يكون هناك أشخاص من المدنيين، لا كتهم الألسن وتردَّدت أسماؤهم في قاعات المحاكم، وبعض العسكريين، وخاصة أولئك الذين ذكرت أسماؤهم في المحاكمات أيضًا.. إلا أنهم لا يعتبرون قوة ضاغطة على المسرح السياسي.

وقد سبقت الإشارة إلى أن الاتفاق كان عامًا على أنه ليس لسورية مصلحة في السير في أحلاف، وليس للعرب كلهم مثل هذه المصلحة.. ذلك أن الغرب هو الذي يعادينا، ويقف في طريق تقدُّمنا، ويهدِّدنا بإسرائيل ويطمع بخيرات بلادنا وخاصة نفطها الغزير، ويستغل مواقعها الاستراتيجية.

ومع ذلك، فإن الذين كانوا يجدون في حزب الشعب عقبة كأداء في طريقهم إلى قمة السلطة، كانوا ينسبون إليه ما ليس فيه.. ويختلقون عليه تهمًا مكذوبة.

في هذه الأوقات، انقضت الحرب الباردة (1947-1953) بين المعسكرين المتصارعين، أو خفت حدتها وأخذ يلوح على أفق الدنيا ما يمكن أن يسمَّى «الانفراج» (1954-1957)، فقد أعرب ستالين في أخريات حكمه عن قناعته بعدم حتمية الحرب، وأن العالم الرأسمالي سينفجر من داخله، خاصة حين تأخذ مصالح دولة بالتصارع والتسابق إلى احتلال الأسواق الخارجية.

وأهم ما ألصقوه به، ميل بعض قادته إلى العرش الهاشمي في العراق، وبالتالي سعيهم إلى إدخال سورية في حلف بغداد.

وهذا قول رددت عليه[1]. وهو نسج أخيلة مريضة لا أكثر. ومن جملة ما كتبت في هذا الموضوع مقال افتتاحي في جريدة «الشعب» وهي الجريدة التي كانت تنطق باسم الحزب بتاريخ 23 شباط 1955 وقلت فيه ما يلي:

«أجل نحن ضد الأحلاف. وإن هذا الشعب الذي انتزع حريته انتزاعًا ونَعِمَ في ظلِّ نظام الشورى، حيث تسود الحرية والمساواة والقانون، لا ينوي أن يفرط بسيادته على مذبح شهوات غاصب، بل إنه ليبرق ويرعد ويصخب ويثور، حينما يشعر بأن حقيقتيه الخالدتين، الحرية والجمهورية، معرضتان للخطر.. وإذا كانت بعض الصحف وبعض المصادر تشيع بأن على الأفق أخطارًا ماحقة، فذلك مالا نجادلها فيه، بل إننا لنشاركها في كثير مما تذهب إليه. أما أن تركز جهودها على أن الخطر ينبعث من الداخل، وأن بعض معاقل هذا الداخل أصبح كبرميل من البارود، وأن هذا البرميل سيتفجر بما فيه على من حوله.. ويطيح بالنظام الجمهوري، فذلك ما يستفز الحصيف العليم ويستثير كل مواطن مخلص.

وإني لأربأ بالخصومة السياسية أن تنحدر إلى درجة تكاد تفقد البلاد فيها ثقتها بنفسها وتزرع الشك في نفوس المواطنين، حول مرامي نظام الحكم فيها.. فكيف إذا أصبحت هذه الخصومة السياسية نوعًا من العداء الشخصي والتشفي الأعمى الذي يدفع بصاحبه إلى هوس الاختلاق وجنون التهديم وتشويه الحقائق؟..

إن للخصومة السياسية وحرية الصحافة حدودًا يجب ألَّا تتعدَّياها، لأنهما إن تخطَّتا هذه الحدود، ارتكبتا جريمة في حق الوطن وأصبحتا معول هدم في جسم الدولة وأجهزتها.

وإن حزب الشعب الذي اشترك في بناء الوطن، وساهم في وضع الدستور، ليسره أن يطمئن المواطنين أنه كان ولا يزال وسيظلُّ دومًا وأبدًا عند نداء الواجب المقدس والشعور الأسمى بمقدسات الوطن، المتمثلة في سيادتها وجمهوريتها.

والحزب يرفض زجّ سورية في سياسة الأحلاف الأجنبية، لأن هذه الأحلاف تفريط في حقوق الوطن الأساسية، وقيد لا يقبل به أي مخلص لبلاده».

وتجدر الإشارة إلى أن حكومات حزب الشعب هي التي رفضت النقطة الرابعة الأميركية (برنامج المعونة الأميركية للبلاد المتخلفة) خشية أن تجرها إلى سياسة الأحلاف.

وإذا كان لا بدّ من كلمة صريحة خاصة بالاتفاق العراقي - التركي (حلف بغداد) باعتباره موضوع الساعة في السياسة العربية، فإننا نقول إننا لا نوافق على دخول سورية فيه. وكذلك كان موقف وزير خارجيتنا في اجتماعات القاهرة الأخيرة.

وإننا حين اتخذنا هذا الموقف، فإننا لا نتوخى أن نعجب المعسكر المناوئ لهذا الاتفاق، بل لأننا نرى من مصلحة العرب وخيرهم أن يقووا الجهاز الدفاعي الخاص بهم، ليقف كل ناطق بالضاد في خط النار المشترك أمام هذا العدو الرهيب إسرائيل، صنيعة الاستعمار وربيبته..». (انتهى مقطع المقال).

وهذا مقال يعبر عن رأي الحزب المعلن على الملأ وفي وضح النهار.. لمَن يريد أن يقرأ ويفهم بعيدًا عن التجني والغرض المبطن بالأذى.

وقد أذاع الحزب بيانًا في 26/1/1957 شجب به مبدأ أيزنهاور وأعلن فيه تمسُّكه بسياسة رفض الأحلاف العسكرية الغربية..

ومن هذا المنطلق، أيّد الحزب البيان الثلاثي العربي الذي أقره في القاهرة بتاريخ 12 آذار 1956 الرؤساء شكري القوتلي وعبد الناصر وسعود.

وكان وزير الخارجية يومها الأستاذ سعيد الغزي، رئيس مجلس الوزراء وكنا في وزارته أربعة من أعضاء حزب الشعب: رشاد برمدا ورزق الله الأنطاكي وأنا وعلي بوظو.

ونود أن نذكر بأهم مبادئ هذا البيان الثلاثي الهام فيما يلي:

1. تمَّ وضع خطة شاملة لتدعيم الأمن العربي والعمل على حفظ كيان الأمة العربية والدفاع عنها ضد أخطار العدوان الصهيوني والسيطرة الأجنبية.

2. تمَّ وضع خطة شاملة لمواجهة المحاولات التي تبذل عن طريق حلف بغداد للضغط على البلاد العربية.

3 تأييد الأردن ضد كل عدوان إسرائيلي.

4. بحث المؤتمر خطة شاملة تهدف إلى توثيق الكيان العربي كما بحث وسائل تحقيق الوحدة العربية.

5. وضع المؤتمر خطة شاملة لتنسيق السياسة السعودية المصرية السورية من النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية.

علاوة على ذلك أبدى الرئيس القوتلي رغبة ملحة في أن تتفق الأحزاب السورية وكتل المجلس النيابي على تبني ميثاق قومي تعمل مجتمعة على أساسه، على أمل نشر الاستقرار في البلاد وتوحيد النظرة إلى العلاقات والسياسات الخارجية.

وفعلًا لبى جميع السياسيين هذه الدعوة المباركة واتفقوا (أيضًا عام 1956) على «ميثاق قومي» وقعوا عليه ونشروه على الرأي العام.

وقد تضمَّن هذا الميثاق ما يلي:

1. مناهضة الأحلاف العسكرية الأجنبية وكل سياسة تتجه في هذا السبيل.

2. انتهاج سياسة الحياد الإيجابي بين المعسكرين الشرقي والغربي ودعم مقررات باندونغ.

3. توطيد علاقات الأمة العربية مع الأمم الإسلامية.

4. انتهاج سياسة عربية خارجية استقلالية مستمدة من إيمان الشعب العربي بوحدته وحريته وسيادته.

5. اتباع سياسة اقتصادية موجهة.

6. مقاومة حلف بغداد باعتباره يهدف إلى تمزيق وحدة العرب وربطهم بعجلة الاستعمار.

7. مكافحة الإلحاد والميوعة والانحلال الخلقي والحركات المنافية للقومية العربية.

وكان حزب الشعب من أوائل الموقعين على هذا البيان.

وبسبب الضغط الخارجي على سورية، ورغبة من حزب الشعب في تبديد الأوهام والأباطيل، عقد مؤتمرًا جديدًا دعا إليه رشدي الكيخيا وتدارس المؤتمرون فيه السياستين الداخلية الخارجية، وقرّر إصدار بيان جديد. وقد صدر هذا البيان في 26 كانون الثاني 1957، جاء فيه ما يلي:

«ويريد الحزب بالإضافة إلى بنود الميثاق القومي، أن يبين موقفه من بعض القضايا الهامة:

ثانيًا: إن الحزب الذي ساهم مساهمة فعالة في تسليح الجيش السوري ومده بأسباب القوة والمنعة، ليذود عن مقدسات الحمى ويدافع عن وجودنا وحقنا المشروع في الحياة، يعلن أن المضي في تقوية جيش البلاد وتسليحه هو واجب وطني مقدس.

وفي هذا البيان أعلن الحزب مرة أخرى ما يلي:

أولًا: أنه حزب ديمقراطي يتمسَّك بأهداب الحياة النيابية وبالدستور الذي يرسم حدودها ويحترم كرامة المواطن وحريته وحقه في الحياة الشريفة والإعراب عن رأيه بحرية، ويقرّر مبدأ التضامن والتعاون بين الجماعة والفرد.

ثانيًا: أنه حزب اشتراكي تطوُّري، يعمل على إشاعة الثقة بين المواطنين ويقاوم التطاحن الطبقي ويشجب تسلط فئة على أخرى، ويعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية، عن طريق التشريع وتنفيذه وتنمية ثروات الوطن وحسن توزيع خيراته بين بنيه.. وعلى هذا فإنه يرى من واجبه حماية اليد العاملة، ورعاية رأس المال وتشجيعه لتحسين الاقتصاد شريطة أَلاَّ يكون رأس المال وسيلة للتسلط السياسي[2].

وبقيت السياسية الغربية حيال سورية قائمة بعناد على ضرورة جرها إلى أحلافها لكي تحكم الطوق الجنوبي على الاتحاد السوفياتي وتصل خط حلف شمال الأطلسي بحلف بغداد وحلف جنوب شرقي آسيا، نظرًا لأن سورية هي الحلقة المفقودة في هذه السلسلة الجهنمية، ثم إن جرها إلى الأحلاف يعزل مصر نهائيًّا عن الشرق العربي ويقضي على هيبة عبد الناصر.. ويوطِّد سبل القضاء على نظامه أو على تحجيمه على أقل تقدير داخل حدود مصر.. وفي هذا مصلحة إسرائيل المباشرة.

وإذن فلا بدّ من ضرب سورية..

وفعلًا تعرَّضت سورية إلى مؤامرتين، عراقية وأميركية.

الحواشي:

[1] انظر الصفحات 210 وما يليها من هذا الكتاب.

[2] انظر النص الكامل لهذا البيان الهام في الملحق رقم 8.