الملحق رقم 7: بيان حزب الشعب إلى الشعب السوري الكريم (عام 1954)

اقرأ بالإنكليزية

ظلَّت البلاد العربية، خلال عشرات السنين، مسرحًا للأطماع والمناورات الاستعمارية، حتى تمكَّن المستعمرون من تمزيق الوطن العربي وتقسيمه إلى دويلات مبعثرة متنافرة، وطفق المحتلون خلالها يعبثون بمقدرات هذا الوطن وإفساد مقوماته الأساسية، من خلقية وثقافية، واقتصادية، بغية التمكُّن من استمرار التحكم به، حتى غدا في حالة مؤلمة من الضعف والتفكك. ثم جاءت يقظة الأمة العربية، وخوضها معارك النضال للتحرُّر، فكان الشعب في القطر السوري في طليعة الشعوب العربية المناضلة في سبيل الحرية والاستقلال، وما فتئ يناضل حتى كتب الله لنضاله النجاح، فنعم بحرية واستقلال يغبطه عليهما أشقاؤه في الأقطار الأخرى. إلا أن السنين الطوال التي بقي خلالها يرسف في الأغلال، جعلته يتعثر في خطواته الأولى من حياته الحرة، لحداثة عهده بها، فكانت هفوات، وكانت أخطاء، صدمته وهو في مستهل نهضته الحديثة.

المعارضة الشريفة

وكان من الطبيعي أن تتكوَّن معارضة شريفة نزيهة، تستهدف تقويم الحكم في مستهل العهد الاستقلالي، وتطالب بالمزيد من الإصلاح، وسارت هذه المعارضة جنبًا إلى جنب مع جماهير الشعب، في طلائعه المدركة الواعية تتحسس آلامه وآماله، وتعمل جاهدة على تخفيف الآلام وتحقيق الآمال، وما كانت في وقت من الأوقات تفكِّر في الأساليب العنيفة الدموية، لإصلاح ما فسد من الأوضاع، بل كانت تعتنق مبدأ التطوُّر السلمي والإصلاح التدريجي، مع التوثب الدائم إلى حياة أحسن وأفضل، يقينًا منها أن ذاك أكثر ضمانة وأقل أخطارًا، في بناء نهضة الأمة العربية الحديثة، ومواعظ التاريخ، قديمها وحديثها شاهدة على أن أساليب العنف تخلف في المجتمعات والأمم من الأضرار والدمار، أكثر بكثير مما تحققه من التقدُّم والازدهار.

ولادة حزب الشعب

ومن هذه المعارضة وفي اتجاهاتها الواضحة السليمة، انبثق حزب الشعب في مؤتمر عقد عام 1948 حيث أقر منهاجه ونظامه، وأبرز حزب الشعب فيهما حقيقتين واضحتين:

الأولى: أن هذه المجموعة من المواطنين التي يتألَّف منها الحزب تنسجم في منهاجها المكتوب، مع أعمالها وسلوكها واتجاهاتها في الأهداف القومية والاجتماعية والثقافية التي تعتنقها وتعمل لها منذ بضع سنين.

الحقيقة الثانية: أن المبادئ التي تضمَّنها ميثاق حزب الشعب جاءت محققة لما تنشده وتسعى إليه جميع الشعوب العربية في مختلف أقطارها، سواء أكان ذلك في المثل القومية، أو في تصحيح وإصلاح الأوضاع الداخلية.

ولقد كانت هاتان الحقيقتان، وما زالتا وستبقيان الطابع المميز لحزب الشعب لا يحيد عنهما على الرغم من الصدمات التي تلقاها منذ تأسيسه حتى الآن، وعلى الرغم من العواصف التي صمد لها من دون أن يتزعزع أو يتصدَّع.

تحمُّل المسؤوليات من دون تردُّد

وكان على حزب الشعب خلال فترة من الزمن، أن يواجه مسؤوليات جسامًا في أقسى الحالات وأدق الظروف، فحمل مسؤولياته كاملة، غير متردِّد ولا وجل، ونهض بأعباء باهظة من دون أن يتأخَّر أو ينكص على عقبيه، ومضى في الطريق التي يرى فيها سلامة بلاده من الأخطار التي تهدِّد مستقبلها وحاضرها تهديدًا مباشرًا، وعالج خلال ذلك من الأزمات الطارئة والمصطنعة ما استنزف الكثير من جهده ووقته، من دون أن يتخذ من ذلك وسيلة من وسائل الدعاية لحزبه ولأعضائه، لأنه كان يؤمن بأن معالجة تلك الصعوبات والأزمات بالصبر والحكمة، والكتمان ونكران الذات مما تفرضه مصلحة البلاد العليا والظروف الخاصة التي كانت تمر بها. وعلى الرغم من الأوضاع الشاذة التي تخبَّطت فيها البلاد فحالت من دون تمكين الحزب من الخطط المتلائمة مع عقائده ومبادئه، فقد وفق إلى وضع دستور ضمنه الكثير من المبادئ التقدمية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإدارية، المستمدة من منهاج الحزب والمتفقة مع أرقى النظم الديمقراطية الحديثة، محققة قسطًا وافرًا من ضمانات العدالة الاجتماعية، ورفع مستوى الحياة إلى درجة لائقة كريمة، كما أنه حقق إبان الفترة القصيرة التي تحمل فيها أعباء الحكم، على الرغم من الملابسات التي كانت تكتنفه، عددًا ضخمًا من الأعمال والمشاريع المعروفة، نعدِّد منها على سبيل المثال:

الأعمال والمشاريع التي حقَّقها الحزب:

- التوسُّع في إحداث المدارس الابتدائية والإكمالية.

- إقرار مجانية التعليم في المدارس الثانوية.

- تنظيم البعثات العلمية إلى الخارج وحصرها في الفنون والعلوم التي تحتاج إليها البلاد.

- إحداث معاهد إصلاحية نموذجية للأحداث في المدن الكبرى مقدمة لتعميمها في بقية المحافظات.

- زيادة رأسمال المصرف الزراعي عشرة ملايين ليرة سورية.

- إحداث مكتب القطن وجلب الخبراء والفنيين له.

- إحداث مصلحة السبر وحفر الآبار، وتزويدها بالمال اللازم بغية تعميم الري، باستخراج المياه الجوفية في سائر المناطق.

- شراء عدد ضخم من الآلات الزراعية وتوزيعها على المزارعين.

- إحداث مؤسسة مشروع الغاب وإدخاله في طور التنفيذ، مع اتخاذ تدابير لحماية أراضيه من التجاوز.

- توزيع كثير من أراضي أملاك الدولة على صغار الفلاحين والبدو، غير المالكين، بغية تحضيرهم.

- إدخال مشروعي مرفأ اللاذقية وجر مياه الفرات إلى حلب في دور التنفيذ الفعلي.

- حصر التصدير والاستيراد في مرفأ اللاذقية بغية إنعاشه.

- إلغاء القيود التي كانت مفروضة على القطع النادر الناتج من التصدير.

- إلغاء القيود التي كانت مفروضة على تصدير منتجات البلاد من قطن وحبوب وغيرها مما أدَّى إلى تحسين زراعة البلاد وزيادة الإنتاج القومي وازدهار الحالة الاقتصادية.

- وضع قواعد عادلة وثابتة لقانون الإيجارات.

- إقراض البلديات، على نطاق واسع لتأمين الماء والكهرباء والمجاري الصحية لمناطق تلك البلديات.

- إقرار مشروع المساكن الشعبية ثم وضعه موضع التنفيذ.

- إلغاء رسمي الدخولية والقبان.

- إلغاء تلزيم رسوم البلدية للمتعهدين، إنقاذًا للبلديات والمواطنين من التحكُّم والاستغلال غير المشروع.

- إحداث مكتب تفتيش الدولة.

- فصل ديوان المحاسبات عن السلطة التنفيذية.

- تأميم مؤسسة حصر الدخان.

- إصدار قانون تأميم الماء والكهرباء.

- تأميم مؤسسة كهرباء دمشق ومؤسسة كهرباء وماء حلب.

- تخصيص عشرات الملايين من الليرات السورية لتقوية الجيش، وتزويده بالأسلحة والعتاد.

سيادة القانون ونزاهة الحكم

كل ذلك بالإضافة إلى تحقيق سيادة القانون، وجعل نزاهة الحكم فوق المظان والشكوك. وكان حزب الشعب في كافة هذه الظروف يولي اقتصاديات البلاد بالغ اهتمامه، فعمل طاقة جهده ليكون الإنتاج قويًّا، كي يتحقَّق التوازن بين صادرات البلاد ووارداتها، وقد حصل ذلك فعلًا لأول مرة في تاريخ سورية إبان حكم الحزب، وهذا التوازن عامل أساسي في تنفيذ المبادئ الاجتماعية والثقافية الواردة في الدستور.

دعم الصناعة وتوفير حياة كريمة للعمال

وقد دعمت حكومة حزب الشعب، إلى جانب ذلك، صناعات البلاد، لتسهيل السبل أمامها وتيسيرها كفالة قروض شركاتها وحماية مصنوعاتها حماية مشروطة بعدم استثمار المستهلك والإثراء على حسابه وبعدم استغلال مجهود العامل وتوفير حياة كريمة لائقة به، لأن الحزب يؤمن بأن العامل ورب العمل يشكلان معًا دعامة الإنتاج القومي ويحققان بتعاونهما الاستقلال الاقتصادي ورفع مستوى العيش في البلاد. وقد حرص الحزب في سياسته هذه على وجود وحدة بين الفريقين، أرباب العمل والعمال لكي يحول دون الانقسامات الطبقية مستهدفًا وحدة الشعب التي لا بدّ منها لمجابهة الأخطار الخارجية الدقيقة التي تحيط ببلادنا.

المشاريع التي لم تنفذ

وهنالك عدد غير قليل من المشاريع الموضوعة، تنفيذًا لأحكام الدستور وتحقيقًا لتقدُّم الوطن وعمرانه، كانت قد درست وأعدت، واتخذت طريقها إلى مجلس النواب أو إلى التنفيذ الفعلي. لكن الأحداث عاجلتها فأوقف منها ما أوقف، وصدر منها عدد أخذه عهد الاغتصاب من مكتب المجلس فأقره ونشره بعد تشويهه بغية الدعاية والإعلان.

الوحدة العربية

ولم يتخل حزب الشعب خلال كل ذلك عن مبادئه القومية. فقد آمن بأن «العرب في مختلف ديارهم أمة واحدة، ذات كيان واحد، تتوافر فيها عناصر الوحدة الشاملة من روحية وسياسية واقتصادية واجتماعية». لذلك دعا إلى الوحدة العربية وأقر أثناء وضع الدستور أمنيته الغالية بالدعوة إلى جمع هذه الدويلات الممزقة في دولة عربية واحدة، يكون لها شأنها وقدرها في الميدان الدولي، وقد بذل الحزب جهودًا ضخمة لتحقيق هذا الهدف السامي، وقام رئيس حكومته بجولة في جميع الأقطار العربية داعيًا دولها إلى التآلف والتضامن ونبذ الخلافات الأليمة بين الملوك والرؤساء، والقضاء على هذه المعسكرات المتناحرة التي كادت تقضي على العرب، وعلى كياناتهم جميعًا. لأن العدو الغادر ما زال يتحين الفرص للفتك بهذه الدويلات والتوسُّع على حسابها، ولا نكران لما تتطلَّبه حاجة الدفاع الملحة من وقوف العرب صفًّا واحدًا، تجاه الخطر العسكري والسياسي والاقتصادي لإسرائيل.

تقوية دعائم الجامعة العربية واتخاذها وسيلة لتحقيق الوحدة المنشودة

فالحزب يؤمن بأن سورية مدعوة دائمًا لأن تكون عامل وئام ووفاق وانسجام بين الدول العربية جمعاء، والواجب القومي يفرض عليها أن تضع كل إمكانياتها في هذا السبيل، وإنها تأبى، إبقاءً على وحدة الصف العربي وحفاظًا على كرامتها وسيادتها ونظامها الجمهوري، أن تتخذ وسيلة نزاع وشقاق بين الدول العربية. وبسبب ذلك نشد الحزب تقوية دعائم جامعة الدول العربية وبعث الروح في ميثاقها واتخاذه وسيلة «لتوحيد قوى الدفاع وأنظمته وقيادته، وتوحيد التشريع، ومناهج التعليم، والاقتصاد والنقد، وتأسيس مصرف إصدار مشترك واعتبار البلاد العربية وحدة اقتصادية وجمركية وإلغاء جوازات السفر بينها» هي الخطوات الأولية التي يرى حزب الشعب السير فيها لتحقيق الوحدة العربية المنشودة.

وكانت المذكرة التي قدَّمها رئيس حكومة حزب الشعب إلى جامعة الدول العربية تعبيرًا عن الخطوات العملية لتحقيق هذه الأهداف والأماني، فقد أوضح فيها بشكل لا لبس فيه ولا غموض، رغبة سورية الصادقة في تحقيق وحدة شاملة مكينة بين جميع الدول العربية. وقد اهتم بهذه المذكرة جميع أعضاء الجامعة العربية وأقرُّوا ضرورة درسها، كما أنها حازت تأييدًا إجماعيًّا من كافة الأوساط السياسية في جميع البلاد العربية، وأيَّدتها كافة الصحف العربية على اختلاف نزعاتها السياسية. إلا أن السياسة المرسومة بعزل سورية عن الميدان العربي كدولة موجهة ذات شأن وخطورة حملت الحكومة التي أعقبت حكومة حزب الشعب، على سحب هذه المذكرة من الجامعة العربية، وعادت بسورية إلى وضع سقيم هزيل، يجعلها من جديد مسرح تنافس بين المعسكرات العربية المتنابذة المتخاصمة.

الدعوة إلى الاستقرار والحكم النيابي السليم

ولقد كان حزب الشعب، خلال الفترات التي تولَّى فيها الحكم أو شارك فيه، يسلك جميع الطرق التي تعيد إلى البلاد الاستقرار المكين وتوطيد دعائم الحكم النيابي الديمقراطي السليم حتى ترجع الأمور إلى نصابها، والسلطات إلى محورها، وذلك بالمصانعة واللين حينًا والحزم حينًا آخر لكن الأمور ازدادت سوءًا واشتدَّت الأزمات تعقيدًا، ووجد الحزب نفسه بعد الجهود التي بذلها، والتضحيات التي قدَّمها، مدعوًّا لاتخاذ خطوة حاسمة تضع حدًّا نهائيًّا لشرور الحكم المزدوج، فوقف أمام مفترق طريقين:

إما حكم ديمقراطي دستوري شرعي تتجلَّى فيه إرادة الشعب الحقيقية. وإما حكم ديكتاتوري بوليسي، سافر غير مقنع.

ألوان الفساد أيام الحكم الفردي

وشاءت الأحداث التي وقعت في البلاد، أن تدفع سورية إلى الطريق الثاني، إذ قام أديب الشيشكلي ومَن كان ضالعًا معه باغتصابه المعروف، فاعتقلت الحكومة عشية تأليفها، كما اعتقل رئيس المجلس النيابي ورئيس الحزب، وعدد غير قليل من أعضائه ونوابه، وظلّوا في المعتقل بضعة أشهر، وكانت محنة طويلة لقيت فيها البلاد ألوانًا من الهوان والفساد، فاستبيحت أقدس الحقوق، وهدرت الدماء وعذب المواطنون تعذيبًا شديدًا، وصودرت جميع الحريات، وحلت الأحزاب، ومنعت الاجتماعات، وكمت الأفواه وغلت الأقلام، ورفعت الحصانات، وسيق المواطنون إلى السجون والمعتقلات، من مدنيين وعسكريين بلا اتهام ولا استجواب ولا محاكمة، واستفحل أمر التجسس، وألفت الديكتاتورية شبكات واسعة لعصابات تهريب المخدرات وبسطت لها حمايتها، واستغلت مختلف مرافق الدولة أبشع وأسوأ استغلال لكسب الأنصار وإملاء الجيوب، بعشرات الملايين.

دور الحزب في مقاومة الحكم الفردي وجمع الصف الوطني

إزاء كل ذلك بات جميع المواطنين بين راغب وساع للخلاص من هذا العهد الأسود المشؤوم، وقام حزب الشعب بواجبه في إنهاء عهد الحكم الفردي، إذ عمل من دون ما كلل أو وجل في جمع العاملين المخلصين بجبهة وطنية، فكانت المذكرة المعروفة، وكان مؤتمر حمص، وكان الميثاق الوطني. حدث كل ذلك تحت سمع الطاغية وبصره، لأن حزب الشعب الذي لم يهادن المغتصب منذ الساعة الأولى، لم يخشَ أساليب البطش والتنكيل التي لجأ إليها المغتصب بل ظلَّ يعمل لوضع حدٍّ لشروره، حتى وفق العاملون المخلصون إلى ذلك في الخامس والعشرين من شهر شباط 1954، بفضل جهاد الشعب المتواصل وعزيمة جيشه الصادقة. وتنادى قادة الرأي من حزبيين ومستقلين غداة الحدث السعيد إلى الاجتماع في دار فخامة الرئيس الجليل في حمص، وأجمع رأيهم على ضرورة الانتفاع بتجارب الماضي وعبره، ووجوب التعاون تعاونًا صادقًا مخلصًا غير قصير الأمد، لترميم ما خربه العهد الماضي، وكان رأي حزب الشعب في مختلف الاجتماعات التي عقدت قبل الانقلاب، وبعده واضحًا جليًّا. وهو أن سورية تواجه أخطارًا خارجية لا يمكن درؤها إلا باستقرار داخلي يقوم على اتفاق جميع الهيئات الموقعة للميثاق، وذلك لنهج سياسة داخلية وخارجية موحدة تمتد لدور تشريعي كامل.

الحكومة المؤتلفة وظروف تشكيلها

وتشكَّلت الحكومة المؤتلفة في ظرف عصيب ودقيق، وكانت وجهة نظر الحزب أن تكون قومية تضمُّ جميع الأحزاب والعناصر التي اشتركت في ميثاق حمص، لكن عقبات وعوامل خارجة عن إرادة الحزب قامت في وجه الإرادة فلم تتحقَّق رغبة الحزب الصادقة في تعاون الجميع، واضطر للاشتراك في الحكومة التي تألفت إنقاذًا للوضع الحرج الذي كانت تواجهه البلاد وبصورة خاصة مدينة دمشق.

الذين لم ينسجموا مع رئيس الأركان

إلا أن الأشهر القليلة التي مرّت خلال فترة الانتقال تميزت بأن بعض الضباط الذين لهم ميول حزبية، لم ينسجموا مع العهد الذي قطعه في حمص رئيس الأركان العامة باسم الجيش، لرجالات البلاد وأحزابها بعدم تدخُّل الجيش في السياسة وعودته إلى ثكناته، والتزامه حدود مهمته الدستورية المقدسة، ومع ذلك فإن حزب الشعب الذي صمَّم على إنهاء فترة الانتقال المؤقتة بأقصى ما يمكن من السرعة مستهدفًا استئناف الحياة النيابية على شكلها القويم السليم، ساير القائلين بقيام حكومة حيادية وعاون في تأليفها، وساهم في منحها ثقة المجلس الإجماعية، وبذل غاية جهده لتسهيل مهمتها في إجراء انتخابات منزّهة عن كل غرض أو توجيه أو مداخلة. إلا أن قيام الحكومة الحيادية لم يمنع استمرار المداخلة بصورة واضحة، لذلك اضطر الحزب إلى إعادة النظر بالموقف العام من جميع وجوهه.

واجب كل سلطة بالتزام حدودها الدستورية

ولما كان حزبنا يعتقد اعتقادًا راسخًا أن ممارسة السلطات العامة، على غير الحدود المقررة في الدستور، أمر خطير جدًّا، يهدِّد كيان البلاد واستقلالها ونهضتها واستقرارها، ويشيع في جوانبها القلق، والفوضى والاضطراب، ويجعلها عاجزة عن الوقوف في وجه الأخطار الخارجية ويشغل الجيش عن الاهتمام بأمر تقوية نفسه وحسن إعداده، وهو الجيش الذي تغذِّيه سورية بالفئة المختارة من مهجها وشبابها القومي المخلص الأمين.

لذلك أردناه أن يكون بعيدًا عن المزالق السياسية حتى يبقى موضع ثقة وتقدير جميع المواطنين. وإذا كنا نأبى على بعض ضباطه، أن يسيروا وفق اتجاهات حزبية، فلأن الحزبية تكون ضارة أبلغ الضرر إذا تغلغلت في صفوف الجيش، ولأننا نخشى بانشغاله في غير ما وجد له، أن يعيقه ذلك عن تهيئة تأدية واجبه المقدس، في الدفاع عن حياض الوطن والذود عن أراضيه.

إن حرص حزب الشعب في هذا الشأن مستمدّ من تجارب الماضي القريب ومن صوره التي لما تبارح بعد مخيلة أحد من المواطنين.

دمشق 5/12/1373 و4/8/1954
المكتب التنفيذي لحزب الشعب