الملحق رقم 10، الجزء 4: في رثاء رشدي الكيخيا: رسالة تعزية من عصام العطار
وكتب الأستاذ عصام العطار مرشد الإخوان المسلمين في سورية في مجلة الرائد العدد 112 تاريخ صفر 1409 ما يلي:
رسالة تعزية.. أو فصل من مأساة
مات رشدي الكيخيا
مات غريبًا مريضًا في قبرص!!
لم يجد في وطنه العربي من المحيط إلى الخليج سريرًا يضطجع عليه، ولا قبرًا يدفن فيه!!
سمعت بوفاته وقد مضى عليها زمن طويل.
لم يكن جيلنا من جيله، ولا فكرنا من فكره، ولا نهجنا من نهجه، لكنه كان رجلًا كبيرًا، يشهد له أعداؤه وأصدقاؤه بالنزاهة، ويشهدون له بالترفع.
لو قبل رشدي الكيخيا في بعض العهود أن يكون رئيسًا للجمهورية العربية السورية لكان، فقد عرضت عليه رئاسة الجمهورية أكثر من مرة ولو أحب أن يكون نجمًا في السماء العربية لكان، فقد كان أكثر الأنظمة العربية يخطب وده، ويحرص على رضاه.
لقد حزنت عندما بلغني نبأ وفاة هذا الرجل الكبير؛ حزنت لشيخوخته ومرضه، ومعاناته في وحدته وغربته عن «سورية» وعن وطنه العربي، وحزنت أكثر وأكثر لموت المروءة والإنسانية والوفاء في أرض العرب.
وسألت نفسي:
- من أعزِّي، وكيف أعزِّي، بهذا المصاب الأليم؟
فأجابت النفس:
إن أجدر الناس بأن يعزَّى به هو صديقه الحميم الأثير، ورفيق حياته ودربه الدكتور ناظم القدسي.
لكن أين ناظم القدسي؟
أين أنت أيها الصديق الجليل لأسوق إليك العزاء؟
إنك - وا أسفاه - مشرّد كصديقك رشدي، وكغيره من الأصدقاء لا أعرف أين تقيم لأكتب إليك، ولا أعرف من يعرف.. ولطالما كنا في فترة من الفترات لا يكاد يمرُّ بنا يوم من دون لقاء، ومن دون شاهد جديد على ودك الصادق، وأدبك الجم، وخلقك الرفيع، على الرغم مما بيننا من خلاف.
أين أنت الآن في شيخوختك الجليلة؟ وكيف حالك حيث تقيم؟
هل انتهى بك المطاف إلى بلد مناسب تأوي إليه؟ هل وجدت مكانًا ثابتًا تريح جنبك عليه؟ هل لقيت رعاية ووفاء، أم إهمالًا وعداء؟ هل أنت صحيح الجسم أم دب في جسمك السقم؟ وهل سكت في نفسك الشوق الملح - الذي حدَّثتني عنه في جنيف سنة 1967م - إلى بلدك وصحبك ومزرعتك ذات الطريق المترب المرمل في حلب، أم لا يزال هذا الشوق إلى مراتع صباك، ومسارح شبابك، وميادين نضالك، ومجالس صحبك القدماء، يذيب قلبك الكبير، ويؤرِّق ليلك الحزين.
أحرام على بلابله الدو
ح حلال للطير من كل جنس
كل دار أحق بالأهل إلا
في خبيث من المذاهب رجس
إنني أرسل إليك من ديار الغربة والغرب حيث أقيم.. أرسل إليك من مدينة آخن التي شهدت فواجعنا ومواجعنا، واستشهاد «بنان».. أرسل إليك حيث تقيم من أرض الله.. أرسل إليك تعزية شريد إلى شريد، وغريب إلى غريب، وحزين إلى حزين.
إنني لم أعرف أخاك وصديقك رشدي عشر معشار معرفتك، ما عرفته معرفة مباشرة إلا أواخر عهدنا بسورية، وخلال إقامتنا في لبنان - قبل أن أبعد عن لبنان - ومع ذلك فقد قام بيننا من الصلة والمودّة المجرّدة ما بقي أثره في نفسي حتى الآن، ورأيت في صحبتنا من مزاياه ما يستحق أن يحفظ ويروى؛ فكيف بك أنت على طول صحبتكما، وعمق أخوتكما وصداقتكما، ووحدة طريقكما وهدفكما وعملكما على الأيام؟
ثم إنني - ولا أكتمك ما في نفسي - أرى في مصير رشدي في شيخوخته ومرضه وغربته ملامح من مصائرنا، وأرى في هذه المصائر فصلًا فاجعًا من مأساة العرب والمسلمين في هذا العصر.
لكنني - على الرغم من ذلك كله - سأمضي - ومن معي - في طريقنا العتيد مع الله، ننهض بواجبنا ودورنا الذي يرضاه، لا نخاف ولا نرجو أحدًا سواه.
نمضي مع الله قدمًا لا تعوقنا
عن المضي وإن جلت مآسينا
نمضي مع الله والإسلام يهدينا
الله يمسكنا والله يزجينا
نمضي مع الله والجلى تنادينا
راضين راضين ما يختار راضينا
* * *
نمضي إلى الغاية الكبرى على ثقةٍ
عزم حديد ونهج غير منبهمِ
وأنفس قد شراها الله صادقة
أقوى من الموت والتشريد والألمِ
ما طأطأت قط للطاغوت صاغرة
خوفًا وعجزًا وما ألقت يد السلمِ
* * *
حفظك الله يا أخي الجليل، ومتعك بالصحة والعافية.. وحفظ سائر الأصدقاء والغرباء، وجعل لهم بعد عسر يسرا، وبعد شدة فرجا.. إنا لله وإنا إليه راجعون.
وأنتم - يا أيها الأخوة الذين تقرؤون هذه الكلمات - رجائي إليكم أن يوصلها من يستطيع ذلك منكم - إلى الدكتور ناظم القدسي، وإلى أسرة رشدي الكيخيا، وإلى بقايا أصدقائه وأصدقائنا في كل مكان. ولا بأس بأن تصل أيضًا إلى أصحاب السلطة والقدرة، الذين عرفوا الفقيد شابًا أو كهلًا قويًّا عزيزًا في بلده، ثم شهدوه شيخًا ضعيفًا غريبًا، يلفظ أنفاسه الأخيرة في بلد غريب لا ينسب نفسه إلى عروبة ولا إسلام، فلم ينبض في صدورهم عرق برحمة ولا نخوة، ولا وفاء!
عصام العطار