الملحق رقم 10، الجزء 7: في رثاء رشدي الكيخيا: مطيع النونو والزعيم الذي دفن في قبرص
رشدي الكيخيا.. الذي دفن في قبرص
بقلم مطيع النونو - الشرق الأوسط 11/6/1988
رشدي الكيخيا الزعيم السوري الذي أعطى حياته لبلاده ثم دفن في قبرص كان يمثل الأكثرية المطلقة تحت قبة البرلمان وبوفاته انطوت صفحة من تاريخ النضال السوري.
بالأمس القريب أفل نجم سياسي ثاقب، وفقدت سورية بوجه خاص والأمة العربية بوجه عام أحد رجال الرعيل الأول وواحدًا من ألمع الوطنيين المناضلين في الساحتين الشعبية والرسمية. إنه الزعيم السوري الكبير (رشدي الكيخيا)، الذي انتقل إلى جوار ربه، مهاجرًا، مشرّدًا، بعيدًا عن وطنه الغالي، وعن المدينة المناضلة التي أنجبته، وأحبها وأحبته!
مات الزعيم السوري رشدي الكيخيا، وانطوى معه - في مخزونه الفكري غير المكتوب على الورق - كثير من أسرار الحركات الوطنية والأمور السياسية، التي لا يعرفها إلا القليل من رجالات الرعيل الأول والذين ساهموا معه في صناعة القرار السوري أولًا والقرار العربي ثانيًا.
كان الفقيد الكبير، تحت قبة المجلس النيابي السوري، وكان يمثل الأكثرية المطلقة في المجلس، مصدر التشريع في مختلف العهود الديموقراطية.
انتقل الرئيس رشدي الكيخيا إلى جوار ربه، في مدينة ليماصول، البلدة السياحية، في القطاع اليوناني من قبرص، ودفن في مقبرتها الإسلامية، ولم يشارك في تشييع جثمانه إلا عدد قليل من إخوانه السوريين وغيرهم من عارفيه ومقدريه، الذين كانوا مقيمين في تلك المدينة.
وُلد الفقيد الكبير في آخر القرن التاسع عشر بمدينة حلب الشهباء - في شمال سورية - وما كان يدور في خلد أحد أن تحرم مدينة حلب، وأن يحرم الشعب السوري العربي، من تشييع هذا الفقيد العظيم إلى مثواه الأخير، ليدفن جثمانه الطاهر إلى جانب إخوانه الوطنيين الذين سبقوه إلى دار البقاء وفي طليعتهم إبراهيم هنانو، سعد الله الجابري، عبد الرحمن الكيالي وغيرهم من الأقطاب البارزين في الكتلة الوطنية التي كانت تقود العمل الوطني، والنضال ضد المستعمر، وقد ضحَّى مؤسسوها بكل غال ونفيس في سبيل الاستقلال والمحافظة على سيادة سورية، وطرد الاستعمار من أراضيها.
كان رشدي كيخيا يصنع أو يشارك بقوة في صنع الأحداث المجيدة في حياة سورية، وكانت الصحف الوطنية تتناقل بلهفة ما يخبرها به ويوجهها إليه، لكن صدق الشاعر القائل:
بينا يرى الإنسان فيها مخبرا
حتى يرى خبرًا من الأخبار
.. وإني لأجدني مدعوًا قبل الحديث عن علم من أعلام الجهاد الوطني وقمة من قمم السياسة في ديار الشام، أن أؤدِّي واجب الشكر للمسؤولين عن جريدة «الشرق الأوسط» جريدة العرب الدولية التي أنشئت لتكون منبرًا للعالمين العربي والإسلامي تتردَّد فيه كل الأصداء وتسمع فيه كل الآراء، ويكشف فيه عن الأسرار وتحلّل المواقف.
إن صحيفة «الشرق الأوسط» لم تتميَّز بأخبارها اليومية فحسب، لكنها أصبحت سجلًا للحركات الوطنية والثقافية في بلاد العرب، يقبل الناس على مطالعتها بلهفة في كل قطر عربي، وحيثما يوجد ناطقون بالعربية.
لقد نعى الزعيم السوري رشدي كيخيا ثلاثة من إخوانه الوطنيين على صفحة «الشرق الأوسط»، وهؤلاء يعيشون هم أيضًا خارج الوطن، وجميعهم يمثلون الجاليات السورية في الخارج وهم: الدكتور ناظم القدسي رئيس سابق للجمهورية السورية، الدكتور معروف الدواليبي رئيس وزراء سابق، الدكتور منير العجلاني وزير سابق ونائب دمشق في جميع العهود الدستورية.
.. وقبل نشر النعي اتصل بي دولة الدكتور معروف الدواليبي، أحد المقربين من الفقيد وأبلغني نبأ وفاة الزعيم الكيخيا.. وأنه دفن في قبرص فكان لهذا النبأ وقع الصاعقة في نفسي، وزاد في حزني البالغ أنه دفن بعيدًا عن وطنه، ولم يشارك في تشييعه إخوانه وزملاؤه الوطنيون.
عاش وحيدًا ومات غريبًا.
لم يكن للرئيس الكيخيا زوجة أو ولد، لأنه لم يفكِّر في الزواج بل نذر نفسه للنضال الوطني السياسي الشريف، وكان يلازمه طيلة الفترة التي قضاها خارج سورية - أي منذ عام 1967 في أعقاب حرب حزيران (يونيو) الخاطفة - ابن شقيقه الوفيّ السيد مروان الكيخيا.
والحق إن من واجب كل سوري عرف نضال الكيخيا، أن يتحدَّث عن صفاته ومزاياه وبذلك يؤدِّي خدمة جليلة لتاريخ العرب، ويعرف الأجيال الصاعدة بما قد يجهلونه من الوطن، فلا حاضر ولا مستقبل لأمة تجهل ماضيها. وإن المكتبات العربية فقيرة أو شبه خالية عن تاريخ سورية الحديث، ونضالها الوطني المتواصل، بسبب إحجام أهل السياسة والمعرفة ورجال الدولة الذين تولوا مناصب رفيعة، وقاموا بأدوار كبيرة في حياة بلادهم عن نشر مذكراتهم. والواقع أن الشخصيات السورية التي شاركت في صنع القرار السوري، منهم من قضى نحبه رحمهم الله كالرئيس القوتلي، والسادة إبراهيم هنانو، وسعد الله الجابري، وجميل مردم بك، ولطفي الحفار، وصبري العسلي، والدكتور منير العجلاني وغيرهم أمد الله بأعمارهم جميعًا، هؤلاء عاصروا الأحداث السورية وعليهم واجب وطني مقدس، وهو المشاركة في تسجيل التاريخ، ونحن ننتظر أن يستجيب كل منهم لنداء الواجب، خاصة وإن رئيس تحرير «الشرق الأوسط» قد أعلن في أكثر من مناسبة عن فتح صفحات «الشرق الأوسط» لنشر مثل هذه المذكرات وهو موقف يشكر عليه.
إن المذكرات القيمة التي نشرتها صحيفة «الشرق الأوسط» منذ أكثر من عامين لنقيب الصحفيين السوريين المرحوم الأستاذ نصوح بابيل، والتي تنشرها الآن من أوراق الانتداب للأستاذ زهير الشلق، الكاتب العربي الكبير، أمد الله بحياته، عمل جليل جدًّا يستحق التنويه والتقدير والإعجاب.
فرض احترامه على الجميع
وبعد: فقد كان رشدي الكيخيا شخصية نادرة، دمث الأخلاق، بعيدًا عن المهاترات السياسية، وبذلك فرض احترامه على الجميع حتى على خصومه السياسيين الاشتراكيين والشيوعيين، فقد كان يحترم الصغير والكبير، ويحرص على أن تكون علاقاته مع الجميع طيبة من دون أدنى انفعال، كان يسعى لرد الزيارة لمَن يقوم بزيارته مهما تكن شخصية من زاره، وكان مترفعًا عن السفاسف والصغائر، ولم يطعن قط في خصومه السياسيين، بل كان يحترم الجميع، مع أنه لا يهاب أحدًا، إلا الله جلت قدرته.
كان الكيخيا من الرجال القلائل الذين يتحمَّلون الصدمات مهما يكن نوعها، فوصف بالسياسي «الصامد»، وكان رجلًا قليل الكلام، وقد وصف بالرجل «الصامت»، فهو يعمل بتخطيط مدروس من دون «جعجعة» لا كما يفعل البعض، وكان يلتزم بالحديث الشريف: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان» وعندما يقول في المجلس النيابي «نعم» يردِّد جميع نواب حزبه: وهم أعضاء حزب الشعب الذي أسسه وانضوى تحت لوائه أكثر من 40 نائبًا كلمة: نعم! وإذا قال «لا» التزم الجميع بكلمة «لا» لأن قراره يصدر عن بعد نظر وقناعة سياسية. وقد كان له في المجلس النيابي عدد من المؤيدين لقراره من المستقلين غير الحزبيين، فقد كان المدرسة السياسية الوطنية والمدافع الأول عن الدستور السوري ليلتزم الجميع ببنوده.
أدخل الفقيد الكبير السجن السياسي مرات عديدة في عهد الانتداب الفرنسي، وفي الانقلابات العسكرية، وكان آخرها في عام 1966، ثم أطلق سراحه مع السياسيين المعتقلين في سجن تدمر في أعقاب حرب الخامس من حزيران (يونيو) 1967م، فلجأ إلى بيروت للإقامة فيها، وقد صودرت أمواله في عهد الوحدة المصرية السورية، وهي أموال منقولة وغير منقولة تشمل أراضي واسعة غنية بأشجار الزيتون في محافظة حلب، وكان ينفق من مواردها على العمل السياسي الوطني وعلى معيشته، ولا تزال أراضيه مصادرة حتى الآن، ولم يوافق على تقديم طلب خطي إلى الجهات المعنية لاستعادة أراضيه، وكان يقول: «كما صودرت يجب أن تعاد إلى صاحبها».
بيروت المقر الدائم
أقام في بيروت وجعلها مقرًّا لإقامته الدائمة وكان يمضي فيها الفصول الثلاثة في السنة، ينتقل في فصل الصيف إلى مصيف برمانا المحاطة بجبالها الخضراء المكسوة بأشجار الأرز، وقد اضطر مرارًا للانتقال إلى بعض العواصم العربية والأوربية، بسبب اشتداد الأحداث الدموية في لبنان، وأخيرًا قرَّر أن ينتقل بين بيروت وليماصول، ويمضي فترة الصيف في الأخيرة.
ومنذ ثلاث سنوات اضطر لإجراء عملية جراحية في مستشفى الجامعة الأميركية ببيروت، إلا أن العملية لم تنجح تمامًا، فتوجه إلى المملكة العربية السعودية بدعوة من الأمير عبد الله بن عبد العزيز حيث أجريت له عملية ثانية في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض على يدي جراح لبناني معروف.
اختار قبره بنفسه.. بعد تدهور صحته
وفي مطلع عام 1988م ألح عليه المرض وتدهورت صحته، واضطر إلى ملازمة سريره بالفندق في ليماصول، وقد بلغ الأمير عبد الله بن عبد العزيز، نبأ سوء حالته الصحية، فأجرى اتصالًا هاتفيًّا معه، وطلب إليه الحضور إلى الرياض، أو اختيار أي بلد آخر للعلاج، وتفضل الأمير عبد الله ووضع طائرة خاصة تحت تصرُّفه لهذه الغاية، لكنه اعتذر شاكرًا على هذه اللفتة الكريمة مؤكِّدًا أن صحته لا تساعده على مغادرة السرير وركوب الطائرة.
وقيل إنه قبل وفاته بأيام معدودات تحامل على نفسه وغادر سريره في الفندق وتوجه إلى مقبرة المسلمين بمدينة ليماصول، وهي تقع إلى جوار مسجد المدينة، وأوصى ابن شقيقه بأن يدفن في هذا المكان، بدلًا من أن ينقل جثمانه إلى مدينة حلب حتى لا يزعج أحدًا بنقل جثمانه، أو الاشتراك في عملية التشييع.
وإنني أكتب هذه السطور وأنا أردد بلوعة وأسى شديدين، قول الشاعر:
أحرام على بلابله الدوح
حلال للطير من كل جنس؟
أيموت هذا الرجل العظيم الذي نذر حياته للوطن.. بعيدًا عن الوطن؟ وهل كتب على مجاهد مثله أن يعاني أوجاع المرض القاسية خلال فترة طويلة، وهو مشرّد عن وطنه، لا زوجة ولا ولد ولا أصدقاء حوله، وهو الذي أوجد العديد من السياسيين، وبخاصة أولئك الذين دخلوا في الحزب، الذي أسسه ورعاه، ومنهم مَن تولَّى النيابة والوزارة، وكان له دور بارز في عالم السياسة؟ أيجوز أن ينقل إلى جوار ربه ويدفن تحت تراب غير تراب وطنه الذي ضحى من أجله بكل ما يملكه في هذه الدنيا؟