الملحق: كلمة الدكتور محمود السيد وزير التربية في حفل التأبين
وزير التربية
في حفل تأبين المرحوم الدكتور عبد الوهاب حومد
أيها الحفل الكريم
لكم هو صعب أن يتحدث المرء في موقف مهيب كهذا الموقف عن علم من أعلام بلاده وقلعة أخلاقية من قلاعها المناقبية!.
وتتأتى هذه الصعوبة من الخوف من ألا يتمكن من إيفاء المتحدث عنه حقه من حيث مكانته الكبيرة ومآثره الحميدة بعد أن غادرنا إلى الدار الآخرة.
الأستاذ الدكتور عبد الوهاب حومد اسم كبير تردد على نطاق الساحة القومية علمًا وفضلًا ورويّةً واتزانًا وحكمة وبيانًا، إنه رجلُ المواقف الصلبة التي لا يساوم عليها، ولا يقبل التنازل عنها مهما تك المغريات.
كان رحمه الله قد جمع بين تخصصي الأدب والقانون، ولئن كان إيفاده إلى فرنسا للحصول على الإجازة في الآداب، وقد حازها بكل كفاية وجدارة، إن عزيمته الجبارة عزَّزت توجهه نحو دراسة الحقوق فحاز هذا التخصص أيضًا، وبذلك اجتمع في شخصه رجل القانون ورجل الأدب.
ويبدو أن نزعته الإنسانية هي التي دفعته إلى دراسة القانون أيضًا، وإلى أن يؤثر هذا التخصص في حياته العملية، إذ إن وقوفه إلى جانب المستضعفين ومن تغتصب حقوقهم ينسجم ونوازع الخير في نفسه وكراهية الظلم، ذلك لأن من عرف الحق عزّ عليه أن يرى مظلومًا، بيدَ أن شعورًا دفينًا بقي يلازمه، وهو أنه ليس غريبًا عن الأجواء الأدبية التي تقلب في أحضانها زمنًا قبل أن تنتزعه من جناتها الوارفة وأنغامها الشجية صرامة القانون وتجهم قسمات مواده المستعصية التي لا تنشر الدفء دومًا في النفس على حدّ تعبيره.
ولئن كان قد اجتمع في شخصه رجل القانون والأدب فإن هذا يدلُّ على تنوع في المواهب وتعدد في القدرات وتميز في الكفايات، وقوة في الإرادة وعلو في الهمة، ولقد رافقته هذه السمات في حياته العملية فكانت له صولات في ميدان السياسة نائبًا ووزيرًا مرارًا، وليس من قبيل المصادفة أن يختار لشغل مناصب متعددة تنوعت مهامها ووظائفها، فكان وزيرًا للعدل وللمعارف والمالية وللخارجية بالوكالة، ووزيرًا للتخطيط في القاهرة إبان الوحدة بين سورية ومصر. وفي هذه المواقع كافة أثبت جدارته وتميزه، كما أثبت إخلاصه ونزاهته واستقامته، فكان نعم الوزير، شرفت به المناصب وازينت به المواقع.
أسهم في وضع الدستور السوري عام 1949م، واختارته الجمعية التأسيسية لوضع الدستور أن يكون مقررًا عامًّا للجنة فقام بأعباء هذه المهمة بكل كفاية واقتدار، وصاغ الدستور في مائة وست وستين مادة، وكان أول دستور عربي يقرر في المادة الأولى منه أن سورية جمهورية عربية ديمقراطية نيابية وذات سيادة، وأن الشعب السوري جزء من الأمة العربية، وقد منحته الحكومة آنذاك وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة، كما منحه الرئيس جمال عبد الناصر عام 1955م وسام الجمهورية المصرية من الطبقة الأولى تقديرًا لمواقفه القومية.
آمن رحمه الله بأن إعداد الأطر البشرية وتنميتها إنما يجيء في مقدمة الأولويات للنهوض بالوطن والارتقاء به. ومن هنا عندما تسلّم وزارة المعارف مرتين إحداهما عام 1951م والثانية 1956م قام بإيفاد ما يزيد على ستمائة موفد إلى الجامعات المصرية والجامعات الغربية، إلى جانب تعزيزه مجانية التعليم بعد أن نص الدستور السوري عليها، فسعى جاهدًا إلى ترسيخ المجانية واقعًا في جميع مدارس التعليم العام التابعة لوزارة المعارف.
كان رحمه الله وانطلاقًا من عاطفته القومية وإيمانه بالعروبة من أشد أنصار الوحدة بين سورية ومصر والحريصين على استمرارها، إلا أن صدمته كانت كبيرة في الانفصال، وظل ولاؤه للوحدة قائمًا طوال عهد الانفصال، وكانت فرحته عارمة لدى سقوط رموز الانفصال وعودة سورية إلى مسيرتها الوحدوية القومية، فعاد إلى ممارسة نشاطه السياسي لفترة قصيرة، ثم انصرف كليًّا إلى التدريس الجامعي خارج سورية في المغرب والكويت حيث تولى رئاسة قسم القانون الجنائي في جامعتي الرباط والكويت.
درّس في كلية الحقوق في الجامعة السورية إلى جانب ممارسة العمل السياسي القومي مواد القانون، ووضع في مجال التأليف مؤلفات خمسة مشهورة أعيدت طباعة بعضها عدة مرات ومن هذه المؤلفات:
«الإجرام السياسي والإجرام الدولي وأصول المحاكمات الجزائية ودراسات معمقة في الفقه الجنائي المقارن والمفصل في شرح قانون العقوبات، وأضاف إليها شرح قانون الجزاء المغربي، وشرح قانون الجزاء الكويتي».
وتجدر الإشارة إلى أنه ترك جامعة دمشق مع وقوع الانفصال ولم يعد إلى التدريس فيها بعد هذا التاريخ إثر صدمته الكبرى في الانفصال.
من سماته العلمية الموضوعية وكراهية التعميم، ذلك لأن التعميم ينأى عن الموضوعية. ومن هنا رأيناه في دفاعه عن نفر من المستشرقين خدموا الثقافة العربية يقول: «وتقتضيني الأمانة العلمية أن أشير إلى أن المستشرقين الجواسيس قلة. أما هؤلاء الذين أحبوا الحضارة العربية وساعدوا في نشر كنوزها، وألفوا عنها المؤلفات العميقة والرائدة وعلَّمونا طرق البحث في تاريخنا وآدابنا فإنهم الكثرة الكاثرة، ولقد عرفت من بينهم رحمهم الله من كانوا أساتذة لي، وكانوا يعلنون عن ضرورة احتلال الحضارة العربية مكانها المرموق، حتى إن منهم من شارك العرب في مظاهراتهم التي طالبوا فيها باستقلال الجزائر وفي قلب باريس، ولن أذكر من أعمالهم الرائعة إلا:
« L’encyclopédie de L’islam »
ومؤلفات بروكلمان وبلاشير وغوستاف لوبون وغولدزيهر... وليس من حقنا أن نرميهم جميعًا بسوء القصد».
وانطلاقًا من إيمانه بوحدة الثقافة العربية ونظرته القومية إلى الأدب العربي، يؤيد الأستاذَ المرحوم الدكتور شكري فيصل في دراسته الجادة عن مناهج الدراسة الأدبية، ونبذه النظرية الإقليمية في دراسة أدبنا العربي وفق التقسيمات الإقليمية؛ فلنستمع إلى الدكتور حومد يقول: «وللأمانة أنا علُّمت طوال حياتي أهمية البيئة الإقليمية في حركة الإجرام بعد أن استهوتني لفترة طويلة نظرية الوراثة، ولكن شتان بين الانحراف الخلقي من البيئة الفاسدة وبين حركة إبداع منطلقة من روح شاعرية تتحسس بالواقع دون شك، ولكنها تظل تحوم في الأجواء العليا التي هي مواطن الوحي والإلهام».
وتعود النظرية الإقليمية في جذورها الأدبية إلى الفرنسي Taine، ومنطلقها قاعدة مادية هي أن لكل واقعة سببًا، ولكل نتيجة مقدمة. ولكن إذا صح تفسير القوانين المادية بهذه الحتمية المتزمتة، فإن في الحياة الأدبية نوازع وأخيلة وعواطف وإلهامات تتمرد على كل القيود والقوالب المادية... وفي أيامنا نجد بروز نظرية نفسية في تعليل الإجرام، إلى جانب نظرية البيئة التي يرفع لواءها عاليًا الأستاذ الأمريكي سذرلاند...
وإذن فالعناصر الذاتية تبقى في حياة الأدب أقوى المؤثرات الإبداعية.
ويتابع الدكتور حومد قائلًا: «نحن الذين نشأنا على الإيمان بوحدة العرب، نشعر بشيء من الصدمة والامتعاض حين يراد أن يفرض على مشاعرنا مفهوم إقليمي لا يمكن أن تستسيغه نفوسنا...».
ومن سماته أيضًا أنه كان رحمه الله لا يجامل في قول الحق، إذ إنه يرى أن إثبات الحقيقة ولو كانت مرة المذاق أثمن في نظر العالم المتبتل من أحاديث المجاملة التي تدغدغ بعض الأحلام لأهداف غير علمية، ولكنها تسيء إلى الحق والتاريخ.
وهكذا رأيناه لا يجامل أستاذنا المرحوم الدكتور شكري فيصل في بيان أسباب تخلفنا، إذ إن المسؤول عن أسباب تخلفنا في نظر الدكتور شكري فيصل هذه القوى غير المجهولة... قوى أعداء الإنسانية الذين يؤمنون بالتمايز ويضعون الشعوب طبقات، أولئك أكلة لحوم البشر الذين يختلسون ثروات هذه الشعوب ويجهضون ثوراتها.
ويعقب المرحوم الدكتور حومد على هذا الرأي قائلًا: أليست لنا مسؤولية مباشرة وضخمة في تخلفنا؟ إننا نشهد اليوم ميلاد عملاق ضخم في أوربا التي تناست دولُها أحقادَها القديمة والدماء التي سفحت بغزارة في ساحات الحروب قرونًا طويلة، واندمجت في مجموعة اقتصادية كبرى وهي تعمل جاهدة على الذوبان في كيان سياسي مدهش، ومع ذلك فنحن ننظر كالمبهوت الذي لا يتعظ ولا يستوعب.
ويعلنها مدوية إلى درجة اليقين: ويقينًا لو أن الله مد في عمر الدكتور شكري وعاش أحداث 1990 و1991م المبكية على الساحة العربية لكان أدخل تعديلًا جذريًّا في تفكيره القومي وفي تحديد المسؤولية عن أسباب تخلفنا.
سيداتي سادتي:
«الذكر للإنسان عمر ثان» يذكره طلبته في الجامعات التي تتلمذوا على يديه فيها بكل إجلال وإكبار، ولعمري يكفي المرء شرفًا أن يجل في الحياة والممات وأن يعطر ذكره المجالس في حياته وبعد مماته في الوقت الذي يشار فيه إلى نفر على أنهم أحياء يتنقلون، ولكن ضمائرهم ماتت ومشاعرهم الإنسانية تجمدت، فإذا هم أموات ولكنهم يعدون أحياء، ورحم الله شاعرنا إذ يقول:
موت النقيّ حياة لا نفاد لهاقد مات قوم وهم في الناس أحياءُ
ولا يمكننا أن ننسى مواقف الحنين والشوق لدى فقيدنا الغالي فعندما قرر العودة إلى سورية عام ثلاثة وثمانين حاول المسؤولون في جامعة الكويت ثنيه عن قراره، وعن رغبته في عدم تجديد عقده، ولكنه ظل مصرًّا على موقفه لينصرف إلى البحث والتأليف وكتابة المقالات وإلقاء المحاضرات بعد أن استبد به الحنين إلى دمشق، فلنستمع إليه يقول:
كويتُ لا تعتبي إني على عتبِبيني وبينك موصول من النسب
وبي لجلق تحنان يؤرقنيشوقًا كنار الغضا مشبوبة اللهب
بها الأماسيُّ باقات معبقةلو تاب كل محبّ عنها لم أتب
وفيك يجتاحني إحساس مغتربيا بؤسها غربةً في موطن عربي!
وعلى هذا النحو من رقة المشاعر وتأجج العواطف خاطب رحمه الله ابنه غسان يوم عرسه في الخامس والعشرين من شباط 1979م قائلًا:
غسان يا مهجتي يا فلذة الكبديا متعة النفس في دنياي يا ولدي
طال انتظاري ليوم أنت فارسهوالعمر يعصف بالأحلام والجسد
خلف المحيطات في الأسحار تؤنسنيوأنت مهوى الهوى المخضل في بلدي
وأدمعي حين تشكو الضرَّ من مرضنارٌ تسيل على الخدين في كمد
رحمك الله يا أبا غسان الرحمة الواسعة، سعة ما قدمته لأمتك من عطاء امتد على نطاق ساحتها القومية من المحيط إلى الخليج، من المغرب إلى الكويت، وكان ألقه في قلب العروبة سورية الموقف والمبدأ، الوفية دائمًا لقيمها، والمتمسكة دائمًا بثوابتها القومية، والمنافحة دائمًا عن الحق العربي بكل إباء وشموخ وكبرياء.
وستبقى الأجيال تقف أمام سيرتك العطرة والزاخرة بالعطاء مواقف الإجلال والإكبار والزهو والافتخار.
عزاؤنا ما خلفته وراءك من أبناء هم صنع يديك خلقًا وسلوكًا وأداءً، وما تركته من سيرة زاخرة بالقيم عبقة بالمثل تتخذ منها الأجيال قدوة لها في قوة الإرادة ونزاهة السلوك، ومؤلفات علمية هي ملاذ القانونيين ومراجع لهم، وأعمال جليلة هي محل تقدير محبيك وعارفي فضلك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.