الوزارة الثانية - وأصبحت وزيراً للخزانة
7 تشرين الأول 1958
دعينا اليوم إلى القاهرة، وإشاعات تشكيل وزارة جديدة، تكاد تصل إلى مرتبة اليقين..
وفي المطار التقيت بالأساتذة الدكتور بشير العظمة وشوكت القنواتي (وهو وزير في الوزارة الوحدوية الأولى) والدكتور أمجد الطرابلسي..
وركبنا طائرة عسكرية، سلكت بنا الطريق إلى أجواء اللاذقية، تفادياً من المرور فوق لبنان المضطرب، ومالت غرباً في اتجاه قبرص، ثم اتجهت جنوباً إلى القاهرة..
كان في الطائرة، إضافة إلى من ذكرت الأستاذ محمد العالم (أستاذ جامعي من حلب) والأستاذ المحامي رياض المالكي..
ووصلنا بعد رحلة استغرقت ثلاث ساعات وربع الساعة.. وقد قابلت في بهو فندق شبرد المطل على النيل، نائب رئيس الجمهورية أكرم الحوراني، فأخبرني بأن وزارة جديدة قد شكلت، وأصبحت أنا وزيراً للخزانة (وزارة المالية حسب التسمية السابقة).. وذكر لي الأسماء الأخرى..
وحين نشرت القرارات، تبين أن هناك تنظيماً جديداً وجوهرياً لقواعد الحكم، فقد أنشئت وزارة مركزية موحدة للجمهورية، ووزارة إقليمية في الإقليم الجنوبي ووزارة إقليمية في الإقليم الشمالي.
وقد عين الرئيس ثلاثة نواب له، هم عبد اللطيف البغدادي (مصري) والمشير عبد الحكيم عامر (مصري) وأكرم الحوراني (سوري)..
وعين سبعة عشر وزيراً في الوزارة المركزية التي مقرها القاهرة، منهم ستة من الإقليم الشمالي: حسن جبارة (وزيراً للخزانة) وفاخر الكيالي (وزير دولة وكان وزيراً للخزانة في الإقليم الشمالي، وحللت محله) وصلاح البيطار (وزيراً للثقافة والإرشاد القومي) وأمين النفوري، وبشير العظمة وأحمد عبد الكريم...
ومن التدقيق في أسماء السوريين المنقولين إلى القاهرة، نلاحظ بوضوح أن أكرم الحوراني أصبح نائباً لرئيس الجمهورية، ومن المحتمل أن يظل في دمشق، وأن أمين النفوري و أحمد عبد الكريم نقلا إلى القاهرة، وفي ذلك كسب للبعثيين الذين بقوا في مراكزهم في دمشق.. وبقي عبد الحميد السراج وزيراً للداخلية في الإقليم الشمالي، في الموقع الذي كان يحتله في الوزارة السابقة، والذراع الحديدي للدولة!..
وتشكلت الوزارة الإقليمية السورية (المجلس التنفيذي) من أربعة عشر وزيراً، برئاسة المهندس نور الدين كحالة.. وقد دخلها نهاد القاسم وزيراً للعدل (وحل محلي فيها وهو قاض قديم)، وطعمة العودة الله (وهو ضابط وأحد أركان كتلة النفوري و أحمد عبد الكريم السابقة في الجيش) وعبد الغني قنوت (وهو ضابط وأحد أركان كتلة مصطفى حمدون - قنوت ومن جماعة أكرم الحوراني الحمويين).
وبذلك يكون الرئيس اقتلع من الجيش ضابطين كبيرين مسيسين، هما قنوت والعودة الله، وفقاً للسياسة التي اشترطها على الضباط قبل قبوله بالوحدة، بعدم تدخل الجيش في السياسة.. ولكنه حافظ بأخذهما على التوازن في القوى، واحد من هنا، وآخر من هناك!..
واختار إلى الوزارة الجديدة وزراء فنيين، ليس لهم نشاط سياسي، كالأستاذ محمد العالم ووجيه السمان، وإلى حد ما أحمد الحاج يونس، الذي كان نائباً في مجلس النواب، إلا أنه كان بلبلاً يغرد وحيداً في قفصه.. دون سرب يسير فيه..
وثقلت كفة ميزان البعثيين، بإدخال الدكتور أمجد الطرابلسي ورياض المالكي (شقيق المرحوم العقيد عدنان)..
والحدث الهام في هذه التغييرات، هو إقصاء صبري العسلي عن منصب نائب رئيس الجمهورية، وعدم توليته أي منصب..
وأكاد أكون متيقناً بأن إبعاده، إنما كان بسبب ما أذيع في راديو بغداد، خلال "محاكمات المهداوي" بأنه قبض مبالغ من المال، في مرحاض السفارة العراقية بدمشق.. ولم يحاول أن يصدر تكذيباً يرد على هذا الخبر إذا كان مكذوباً!.. وقد يكون في إقصائه حفظ لكرامته، فقد كفاه ما لحق به من قلة احترام في الخمسينات وفي الفترة الأولى من الوحدة!..
ومن عجب أنه يقول بكل صراحة بأنه يعرف قيمة نفسه..
فقد روى عنه الأستاذ عبد اللطيف اليونس، عضو مجلس النواب السابق، وأحد أعضاء كتلته النيابية على لسانه، ما يلي[1]:
"قال لي صبري العسلي رئيس مجلس الوزراء مرة:
أنا هنا بصمجي، أوقع على كل ما يأتيني من ضباط الجيش، وأدعهم وحدهم يتحملون المسئولية"
"ولقد تقيد ذلك البصمجي بواجبه ذاك تقيداً تاماً، وأخلص له كل الإخلاص.
ولم يكن "أبو شجاع" وهو لقب صبري العسلي الشعبي، شجاعاً في كل المواقف، بل كان مسالماً على غير عهد الناس به في الملمات والنائبات"..
ومن مواقفه السيئة، إعلانه الأحكام العرفية، بعد اغتيال المالكي، ورفض رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي الموافقة عليها"..
ويتابع الأستاذ اليونس:
"وقد تقاضى العسلي أموالاً للعمل على تنفيذ مشروع الهلال الخصيب الاستعماري[2]"...
ودعينا إلى اجتماع وزاري في قصر القبة، يعقد في القاعة الفخمة برئاسة الرئيس. وهذا القصر أحد مخلفات الملكية، ومرتع فاروق المعزول، ومفخرة الملوك الذين ورثوا الفراعنة.
وهنأ الرئيس الوزراء الجدد، وتمنى لهم التوفيق..
وفجأة طلب أكرم الحوراني الكلام، وتناول صبري العسلي بالتجريح، وأيده السراج والمالكي (وهذه أول جلسة يحضرها) واتهموه بفساد الذمة، وطالبوا بمحاكمته، وأيدهم خليل كلاس.. وأبرز التهم التي وجهوها إليه، أنه اجتمع مراراً مع السفير العراقي والملحق العسكري في لبنان، وقبض المال منهما[3]، ولكن عبد الناصر رفض إحالته إلى المحاكمة، وقال إن من شأن ذلك أن يلحق ضرراً بسمعة الوحدة، التي كان العسلي أحد السائرين في مقدمة موكبها..
فبالأمس كان نائباً لرئيس الجمهورية، واليوم يحال "مكبلاً بالعار" إلى ساحة القضاء ليحاكم أمامه كخائن ومرتش.. وأضاف إنه لا يستطيع أن يركن إلى صحة أقوال الملحق العراقي في لبنان، أمام محكمة المهداوي، صالح مهدي السامرائي. وأخشى إن أنا اتخذت ضده إجراء مؤذياً، كإحالته إلى المحكمة كما تطلبون، أن يبطل القضاء قراري، وهذا من شأنه أن يحرجني شخصياً، ويلحق أذى بسمعة الحكم، ناهيك عن الأذى الذي سيصيب الرجل.
ولم أنبس ببنت شفة، لأن هناك من تولى الاتهام وهناك من تولى الدفاع، ورجحت كفة الرئيس الذي برهن على أنه بعيد النظر، وأنه يحترم أحكام القضاء..
والذي أدهشني أن الذين طالبوا بمحاكمة العسلي كانوا يشكلون حلفاً معه، منذ تشكيلة التجمع القومي عام 1956، فلماذا يطالبون بمحاكمته؟ إن محاضر محكمة المهداوي، نشرت في الصحف اللبنانية وأذيعت من راديو بغداد وقد سمعها كل السوريين، فهي إذاً معلومات غير مجهولة من أحد منهم. وقد ورد فيها اسم صبري العسلي وغيره من الوزراء والساسة السوريين، وحُوكم عدد منهم عام 1957، ولم يمسس العسلي بسوء، لأنه كان يسير في الاتجاه الذي رسموه لسياسة البلد، يؤازرهم فيه ساسة معروفون، مثل خالد العظم، الذي ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، وخالد بكداش، الذي كان يقود الحزب الشيوعي السوري[4]، وجماعة الكتلة الديموقراطية.
وبعد هذا الاجتماع الوزاري، عقدنا ثلاثة اجتماعات وزارية أخرى مع الرئيس، كان موضوعها البحث في قضايا توحيد الإقليمين، وتهيئة عناصر العمل للمستقبل..
في أوقات فراغي، كنت آخذ بنات أخي أسعد، الذي كان يعمل مستشاراً في وزارة الخارجية، في نزهات إلى الهرم أو حدائق نادي الجزيرة، لمشاهدة معالم القاهرة، التي أصبحت عاصمة الدولة الموحدة، والتي تمتد من أواسط أفريقيا إلى جبال طوروس.. حقاً كنا فخورين بقيامها..
وعدت إلى دمشق على طائرة سورية، الساعة الثالثة بعد الظهر.
14 تشرين الأول
ذهبت اليوم إلى وزارة الخزانة، لاستلام شئونها..
وهذه الوزارة ليست غريبة عليَّ، كما أنني أعرف جيداً موظفيها الكبار، فقد كنت وزيرها منذ سنتين (وكان اسمها وزارة المالية)، وقد تحولت إلى "وزارة الخزانة".. دون داع، سوى الرغبة في توحيد اسمها، مع اسم مثيلتها في الإقليم الجنوبي...
وجاء الموظفون يسلمون عليَّ، وهم هاشون باشون..
وهذا السلام تقليد مألوف في مواسم التشكيلات الوزارية..
ومنذ اليوم الأول لاستلامي الوزارة وقع أول تصادم بيني وبين الأستاذ حسن جبارة، وزير الخزانة المركزي، وكان مقره القاهرة..
ولست أعرف حقيقة ما يريد؟..
والذي أخشاه، أن تسوء العلاقات بين وزيرين، أحدهما في القاهرة، بعيداً عن معرفة حاجات المواطنين في سورية، وهي يومية وملحة، وبين وزير واقع بين المطرقة والسندان، لأن عليه أن يمثل الدولة، ويفصل في قضايا المراجعين، ويجلس إليهم يستمع إلى مطالبهم، الساعات الطوال..
والظاهر أن هذه الصدامات قد توسعت بين الوزراء المركزيين والإقليميين.. ووصلت أنباؤها إلى مسامع الرئيس..
وقد اضطره تفاقم الخلافات إلى إصدار قرار في شأن الاختصاصات ونظام العمل في الحكومة المركزية والمجلسين التنفيذيين، رقمه 1369 وتاريخه 26 تشرين الأول 1958 (نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 30 تشرين الأول).
وحين قرأته، وجدته لا يحل موضوع الخلافات، لأن الوزراء بشر، ومن كان ملزماً باتخاذ القرارات، فيجب أن يكون مقتنعاً بها، لأنه هو الذي سيتحمل مسئوليتها.. خاصة إذا كان متخذ القرار، يقف على قمة السلطة..
يضاف إلى ذلك أن القرار المذكور جاء غامضاً نوعاً ما، ولكنه يحدد صلاحية الوزير المركزي "بالإشراف على شئون وزارته وعلى تنفيذ السياسة العامة التي يضعها رئيس الجمهورية.
وهو مسئول عن مهام منصبه أمام رئيس الجمهورية (المادة 1)...
وحدد اختصاص الوزير التنفيذي "بأنه مسئول عن تنفيذ السياسة العامة للحكومة والقوانين واللوائح في جميع أعمال الوزارة في الإقليم وكذلك عن حسن سير هذه الأعمال أمام رئيس الجمهورية..
وحين أنعمت النظر في هذا القرار، وجدت أن علاقتي بالوزير المركزي تنحصر في زيارته حين أذهب إلى القاهرة، ومباحثته في اقتراح قوانين لزيادة الضرائب..
ولم أقترح أي قانون من هذا النوع، لأن الجفاف المستحكم أجبرنا على السير في طريق تخفيف عبئها عن المواطنين..
وظني أن هذه تجربة لن يقدَّر لها النجاح..
وإني أفهم مهمة الوزير المركزي، بأنها الاجتماع مع رئيس الجمهورية ومعاونته على رسم السياسة العامة، المالية والاقتصادية والإدارية.. وعندها يتخذ الرئيس القرارات الضرورية، ويبلغها إلى الوزراء التنفيذيين..
وانتهى الأمر بالرئيس إلى إلغاء هذا النوع من الحكم في وقت لاحق..
وقد شعرت بارتياح نفسي، من انتقالي إلى هذه الوزارة، بسبب جو الألفة الذي كان سائداً بيني وبين كبار موظفيها..
ومن عادتي في الوزارات، أن أعامل الموظفين باحترام، وأناقش وإياهم المسائل الهامة، فأتعلَّم وأعلِّم.. وأشعر أنهم يرتاحون للعمل معي..
والمأمول أن تسود بيننا المجاملة والتعاون.
ورسمت خطة عملي:
"ثلاث ساعات أخصصها لعمل الوزارة، أو لمواعيد أستقبل فيها بعض المراجعين، وثلاث ساعات، أفتح فيها باب مكتبي للمراجعين العاديين، فيجلسون في غرفة أمين السر، ثم يدخلهم واحداً إثر آخر..
ويجلس المراجع على كرسي أمامي، ويقول لي ما يشاء.. وأجيبه بما أراه حكم القانون، أو آخذ منه استدعاءه وأستمهله لدراسته، أو أحيله على المدير المختص، ليعرض لي موضوعه.. وكنت ألاحظ أن أبناء المحافظات يقبلون بما نقول لهم إنه حكم القانون وينصرفون راضين أو غير راضين.. أما الدمشقي فإنه يجادل ويناقش ثم ينصرف ليعود بعد مدة وحده أو مع واسطة، ولا ييأس أبداً! على حق كان أو على باطل..
وقد خصصت مفتشاً مالياً ليراقب "الوارد والصادر"، أي ليشرف على أعمال الديوان، وينظر كل يوم في السجل، الذي تسجل فيه استدعاءات المواطنين، وإلى من أحيلت، وهل تم الفصل فيها أم لا، وإذا تأخرت أياماً عند الموظف، سأله عنها.. وبهذا ارتحت وارتاح المراجعون..
وكانت التجربة مشجعة جداً..
24 تشرين الثاني
أصدر الرئيس القرار بقانون رقم 195 لسنة 1958 (نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 24 تشرين الثاني 1958) "في شأن تنظيم الصحافة في الإقليم السوري"..
وتنص المادة 1 على أنه "لصاحب أي صحيفة يومية أو دورية.. أن يتنازل عن امتيازه بطلب يقدمه إلى مديرية الدعاية والأنباء خلال 15 يوماً من تاريخ هذا القانون. ولا يجوز له التراجع عن طلب التنازل.
ونصت المادة الثانية على منح المتنازل تعويضاً تقدره لجنة بدائية، مؤلفة من الأمين العام لوزارة الثقافة والإرشاد القومي، رئيساً ومندوب عن وزارة الخزانة يعينه وزير الخزانة والمدير العام للدعاية والأنباء..
ولصاحب الامتياز أن يعترض على تقدير هذه اللجنة خلال 15 يوماً إلى لجنة عليا مشكلة من وزير الإرشاد والثقافة (رياض المالكي) رئيساً، ووزير الداخلية (عبد الحميد السراج) ووزير الخزانة (أنا) عضوين..
وكنا نجتمع في وزارة الإرشاد القومي، ويأتي المعترضون من الصحافيين ويشرحون لنا سبب اعتراضهم على قلة التعويض، فنبقيه على حاله أو نزيده قليلاً..
ولم أسمع كلمة من السراج، لأنه كان يلتزم الصمت..
ولكن بعد أن يخرج الصحافي، كان يحدثنا عن بعض ما يعرف عن سلوكه واتصالاته!..
وكان التعويض في حدود 40 ألف ليرة لكل صحيفة، دفعت إليهم من مبلغ المليون ليرة الذي خصص لهذه الغاية في القانون.
وأنشئت للدولة جريدة في دمشق، هي الوحدة.. وقد رأسها الأستاذ راتب الحسامي، الذي أصبح نائباً لرئيس مجلس الشعب في الجمهورية ومقره القاهرة.
وهكذا انتهت مشكلة الصحافة..
والصحافة الحرة، مظهر من مظاهر الديمقراطية الحقة.. غير أن الصحافة السورية كانت صحافة أفراد.. ولي مواقف مع بعض أصحابها، سأعود إليها، حين الحديث عن الانفصال.
1 كانون الأول
عواطف عبد الحميد السراج نحو الأعضاء السابقين في حزب الشعب، وخاصة الحلبيين منهم، لا تبشر بخير.. فهو يكرههم دون سبب ظاهر.. إنه يتهمهم "بالتحرك" ضد الوحدة، وأنا أعرف أنهم، يقيناً، لا يمارسون أي نشاط فعلي. ومن الجائز أنهم يجتمعون في بيت أحدهم، "ويتحدثون" في الأوضاع العامة، من وجهة نظرهم..
وأذكر أنني اجتمعت معهم مرة في حلب، وراحوا يوجهون إليَّ أسئلة عن الدولة، وأذهلني كيف كانوا يتلقون الأخبار مشوشة تماماً، أو مكذوبة ومختلقة..
وساءلت نفسي، هل الذي يعيش بعيداً عن العاصمة ورجال الحكم فيها، يستمع إلى الترهات فيظنها حقائق، وكأنه يعيش في المريخ أو الزهرة، أم إنها إشاعات مسمومة يطلقها موتورون فتسري في الناس سريان النار في الهشيم، ويسرهم أن يصدقوها ويتناقلونها؟..
..الأمران جائزان.. وفي غياب إعلام موثوق، تظل البلبلة الغول الذي يفترس الضمائر..
ورأيت من باب الوفاء للدولة، أن ألفت نظر وزير الداخلية إلى خطأ الإقدام على "ضرب" أصحابنا، لأنهم لم يسيئوا إلى الوحدة بعمل ملموس، ثم إنه ليس من مصلحة هذه الدولة أن تعمل على زيادة خصومها..
وأنا أعرف حقاً أن أصحابي القدامى، صوتوا للوحدة، عن قناعة مؤكدة.. ومع ذلك أرسلت أنبههم بواسطة الأستاذ أسعد الكوراني، حتى لا يتورط بعضهم في تصرف يكون من شأنه أن يشوِّه سمعتهم جميعاً في نظر الحكم..
وكنت محقاً في مسعاي، فقد سافر السراج إلى القاهرة، وما لبث أن ألقى عبد الناصر خطاباً في بورسعيد، هاجم به، لأول مرة، الشيوعيين السوريين، والرجعيين والانتهازيين..
وكان هذا أول القطر..
ومع نهاية هذا الشهر انتهى عام 1958 الذي هو العام الأول للوحدة.
2 كانون الثاني
تحقيقاً لبرنامج التصنيع، الذي سبقت الإشارة إليه قبلاً، أصدر الرئيس قراراً بإنشاء البنك الصناعي في الإقليم الشمالي، برأس مال قدره 12.5 مليون ليرة (اثني عشر مليون ليرة ونصف المليون)، والغاية من هذا الإنشاء تسهيل الإقراض للصناعيين لإقامة مشاريع صناعية جديدة، أو توسيع منشآتهم الحالية.
وقد نص القرار على أن تشترك الدولة في رأس ماله بنسبة 55%، ويشترك المواطنون بما تبقى، وهو 45%.
وقد جاء هذا الإنشاء في محله، لأنني سمعت أن التجار أخذوا يهرِّبون أموالهم إلى الخارج، خشية أن يصيبها مكروه.. فهم يعتبرون وجود البعثيين في مراكز حساسة في السلطة، ومعهم الضباط المتنفذون، وهم من أصول ريفية، لا يبعث الاطمئنان في نفوسهم..
وصدق المثل القائل بأن رأس المال جبان، يهرب من شبح الخطر، ويستقر ويزدهر في المواقع الآمنة.
وسوف يقترضونه من هذا المصرف الجديد، حتى إذا حدث ووقع تأميم أو ما يشبه التأميم، فإنهم لا يكونون قد غامروا بأصول أموالهم..
وهذا هو الذي فعلوه، حين بدأت إشاعات التأميم تتردد.
وعلى المواطن المستهلك صاحب الدخل المحدود أن يتحمل، دون أن يشعر شعوراً مباشراً، فوائد هذه القروض، لأنها تدخل في كلفة المنتجات..
---
الحواشي:
[1] مذكرات الدكتور عبد اللطيف اليونس، دمشق، دار العلم 1992 التي أهداها إلى الرئيس حافظ الأسد، ص 396.
[2] الرجع السابق ص434.
[3] ذكر في محاكمات المهداوي أن صبري العسلي قبض 15000 دينار من السفارة العراقية بدمشق! عن محمد حسنين هيكل: ما الذي جرى في سورية؟ ص77
[4] روى الأستاذ رياض المالكي قصة هذا الاجتماع في كتابه "ذكريات على درب الكفاح والهزيمة"، دمشق 1972 ص 226 وما يليها ونفى عن نفسه أنه طالب بمحاكمة صبري العسلي!.. وكتب أحمد عبد الكريم في كتابه (أضواء على الوحدة ص188) يقول: "وطالبت شخصياً بتقديم الإضبارة إلى القضاء لينظر في اضبارة المجرمين في مؤامرة الدندشي، وكذلك طالب السادة الحوراني والسراج والمالكي بنفس ما طالبت به.. ولكن الرئيس رفض وقال "كفاية مؤامرات وخونة"!..